هل تقود قضية ريجيني "السيسي" لقفص الاتهام على غرار "خاشقجي"؟

 هل تقود قضية ريجيني "السيسي" لقفص الاتهام على غرار "خاشقجي"؟

 

...قراءة في اسباب وتوقيت تحريك الملف وانعكاساته

 

بعد قرابة 3 أعوام من تسويف السلطات السياسية والقضائية في مصر بشأن حسم قضية الطالب الايطالي جوليو ريجيني الذي وجد مقتولا من التعذيب في ضواحي مدينة 6 اكتوبر بالقاهرة، والصمت الايطالي الرسمي خشية تضرر مصالحها في مصر، عاد الايطاليون ليفتحوا الملف بقوة.

إعادة تحريك الملف مرة أخري بعد تبريده جاء في توقيت مختلف وسط توقعات ان يكون هناك ثلاثة أسباب لذلك:

(الاول): تفاعلات قضية خاشقجي، التي خلقت حالة من الزخم الدولي ضد قتل وتعذيب افراد في دول اخري، وتشابهها مع قضية ريجيني، ما دفع ايطاليا لإعادة فتح الملف للضغط علي السيسي علي اعتبار ان قضية ريجيني وخاشقجي متشابهتان من زاوية ان الخيوط تقود الي السؤال عمن أصدر قرار القتل في الحالتين، وهو رأس الدولة سواء كان بن سلمان أو السيسي.

(الثاني): استمرار التسويف المصري في الوقت الذي توقع فيه الايطاليون تقديم مصر ولو كبش فداء من ضباط الشرطة لغلق الملف، والكشف عن ان اللقاء الاخير بين مسئولي النيابة في البلدين، قدمت خلاله إيطاليا طلبا بادرج رجال شرطة مصريين ضمن قائمة المشتبه بهم في قضية الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، وهو ما رفضه النائب العام المصري ، وعلى العكس حاولت النيابة المصرية الطالب من "ضحية" الي "متهم" حين قالت ان ريجيني دخل مصر بتأشيرة سياحية وليس للعمل كباحث دكتوراه لجامعة كامبريدج، كأن هذا يجيز قتله، وهي أسوأ دعاية للسياحة.

وقد نشرت الهيئة العامة للاستعلامات بيانا بعدة لغات حول قضية ريجيني يحتوي على ما ذكرته وكالة أنباء الشرق الأوسط نقلا عن مصدر قضائي لم تذكر اسمه، بشأن ما جاء في الاجتماع الأخير بين وفدي النيابة العامة المصرية والإيطالية بشأن قضية الباحث الإيطالي جوليو ريجيني الذي عثر عليه مقتولا في مصر في فبراير 2016.

حيث أشار المصدر القضائي إلى أن النيابة الإيطالية جددت طلبها للنيابة العامة المصرية بالموافقة على إدراج أسماء عدد من الضباط المصريين في "سجل المشتبه بهم" في القضية، لما أبداه الجانب الإيطالي من شكوك بشأن قيامهم بجمع معلومات عن ريجيني، وهو ما رفضته النيابة العامة المصرية بدعوي أن القانون المصري لا يعرف مثل هذا السجل (المشتبه بهم) !!.

وبحسب الوكالة المصرية الرسمية، فإن المصدر القضائي أضاف أن الطرف المصري رفض الطلب الإيطالي، بإدراج أسماء عدد من ضباط الشرطة على قائمة المشتبه بهم، بدعوي أن القانون المصري لا يقر بوجود ما يُسمى بـ «قائمة مشتبه بهم»، كما أن البت في اعتبار السند الإيطالي كافيًا للاشتباه في هذه الأسماء هو من اختصاص أجهزة الشرطة المصرية.

(الثالث): أن ايطاليا ابلغت مصر، بحسب مصدر حكومي مصري لموقع "مدي مصر"-نيتها البدء في اتخاذ إجراءات قضائية بحق قائمة محددة من المتهمين قبل نهاية العام الحالي، وبدء محاكمة المتهمين خلال ستة أشهر.

وأن هذه الطلبات تمّ تقديمها للسفير المصري في روما يوم الجمعة 30 نوفمبر 2018، بعدما استدعاه وزير الخارجية الإيطالي، وأن الجانب الإيطالي أكد أيضًا على أنه سبق وأبدى تفهمًا واستبعد أسماء عدد من المتهمين أصحاب المناصب العليا.

وهدد الجانب الإيطالي، باتخاذ المزيد من الخطوات التصعيدية تشمل مطالبة الاتحاد الأوروبي باتخاذ إجراءات ضد مصر.

لماذا التصعيد الان؟

ظلت ايطاليا تطالب مصر بتسجيلات تلفون ريجيني وتفريغات شرائط محطة المترو التي قيل إنه قبض عليه منها وعثر لاحقا على جثته، وترفض سلطة الانقلاب بدعاوي أن هذا مخالف للأمن القومي المصري.

لاحقا وبعد سلسلة ضغوط ايطالية وتهديدات، أعلنت نيابة مصر تسليم تسجيلات كاميرات المراقبة في مترو أنفاق القاهرة لإيطاليا في 7 مايو 2018 وحضر وفد إيطالي عملية مراجعة ما سجلته كاميرات المراقبة الخاصة بمترو الأنفاق.

ولكن صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية كشفت اول يونية 2018، أن الجانب الايطالي فوجئ أن تسجيلات كاميرات المراقبة الخاصة بمحطات مترو أنفاق القاهرة والتي تتعلق بقضية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني معظمها تالفة وتم التلاعب بها وقص أجزاء يعتقد أنها تصور اعتقال جهات سيادية لريجيني ما سيفضح سلطة الانقلاب ويؤكد مسئوليتها عن اخفاؤه وتعذيبه وقتله، بعدما ظلت تنكر وقتلت 5 ابرياء بدعوي انهم مسئولون عن قتله ثم عادت لتقول انها لا تزال تحقق في الثضية..

ونقلت الصحيفة الأمريكية عن مسؤول قضائي إيطالي إن فرص خبراء التقنية الإيطاليين في العثور على صورة واحدة لريجيني في تلك اللقطات لا تتعدي نسبتها واحد في المليون، بعدما تم التلاعب بالشرائط ومسح أجزاء منها يعتقد أنها التي يظهر فيها ريجيني وهو يتم القبض عليه.

ويعتقد الجانب الإيطالي أنه تمّ القبض على ريجيني في محطة المترو المذكورة بواسطة جهاز أمني أو استخباراتي، باعتبارها آخر مكان شوهد فيه الطالب قبل اختفائه التام، ثمّ ظهور جثمانه، ويستبعد الايطاليون جميع الافتراضات الأخرى المطروحة من قبل أجهزة أمن الانقلاب، مثل تورّط عصابة في قتل ريجيني بهدف السرقة، أو تورطه في العمل مع جهاز استخباراتي أجنبي، أو في مشاكل شخصية بدعوي انه شاذ جنسيا مع أفراد مصريين أو أجانب.

وجاء الزخم الذي تسببت فيه قضية خاشقجي والضغوط الدولية على السعودية التي تدعم نظام السيسي محفزا قويا للإيطاليين لتكثيف الضغوط وطرح قوائم المتهمين المحتملين – كما فعلت تركيا في قضية خاشقجي-لإجبار القاهرة على كشف حقيقة ما جري.

قائمة المتهمين

في بداية الازمة أكدت الصحف الايطالية ان سلطات التحقيق أعدت قائمة تضمّ 26 اسمًا من المصريين السياسيين والامنيين اعتبرتهم متهمين بقتل ريجيني، ثم استبعدت أسماء السياسيين والأشخاص التابعين لجهات سياسية تنفيذية، متهمين بمعرفتهم بالجريمة بحكم مناصبهم الرسمية، وأبقت على عشرة أسماء مسؤولين امنيين اتهمتهم بالاختطاف والتعذيب والتخلص من جثمان الباحث الإيطالي.

وأعلنت السلطات الإيطالية أنها حددت بشكل نهائي 9 مسؤولين أمنيين مصريين يعتقد أنهم على صلة بوفاة ريجيني، وأرسلت ملفا مكونا من سبعين صفحة بشأنهم، ولكن سلطة الانقلاب قالت انها اجرت تحقيقات معهم دون نتائج ولم تقدم أي منهم للمحاكمة بل وقامت بترقية بعضهم الي مديري امن في محافظات اخري.

ويستغرب الجانب الايطالي الرفض المصري لان نائب عام الانقلاب أقرّ للجانب الإيطالي في وقت سابق بخضوع ريجيني للرقابة الأمنية، عقب بلاغ تقدم به نقيب الباعة الجائلين محمد عبد الله إلى الجهات الأمنية، بحسب بيان مشترك أصدره محققون من البلدين في سبتمبر 2016، ما يعد تكذيبا رسميا لنفي الجهات الأمنية رسميًا، في فبراير 2016 أن يكون ريجيني خضع لأي شكل من أشكال المراقبة الأمنية، ويعتبر هذا دليل علي تورط الامن المصري في الجريمة.

ومع التصعيد الاخير ورفض مصر القوائم الايطالية، أعلنت وكالة «أنسا» الإيطالية إن السلطات ستوجه قريبًا الاتهامات للائحة من الأسماء تضمّ ضباط شرطة وضباط في جهاز المخابرات المصرية، تمكنت الشرطة الإيطالية من تحديد مسؤوليتهم عن الجريمة.

وقد نقلت "الجارديان" البريطانية، عن صحيفة "كوريلا دي لا سيرا" الايطالية إن المدعي العام الإيطالي سمّى عدداً من الضباط المشتبه بهم في قتل ريجيني، وهُم: العقيد شريف مجدي عبد العال والضابط عثمان حلمي كانوا المسؤولين عن مراقبة وخطف الباحث الإيطالي وحاولوا تضليل وعرقلة التحقيق في البحث عن حقيقة ما حدث لريجيني بقتل 5 مصريين أبرياء واتهامهم بأنهم وراء قتل الشاب الإيطالي.

وقالت إن اتهام العناصر الأمنية المصرية السبعة جاء بناء على تحليل إيطالي لتسجيلات المكالمات الهاتفية لريجيني التي أظهرت أن اتصالاته تم التنصت عليها حتى 25 يناير 2016، أي يوم اختفائه.

ثم أعلن رئيس مجلس النواب الإيطالي روبيرتو فيكو 29 نوفمبر 2018 أن برلمان بلاده سيجمّد كافة العلاقات الدبلوماسية مع نظيره المصري حتى تُجرى محاكمة ويُحقق إنجاز في القضية، بحسب ما أفادت وكالة «أنسا» الإيطالية.

ورد مجلس نواب الانقلاب ببيان أبدى فيه استغرابه من تصريحات رئيس البرلمان الإيطالي، وعبّر عن أسفه لهذا الموقف «غير المبرر» خاصة أنه يأتي عقب اجتماع مشترك بين النيابتين المصرية والإيطالية لاستكمال التعاون في التحقيقات المتعلقة بقضية ريجيني.

وقررت الحكومة الإيطالية سحب سفيرها في القاهرة للتشاور منذ أبريل 2016 احتجاجًا على ضعف تعاون الجانب المصري في التحقيقات، وفي يونيو من العام نفسه صوّت البرلمان الإيطالي على قرار بمنع تصدير قطع غيار مقاتلات «إف-16» إلى مصر للضغط على السلطات المصرية لإجراء تحقيقات أكثر شفافية فيما يخص مقتل ريجيني، ثم أعيد السفير الإيطالي الي القاهرة سبتمبر 2017 املا في حلحلة التحقيقات ولضمان المصالح الايطالية.

إذ تلتزم ايطاليا بما جاء في وثيقة "سياسة الجوار الأوروبية المعدلة، في الاهتمام باستقرار المنطقة في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية"، التي تبرر لها الانحياز لدعم الانظمة الديكتاتورية العربية، رغم الفساد، وغياب العدالة الاجتماعية، بدعوي أن "الاستقرار" أهم وهو ما تحققه الانظمة القمعية مثل نظام السيسي في تقديرهم.

ومعروف أن "سياسة الجوار الأوروبي"، تعكس استراتيجية الاتحاد الأوروبي العالمية لعام 2016، وتطرح مفهوم "البراجماتية المبدئية" مع التركيز القوي على أمن أوروبا، والتركيز الضعيف على الديمقراطية، حيث يعتبرون "الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون" مجرد "قيم"، وليست "معايير ملزمة".

وتشير سياسة الجوار الأوروبية المعدلة إلى أن الاتحاد الأوروبي يعتزم رسميا دعم الديمقراطيات "في حال ظهورها في المنطقة العربية، ولكنه لن يحاول الضغط على حكومات دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تنتهج القمع والثورة المضادة"!!

 انعكاسات التصعيد الاخيرة

يمكن القول ان التصعيد الاخير الذي يسعي للاستفادة من قضية خاشقجي وضعف الموقف المصري سيكون له انعكاسات مستقبلية على النحو التالي:

1-    قضية ريجيني تطرح تساؤلات حول: هل تنتهي خيوط تحقيق إيطاليا في خطف وتعذيب وقتل چوليو ريچيني عند السيسي مثلما انتهت عند بن سلمان في تعذيب وقتل جمال خاشقجي؟ إذ أن أي دماء تراق في مصر منذ الانقلاب هي بتعليمات مباشرة من السيسي ويتحمل كامل المسؤولية عنها.

2-    القت قضية ريجيني الاضواء على القمع والاختفاء القسري والتعذيب والقتل داخل مراكز الاحتجاز في مصر، فضلا عن تلفيق القضايا لحد قتل خمسة ابرياء قتلتهم الشرطة المصرية بدم بارد في مارس 2016 بتهمة قتل ريجينى وثبت انها فبركة، وطرح ذلك تساؤلات حول من سيجلب حق المصريين من الضحايا إذا كانت ايطاليا غير قادرة على جلب حقوق مواطنها؟

3-    تحديد النيابة العامة في ايطاليا سبعة متهمين مصريين من ضباط الشرطة والمخابرات اشتركوا في قتل وتعذيب ريجيني دون رد او تعليق من النيابة العامة المصرية يعد فضيحة جديدة لقضاء تلوثت سمعته في السنوات الأخيرة واتهام للنيابة العامة المصرية بالتستر على المجرمين طوال تلك الفترة، ما يدفع لاتهام النيابة والقضاء في مصر بانها تتعامل مع قضية ريجيني بنفس التعتيم والكذب الذي اتبعته نظيرته في السعودية مع قضية خاشقجي واثار غضب دوليا.

4-    دخول منظمات دولية مثل "هيومان رايتس وواتش" والعفو الدولية، على الخط وتأكيدها على ضرورة استمرار الضغط الإيطالي على سلطة الانقلاب كإجراء "ضروري كي لا ينجو القتلة بفعلتهم"، يفتح قوس القضية ويدولها على غرار ما حدث في قضية خاشقجي ما سيزيد الضغط على سلطة الانقلاب ويضعها في موقف اكثر حرجا.

5-    قد تسارع سلطة الانقلاب – كما فعل بن سلمان – لتنفيذ السيناريو السعودي في قضية خاشقجي وتلصق التهمة بشخصيات أمنية اقل وزنا وتعلن عن محاكمتهم في مصر لا إيطاليا كما فعلت السعودية بغرض إخفاء القاتل الحقيقي الذي أصدر لهم أمر القتل، خاصة أن تكهنات بدأت تثار بشأن مسئولية نجل السيسي في جهاز المخابرات العامة، والسيسي نفسه كرد فعل للدعم الاوروبي لمنظمات المجتمع المدني في مصر ومنها نقابات البائعين التي كان الباحث ريجيني يقدم اطروحته بشأنها.

وبعض هؤلاء المتهمين مثل ضابط الامن الوطني "شريف مجدي عبد العال" ينتمي إلى عائلة ذات تواجد قوي في المخابرات العامة والجيش والقضاء العسكري ما قد يدفع الانقلاب لعدم التضحية بهم والمجيء بشخصيات أقل وزنا.

 

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة