سياسات السيسي تضع مصر على أعتاب المذابح الجماعية في 2019 .....قراءة في التقارير الدولية

 سياسات السيسي تضع مصر على أعتاب المذابح الجماعية في 2019 .....قراءة في التقارير الدولية

«إن ولع «السيسي» بالقوة لابد أن يتسبب في زواله عاجلا أم آجلا. ومع كل يوم يبقاه الرئيس في منصبه فإنه يعطي شعبه سببا جديدا للاعتقاد بأن التمرد هو السبيل الوحيد للتغيير السياسي. وكما أظهرت الثورة المصرية قبل سبع سنوات، فإن الشعب المصري يصبر ويتسامح ولكن فقط ما لم يتم دفعه إلى أبعد من الحد الأقصى لاحتماله»[1]. بهذا الوضوح الشديد توقع مركز "ستراتفور" نهاية نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي الذي قاد انقلابا دمويا على المسار الديمقراطي في مصر في أعقاب الثورة المصرية في يناير 2011م.

يمكن فهم هذا المعني بصورة أوضح من خلال تحذيرات مؤسسة "الإنذار المبكر" من أن مصر مرشحة العام القادم "2019" لأسباب داخلية، لتكون من أكثر دول العالم تعرضا لمذابح دموية، وحلّت مصر في المركز الثالث بين الدول الأكثر تعرضا للإبادة والقتل الجماعي، وفق دراسة أجراها مؤخراً مركز “سيمون-سكجودت” المعني بمنع الإبادة الجماعية. وتحت عنوان «البلدان المعرضة لخطر القتل الجماعي 2018-19: نتائج الإنذار المبكر بمشروع التحذير الإحصائي”»، أكد التقرير الذى نشر مطلع ديسمبر الجاري 2018م، بالاشتراك مع كلية دارتموث،  أن مصر التي احتلت المرتبة الثالثة جاءت بعد الكونجو وأفغانستان وقبل سوريا واليمن وليبيا والصومال والعراق".[2]

وأكد التقرير صعوبة منع الإبادة الجماعية، لافتا  إلى أن التقييم لعام 2018-2019 هو نتيجة للبيانات الجديدة والمكررة والأساليب الإحصائية التي تم دمجها لتحقيق أقصى قدر من الدقة والفعالية العملية للنتائج.  وأن التغييرات تعكس التزام المؤسسة بالتعلم المستمر من التطورات في ممارسة التنبؤ الإحصائي وتجربتها في العمل على ترجمة تحليل الإنذار المبكر إلى إجراءات وقائية فعالة. نتيجة لهذه التغييرات ، وأنه لا ينبغي مقارنة تقديرات المخاطر والتصنيفات من 2014 حتى 2016 مباشرة بنتائج من عام 2017 فصاعدًا.

النتائج الجديدة بحسب التقرير،  اشتملت على خطر حدوث عمليات قتل جماعية تقودها الدولة أو لا تقودها الدولة ، مما يعالج فجوة كبيرة في نهجها السابق، والتي ركزت حصريًا على عمليات القتل الجماعي التي تقودها الدولة. في السنوات القليلة الماضية ، حيث ارتكبت العديد من الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة – بما في ذلك تنظيم الدولة الإسلامية وميليشيات في جنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى مذابح جماعية مماثلة.

وصاحب ذلك توبيخ غير مسبوق من جانب الأمم المتحدة لنظام الجنرال عبدالفتاح السيسي زعيم الانقلاب؛ حيث  أصدرت المقررة الخاصة المعنية بـ «الحق في السكن الملائم» ليلاني فرحة بيانًا  في 04 ديسمبر  2018م، دانت فيه حكومة السيسي  بسبب إقدامها على ما وصفته بحملة من «الانتقام» من مواطنين مصريين كانت قد التقت بهم أثناء زيارتها لمصر في بعثة أممية رسمية في الفترة بين 24 سبتمبر إلى 03 أكتوبر 2018م. وأصدرت المقررة الخاصة بالحق في السكن التابعة للأمم المتحدة بيانا تضمن العناصر الآتية[3]:

أولا، أخفقت مصر في الالتزام بالتأكيدات التي قدّمتها لمقررة الأمم المتحدة بأن أحدًا لن يتعرّض للمضايقة، أو الترويع، أو الانتقام نتيجة لقائهم بها أو تقديم معلومات لها أو للوفد المرافق لها في سياق زيارتها حيث زارت ما تبقى من منطقة «مثلث ماسبيرو»، ومنطقتي الدويقة والحطابة بالقاهرة، ومدينة السادس من أكتوبر، ومحافظة المنيا كذلك. . وأضافت: «إنني أشعر بالصدمة لأن عددًا من أفراد الأُسر المقيمين في منطقتين قمت بزيارتهما قد تعرّضوا بعد انتهاء بعثتي للإخلاء القسري من منازلهم بالمخالفة لقانون حقوق الإنسان».

ثانيا، اتهم البيان الأممي أجهزة الأمن لسلطات الانقلاب باستعمال القوة المفرطة ضد السُكّان الذين رفضوا مغادرة منازلهم، فضلًا عن «نمط مثير للقلق من الإجراءات الانتقامية» ضد أفراد ومجتمعات على صلة مباشرة بزيارة المقررة الخاصة للأمم المتحدة. وأن "عدداً من المساكن متعددة الطوابق هدمت، وألقي أثاثها في الشارع، وشُرد سكانها، ولم يتلق الضحايا إشعارات ملائمة، كما لم يوفر لهم سكن بديل، أو تعويضات، فضلاً عن استخدام رجال الأمن القوة المفرطة ضد السكان عندما رفضوا مغادرة منازلهم. شمل الاستهداف منازل عدة، ووحدات سكنية لأفراد أسر قادة مجتمع التقيتهم أثناء زيارتي الرسمية إلى مصر". وشدد البيان على أن "مصر ليست دولة أمنة"، مطالبة الأمم المتحدة بعدم إرسال مقررين أخرين بعد ما حدث معها ولمن قابلتهم أثناء زيارتها من انتهاكات وعمليات انتقام[4].

ثالثا، تلقى مسؤول أممي آخر، هو مايكل فروست، مقرر الأمم المتحدة بشأن «المدافعين عن حقوق الإنسان»، معلومات بشأن انتهاكات مماثلة تعرّض لها محامون ونشطاء حقوقيون يعملون في مجال «الحق في السكن»، قالوا إن «أشخاصًا غير معلومين لهم قاموا بتتبعهم والتقاط الصور لهم، وأنهم تلقوا تهديدات عبر مكالمات هاتفية من مصادر مجهولة، أو تمّ استدعاؤهم من قِبل الشرطة للتحقيق معهم، كما صدر قرار بمنع محامٍ من السفر بعد لقائه بالسيدة فرحة»، بحسب فروست.

رابعا، أعرب البيان عن خيبة الأمل لمنع مقررة الحق في السكن للأمم المتحدة من دخول جزيرة الوراق، والتي شهدت على مدى العامين الماضيين مواجهات بين سُكّانها وبين السلطات الحكومية، وصلت إلى ذروة جديدة بإصدار مجلس الوزراء قرارًا بنزع ملكية أراضي الجزيرة وتخصيصها للمنفعة العامة. فيما أعرب سُكّان الجزيرة عن رفضهم الامتثال للقرار الذي وصفوه بـ «غير المنصف».  وفي مؤتمر صحفي عقدته بالقاهرة في ختام بعثتها عبرت المقررة الخاصة عن مخاوفها بشأن عمليات الإخلاء القسري التي تقوم بها الحكومة في المناطق غير الرسمية.  وأدلت بتصريحات صحفية عبرت فيها عن شعورها بالقلق بشأن استبعاد المجتمعات المحلية من المشاركة في وضع سياسات الإسكان.

 

الدولة الفاشلة

وتأتي  تحذيرات مؤسسة "الإنذار المبكر"، ومقررة الأمم المتحدة للحق في السكن بعد شهور قليلة من دراسة أمريكية أعدها الباحثان أندرو ميلر وميشيل دن، ونشرت في مجلة "ناشيونال إنترست" الأمريكية في النصف الثاني من يوليو 2018م، والتي حذرت من غموض مستقبل نظام عبدالفتاح السيسي وتحول مصر لدولة فاشلة نتيجة ما وصفته بالسياسات غير الرشيدة والنمو السكاني المتزايد وهشاشة الاقتصاد المصري[5].

وقالت الدراسة إن المنافسة بين واشنطن وموسكو علي ولاء النظام المصري لأي منهما، لن يمنع انحدار مصر في وقت ما إلى "مصير مجهول إذا استمرت الأمور على المنوال الحالي". مؤكدة أن مصر لم تعد جائزة تستحق الفوز بها، بل هي دولة هشة تحتاج إلى إصلاح. وخلصت الدراسة إلى أن المشكلة الحقيقية ليست فقدان واشنطن لنفوذها التقليدي في مصر لصالح موسكو، وإنما المشكلة الأكبر التي ستواجه السياسة الأمريكية خلال الفترة المقبلة هي انهيار النظام المصري في كافة مجالات الحياة بما يؤذن بتحول مصر إلى "دولة فاشلة" ما يؤثر على استقرار المنطقة كلها.

واستندت الدراسة في خلاصتها إلى أن مصر فقدت كثيرا من الأوراق في المنطقة، كما أن الجيش المصري فقد بريقه وتفوق عليه نظيراه الأردني والإماراتي في القدرة على مسايرة الجيش الأمريكي، فضلا عن أن السياسات المصرية تسهم في جعل مشكلة الإرهاب أكثر تعقيدا، إضافة إلى التشابه والتفاهم الجيد بين السيسي وبوتين، بسبب خلفيتيهما المتشابهة كضابطي مخابرات سابقين تشكلت خبراتهما في أروقة مؤسسات الدولة.

 

مؤشرات الانفجار

فشل النظام العسكري بعد انقلاب 30يونيو في تحقيق ما وعد به، وترتب عليه زعزعة في استقرار الدولة ونشوب صراعات داخلية وانقسام مجتمعي حاد لم يحدث في تاريخ مصر من قبل، واصطبغت مصر بلون الدم  الأحمر القاني بعد مجازر وحشية لم تشهدها من قبل واغتيالات خارج نطاق القانون طالت المئات من شباب الثورة خصوصا أولئك الذين ينتمون إلى الفكر الإسلامي، وأحكام إعدام بالجملة في محاكمات مسيسة تفتقد إلى أدنى معايير النزاهة والعدالة واحتلت مصر مراتب متقدمة في مؤشرات الدولة الهشة الذي   أظهر مصر في منطقة الخطر، ومؤشرات أخرى احتلت فبها مراكز متقدمة في السوء كمؤشر التعاسة والذي احتلت فيه مصر المركز السادس.

وحول الانفجار المرتقب فإن ثمة مؤشرات تدق نواقيس الخطر على كافة المستويات:

أولا، تتواصل الحرب المستعرة في سيناء منذ سنوات والتي يروح ضحاياها من المواطنين وضباط الجيش والشرطة والمسلحين على حد سواء، وهي الحرب التي حصدت حتى  اليوم الآلاف من المصريين، وأصدرت القوات المسلحة 30 بيانا رسميا  تكشف فيه ما يدور هناك من وجهة نظرها وما تريد هي تمريره في ظل التعتيم المفروض على وسائل الإعلام، وذكرت البيان رقم "30"[6] أنه تم قتل "27" مواطنا من أهالي سيناء باعتبارهم تكفيريين مسلحيين بلا تحقيقات ولا محاكمات، فالجيش والأجهزة الأمنية تحولت إلى خصم وقاض في ذات الوقت. كما كشفت تقارير  إعلامية أن تنظيم "ولاية سيناء" قتل قبل البيان بيوم واحد  "6" من أهالي سيناء بدعوى ولائهم للأمن وعملهم كجواسيس لخدمة النظام[7]. وكان التنظيم قد فجر  دبابة قبل ذلك بيومين ما أسفر عن مقتل "3" على الأقل من عناصر  القوات المسلحة. ويبدو أن هذه الحرب المستعرة لن تنتهي في  القريب العاجل رغم أن الجنرال عبدالفتاح السيسي يستخدم "القوة الغاشمة" من أجل هذا الهدف الذي وعد به منذ سنوات لكن الفشل يتواصل ورغم الفوارق الضخمة في الإمكانات بين القوات المسلحة التي تحتل المرتبة الـ12 عالميا وعدة مئات من المسلحين لا يملكون لا الكوادر والعناصر ولا الأسلحة التي يملكها الجيش بإمكاناته الضخمة إلا أن الحرب تتواصل ولا نهاية لها لأهداف أخرى يريد النظام تحقيقها قبل الإعلان عن وقف الحرب، ومن المتوقع أن  السنة المقبلة "2019" ستشهد تحولات كبرى لاعتبارات تتعلق بالإعلان عن تفاصيل صفقة القرن الأمريكية التي تخطو فيها الإدارة الأمريكية خطوات محسوبة حيث نقلت سفارتها إلى القدس ما يعني إعلانها عاصمة للكيان الصهيوني كما جمدت المساعدات الأمريكية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" في حض سافر على إسقاط حق العودة؛ والقدس وحق العودة عمودان أساسيان للقضية الفلسطينية بدونهما يكون قد تم تفريغ القضية من أي مضمون أو معنى.

ثانيا، على المستوى الاقتصادي، فإن توقعات مؤسسة الإنذار المبكر بلا شك استندت في تقريرها إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية، فغياب التنمية الاقتصادية مع عدم المساواة في التعليم والوظائف والدخل، وتأثره بمستويات الفقر، والانخفاض الحاد في الدخل القومي، وسعر الصرف، والميزان التجاري، ومعدلات الاستثمار، وتقييم العملة الوطنية، ومعدل النمو، والتوزيع، والشفافية والفساد، والتزامات الدولة المالية، إضافة إلى تفاقم الديون حتى بلغت أكثر من 5 تريليونات جنيه بعد أن كنت "1,7" تريليونا فقط قبل 4 سنوات،  حتى وصلت فوائد الديون إلى "541" مليار جنيه سنويا؛ ما يعني أن مصر تدفع كل يوم "1,7" مليارا  كفوائد ديون فقط، إضافة إلى أن الحكومة تركز كل مجهودها  حاليا  على جيوب المواطنين مباشرة، وهو ما يعمل على تقليص القوة الشرائية، وبالتالي تقليل الطلب، فتكون النتيجة حدوث فجوة انكماشية، وهو ما يعرض الاقتصاد بشكل عام لحالة من الكساد. والحكومة من جانبها تلجأ لسد العجز عن طريق التوسع في الإجراءات التقشفية، كفرض المزيد من الرسوم والضرائب ورفع أسعار الخدمات، حتى غير المدعومة، وهو ما سينعكس أثره في النهاية على حالة غالبية الشعب، من دخول شرائح أخرى إلى دائرة الفقر؛ ومع تآكل الدخول وارتفاع الأسعار الذي لا يتوقف ترتب عليه سحق الفقراء والعصف بالطبقة الوسطى ما يفضئ تلقائيا إلى مزيد من الاحتقان، الذي قد يصل إلى الانفجار، ناهيك عن الحالة الاقتصادية التي يمكن أن تصل إلى حالة يصعب علاجها. ومع سقوط عشرات الملايين من المواطنين تحت خط الفقر فإن الأمر ينذر بثورة جياع مقبلة إذا  استمرت هذه السياسات القائمة دون مراجعة. كما أن النظام يتجه في 2019 نحو زيادة خامسة في أسعار الوقود ما يفضي تلقائيا إلى موجة جديدة من الغلاء والتضخم يصاحب ذلك توجهات نحو ضم ما يسمى بالاقتصاد الموازي "غير الرسمي" إلى الموازنة العامة للدولة وما يستصحب ذلك من تراخيص ورسوم وتأمينات وضرائب وكلها أعباء ضخمة سوف يتعرض لها الشعب بدءا من 2019م ما يعني أن السيسي يحاصر الشعب بالغلاء من جهة وفرض مزيد من الجباية من جهة أخرى وهي سياسات تقود نحو مزيد من الغضب الذي ربما يخرج عن الاحتواء والسيطرة.  أضف إلى ذلك أن احتكار الجيش للمجال الاقتصادي أفضى إلى تهميش دور القطاع الخاص وسط أجواء مشحونة بالغضب من جانب رجال الأعمال جراء الركود الذي ضرب الأسواق والخسائر التي يتعرضون لها دون وجود أفق قريب يسمح بشيء من التفاؤل أو الأمل في المستقبل. وبهذه السياسات جعل النظام من عموم  الشعب ورجال الأعمال خصوما له لأن الجميع يكتوي بنيران سياساته وتوجهاته. يعزز هذه فرضية خروج الأمر عن السيطرة ما انتهى إليه تقرير  "فوررين بوليسي" الأمريكية أواخر مارس 2017م، استنادا إلى تمدد «إمبراطورية الجيش الاقتصادية» حتى إن الجيش نصب نفسه "منقذا" للبلاد من أزمة هو صانعها بل ضيق على منافسيه من القطاع الخاص، إضافة إلى تنامي مشاعر الاستياء الجياشة بين المواطنين. لكن التوقع الأكثر خطورة في تقرير  "فورين بوليسي" أن الانفجار القادم لن يحتاج إلى نشطاء سياسيين احترافيين لاستثارة الناس للخروج إلى الشوارع ذلك أن الجوع ونقص الأدوية الرخيصة الثمن كفيلان بتأجيج احتجاجات في الشمال والجنوب، قد تتطور إلى اضطرابات عنيفة مستمرة.[8] بين الجيش المحتكر لكي شيء  والفقراء المدنيين.

ثالثا،  على المستوى الأمني والمجتمعي، فإن توقعات مؤسسة الإنذار المبكر  تشير  إلى أسباب داخلية في مصر جعلتها تحتل المرتبة الثالثة في الدول الأكثر تعرضا لمذابح دموية في سنة 2019م بعد الكونغو وأفغانستان؛ فعلى المستوى الأمني فإن المذابح التي ارتكبها النظام لتكريس حكمه الشمولي بعد انقلاب 03 يوليو 2013م بحق الإسلاميين وخلال الفترة الانتقالية بعد الإطاحة بمبارك وقبل انتخابات الرئاسة في 2012م بحق عناصر  التيار العلماني كما في محمد محمود ومجلس الوزراء، ثم بحق الألتراس كما حدث في مذبحة بورسعيد واستاد الدفاع الجوي وقبلها في ماسبيرو بحق الأقباط، كلها مذابح تركت آثارا موغرة في نفوس الملايين من جميع التوجهات ومنهم الكثير بلا شك يتحينون الفرصة للانتقام من القتلة؛ ما يجعل الصراع مستعرا  بين مخاوف النظام من الثورة وتطلعات الشعب نحو التحرر،  وأمام استبداد النظام وقمعه فإن مستويات الغضب ترتفع باستمرار  حتى وإن بدا النظام مهيمنا  وممسكا بمفاصل الأمور ظاهريا؛ فإن شرارة الثورة يمكن أن تشتعل في أي لحظة ولأتفه الأسباب ويومها ستكون مصر   ساحة لصراع دموي كبير يضم جميع الأطياف وهو سيناريو مرعب؛  لكن النظام يدفع إليه دفعا باستمرار  القمع والتعذيب والاغتيال خارج إطار القانون وإصدار أحكام الإعداد المسيسة بحق المئات من قيادات الإسلاميين وثورة 25 يناير بالتزامن مع الإجراءات الاقتصادية القاسية والعنيفة التي لا تكترث بالفقراء ومحرومي الدخل.  إذا، الحديث عن احتمالات الحرب الأهلية يرتبط بالعديد من الاعتبارات، أولها "العوامل الدافعة نحو هذه الحرب، وتتمثل في الممارسات السلبية من جانب الأجهزة الأمنية والعسكرية في مختلف المحافظات، وتحديداً في شبه جزيرة سيناء، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية ظهور عدد من التكوينات والحركات التي تتبنى العنف وتقوم بعمليات عنف رداً على ممارسات هذه الأجهزة، ومن ناحية ثالثة تنامي اليأس والإحباط بين قطاعات واسعة من الشباب والمواطنين جراء تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية منذ ثورة يناير وحتى الآن". ولا يحول دون هذه الصدامات الدموية سوى وجود كيانات كبيرة ترفض مسار العنف مثل الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية وغيرهما.

رابعا، وعلى المستوى السياسي والإعلامي فإن  النظام أمم الفضاء السياسي وأضعف  الأحزاب وعزز من قبضة أجهزته الأمنية وتحكمها في جميع مفاصل البلاد ومؤسساتها وكمم الأفواه وهيمن على جميع الفضائيات والصحف والمواقع ما عدا تلك التي تبث من الخارج، وأمام إصرار النظام نحو تمرير  تعديلات دستورية تفضي إلى بقاء الجنرال السيسي في الحكم لفترة أطول ربما تمتد إلى  الحكم مدى الحياة فإن ثمة توقعات تشير إلى احتمال نشوب فوضى واحتجاجات وربما معارضة داخل بعض مؤسسات الدولة وستنقل هذه التعديلات المرتقبة حال تمريرها  القوى العلمانية التي كانت  تدعم الانقلاب من خانة المعارضة للنظام إلى خانة الرفض تأسيسا على بطلان شرعية النظام إذا تمكن من تمرير هذه التعديلات وبذلك ربما ينجح السيسي في تمرير هذه التعديلات لكنه في ذات الوقت سينجح في تحقيق توافق بين القوى العلمانية والإسلامية لأول مرة منذ ثورة 25 يناير  حول بطلان النظام وعدم شرعيته؛ فالإسلاميون لا يعترفون بشرعيته ابتداء لأنه تأسس عبر انقلاب والعلمانيون سيتعاملون معه على أنه نظام باطل لأنه عدل في مواد دستورية لا يسمح الدستور أصلا بتعديلها.

 

سيناريوهات مرعبة

وأمام هذه المعطيات فإن ثمة سيناريوهات محتملة

أولا، سيناريو ثورة الجياع[9]، وهو مسار مرعب لكن النظام يدفع إليه دفعا بسياسات القمعية وسحق الفقراء والمهمشين بالغلاء الفاحش والضرائب الباهظة ولا يحول دونه سوى حجم المخاوف من القمع فإذا زاد منسوب القهر  والألم حتى تساوى مع مستويات الخوف  إن ذلك ينذر بثورة جياع لا تبقي ولا تذر.

ثانيا، انقلاب داخل النظام، وهو سيناريو قائم وإن كان الجنرال يحصن نفسه من هذا السيناريو  فهو يخشى أن يجري معه  مثلما فعل هو مع الرئيس المنتخب لذلك سيطر على الجيش عبر الإطاحة بالقيادات التي يمكن أن تنافسه ومكن لمن هم محل ثقته الشخصية من السيطرة على الجيش بشكل مطلق، كما عزز قبضته على جهاز المخابرات العامة بتعيين اللواء عباس كامل بخلاف سيطرته الفعلية على جهاز المخابرات الحربية ووزارة الداخلية، لكن ذلك لا يمنع من تحقق هذا السيناريو إذا أدركت هذه المؤسسات أن بقاء الجنرال يهدد مصالحها وأن التضحية به أفضل حل لصالح هذه المؤسسات. وإذا حدث ذلك ربما يفضي ذلك إلى التخلص منه بشكل حاسم مرة واحدة أو يفضي إلى صراع على الحكم بين تيارات مختلفة داخل مؤسسات الدولة وصراع مصالح تنتهي خيوطه عند عواصم خارجية لها نفوذ واسع وعملاء نافذين داخل مؤسسات الحكم في مصر مثل واشنطن وتل أبيب والرياض وأبو ظبي.

ثالثا، استمرار الأوضاع على ما هي عليه، اغتيالات خارج إطار القانون بدعوى محاربة الإرهاب، وتدهور اقتصاد حاد وغلاء فاحش وضرائب باهظة؛  ما يعني استمرار النزيف وزيادة معدلات الغضب الشعبي في ظل فشل النظام في تحقيق أي إنجاز يذكر على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ مايعني توجه الدولة نحو  مسار الدولة الفاشلة أو الرخوة في ظل انعدام شعبية النظام باستثناء المستفيدين من بقائه، وهو سيناريو سيقود إلى الشلل التام خلال سنوات قليلة وربما يفضي إلى عصيان مدني شامل خصوصا إذا تمكن النظام من تمرير  التعديلات الدستورية التي تبقي على الجنرال في الحكم فترة أطول. وهو السيناريو الأكثر   احتمالا في ظل المعطيات الراهنة.

 



[1] ترجمة فتحي التريكي/ «ستراتفور»: الثورة القادمة في مصر.. لماذا سيسقط حكم «السيسي»؟/ الخليج الجديد  12 فبراير 2018

[2] تقرير لمؤسسة "الإنذار المبكر": مصر مرشحة العام القادم لأسباب داخلية، لتكون ثالث أكثر دول العالم تعرضا لمذابح دموية (بعد الكونجو وأفغانستان وقبل سوريا واليمن وليبيا والصومال والعراق"..... انظر مصر غير آمنة  (تغريدة لبهي الدين حسن) 4 ديسمبر 2018م

[3] «الأمم المتحدة» تتهم الحكومة المصرية بـ «الانتقام» من المتعاونين مع مسؤولة أممية/مدى مصر 5 ديسمبر 2018

 

[4] مسؤولان أمميان: حكومة مصر تواصل إجلاء السكان من منازلهم قسرياً/ العربي الجديد 4 ديسمبر 2018

[5] دراسة أمريكية تحذر من تحول مصر إلى "دولة فاشلة"/ الجزيرة نت الأحد 22 يوليو 2018

[6] الجيش المصري يعلن مقتل 27 جهاديا في سيناء/ فرانس برس الأربعاء 12 ديسمبر 2018

[7] مقتل 6 تجار ومهربين على يد "ولاية سيناء" برفح/ العربي الجديد الثلاثاء 11 ديسمبر 2018

 

[8] فورين بوليسي: ثورة فقراء مصر قادمة/ الجزيرة نت  غرة أبريل 2017

 

[9] محمد عصمت/ قبل أن تندلع ثورة الجياع/ بوابة الشروق الإثنين 2 أكتوبر 2017

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة