سد النهضة .. مصر تخسر المزيد من اوراق الضغط وتتمسك بسنوات ملء السد

 سد النهضة .. مصر تخسر المزيد من اوراق الضغط وتتمسك بسنوات ملء السد

 

في يونيو 2018 زار رئيس وزراء إثيوبيا «أبي أحمد» القاهرة، بعد سلسلة توترات وفشل لقاءات مديري مخابرات ووزيري خارجية البلدين، وقيل إنه حدث خلال الزيارة تفاهم مباشر بين "السيسي" و«أبي أحمد» حول "بدء صياغة اتفاق قانوني يخص ملء سد النهضة الإثيوبي"، إلا أنه مر شهران دون الوصول لهذا الاتفاق.

وقبل هذا اللقاء والاتفاق بين السيسي وابي احمد، بأسبوعين فقط، حدد السفير الإثيوبي لدى السودان، "مولوجيتا زودي" نقاط الخلاف بين بلاده ومصر المفترض ان يتواصل الرئيسان لاتفاق حولها لجريدة الصيحة السودانية فيما يلي:

1-    الخلاف حول اتفاقية مياه النيل الموقعة بين السودان ومصر في العام 1959 التي تحفظ نصيب مصر السنوي (55.5 مليار متر مكعب)، حيث لا تعترف بها أثيوبيا ولا تعتبرها مرجعية لمُفاوضات سد النهضة، بينما تحاول مصر ابقاءها ضمن التفاوض.

 وهناك اتفاقية اخري تحفظ حقوق مصر المائية هي اتفاقية مياه النيل 1929 التي أبرمتها الحكومة البريطانية بصفتها الاستعمارية نيابة عن عدد من دول حوض النيل (أوغندا وتنزانيا وكينيا)، مع الحكومة المصرية وتتضمن إقرار دول الحوض بحصة مصر المكتسبة من مياهالنيل، وإن لمصر الحق في الاعتراض (الفيتو) في حالة إنشاء هذه الدول مشروعات جديدة على النهر وروافده، ولكن مصر استبعدتها من المفاوضات لان الدول الثلاثة تعتبرها اتفاقية وقعها الاستعمار نيابة عنها وحكوماتهم المستقلة الان لا تعترف بها.

2-   تجاوز الشركة التي أجرت الدراسات لصلاحياتها الممنوحة لها، ومعروف أن أديس أبابا قامت بتعديلات كبيرة في التصميمات أدت لمضاعفة الطاقة التخزينية الأصلية دون الرجوع لمصر، ما يتطلب تأكيد هذه الدراسات سلامة السد وعدم انهياره.

3-    الخلاف حول تقسيم مياه النيل بين الدول الثلاث بصورة متساوية.

وقد أكد السفير الاثيوبي أنه تم تجاوز الإشكاليات تماما من قبل الدول الثلاث، قائلا: "تم كسر هاجس الخوف والاتفاق بين الدول الثلاث بأديس أبابا مؤخرا والأجواء حاليا أجواء اتفاق وتفاهم وليس أجواء خلاف وعدم وفاق"، ومع هذا استمر المسئولون المصريون في تأكيد أن المفاوضات "محلك سر".

ورغم عقد اجتماعين لما يسمي "لجنة التساعي"، في اديس ابابا مايو 2018 والقاهرة يونيو 2018 حول سد النهضة بمشاركة وزراء الخارجية والري ومديري أجهزة المخابرات في الدول الثلاث، فلم يتم التوصل سوي لما سمي "وثيقة مخرجات الاجتماع التساعي"، وهي عبارة عن نقاط للتفاوض حولها لا تعني الوصول لاتفاق.

أيضا التقي عبد الفتاح السيسي بالرئيس الاثيوبي مرتين بالقاهرة والصين، يونية وسبتمبر 2018، ولم تخرج اللقاءات سوي بقسم رئيس الوزراء الاثيوبي في مشهد اثار السخرية انه لن يضر مصر، والاتفاق في الصين على ضرورة الاتفاق على حل مشكلة سد النهضة، دون اتفاق حقيقي.

 

 

التسويف الاثيوبي وملء السد

ويجمع الخبراء على أن اثيوبيا تتبع سياسة التسويف لحين استكمال بناء السد وفرض امر واقع، فلا يبقي أمام القاهرة سوي الاتفاق على سنوات ملء السد وحجب قرابة 24 مليار متر مكعب مياه كل عام تقريبا أي نصف حصة مصر أو 15 مليارا على 5 سنوات.

والمتابع للسلوك التفاوضي الإثيوبي طوال 17 جولة منذ 2014 أنها تنهج النهج الإسرائيلي في التفاوض مع الفلسطينيين، من حيث عدم إلزامية التفاوض، وعدم وقف البناء إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأن القضايا الخلافية.

فقد أهدر الاثيوبيون سنوات طويلة في التفاوض وفي إبداء حسن النية، وتقديم الوعود دون أي التزام حقيقي على الورق، بل إنهم كانوا في بعض المفاوضات يقرون بالموافقة على بعض المطالب التي يتقدم بها الوفد المصري، ثم يرفضون التوقيع على ما أقروه أثناء جلسات التفاوض.

وجاءت قصة اعلان رئيس الوزراء الاثيوبي أن العمل في سد النهضة يسير ببطء، "وإذا واصلنا السير بهذا المعدل، فإن المشروع لن يرى النور"، ومقتل مهندس المشروع قبل ذلك، لتلقي هوي مصري بالهروب للأمام.

حيث اتجه إعلام السلطة للحديث عن توقف المشروع كنوع من تخفيف الضغط على صانع القرار المصري الذي يواجه معضلة كبيرة تتعلق بالأمن المائي منذ اتفاق السيسي علي اتفاقية سد النهضة والتخلي بالتالي عن اتفاقيات 1929 و1959 التي تحفظ حصة مصر المائية.

واتجهت اثيوبيا للحديث عن قضية واحدة هي ملء السد غير عابئة بالدراسات المتعطلة عن صلاحية السد، أو حصة مصر المائية.

وتمثل مسالة ملء السد وتشغيله عقبة بين مصر وإثيوبيا، إذ تخشى مصر أن تؤثر نسبة المياه المحتجزة خلف بحيرة السد (75 مليار متر مكعب) على حصتها المائية، واتفقت الدول الثلاث على تشكيل فريق علمي مستقل ومشترك لدراسة مسألة ملء سد النهضة وقواعد تشغيله، بالتوازي مع دراسات الاستشاري، ولو تم ملء السد في 5 سنوات سيؤثر ذلك علي حصة مصر، حيث سيتم حجب 15 مليار متر مكعب سنويا.

ورغم ما أبداه «أبي أحمد» من تفهم لمخاوف مصر المائية وتأثير «أي مشكلة كبيرة» في هذا الملف على «موقف (السيسي)»، فإنه أيضًا أبدى إصراره بشكل واضح على اعتزام بلاده التحرك نحو الملء الأول للخزان في نهاية العام الجاري، ولهذا عنف الشركة المسئولة عن السد وهي شركة عسكرية وسحب منها المشروع وكلف اخري لان معدلات البناء قد تعطل بدء ملء السد نهاية العام وقد تؤجلها للعام المقبل.

وأقر السيسي وأبي أحمد بأن الوقت قد حان للبدء في التفاهم على اتفاقية ملء السد، ولكن الاتفاق كان حول «التفاوض»، وليس "التفاهم" ذاته ما يعني عدم تحقيق أي تقدم.

وتقترح مصر مدة تتراوح بين 7و 10 سنوات لملء سد النهضة، بينما تقترح أديس أبابا أن تكون المدة ثلاث سنوات، وذلك بعد أن كانت القاهرة قد بدأت التفاوض بمقترح أن يحدث ذلك خلال عشرين عامًا.

وتصر أديس أبابا على أن أقصى ما يمكن أن تقدمه هو التوصل لتفاهم حول متوسط لسقوط الأمطار، ومتوسط مستوى المياه في بحيرة أسوان يتمّ على أساسها تقدير حق إثيوبيا في الملء، وهو الأمر الذي لا ترتاح له مصر لأن الحديث عن متوسط سقوط الأمطار يتجاوز احتمالات فعلية في السنوات المقبلة من الأمطار المتراجعة، وهو ما يضع مصر في موقف بالغ الحساسية.

وترفض اثيوبيا بصورة قاطعة ربط كمية المياه بمعدل سقوط الأمطار سنويًا، وهو ما كرره أبي أحمد خلال زيارته للقاهرة، كما تطلب الخرطوم بأخذ حصتها (18 مليار متر مكعب) التي كانت تحصل عليها مصر، وتضغط على مصر بها مقابل ما تري انه حقوقها في حلايب وشلاتين.

لذلك تعتبر «مدة الملء» هي الأمر الوحيد الذي ستفاوض مصر عليه بدون هوادة لأنها بتوقيعها على اتفاقية الخرطوم مع إثيوبيا والسودان في 2015 قد أنهت قانونيًا كل التحفظات على بناء السد وتخلت عن حقوقها المائية (55 مليار متر مكعب)، ويمثَل هذا الاتفاق اعترافًا، بل قبولًا مصريًا بحق إثيوبيا في بناء السد دون أي شروط تتعلق بتفاصيل البناء أو الملء أو التشغيل.

 

 

ماذا تبقي في يد مصر من اوراق ضغط؟

مع فقدان نظام السيسي غالبية أوراق الضغط التي كانت تملكها مصر سابقا وفرط هو فيها بقبوله اتفاقية الخرطوم الخاصة بسد النهضة، تقلصت اوراق الضغط المصرية بصورة كبيرة ولم يبق منها سوي القليل"

1-   اهم ورقة كانت هي التهديد بالعمل العسكري، وحين تسرب من اجتماع الرئيس مرسي مع قادة الاحزاب تهديد بعضهم بضرب اثيوبيا، تركز رد الفعل الداخلي من معارضي مرسي علي السخرية من ذلك، بينما جاء رد الفعل الاثيوبي مرتعدا وعاد القلق من استمرار مصر في نفس السياسة التي اتبعها مدير المخابرات السابق عمر سليمان بشأن التهديد بقصف السد، وهي الورقة التي تدفع اثيوبيا للغضب ولكنها تحرك موقفها وتنهي سلبيتها، ويبدو نظام السيسي مستبعدا لهذه الورقة تماما، وستكون بلا قيمة حال ملء السد فعليا.

2-   توطيد العلاقات مع إريتريا الخصم اللدود لإثيوبيا كورقة استخبارية مصرية لملاعبة اثيوبيا بها وتهديد أمنها من الداخل والخارج، وهي ورقة هامة ولكن جري استخدامها بصورة خاطئة لدعم متمردي السودان نكاية في الخرطوم بدلا من استخدام الورقة الاريترية كاستراتيجية مصرية ضد اثيوبيا، وقد سعي ابي احمد لنزع هذه الورقة من مصر الشهر الماضي بزيارة أريتريا وإعادة العلاقات بين البلدين.

3-   دعم المعارضة الإثيوبية من قوميات الأورومو والأمهرة وقبائل بني شنقول في إثيوبيا، والتي يقع السد في نطاقها للغرض نفسه، ضد حكم الاقلية من قبيلة "التيجري"، من أجل إحداث حالة من القلاقل داخل أديس أبابا، وسبق لرئيس وزراء اثيوبيا الراحل، ميليس زيناوي، الكشف في عام 2010، عن دعم مصر للأورومو، وتجدد الأمر في اضطرابات الأورومو التي شهدتها البلاد نهاية عام 2016.

وأيضا السعي لتوطيد العلاقات مع الصومال، خصوصا الأوغادين الذين هم على خلاف مع أديس أبابا لضمها إقليمهم منذ فترة، خصوصا بعد حرب 1978.

4-   الورقة السودانية هي اهم ورقة كانت تملكها مصر ضد اثيوبيا خاصة ان السودان دولة مصب مثل مصر متضرره من دول أعالي النيل التي تسعي لاحتجاز اقسام من مياه النيل، بيد أن التعامل الرسمي الخاطئ مع الخرطوم منذ تسلم المخابرات الحربية الملف عقب انقلاب السيسي بدلا من المخابرات العامة والخارجية، نقل الورقة السودانية ليد اثيوبيا بعد أخطاء مصر تجاه الجارة السودانية واتهامها بالإرهاب، وربما أدركت القاهرة ذلك وبدأت تقارب جديد مع الخرطوم بيد ان مصالح السودان الفعلية لا تزال مع بناء السد.

5-   ورقة المحافل والمحاكم الدولية ومقاضاة اثيوبيا والتشهير بها كونها تخلت عن اتفاقات النيل السابق توقيعها في العشرينات والخمسينات، وهي ورقة تفقد القاهرة بالدفع بها حال تطورت الامور لعمل عسكري كي تبرر على الاقل ما فعلته بانه دفاع عن "الحق في الحياة".

 

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة