مستقبل المشهد المصري في ضوء أحكام الإعدام الجماعية .. الرسائل والمخاطر

 مستقبل المشهد المصري في ضوء أحكام الإعدام الجماعية .. الرسائل والمخاطر

الحكم الذي أصدرته محكمة جنايات القاهرة السبت 08 سبتمبر 2018م، بحق 739 من رافضي الانقلاب العسكري، في القضية المعروفة إعلاميا بـ”مذبحة فض اعتصام رابعة العدوية”، جاء صادما للأوساط الشعبية والحقوقية والدولية لكنه في ذات الوقت يتسق مع الطبيعية الوحشية الإجرامية لنظام 30 يونيو  وممارساته القمعية على مدار السنوات الماضية.

وقضت دائرة الإرهاب برئاسة المستشار حسن فريد بمحكمة جنايات القاهرة بالإعدام على 75 سياسيا من قيادات جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب والقوى الرافضة لانقلاب 03 يوليو 2013م،(بينهم 44 حضوريا و31 غيابيا) والسجن المؤبد 25 سنة بحق المرشد العام الدكتور محمد بديع و46 آخرين، والحكم بالسجن المشدد 15 عاماً على 374 شخصاً سيقضون في السجن أكثر من 9 سنوات أخرى، والسجن المشدد 10 سنوات على متهم واحد هو أسامة مرسي، نجل الرئيس محمد مرسي، والسجن 10 سنوات لـ22 متهماً من الأطفال دون 18 عاماً. والسجن 5 سنوات على باقي المتهمين (215 شخصاً أبرزهم المصور الصحافي محمود أبو زيد، المعروف بشوكان).

الحكم بهذه الطريقة يمثل هروبا من جانب نظام السيسي من تبعات عقدة الدماء  منذ فض اعتصام رابعة، إلى المزيد من التنكيل بشهود الدماء الذين لجأوا إلى "الممرات الآمنة" ليجدوا في انتظارهم قضية وتحقيقات وإدانة وعقوبة بدلاً من الحرية التي وُعدوا بها إبان إخلائهم من الميدان أثناء الفض. فرغم الصورة القمعية الوحشية التي بدت عليها المذابح وبدا عليه الحكم الأخير إلا أنها لا تنفي الخوف الدفين من أي محاسبة مستقبلية أو إجراءات قضائية دولية تلاحق كبار القادة والجنرالات المتورطين في الدماء.

كما تجاهل القاضي عدم تورط أيا من المحاكمين في أي قضايا دماء أو عنف، ولم يتم تحريز أي سلاح مع أي منهم، كما تضمن الحكم معاقبة 22 حدثا بالمخالفة الصريحة لنصوص القانون، كما تم الحكم بالمؤبد على عصام سلطان نائب رئيس حزب الوسط رغم أنه تم اعتقاله قبل فض رابعة ب16 يوما ولم يشارك في أحداث الفض. وكذلك الحكم على الشيخ وجدي غنيم بالإعدام رغم أن يعيش منذ 18 عاما خارج البلاد وكان مقيما في جنوب أفريقيا وقت الأحداث.

 

الرسائل والدلالات

الحكم يحمل كثيرا من الرسائل والدلالات إذا تمت قراءته في سياقه المحلي والإقليمي والدولي،  فالرسالة الأولى والمغزى الأساسي من هذه الأحكام الجائرة هو إصرار النظام بقيادة الطاغية عبدالفتاح السيسي على المضي  في طريق الدماء، وتأكيد على أن النظام ماضٍ  في قمعه واستبداده الذي طال الجميع إسلاميين وعلمانين وغير مسيسيين، فالنظام مصرٌّ على سفك واسترخاص دماء المصريين  التي بدأها بعشرات المذابح الدموية في الحرس الجمهوري والمنصة ورابعة والنهضة وغيرها؛  من أجل تكريس حكمه الشمولي؛ فالدماء هي اللغة التي يفهمها النظام، الذي تأسس بقوة السلاح عبر انقلاب عسكري على المسار الديمقراطي في 03 يوليو 2013م، وليس ثمة فارق بين القتل برصاص القناصة أو بالاغتيال مباشرة بزعم تبادل إطلاق النار أو القتل بقصف أحكام القضاء المسيس؛ فالحكم هو مذبحة جديدة ينفذها النظام بغطاء قضائي يتلقى أوامره من الجهات الأمنية وما تسمى بالأجهزة السيادية. ويستهدف النظام منه أمرين: التنكيل بالمعارضين من جهة، وتخويف الشعب من المعارضة والاحتجاج أو الثورة من جهة ثانية.

الرسالة الثانية، هذه الأحكام يمكن تفسيرها على أنها تأكيد على إصرار النظام على وأد أي جهود من شأنها الدعوة إلى مصالحة مجتمعية مع جماعة الإخوان المسلمين والقوى الشعبية والحزبية الرافضة لانقلاب 03 يوليو، مدفوعا بتحريض واسع من الإدارة الأمريكية وتل أبيب وعواصم خليجية مثل الرياض  و أبو ظبي وقد دفعت هذه العواصم للسيسي مقدما عشرات المليارات من الدولارات من أجل القضاء على ثورة 25يناير والإسلاميين وما السيسي إلا منفذ لأوامر هؤلاء ولا يستطيع الفكاك منها، كما أن دور البيت الأبيض في التحريض على الانقلاب بل الإشراف عليه وترتيبه ورعايته بات معلوما من الحقيقة بالضروروة بعد تقرير "كير كيباتريك" مدير مكتب النيويورك تايمز الذي فضح فيه دور واشنطن في الانقلاب على المسار الديمقراطي في مصر. وثمة تفسير آخر يذهب إلى  أن هذه الأحكام يستهدف  بها النظام كسر روح الصمود الأسطوري من جانب قيادات الإخوان وعناصرها في سجونه ومعتقلاته، ورغم بشاعة القمع والانتهاكات إلا أن هذا الصمود يدفع النظام إلى القلق المتزايد والإصرار على كسر هذه الروح الصامدة وإكراه الجماعة ودفعها إلى رفع راية التسليم والاعتراف بالنظام، خصوصا وأن الجماعة تتمسك بشدة بخطابها السياسي الداعي إلى عودة الرئيس المنتخب ومحاكمة المتورطين في الانقلاب وسفك الدماء والإفراج عن جميع السجناء والمعتقلين. وبحسب محللين فإن النظام يستهدف بهذه الأحكام الجائرة الحصول على على  أوراق  ضغط يساوم بها الإسلاميين إذا ما أجبر على الجلوس على مائدة التفاوض على خلفية تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية وتزايد معدلات الغضب الشعبي الناتج عن الغلاء الفاحش وفي ظل مخاوف النظام من اندلاع ثورة شعبية، فربما تجبره القوى الدولية والإقليمية على التهدئة والتفاوض من أجل ضمان بقائه وليس حرصا على المصالحة ذاتها.

الرسالة الثالثة تحمل مضامين تهديد لجميع القوى التي شاركت في ثورة 25 يناير، وخصوصا قيادات الإخوان وحزب الحرية والعدالة، فالنظام لا يتهاون في إجراءات تأمينه وتكريس سلطويته وهو مستعد لأعلى درجات التصعيد؛ خصوصا أن رءوس كبار النظام على المحك إذا سقط أو تراخى، كما أنه بهذه الأحكام يبعث برسالة للقوى المدنية عموما بشقيها الإسلامي والعلماني أنه سيعاقب بكل عنف وقسوة أي تيار مدني يتطلع إلى حكم مصر حتى لو بالوسائل الديمقراطية كما حدث مع الإخوان وحزب الحرية والعدالة. فالمعادلة التي يقوم عليها حكم مصر تتعلق بسياقات خارجية أكثر منها داخلية ترتبط ارتباطا وثيقا بضمان حماية الكيان الصهيوني والحفاظ على معاهدة السلام المزعوم إضافة إلى ضمان المصالح الأمريكية والقوى الإقليمية الخليجية وعلى رأسها الرياض وأبو ظبي.

فالنظام ماضٍ في سياسته للتضييق على المجال العام وتصفية حساباته مع التيارات المعارضة بكل تنوعاتها، خصوصاً إذا تم وضع الحكم في سياقه السياسي بعد أسابيع قليلة من اعتقال عدد من المعارضين الناصريين، والذين من بينهم من كان يؤيد فض اعتصامي رابعة والنهضة بالقوة. ويستفيد النظام باضطراد من الأوضاع الدولية والإقليمية وانشغال العواصم الكبرى بتنامي أخطار ما يسمى بالإرهاب والتعامل مع فلول التنظيمات المسلحة في العراق وسورية، فضلاً عن مشاكل الهجرة غير الشرعية والصراع بين روسيا والغرب في سورية، والخلافات الأوروبية حول مستقبل ليبيا، والأزمة الخليجية. ولا شك أن النظام تمادى بضوء أخضر أمريكي خليجي، فواشنطن فكَّت رسميا بعد الحكم مباشرة تجميد 195 مليون دولار من المساعدات العسكرية، وتجري حاليا مناورات "النجم الساطع" على الأراضي المصرية، وهدد جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي المحكمة الجنائية الدولية إذا مست قيادات الكيان الصهيوني أو أيا من حلفاء واشنطن في المنطقة وبالطبع يعد السيسي على رأس هؤلاء الحلفاء. 

الرسالة الرابعة، التأكيد على  حماية النظام لعناصره المتورطة في الدماء  سواء كانوا في الجيش  أو الشرطة أو غيرهما، دون اكتراث للانتقادات المحلية والدولية وخصوصا من منظمة العدل الدولية أو مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أو هيومن رايتس ووتش. فرغم مقتل أكثر من ألف موطن على يد الجيش والشرطة فلم يقدم ضابط واحد للمحاكمة!.  وكانت ميشيل باشليه، مفوضة مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة،  قد انتقدت الحكم واعتبرته إذا نفذ«إجهاضًا جسيمًا للعدالة لا يمكن إصلاحه»، مضيفة أن «المتهمين حُرموا من حقهم أن يكون لكل منهم محاميه الخاص، ومن تقديم أدلة برائتهم، في حين لم تقدّم النيابة أدلة كافية لإثبات جُرم كل فرد منهم على حدةٍ»، بحسب «رويترز». وأضافت باشليه، التي تولت منصبها الأسبوع الماضي بعدما كانت رئيسة دولة تشيلي، أنها تأمل أن «تغيّر محكمة النقض المصرية هذه الأحكام، وأن تضمن احترام المعايير الدولية للعدالة»، فيما انتقدت عدم محاكمة أي مسؤولين أمنيين عن عملية فضّ الاعتصام الذي أدى إلى مقتل المئات من المعتصمين في 14 أغسطس 2013، مؤكدة أن «العدالة يجب أن تطبق على الجميع، ويجب ألا يُحصّن منها أحد». وكان مجلس النواب، في يوليو الماضي، قد وافق على مشروع قانون بشكل نهائي يوفر الحماية لكبار قادة القوات المسلحة، وتمنح المادة الخامسة، من هذا المشروع، هؤلاء الضباط حصانة من المُلاحقة القضائية على أي فعل ارتكبوه أثناء تأديتهم لمهام مناصبهم أو بسببها، إلاّ بإذن من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وذلك خلال المدة بين تعطيل العمل بالدستور من 3 يوليو 2013، حتى تاريخ أول انعقاد لمجلس النواب الحالي في 10 يناير 2016.

الرسالة الخامسة، أن النظام قد أحكم قبضته على جميع مفاصل الدولة ومؤسساتها وهيمن على مؤسسة القضاء حتى باتت ألعوية يوظفها وفقا لتحقيق أهدافه ومصالحه السياسية، يعزز ذلك أن السيسي أطاح بكل قاض يملك مسحة من استقلال وقام بتصعيد أولئك الذين يصدرون أحكاما بناء على تحريات الأمن الوطني لا صحيح القانون ووضوح الأدلة، وصواب الاستدلال. فقد أطاح بالمستشار يحيى الدكروري لأنه مارس نزاهة القاضي في إلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحريةالتي أدت إلى التنازل عن جزيرتي “تيران وصنافير”، وأجرى تعديلات مشبوهة على قانون السلطة القضائية يفضي تلقائيا إلى همينة شبه مطلقة للنظام على مفاصل القضاء.

 

وماذا بعد حكم الإعدام؟

من الناحية القانونية،  فقد صرح المحامي عبدالمنعم عبدالمقصود، عضو هيئة الدفاع عن جماعة "الإخوان المسلمين"،  أن "الحكم الذي صدر اليوم، ليس نهائيًا أو باتًا، وإنما يجوز للمتهمين الطعن عليه"، موضحًا أن "هيئة الدفاع ستطعن على الحكم أمام محكمة النقض". مضيفا أن "هيئة الدفاع ستنتظر إيداع المحكمة لحيثيات الحكم خلال 30 يومًا، على أن تقوم بدراسته، على أن تتقدم بعدها بالطعن على الحكم أمام محكمة النقض خلال 60 يومًا". وأوضح أن محكمة النقض، عقب ذلك ستحدد جلسة خلال شهور لنظر الطعن"، متوقعًا أن "يتم قبول النقض، وتخفيف الأحكام على معظم المتهمين، ما بين البراءة أو إنزال العقوبة لسنوات أقل مما قضت به اليوم".

وبحسب محللين فإن الحكم بخلاف الصدمة التي خلفها في معظم الأوساط السياسة والحقوقية والشعبية، فإنه أيضا يمثل توريطا للنظام، هذا التوريط لا يقف عند حدود الانتقادات الحقوقية الواسعة من جانب مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والتي أصابت النظام العسكري بحالة من الهستيريا والغضب أو حتى انتقادات منظمة العفو الدولية، بل الورطة ستنتقل إلى النظام ذاته.

فوفقا للتعديلات التي أجرها النظام العام الماضي على قانون الإجراءات الجنائية، فإن محكمة النقض لن ترد القضية إلى دائرة أخرى من دوائر الجنايات إذا رأت أن الأحكام شابها عوار فاضح وقصور في الاستدلال واستندت فقط على تحريات الأمن الوطني، سيكون على محكمة النقض البت في الشق الموضوعي للقضية إذا بتأييد الأحكام أو تخفيفها أو الحكم بالبراءة دون رد القضية للجنايات.

فماذا إذا قضت النقض بإعدام بعض القادة السياسيين؟ فهل نظام 30 يونيو العسكري على استعداد لدفع الفواتير السياسية والأمنية الناتجة عن مثل هذا الإجراء؟

وإذا تم ذلك سيلقي القضاء بالكرة في ملعب النظام وبالتحديد رئيس الانقلاب نفسه، حيث سيكون له حق "العفو" أو استبدال العقوبة" خلال 24 ساعة من تاريخ عرض الحكم عليه.. فما عساه يقرر؟! فالقرار هنا ليس محض "جرة قلم".. وإنما سيخضع لحسابات شديدة الدقة والحساسية، وذلك لما سيحمله من دلالات على نوايا النظام إزاء التسوية النهائية لملف جماعة الإخوان المسلمين والقوى الشعبية والحزبية المولية لها ولمسار ثورة 25 يناير،  وما سيترتب على تلك التسوية أيًا كان مضمونها، من استحقاقات داخليًا وخارجيًا.

لذلك على الأرجح فإن محكمة النقض ربما تكتفي بأحكام السجن دون الإعدام، وحتى إذا قضت ببعض أحكام الإعدام ، فإن النظام ربما يستخدم هذه الورقة للضغط والمساومة على الجماعة وأنصارها من أجل الاعتراف بشرعيته مقابل تخفيف هذه الأحكام أو حتى العفو عن المحكوم عليهم. فالعام المقبل "2019 سيكون حاسما إلى حد بعيد في تحديد المسارات العالقة التي أذن وقت الفصل فيها، فإما يسعى النظام إلى التهدئة والمساومة وهو المتوقع أو يمضي في توجهاته دون اكتراث كعادته ويمضي في التصعيد إلى مداه البعيد دون النظر إلى العواقب والمآلات الخطرة.

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة