الأزمة الاقتصادية بالسودان ومخاطرها على الأمن القومي العربي

 الأزمة الاقتصادية بالسودان ومخاطرها على الأمن القومي العربي

 

ترتبط العقوبات الامريكية على السودان المفروضة منذ عام 1997، بالأزمة الاقتصادية التي يعاني منها السودانيين بالتوازي مع انهيار الجنية، بسبب ما واكبها من قيود على الاقتصاد، كما ترتبط أيضا بانفصال الجنوب السوداني، عن البلاد وما ترتب عليه من استقلال الجنوب بثلاثة ارباع حقوق النفط في السودان الكبير لتعاني الخرطوم منذ ذلك الحين أزمات اقتصادية طاحنة.

ورغم الوعود الامريكية برفع العقوبات عن الخرطوم حال قبولها انفصال الجنوب عن الشمال، بغرض تفتيت قوة السودان الإقليمية وتأثير هذا بالتبعية على مصر التي يجري تركيعها عبر التدخل في قضية مياه النيل وضرب السودان كامتداد إقليمي لمصر، وكذا قبولها التعاون الاستخباري والعسكري، فقد قامت واشنطن بملاعبة الخرطوم بهذه العقوبات للحصول على مزيد من التنازلات وإضعاف الدور السوداني في افريقيا والبحر الأحمر لصالح الدور الصهيوني.

وأدرجت واشنطن السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1993، وفرضت عليه عقوبات اقتصادية تشمل حظر التعامل التجاري والمالي منذ العام 1997، ما ادي لتضرر الاقتصاد السوداني بشدة، وظهور الازمات الاقتصادية المتتالية، واخرها ازمة تعويم الجنية التي كان لانفصال الجنوب بالنفط السوداني اثرا فيها أيضا.

ورفعت الإدارة الأمريكية العقوبات الاقتصادية والحظر التجاري عن السودان في السادس من أكتوبر الماضي 2017 ولكنها أبقت على اسمه ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، ما حرمه من الاستفادة من القروض، بعدما أثرت العقوبات الأحادية على كل نواحي الحياة في ذلك البلد الغني بالموارد المنهك بالأزمات، وبتر جنوبه الغني، وتهدد نذرها بقية أطراف البلاد.

فرغم إعلان الولايات المتحدة رفع العقوبات عن السودان العام الماضي غير ان العديد من الشركات وخاصة الامريكية، ظل إبقاء السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب عائقا أمام إعطاء مكتب الخزانة الضوء الاخضر للشركات الامريكية للتعامل مع السودان.

وفي يونية 2018 أعلن مكتب مراقبة الأصول الخارجية التابع لوزارة الخزانة الامريكية (اوفاك) انه سيزيل تشريعات العقوبات على السودان من لائحة القوانين الاتحادية، وقال المكتب انه سيقوم بتعديل العقوبات بموجب لائحة الإرهاب لدمجها مع الرخصة العامة التي تسمح للسودان باستيراد منتجات من ضمنها مواد زراعية، طبية بالإضافة الى الاجهزة الطبية.

ويأتي هذا نتيجة لـ "الأمر التنفيذي" الاخير للرئيس الامريكي دونالد ترامب الذي ألغي بعض العقوبات على السودان، بصورة رسمية عبر وثيقة رسمية لتدخل حيز التنفيذ.

ووفقا للوثيقة، اعطي مكتب مراقبة الاصول الخارجية الاذن للشركات والأشخاص الذين كانوا ممنوعين من التعامل مع السودان، بموجب قانون العقوبات على السودان، بالقيام بذلك من دون طلب الاذن من الادارة الامريكية.

 

قصة العقوبات الامريكية

بسبب التوجه الاسلامي لحكومة السودان، واتهامها بدعم الحركات الاسلامية وتمرير صفقات سلاح لحركة حماس عبر اراضيها، ودور الخرطوم الداعم لمصر، وتحولها لرقم فاعل في صراعات البحر الاحمر، أصدر الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في 3 نوفمبر 1997 قراراً تنفيذياً بفرض عقوبات مالية وتجارية على السودان جمدت بموجبها الأصول المالية ومنع تصدير التكنولوجيا الأميركية له وألزمت الشركات والمواطنين بأميركا، بعدم الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع هذا البلد.

وفي 12 أغسطس 1993 أدرجت وزارة الخارجية الأميركية السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب رداً على استضافته زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.

وفي عام 2002 أصدر الكونغرس "قانون سلام السودان" الذي ربط العقوبات الأميركية بتقدم المفاوضات مع "الحركة الشعبية لتحرير السودان"، وفي عام 2006 فرض الكونغرس عقوبات إضافية على السودان نتيجة للنزاع في اقليم دارفور.

وبرغم التحولات في موقف الخرطوم من التعاون مع واشنطن تدريجيا وتلبية مطالبها مثل انهاء التعاون مع إيران، وزيادة التعاون الاستخباري مع امريكا وتسليمها ارهابيين، بل وقبول استفتاء جنوب السودان بالانفصال عن الشمال بما ترتب عليه من مخاطر اقتصادية نتيجة خسارة الخرطوم غالبية حقوق النفط الموجودة في الجنوب، وتضرر الموازنة العامة للبلاد التي كانت تعتمد على النفط، ظلت واشنطن تماطل في رفع العقوبات.

ووقع أوباما في يناير 2017 وقبيل مغادرته البيت الأبيض، أمرا تنفيذيا برفع العقوبات ضد الخرطوم بصورة مؤقتة ما يمكن السودان من ممارسة التجارة والاستثمار عالميا، ولكنه أجل تنفيذها 6 أشهر تنتهي في 17 يوليه 2017.

وفي مايو 2017، وقع تطوران هامان لصالح السودان هما:

(الاول): صدور تقرير للاستخبارات الأميركية، عُرض أمام الكونغرس يستبعد اسم السودان من الدول الراعية للإرهاب، ويؤكد "وفائه بجملة شروط ستمهد لرفع العقوبات المفروضة عليه منذ عشرين عاما بشكل نهائي هذا الصيف".

(الثاني): ظهور دعوات لتخفيف العقوبات خلال انعقاد "لجنة إفريقيا" المتفرعة عن لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي 26 أبريل 2017 واعتبار أن السودان بات متعاون ومحارب للإرهاب.

ويعتقد أن مشاركة الخرطوم في مهام القوة الامريكية في أفريقيا (أفريكوم)، في محاربة داعش، كان ثمنا اخرا لرفع العقوبات.

فقد ذكر تقرير مدير الاستخبارات الأميركية، الذي جري الكشف عنه الخميس 11 مايو 2017 أن "النظام في السودان سيلتزم بشكل كبير بوقف العدائيات في مناطق النزاع، وهو أمر مطلوب لرفع العقوبات"، ومدح التقرير الذي قدمه مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية دانيال كوتس للجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ بعنوان "تقييم التهديدات في العالم من قبل أجهزة الاستخبارات"، عدم منع الحكومة السودانية لتوزيع المساعدات الإنسانية، وهو شرط وضعته الإدارة السابقة برئاسة باراك أوباما لرفع العقوبات.

فقد شارك رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش السوداني عماد الدين عدوي في اجتماعات القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم" بألمانيا لأول مرة منذ تكوين تلك القيادة التي أنشئت خصيصاً لمكافحة الإرهاب" عام 2017.

ورغم أنه من غير المعقول أن تسعى أمريكا لإشراك السودان في جهود مكافحة الإرهاب بينما تستمر في نفس الوقت في وضع أسمه ضمن قائمة الدول الراعية لذلك الإرهاب، فقد ظل اسمه ضمن القائمة لاستمرار الضغط عليه.

وأخيرا في أكتوبر 2017 أصدر الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية بيانا صحفيا أعلن فيه رسميا إلغاء العقوبات الاقتصادية الأمريكية على السودان منذ 12 اكتوبر 2017، "اعترافا بالإجراءات الإيجابية التي اتخذتها حكومة السودان للحفاظ على وقف الأعمال العدائية في مناطق النزاع في السودان، وتحسين المساعدات الإنسانية والوصول إلى جميع مناطق السودان، والحفاظ على التعاون مع الولايات المتحدة في معالجة الصراعات الإقليمية ومهددات الإرهاب".

 

كيف اضرت العقوبات السودان؟

رغم مرور عام علي رفع العقوبات الاقتصادية الامريكية على السودان منذ (12 أكتوبر 2017)، إلا أن العقوبات الآحادية، وما تبعها من انفصال الجنوب بحقوق النفط الغنية، أثرت على كل نواحي الحياة في ذلك البلد الغني بالموارد المنهك بالأزمات.

وما أعقب قرار رفع العقوبات كان أشد وطأة، إذ تراجع سعر صرف العملة المحلية بشكل مريع مقابل الدولار وبقية العملات الأجنبية الأخرى، وتبع ذلك موجات غلاء متلاحقة، بعد أن تضاعفت أسعار السلع الاستهلاكية وندرة بعضها الآخر، وذهبت كل التوقعات وآمال الانفراج أدراج الرياح، وارتفعت معدلات التضخم إلى أكثر من 67%.

وبسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة وتحمل الخرطوم عبء اقتتال أطراف النزاع في الجنوب المنفصل في صورة إيواء لاجئين، وكذا أعباء اخري، اضطرت الخرطوم لاتباع سلسلة إجراءات اقتصادية للتغلب على الازمة الاقتصادية ابرزها رفع أسعار الوقود والسلع ما نتج عنه صدامات في الشوارع بين متظاهرين والشرطة.

وزاد الازمة عجز السلطات عن توفير النقد الأجنبي لمقابلة احتياجات البلاد من المحروقات، وهو ما يفسر الاتفاق الأخير الذي ابرمه السودان مع مصارف وشركات صرافة لتعويم سعر صرف الجنية الي 43 جنية مقابل الدولار والذي ارتفع الي قرابة 53 جنية في السوق الموازية، ما زاد الأعباء على السودانيين وزاد الاحتقان.

وقد أكد علاقة العقوبات الاقتصادية الأميركية بالأزمة التي تعاني منها الخرطوم، رئيس الوزراء ووزير المالية معتز موسى أمام البرلمان السوداني الأسبوع الماضي، حيث أكدا أن العقوبات تركت تداعيات كبيرة على البلاد اثرت في البناء الهيكلي العميق للاقتصاد، كما أن بقاء اسم السودان ضمن القائمة الأميركية في تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لا يزال يخيف شركات أجنبية من التعامل مع السودان.

ورغم مرور عام كامل على رفع العقوبات على السودان، إلا أن تأثيرها ظل متواصلاً على القطاعات الحيوية وأهمها قطاعات الصحة، التعليم، القطاعات الإنتاجية والبنيات الأساسية التي تشمل قطاع السكك الحديدية وقطاع الطيران، ولا يزال إنسان السودان يكابد آثار العقوبات الاقتصادية في الغذاء والدواء والتعليم.

 

النفط والموقع الاستراتيجي

ويبدو أن الهدف الأمريكي من هذه العقوبات التي لا تزال تضرب السودان، وتركت اثارا خطيرة على اقتصاده، كان النفط السوداني باعتباره مصدر استقلال مالي، والموقع الاستراتيجي بحكم سيطرة السودان عبر ميناء بورتسودان على منفذ هام علي البحر الأحمر في وقت تسعي فيه تل ابيب وأمريكا لمزيد من تعزيز نفوذهما هناك لأسباب تتعلق بالتركيز الامريكي مؤخرا على نفط أفريقيا بدل الخليج العربي، وسعي إسرائيل لتعزيز وجودها في البحر الأحمر كمنفذ هام لها للتجارة والحروب.

من هنا جاء الدعم الأمريكي والضغوط على الخرطوم للقبول بانفصال الجنوب بما يعنيه من خسارتها قوة اقتصادية نفطية هامة، ضمن اهتمام الولايات المتحدة بالبعد الاستراتيجي الأفريقي في هذه الفترات وفي قلبه السودان جزء من قضية الطاقة التي تبحث عنها أمريكا دائمًا في شتى بقاع الأر.

اذ تدرك أمريكا أهمية النفط السوداني الشمالي منه والجنوبي بعدما كانت أولى الاستخراجات المعتبرة في النفط من السودان لشركة أمريكية "شيفرون"، ولكن صراعًا ما حدث بين الولايات المتحدة ونمور أسيوية بشأن هذا الملف في هذا المنطقة كالصين وماليزيا؛ ما جعل الولايات المتحدة تتطرف في العقوبات على السودان بالرغم من تدخلاتها لإقرار اتفاقية السلام في 2005 في الجنوب؛ ما أدى إلى انفصاله.

وضمن هذا الضغط العسكري الأمريكي على السودان جاء فرض حظر على بيع السلاح للسودان، وبالمقابل دعم دول الحدود مع السودان والتي تعاني السودان من مشاكل عدة معها بسبب حركات التمرد، خاصة إثيوبيا واوغندا وإريتريا، وهي دول قامت بأدوار مختلفة لتسليح معارضين للنظام السوداني.

العقوبات الامريكية على السودان كانت بالتالي سلاح ذو حدين استهدف تجريد الخرطوم أولا من قوتها الاقتصادية المتمثلة في عوائد النفط عبر الدفع باتجاه انفصال الجنوب ومعه ابار النفط التي يتقاتل عليها الان قادة الجنوب، واستهدف ثانيا، ضرب اقتصاده وشغل الشارع والدولة بالوضع الاقتصادي المتردي بما يزعزع استقلال البلاد ويقلص أدوارها الخارجية ضد التدخل الصهيوني في البحر الأحمر، أو دعم المقاومة الفلسطينية.

ورغم رفع العقوبات منذ عام، فقد أدي 20 عاما من فرضها دوره في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الامريكية في تطويع الخرطوم ودفعها للتعاون الأمني مع الغرب، وضرب اقتصادها بشدة ما خلق أسبابا للصراع الداخلي أبعدت الخرطوم عن لعب أدوار خارجية سابقة لصالح الامن القومي العربي.

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة