سر التحول في العداء التاريخي بين المغرب والجزائر حول "الصحراء الغربية"

 سر التحول في العداء التاريخي بين المغرب والجزائر حول "الصحراء الغربية"

 

كان من مفارقات بطولة كأس العالم الاخيرة 2018، والتصويت لمن سيستضيف بطولة 2026، وقوف الجزائر مع المغرب ودعمها مقابل أمريكا، رغم الحدود المغلقة والتوتر السياسي بين البلدين على خلفية قضية الصحراء الغربية (البوليساريو)، بينما وقفت السعودية ومعها 6 دول عربية ضد استضافة المغرب لكأس العالم 2026 فحصل التحالف الكروي الثلاثي (الامريكي الكندي المكسيكي) على 134 صوتا مقابل 65 صوتا للمغرب.

أيضا ادي انقسام الدول العربية حول دعم قطر في استضافتها لكأس 2022 ودعم المغرب وكذا الجزائر للملف القطري، لتقارب مغربي جزائري، ربما مهد لحلحلة سياسية أخري في ملف الصحراء الغربية أو "البوليساريو" المتنازع عليه بين البلدين منذ ثلاثة عقود، بعدما وافق المغرب و«البوليساريو» -المدعومة من الجزائر -على الجلوس للمفاوضات لأول مرة.

فقد وافقت المغرب والبوليساريو على العودة للتفاوض بجولة جديدة بعد اخر جولة مفاوضات عقدت منذ عشر سنوات بين الرباط وجبهة «البوليساريو»، برعاية أُمميةٍ استجابة لدعوة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة «هورست كوهلر»، كلا من المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا للقدوم إلى جنيف بداية شهر ديسمبر 2018، وهو ما قرر المغرب الاستجابة له، وفق ما أعلنه الوزير مصطفى الخلفي الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية.

قصة نزاع البوليساريو

بدأ النزاع بين المغرب والجزائر عام 1975، بعد إنهاء الاحتلال الإسباني للصحراء الغربية، حين اعتبرت المغرب هذه الصحراء تابعة لها، ودعمت الجزائر جبهة جديدة نشأت عام 1973، تدعي سيادتها على الصحراء هي جبهة «البوليساريو» المدعومة من الجزائر، أعلنت قيام «الجمهورية العربية الصحراوية» في 27 فبراير/شباط 1976 من جانب واحد، مطالبة بتنظيم استفتاء لتقرير المصير في الصحراء، هذه المنطقة الصحراوية الشاسعة التي تبلغ مساحتها 266 ألف كيلومتر مربع، وهي المنطقة الوحيدة في إفريقيا التي لم تتم تسوية وضعها بعد الاستعمار.

وهو ما أدي إلى نزاع مسلح، بين "الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب" المعروفة باسم البوليساريو بالإسبانية Polisario، والمغرب، استمر حتى عام 1991، وانتهى بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار، حيث رات المغرب ان الصحراء تابعة لها ووافقت على مقترح للحكم الذاتي، ولم تعترف بجبهة البوليساريو.

ولا تعترف الأمم المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية ولا تعترف بالجمهورية الصحراوية كدولة عضو في الأمم المتحدة لكن تعترف بالجبهة كمفاوض للمغرب.

ولم تستطع منظمة الوحدة الأفريقية ولا منظمة الأمم المتحدة الوصول إلى حل سلمي لنزاع الصحراء الغربية الذي قارب عمره ثلاثة عقود.

ومنذ وقف إطلاق النار، أجرت الجبهة عدة مفاوضات مع المغرب منها مفاوضات "مانهاست" لحل مشكلة الصحراء الغربية وايجاد الطرق لتطبيق قرارات الأمم المتحدة في حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.

وخلال هذه الفترة، اختلفت آراء المغرب من موافقة على إجراء الاستفتاء إلى تمسكه بحل الحكم الذاتي كبديل لكن هذا المقترح لا يتماشى مع ميثاق الامم المتحدة بما انه لا يضمن حق تقرير المصير.

اختراق في الازمة المجمدة

بعد عشر سنوات من تجميد المفاوضات عام 2008، والتصعيد بين المغرب والجزائر، بسبب هذه الازمة، لحد التهديد بالحرب وغلق حدود البلدين والقطيعة بينهما، يبدو أن ثم تغييرا في البلدين، فالمغرب في ظل حكومتها الحالية  تبدو أكثر براجماتية وانفتاحا على حل المشكلات القديمة، وإنهاء الخصومة مع جاراتها.. والجزائر تعتبر أن الازمة طالت بما أثر على وحدة دول المغرب العربي وعرقل تعاونها في ملفات أهم مثل محاربة تنظيم داعش الذي ينشط على حدود البلدين ضد الحكومتين.

ويزيد من ضرورة الاتفاق بين الاطراف المختلفة على حل سلمي أن قوات مراقبي الامم المتحدة للفصل بين المتحاربين في الصحراء سينتهي تفويضها في نهاية اكتوبر الجاري، وسينظر مجلس الأمن مجدّداً للنظر في تمديد ولايتها، وسط دعوات أمريكية لتقليص نفقات قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

ولم يتم تجديد مهمة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية، التي تضمن استمرار وقف إطلاق النار، في أبريل/نيسان 2018، إلا لفترة 6 أشهر فقط، من مجلس الإمن الدولي، وذلك إثر ضغوط أميركية للدفع باتجاه حل النزاع.

لذلك جاءت دعوة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة لجمع جميع الأطراف التي لها علاقة بالملف وعلى رأسها المملكة المغربية، لتلامس هوي لدي الاطراف المتنازعة وإعلان حسن نوايا للوصول لتسوية سياسية.

وبرغم إعلان كل طرف تشبثه بموقف السابق، بتأكيد المغرب ان سقفها الذي لن تتنازل عنه هو اقتراح الحكم الذاتي للإقليم، وتأكيد البوليساريو علي حق تقرير المصير وجمهورية مستقلة، إلا أن المراقبون للصراع يعتبرون هذا نوع من "التفاوض" والتشدد المرتبط بها، قبل أن يطرح مبعوث الامم المتحدة مقترحات اضافية جديدة تقرب بين الطرفين.

ففي 30 سبتمبر الماضي 2018، أكد عبد القادر مساهل، وزير خارجية الجزائر، مجدداً، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أنّ الجزائر تعتبر أنّ حلّ النزاع في الصحراء الغربية «لا يمكن أن يتم إلا بممارسة شعب الصحراء الغربية حقّه غير القابل للتصرف أو التقادم، في تقرير المصير».

وأضاف أن الجزائر تأمل «استئناف المفاوضات دون شروط بين الطرفين؛ المملكة المغربية وجبهة البوليساريو، للتوصّل إلى حل سياسي مقبول من الطرفين».

ورئيس الحكومة المغربية، سعد الدين العثماني، أكد 26 سبتمبر 2018، من المنبر ذاته، أن الصحراء الغربية «مصدر عدم استقرار وعقبة أمام اندماج المغرب العربي»، وطلب من الجزائر «تحمُّل مسؤولياتها السياسية والتاريخية» متّهماً إياها بأنها تقف وراء الأزمة.

ولكن موقف المغرب ظل ايضا متمسكا بالحكم الذاتي فقط بحسب "مسؤول عبد المجيد بلغزال" عضو المجلس الملكي الاستشاري المغربي للشؤون الصحراوية (حكومي)، تعليقاً على دعوة مبعوث الأمم المتحدة إلى الصحراء، الذي قال لوكالة الاناضول إن بلاده «تتمسك بمقترح الحكم الذاتي كحل لقضية الصحراء».

والجديد هذه المرة هو دعوة أطراف اقليمية لها صلة بالنزاع لحضور المفاوضات، أي الجزائر وموريتانيا، لا المغرب وجبهة البوليساريو وحدها، لضمان طرح كل طرف ما يرضيه تمهيدا للوصول لحل نهائي لا يواجه تحركات خلفية سرية من الاطراف القريبة من النزاع، لأنها في هذه الحالة مشاركة وموافقة على ما سيتم التوافق حوله.

وسيكون على الاطراف الاربعة الرد على دعوة الامم المتحدة حتى 20 أكتوبر الجاري 2018، حيث حدّد المبعوث الدولي موعد المباحثات يومَي 5 و6 ديسمبر 2018 في جنيف.

فالاجتماعات -وفق مصادر دبلوماسية اممية لوكالة رويترز – ستتم وفق "طاولة نقاش" لا "اجتماع مفاوضات"؛ أي وفق «صيغة 2 زائد 2»، لان هناك طرفا النزاع: المغرب وجبهة البوليساريو، وهناك الجارتان: الجزائر وموريتانيا.

ووُجِّهت الدعوات بالنسبة للجزائر والمغرب وموريتانيا إلى وزراء الخارجية. ولم يُعرف حتى الآن مستوى تمثيل مختلف الأطراف في لقاء جنيف. وتعذّر الحصول على أيّ تعليق من الأمم المتحدة على الفور.

وكان الرئيس الألماني السابق هورست كوهلر، الذي عُيّن في 2017 مبعوثاً للأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية، قد التقى مختلف أطراف النزاع في بداية 2018، لكن كلاً على حدة، ففي نهاية يونيو وبداية يوليو 2018، قام بجولة إقليمية شملت الجزائر العاصمة ونواكشوط وتندوف ورابوني والرباط والعيون والسمارة والدخلة.

صراع الغاز بين المغرب والجزائر

وعلى خلفية الازمة بين المغرب والجزائر حول قضية بوليساريو تبرز صراعات أخري ابرزها الصراع علي الغاز.

فقد تداولت وسائل إعلام جزائرية، خلال الفترة الماضية، أخباراً عن احتمال إيقاف أنبوب الغاز الرابط بين المغرب والجزائر وإسبانيا، والمعروف باسم «Pedro Duran Farell pipeline»، في غضون عام 2021، وخرج وزير الطاقة الجزائري، مصطفى قيطوني، لتفنيد هذه الخطوة، مؤكداً أن المغرب سيُمدِّد عقد استيراده الغاز الجزائري؛ بل سيتمكَّن من امتلاك خط الأنابيب الرابط بين الجزائر وأوروبا.

وأكثر ما أسهم في انتشار هذه الإشاعة، حسب المسؤول الجزائري، امتلاك الجزائر أنبوب غاز آخر يُطلَق عليه «ميد غاز»، يربطها مباشرة بالقارة الأوروبية دون المرور بالأراضي المغربية، بطاقة تُقدَّر بـ 8 مليارات متر مكعب من الغاز المُسال. ولكن لقاء وزير الطاقة الجزائري ووزير الطاقة والمعادن المغربي، خلال أشغال المؤتمر العربي للطاقة بمدينة مراكش الشهر الماضي اظهر توافقا بين البلدين وكان فرصة لدحض الشائعات، حسب مصادر رسمية، وتأكيد التعاون بين المغرب والجزائر في مجال الطاقة والكهرباء رغم كل الصراعات بين البلدين الجارين بسبب قضية الصحراء.

ايضا نفى الوزير مصطفى قيطوني إيقاف عقود استيراد المغرب الغاز الجزائري الموقَّعة بين الحكومة المغربية وشركة «سوناطراك» الجزائرية، حيث تنتهي الاتفاقيات الخاصة بذلك بحلول عام 2021؛ وقد ينجح المغرب في الاستحواذ على ملكية الأنابيب الموجودة بأراضيه كذلك.

وقال الوزير الجزائري أن الغرض من إحداث أنبوب جديد هو رفع قدرة تصدير الغاز الجزائري نحو القارة الأوروبية؛ إما صوب إسبانيا مروراً بالمغرب وإما صوب إيطاليا مباشرة من بني صاف الجزائرية، وأن السلطات الجزائرية لم تفكر قَط في وقف التعاون مع المغرب.

ويعد خط "بيدرو دوران" أو «أنابيب «المغرب العربي-أوروبا» نموذج من نماذج التعاون والتبادل التجاري النادرة بين المغرب والجزائر، على اعتبار كونها مبنيَّة على تبادل المصالح، ذلك أن البلدين يستفيدان من هذا المشروع الضخم، الذي تم إعطاء انطلاقته في تسعينيات القرن الماضي، حينما كانت العلاقات جيدة وإيجابية، في ظل انطلاقة فكرة «المغرب الكبير» آنذاك.

لذلك فالإبقاء على الشراكة بين المغرب والجزائر في مجال الطاقة، لا يخلو من إيجابية وفوائد للطرفين معاً، وإلا فما كانا ليجددا عقد استيراد الغاز.

فالإبقاء على خط «بيدرو دوران» يُمكِّن الجزائر من الاستمرار في مدِّ أوروبا الغربية، خاصة إسبانيا والبرتغال، بالغاز الطبيعي بكميات كبيرة، خاصة أن تقنية الأنابيب تعتبر أكثر فاعلية وأقل تكلفة من نقلها بالسفن الحاملة للغاز والبترول وبكميات أكبر.

لذا فأرباح الجزائر المتوقعة كبيرة جداً بالنظر إلى أنه يمكن سنوياً نقل ما يقارب 13 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، خاصة أن الجزائر تعتمد أكثر على الغاز الطبيعي مقارنة مع البترول، الذي أصبح كمية إنتاجه تنقص سنة بعد أخرى.

وبالتالي فليس هناك أي مصلحة للجزائر في إيقاف استعمال هذا الخط، الذي تم استثمار أموال كثيرة فيه، وبالمقابل يستفيد المغرب بدوره من الأنبوب المار على أراضيه، لأنه يضخّ مليارين و300 مليون درهم سنوياً في الخزينة العامة المغربية.

المصالح المشتركة الاقتصادية، والرغبة في إعادة تفعيل المغرب العربي الكبير، وانهاء الخلافات والمعارك التي افقدت البلدين مكاسب سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة، ربما تكون هي فاتحة حل مشكلة البوليساريو بعد 3 عقود من الحروب، وتمهيد الطريق لتعمير المنطقة بدل تركها مرتعا لنمو التنظيمات المتطرفة في افريقيا.

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة