غزة بين التصعيد والتهدئة

 غزة بين التصعيد والتهدئة

 

مقدمة

الوضع في الأرض المحتلة مرتبك، وكذلك المواقف السياسية مرتبكة، فهناك وساطة مصرية في التهدئة المرجوة بين حماس والمحتل، والمصالحة بين الحكومة الفلسطينية "فتح" وحماس. وهنا تتشابك المصالح بين مصر والمحتل وحماس وعباس. بعد فترة من التصعيد تسود فترة جديدة من الترقب، وتسير الرؤية لدي اطراف الازمة في اتجاه تهدئة الأوضاع ربما من أجل التكتيك لأمور أخرى وبالتالى هنا يحسم الأمر لمن يقدر على حسن استغلال الوقت، فمن المعلوم أن اليوم الذي يمر على المحتل يُرسّخ أقدامه في الأرض أكثر وأكثر.

المشهد يتكون من مجموعة معطيات قد تؤول إلى تهدئة أو تصعيد، المعطيات كالآتى :

1 – الوضع الاقتصادي والاجتماعي والإنساني المتدهور

اعتبر البنك الدولي في تقرير جديد أن الاقتصاد في غزة في "حالة انهيار شديد" مع اقتطاع مدفوعات السلطة الفلسطينية والولايات المتحدة مما أدى إلى تفاقم آثار الحصار الإسرائيلي ووضع القطاع الذي تديره حركة حماس في مرحلة "حرجة" وأقر بأنه "لم يعد مُمكنًا الآن التعويض عن التدهور الاقتصادي في غزة والضفة الغربية بالمعونات الأجنبية التي هبطت هبوطاً مطرداً، ولا بنشاط القطاع الخاص الذي لا يزال يواجه عراقيل بسبب القيود على الحركة، والحصول على المواد الأساسية، والتجارة". ويشير إلى أن معدل النمو بلغ سالب 6بالمئة  في الربع الأول لعام 2018، والمؤشرات تنبئ بمزيد من التدهور منذ ذلك الحين، مع أن الحصار الذي مضى عليه عشرة أعوام هو المشكلة الرئيسية". وتحدث عن وضع مثير للقلق حيث يعاني "شخص من كل اثنين من الفقر" فيما يصل معدل البطالة في صفوف الشباب إلى أكثر من 70بالمئة[1].

من الزاوية الإنسانية، يوجد مركز الوفاء لرعاية المسنين وحيدًا في القطاع، وأصبح يواجه مشكلات جوهرية حيث أن التبرعات الداخلية تقلصت والخارجية توقفت، ومنذ الأزمة الاقتصادية انخفضت المرتبات للنصف مما انعكس على جودة الخدمة والرعاية[2].

3 – المواجهة من أجل التهدئة في ظل وسيط ضعيف

عدة مشكلاته تواجه الداخل الاسرائيلي كالخلاف بين الجيش والداخلية حول استمرار الحصار لحين سيطرة الحكومة الفلسطينية على القطاع، ووجود أصوات تعترض على التهدئة برغم وجود أغلبية مؤيدة، وصداع عائلات الجنود الأسرى الذي دفع نتنياهو إلى القول بأن لا تهدئة دون عودة الأسرى.[3]

من المعلوم أن الجندى الواحد يفرق مع جيش الاحتلال ولكن الأسرى ليسوا سبب كافٍ لعقد التهدئة، وهنا من المحتمل أن يفتعل المحتل عدة أزمات ويستخدم أوراق الضغط من أجل الوصول إلى اتفاق التهدئة، مثل المواجهات وتشديد الحصار.

وفي ظل أحوال اقتصادية سيئة للغاية لم يتوقف الكيان المحتل عن القتل والتهجير المستمر، وبحسب مصادر فصائلية في غزة فإن مصر قد فشلت في إقناع المحتل بالتراجع عن الاجراءات العقابية التى فُرضت عليهم وقت توقف مفاوضات التهدئة. بالتالى من المتوقع أن تشهد الساحة تطورات يغلب عليها توظيف أوراق الضغط من قِبل كل طرف في ظل قبول حماس المتمثل في القبول بتمكين الحكومة الفلسطينية الأمر الذي يدفع المحتل بمزيد من الضغط على حماس في حالة عدم إبرام الصفقة[4]. وثد أطلق الاتحاد الأوربي مصطلح "جريمة حرب" على ما فعله المحتل في قرية خان الأحمر ، وبالتالى يرى صالح النعامي أن الرهان على حراك مكثف يضمن بيئة معينة تقود إلى التهدئة.

4 – آلية جديدة للمواجهة

عادة ما تتفنن المقاومة في أدوات المواجهة مع المحتل، وتأتى آخر الابتكارات في ما يسمى بالارباك الليلي وهى وحدة مقاومة أنشأها مجموعة ناشطين تهدف إلى إرباك الجنود ليلًا واستنزافهم وإزعاجهم والعمل على إرهاقهم من خلال فعاليات إشعال نيران، وتوجيه ليزر، وقص الأسلاك، أو إطلاق الألعاب النارية[5].

4 – الأمم المتحدة وحل الدولتين

كالعادة، تصريحات عربية تبدو عليها الأهمية ولكن جوهرها فارغ لا يحمل مضامين مهمة للغاية ولا تقدم جديدًا سوى معرفة مواقفهم السياسية[6]، بينما قال الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، إن المبادرات الأحادية لن تنجح فى حل الصراع الإسرائيلى الفلسطينى ولا يوجد بديل معقول لحل الدولتين بين إسرائيل والفلسطينيين ، وأضاف أن غالباً ما ندين الانتهاكات فقط رغم أننا قطعنا وعداً منذ تأسيس الأمم المتحدة بحماية حقوق الإنسان، وتابع: "يوجد نوع من النسبية الثقافية والتاريخية والدينية التى تشكك اليوم بأسس عالميتها"، ثم أضاف ماكرون "ما الذى يمكن أن يحل الأزمة بين إسرائيل وفلسطين؟ ليست المبادرات الأحادية ولا قمع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى فى السلام المشروع[7].

5 – دلالات لقاء ليفنى مع محمود عباس

-          التقت رئيسة كتلة المعارضة الإسرائيلية، تسيفي ليفني، بالرئيس الفلسطيني، محمود عباس، وطالبته العودة إلى المفاوضات مع الإدارة الأميركية، مؤكدة أن "التهدئة" مع قطاع غزة تكون من خلال تمكين السلطة الفلسطينية وعودتها لتولي زمام الأمور في القطاع و أبلغت عباس بأن أهمية العودة إلى المفاوضات مع أميركا من أجل الدفع نحو حل الدولتين. وقالت إن "العزلة والخطوات الأحادية الجانب ضد اسرائيل وكسر الأدوات ستكون بمثابة خسارة لأجيال قادمة." مضيفة إن "هذه الأوضاع والسياسات من شأنها أن تؤدي إلى تدهور في الميدان، وفقدان السيطرة وفقدان حل الدولتين. ارتفع في اللقاء نبرتها التهديدية والتحذيرية التى قد تدفع محمود عباس إلى سماع نصائحها والقبول، لا لمصلحة القطاع ولكن لسببين، الأول يكمن في عدم قدرته على تحمل نتائج تدهور القطاع اقتصاديًا وصحيًا، والسبب الثاني يكمن في وعودها بسيطرته على القطاع بعد موافقته على التهدئة.

ليس من الضرورى أن تكون هى تجسيدًا للإرادة الصهوينية ولكن حتمًا معبرة عن أغلبية، والأمر أيضًا ليس مجرد رأى بل يُعد توجيهًا يجب على عباس الانصياع له وخصوصًا بعد كل هذه التهديدات.

خاتمة

إدراك الواقع المعقد يقود إلى مسار تهدئة تجنبًا لكلًا من :

-          رُزمة عقوبات جديدة

-          ازدياد الانهيار الاقتصادى، وتدهور صحة المسنين

-          تجنب جرائم الحرب التى تحدث دون أن يمنعهم أحد

-          وقف نزيف دماء الجرحى والقتلى

اجتماع كل هذه المعطيات من الذكاء السياسي أن تقود إلى التهدئة التى تسمح لكل طرف من الأطراف إعادة حساباته وتصوراته عن الآخر، وكما ذكر قادة حماس من قبل فإن السعي للتهدئة يرتبط بكونها فرصة للاستعداد لموجة مواجهات أخرى.

 


[2] الوفاء لمسنى غزة في خطر، العربي الجديد، 26سبتمبر2018، الرابط : https://www.alaraby.co.uk/society/2018/9/25/%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%81%D8%A7%D8%A1-%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%86%D9%8A-%D8%BA%D8%B2%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AE%D8%B7%D8%B1-1

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة