فتح معسكرات للاجئين فى مصر: بين الدوافع والمعوقات

 فتح معسكرات للاجئين فى مصر: بين الدوافع والمعوقات

 

يثار الحديث فى الأيام القليلة الماضية عن إمكانية قيام مصر بفتح معسكرات للاجئين على أراضيها مقابل الحصول على معونات مالية من جانب دول الإتحاد الأوروبى، وهو الحديث الذى بدأ يزداد مؤخراً مع تبادل الزيارات الدبلوماسية بين مصر ودول الإتحاد الأوروبى، إلى جانب اللقاءات المصرية مع زعماء الدول الأوروبية على هامش اجتماعات الأمم المتحدة المنعقدة حالياً، وبالتالى تحاول الورقة التعرف على دوافع ومعوقات فتح معسكرات للاجئين فى مصر.

سياسة الإتحاد الأوروبى لمواجهة الهجرة غير الشرعية

يسعى الإتحاد الأوروبي إلى التخلص من أزمة الهجرة غير الشرعية من خلال اللجوء إلى إنشاء مراكز استقبال في دول خارج الإتحاد الأوروبى خاصة فى شمال إفريقيا، حيث يهدف المشروع إلى إعادة المهاجرين الذين يتم توقيفهم  في البحر الأبيض المتوسط نحو دول شمال إفريقيا، ومنها نحو بلدانهم الأصلية. وكان المفوض الأوروبي المكلف بشؤون الهجرة والمواطنة، ديمتريس أفراموبولوس، قد  تحدث عن فتح مشاورات مع دول شمال أفريقيا لإقامة منصات إنزال على أراضيها لفرز من يتم إنقاذهم في المتوسط، ولكنه رفض الإفصاح عما إذا كانت أي دولة من دول المنطقة قد وافقت بالفعل على مقترحاته، ويتحدث الأوروبيون في هذا الصدد عن دول مثل تونس، الجزائر، المغرب ومصر[1].

موقع مصر من السياسة الاوروبية

تشير المفوضية السامية للاجئين أن مصر تستضيف نحو 219 ألف لاجئ، وبذلك تعتبر مصر من أقل دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا استضافة للاجئين. إلا أن هناك مجموعة من اللاجئين الذين لا يدخلون فى حسابات المفوضية، وهم الذين يستقرون فى مصر بصورة نهائية، ويرتبطون فيها بالمواطنات أو المواطنين المصريين، وبالتالى يتم اعتبارهم مواطنين مصريين[2]. ولذلك تؤكد مصر أن عدد اللاجئين فيها يقدر بالملايين، على عكس ما تشير بيانات المفوضية، فقد أعلن السيسي، خلال مؤتمر صحفي مع نظيره اليوناني بروكوبيس بافلوبولوس، في 23 أبريل 2015، أن مصر بها 5 ملايين لاجئ، وأثناء كلمته بقمة الأمم المتحدة للاجئين في 19 سبتمبر 2016، أكد أن مصر تتحمل 5 مليون لاجئ بين مسجل وغير مسجل، ودون عزلهم بمخيمات للإيواء، ويستفيدون من منظومة الدعم، وهو ما كرره في 19 يناير 2018، بإحدى لقاءاته مع الشباب، دون أن يوضح مصدر الرقم[3].

وتعتبر مصر من الدول الهامة لدى الإتحاد الاوروبى فى موضوع الهجرة غير الشرعية، وتتمثل هذه الاهمية فى وجود ملايين الأجانب الذين يتخذونها كمعبر وسيط لتسهيل الهجرة إلى أوروبا[4]. إلى جانب الدور المصرى القوى فى تقليل الهجرة إلى أوروبا، فقد لعبت مصر دوراً كبيراً فى وقف الهجرة غير الشرعية، وتحديداً منذ إصدار السيسي قانوناً، بالتنسيق مع إيطاليا، يحظر أنشطة الهجرة غير الشرعية والتسفير من دون ترخيص، ويجفف منابع تمويل الشبكات القائمة على هذا النشاط. فضلاً عن تطوير الجهود الأمنية والعسكرية لمنع تحرّك سفن المهاجرين من موانئ غرب الدلتا وغرب الساحل الشمالي المصري، والتي كانت مصدراً لنحو 60 في المائة من رحلات الهجرة غير الشرعية في الفترة بين 2010 و2015، وفق إحصاءات أوروبية[5]. أى أن أهمية مصر تتمثل فى وقف الهجرة وليس فى استضافة اللاجئين.

ويسعى الإتحاد الأوروبى مؤخراً إلى فتح معسكرات للاجئين فى مصر مقابل حصول مصر على مزايا مالية، ففى زيارة ميركل للسيسى فى مارس 2017، تم إجراء مباحثات حول إمكانية تاسيس مراكز إيواء للاجئين الأفارقة بمصر ينفق عليها الإتحاد الأوروبي، خاصة بعد تقليل تدفق اللاجئين السوريين والعراقيين والآسيويين عبر تركيا، وقد دفعت ميركل 250 مليون دولار لمصر، مع وعد بمبلغ مماثل في 2018[6]. وقد أشارت صحيفة بوليتيكن الدنماركية فى تقرير لها تحت عنوان "صديق أوروبا الجديد: ديكتاتور مصر"،  إلى أن قمة الإتحاد الأوروبى المنعقدة فى يونيو الماضى، قد أتفقت على إقامة معسكرات للاجئين فى دول خارج حدود الدول الأوروبية، وأن من بين هذه الدول مصر. مشيرة إلى أن الإتحاد الأوروبي سيقدم مزايا وإغراءات للديكتاتور السيسي، ومن بينها تمويل قطاع التعليم، إذا ما قبل التعاون مع ليبيا في مجال وقف الهجرة، حيث يمكن تحويل مصر إلى قاعدة استقبال لمن يجري توقيفهم في عرض البحر المتوسط وتسفيرهم إليها[7].

إلا أن مصر تؤكد على رفضها لفكرة إنشاء معسكرات للاجئين، فقد أكد وزير الخارجية سامح شكري خلال زيارته لبرلين، فى يوليو الماضى، على رفض فكرة إقامة المعسكرات للمهاجرين غير الشرعيين على الأراضى المصرية، مؤكداً أنها ليست قضية أمنية فحسب، وإنما يجب التعامل معها بمنظور اقتصادي واجتماعي، يستطيع من خلاله توفير فرص عمل مناسب للشباب في الدول المصدرة للهجرة[8]

وهو نفس الموقف الذى أكدته السفيرة نائلة جبر، رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، بأن "مصر لا تقبل بمعسكرات الإيواء للاجئين على الإطلاق، ويجب على الدول الأوروبية التعامل مع الدول المصدرة للهجرة غير الشرعية عن طريق المشروعات الاستثمارية"[9].

إمكانية فتح معسكرات للاجئين فى مصر

هناك مجموعة من الدوافع التى قد تجعل النظام المصرى يوافق على فتح معسكرات للاجئين تتمثل فى:

سياسياً: إمكانية استخدام ذلك كورقة ضغط على الإتحاد الأوروبى لقبول سياساته حتى لو كانت على حساب حقوق الإنسان. ومن أمثلة ذلك، التعاون بين روما والقاهرة، رغم استمرار تعثّر التحقيقات في قضية مقتل الشاب الإيطالي، جوليو ريجيني في فبراير 2015[10]، وهو التعاون الذى كان من بين أسبابه استخدام مصر لورقة وقف الهجرة غير الشرعية عبر أراضيها.

مالياً: فقد خصّصت المفوضية السامية للاجئين في عام 2017، نحو 72 مليون دولار لرعاية اللاجئين المتواجدين بمصر، وتقدّر المفوضية احتياجات مصر للعام الحالي 2018 بـ 74.5 مليون دولار، هذا إلى جانب المنح المقدمة من جانب كل دولة على حدة، وتم الحديث عن أن لقاء السيسى بكلاً من رئيس المجلس الأوروبي، دونالد تاسك، والمستشار النمساوي سيباستيان كورتس، على هامش الدورة 73 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو اللقاء الثانى الذى جاء بعد أيام على لقاء مماثل في القاهرة، جاء لاستكمال المباحثات المصرية النمساوية الأوروبية حول سبل تلقي مصر دعماً مالياً ومهنياً واجتماعياً من أوروبا، وهو الدعم الذى من المتوقع أن يتجاوز مليار يورو، كمكافأة لها على نجاحها في وقف موجات الهجرة غير الشرعية على مدى العامين الماضيين[11]. وبالتالى قد تسعى مصر إلى إقامة معسكرات للاستقبال من أجل الحصول على مزيد من الدعم المالى، خاصة فى ظل الأزمة الاقتصادية التى تعانيها القاهرة.

لكن هناك مجموعة من العقبات التى تجعل مصر ترفض هذه الفكرة منها، أن إقامة معسكرات لإيواء اللاجئين بمصر سيجعل مصر مقصداً للاجئين من أفريقيا والشرق الأوسط، وهو ما سيمثل مزيد من الضغوط على الخدمات الحكومية، التى تعانى أساساً من الضغوط نتيجة الزيادة السكانية.

كما أن إقامة المعسكرات ينطوي على مخاطر أمنية، فمن المحتمل أن يكون ضمن هؤلاء اللاجئين إرهابيين. وترفض مصر الفكرة أيضاً لأن دول الإتحاد الأوروبي لا تملك إطاراً استراتيجياً بعيد المدى للتصدي للهجرة، وهو ما يمكن أن يحول معسكرات الإيواء بمصر لمشكلة مزمنة تستعصي على الحل مستقبلاً.

وهناك من يرى أن قوات الأمن المصرية ترفض ذلك أيضاً لأن ما يتقاسمه ضباط حرس الحدود وغفر السواحل مع عصابات التهريب يفوق ما سيتم الحصول عليه من الإتحاد الأوروبي[12].


[1] الحبيب الاسود، " دول شمال إفريقيا توحد موقفها من معسكرات المهاجرين"، بوابة أفريقيا الإخبارية، 14/7/2018، الرابط التالى:

https://www.afrigatenews.net/article/%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%B4%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A5%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7-%D8%AA%D9%88%D8%AD%D8%AF-%D9%85%D9%88%D9%82%D9%81%D9%87%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D9%85%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%87%D8%A7%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D9%86/

[4] "شرطة جنوب المتوسط: السيسي يفاوض أوروبا مالياً لاستضافة اللاجئين"،مرجع سابق.

[5] المرجع السابق.

[6] محمد مغاور، مرجع سابق.

[7] ناصر السهلى، ""بوليتيكن" عن مقايضة أوروبا "ديكتاتور مصر": وقف الهجرة بالصمت عن الانتهاكات"، العربى الجديد، 21/9/2018، الرابط التالى:

https://www.alaraby.co.uk/politics/2018/9/21/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%8A%D8%B6-%D8%AF%D9%8A%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%AC%D8%B1%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%85%D8%AA-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%87%D8%A7%D9%83%D8%A7%D8%AA

[8] أكرم سامى، "زيارة شكري لألمانيا تنجح في الإطاحة بفكرة إقامة معسكرات اللاجئين بمصر"، الوطن، 6/7/2018، الرابط التالى:

https://www.elwatannews.com/news/details/3500116

[9] الحبيب الاسود، مرجع سابق.

[10] "شرطة جنوب المتوسط: السيسي يفاوض أوروبا مالياً لاستضافة اللاجئين"، مرجع سابق.

[11] المرجع السابق.

[12] محمد مغاور، مرجع سابق.  

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة