سياسات تخريب الزراعة المصرية .. المخاطر والانعكاسات

 سياسات تخريب الزراعة المصرية .. المخاطر والانعكاسات

 

تمارس بحق الزراعة المصرية منذ عقود سياسات عقيمة وفاشلة يمكن أن تصل أحيانا إلى حد التآمر  والذي حول مصر من دولة مصدرة للغذاء إلى دولة تستورد أكثر من 60% من غذائها، وبعد ثورة 25 يناير2011م، تطلع الشعب عبر انتخاب برلمان ممثل للشعب ثم رئيس مدني لأول مرة في تاريخ البلاد، إلى سياسات جديدة تنهض بقطاع الزراعة وتسهم في تحسين مستوى معيشة الفلاح، وتدفع البلاد نحو الاكتفاء الذاتي من الغذاء وعلى رأسه القمح الذي شهد طفرة في عام الرئيس المنتخب محمد مرسي، لكن هذه الأحلام تم وأدها بعنف بانقلاب 03 يوليو 2013م، يماثل العنف الذي استخدمه الجيش والشرطة بحق المعتصمين السلميين في ميدان رابعة العدوية والنهضة.

هذا الانقلاب العسكري الدموي، أفضى إلى مزيد من الأزمات والكوارث التي أسهمت في مزيد من تخريب الزراعة ومحاصرة الفلاح بالديون من جهة وانعدام الدعم من جهة ثانية ومنعه من زراعة محاصيل اقتصادية شديدة الأهمية بذريعة ندرة مياه الري وسد النهضة مثل الأرز وقصب السكر وغيرها من جهة ثالثة، وارتفاع أسعار مستلزمات وأدوات الزراعة ما أسهم في رفع تكاليف الإنتاج من جهة رابعة؛ بعد موجات الغلاء التي ترتبت على قرارات التعويم في نوفمبر 2016م، ثم خامسا أزمة التسويق والتسعير الحكومي المجحف للفلاح في أسعار المحاصيل ما يدفعه إلى الوقوع فريسة سهلة في أيدي كبار التجار والشركات النافذة. وسادسا قرارات الحكومة التي تحاصر الفلاح وتسهم في تعزيز مافيا الاستيراد عبر  شركات كبرى  تعود ملكيتها إما إلى أجهزة نافذة بالدولة أو لجنرالات كبار  لهم نفوذ واسع وسطوة كبيرة، ولهم صلات قوية بشبكة مصالح الدولة العميقة التي تهميمن على مفاصل الدولة لحساب المؤسستين العسكرية والأمنية.

وتعاني مصر من رقعة زراعية محدودة وزيادة سكانية مضطردة؛ ما أفضى إلى زيادة الفجوة إلى "60%" من احتياجاتنا من الغذاء، فمن إجمالي مساحة مصر البالغة 238 مليون فدان، لا تزيد رقعتنا الزراعية الحالية علي 8,6 مليون فدان بنسبة 3,6% فقط، ونبني منازلنا علي مساحة مماثلة في وضع غريب لشعب يعيش علي أقل من 7% من مساحة بلده ويعاني أيضاً من محدودية المياه مثلما هو الحال في محدودية الأراضي الزراعية.[1]

 

مستقبل الأمن الغذائي في خطر

وأمام هذه السياسيات التي تدور بين الفشل والتآمر، لا تتوقف صرخات العلماء وخبراء الزراعة والري المخلصون مطالبين بإعادة هيكلة القطاع الزراعي لإنتاج مزيد من الغذاء؛ لمواجهة انخفاض نسبة الأمن الغذائى، وضرورة استغلال التربة والماء للاقتراب من  مستويات الاكتفاء الذاتي من الغذاء. فهناك فجوة غذائية فى مصر تقدر بحوالى 60% من حجم الانتاج، وللقضاء عليها يتطلب هذا الأمر زراعة 10 ملايين فدان إضافية تحتاج لـ60 مليار متر مكعب مياه.[2]

فمصر حاليا تنخفض بها نسبة الاكتفاء الذاتى من القمح إلى 30% (نستورد 12 مليون طن) بسبب زيادة ربح المزارع من زراعة البرسيم عن القمح، وتنخفض فى الفول إلى 30%، وفى العدس تنعدم زراعته حتى بعد ارتفاع أسعاره،  كما  نستورد 100% من احتياجاتنا من زيوت الطعام و70% من الذرة الصفراء (نستورد 8.6 مليون طن) وكلتاهما زراعات صيفية، بينما المساحات المحصولية تقتصر على زراعة الأرز فى حدود 1.5 مليون فدان، انخفضت بقرار حكومي إلى حوالي 725 ألف فدان،  والقطن فى مساحة ربع مليون فدان وهو عالى استهلاك المياه ويفوق الأرز فى استهلاكه لها، ثم نزرع الباقى بالذرة البيضاء التى لا سوق ولا حاجة لها سوى البيع فى البلاجات والكورنيش كذرة مشوى واستبدالها بالذرة الصفراء وعباد الشمس وفول الصويا حتمى ويحقق الاكتفاء الذاتى منهما بزراعة 2.5 مليون فدان ذرة صفراء و1.5 مليون فدان صويا وعباد شمس خاصة أن كسبة الصويا تباع لمصانع مصنعات اللحوم والتى تستوردها بالكامل من الخارج وبسعر لا يقل عن ثمانية آلاف جنيه للطن، بالإضافة إلى أهمية كسبة الصويا والعباد ومعهما كسبة القطن فى تصنيع الأعلاف الحيوانية والداجنة والسمكية، بينما وزارة الزراعة تعلن عن بوار 3 ملايين فدان من الأرض الزراعية فى العروة الصيفية الماضية و4 ملايين فدان فى العام السابق له بما يمثل علامة استفهام كبيرة.[3]

أما عن العدس فالأمر لا يحتاج سوى لزراعة 100 ألف فدان منه شتاء لتحقيق الاكتفاء الذاتى الكامل منه وكانت مصر  واحدة من أكبر الدول المصدرة له منذ ثلاثين عاما فقط، وهى مساحة يسهل تدبيرها، وتدبير نصف مليون فدان للاكتفاء الذاتى من الفول البلدى وسط منافسة شرسة شتاء مع البرسيم بشكل أساسى ثم البنجر والقمح لأن الفلاح- وهذا من حقه- يزرع لخيواناته  قبل أن يزرع لنفسه لما تدره عليه من دخل يومى من بيع اللبن وتصنيع الجبن والزبدة، وبالتالى فالأمل فى الأراضى الجديدة الأقل استهلاكا للمياه فى التوسع الشتوى فى هذه الزراعات.

 

اكتفاء من الفواكهة وخسائر بالجملة

أما تجاهل النظام السعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الأساسية كالقمح والذرة الصفراء ، بخلاف أزمات القطن والأرز وقصب السكر، فإن مصر لا تحقق اكتفاء ذاتيا في غذائها سوى في الخضروات والفاكهة بل بإنتاج أعلى كثيرا من متطلبات السوق بما يؤدى إلى انهيار الأسعار وخسارة المزارعين، وبالتالى ينبغى ضمان حد أدنى لأسعار مختلف صنوف الخضروات والفاكهة لتحديد حد أدنى لربح المزارعين ليحافظوا معه على الأراضى الزراعية كرأس مالهم ولا يفكرون فى التخلص منها بسبب انخفاض ربحية العمل فى القطاع الزراعى وتحوله إلى قطاع غير مربح يؤدى بصغار العاملين فيه إلى السجن بسبب تراكم المديونيات وخسارات الزراعة السنوية، بسبب انخفاض الأسعار أو السياسات الخاطئة من بعض الوزراء، أو لحاجة القطاع إلى إعادة الهيكلة وتنشيط الصادرات والالتزام بالقواعد العالمية فى مواصفات سلامة الغذاء ونسب متبقيات المبيدات والأسمدة.

الغريب أن بعض قرارات الحكومة تؤدي إلى خسائر فادحة للفلاحين وقطاع الزراعة عموما؛ فعلى سبيل المثال أدت سياسة وزارة التموين بحكومة الانقلاب بعدم الإعلان عن أسعار استلام القمح من المزارعين  الشتاء الماضي قبل موسم الزراعة بمدة كافية ليطمئن المزارع على سعر المحصول ودخله المتوقع، كما يحدث من عشرات السنين، وبالتالى تسبب تأجيل إعلان السعر إلى إبريل  قبيل حصاد المحصول إلى تخوف المزارعين من تربص الوزارة بهم وفرضها لسعر إذعان منخفض للقمح لا فرار للفلاح من قبوله.

أدى هذه القرار العشوائي إلى هروب مزارعى القمح إلى زراعات الخضروات خاصة البطاطس والطماطم والبسلة والخيار والفلفل فانهارت أسعارها محليا لأنهم دخلوا إلى سوق مشبعة دون إرشاد زراعى يوجههم وتحملوا خسارات فادحة، وأعلنت وزارة الزراعة أن مساحة القمح المزروعة حتى الأسبوع الأخير من ديسمبر2017م  انخفضت إلى 2.1 مليون فدان بدلا من 3.3 مليون فدان فى العام  السابق؛ وبالتالى تخسر الدولة نحو 3 ملايين طن من القمح بما سيحمل الخزانة العامة للدولة أعباء استيراد كميات مماثلة، بالإضافة إلى الخسائر الكبيرة التى تكبدها الجميع من جراء انخفاض أسعار الطماطم والبطاطس محليا وعدم تنشيط صادراتها، رغم أن مصر هى خامس أكبر منتج عالمى للطماطم ومن الدول الكبرى المنتجة للبطاطس، ويبقى الفلاح مسكينا لا يجد من يوجهه أو يأخذ بيده بل يجد فقط من يحبطه ويتسبب فى خسارته وفرض الغرامات الباهظة عليه.

 

أبرز الأزمات

أولى الأزمات  نقص الأسمدة في كافة الجمعيات التابعة لوزارة الزراعة في المحافظات المختلفة، وارتفاع أسعارها بصورة مخيفة،

فأزمة نقص الأسمدة تعد القضية الأولى التي تشغل بال المزارع المصري حاليا، فإنتاج الأسمدة الكيماوية كان يصل في السابق إلى 15 مليون طن، وما يتم استهلاكه محليًا حوالي 9 ملايين طن، والباقي يتم تصديره إلي الخارج.

لكن شركات الأسمدة سواء الحكومية أو الخاصة  تعاني من ارتفاع سعر توريد وحدات الغاز الطبيعي الذي يشكل العمود الفقري لصناعة الأسمدة إلى مصانعها، فضًلا عن عدم تحديد سعر عادل لمنتجاتها من الأسمدة الآزوتية، ما يجعلها تفضل توجيه إنتاجها إلي الأسواق الخارجية، أو تعطيش السوق وبيعه في السوق السوداء بأسعار مضاعفة ترهق كاهل الفلاح. خصوصا إذا علمنا أن بيزنس الجيش امتد إلى صناعة الأسمدة منذ سنوات ومعظم المصانع مملوكة لجنرالات كبار فيما تسمى بالأجهزة السيادية.

و«استغل تجّار السوق السوداء الأزمة فقاموا برفع حاد لأسعار الأسمدة في ظل غياب الرقابة الحكومية، ما أدى إلى مزيد من الأعباء على المزارعين. وسجل سعر طن سماد اليوريا المدعّم بالجمعيات الزراعية 3290 جنيها (الدولار = 17.9 جنيها) في حين وصل في السوق السوداء إلى 5700 جنيه، في حين ارتفع سعر النترات من 3190 إلى 5500 جنيه للطن في السوق السوداء، فضلاً على ارتفاع أنواع الأسمدة الأخرى».[4]

وجاءت أزمة الأسمدة في ظل العديد من العقبات التي تواجه المزارعين ومنها ارتفاع أسعار الوقود وزيادة تكلفة الزراعة الفدان، وسط توقعات بارتفاع أسعار المحاصيل من الخضروات والفواكه على المستهلكين. وتحول نقص الأسمدة  إلى ظاهرة تتكرر سنوياً في البلاد، مع بداية الزراعات الشتوية والصيفية، دون تدخل من قبل الجهات الحكومية، بسبب ضعف الإمكانيات وعدم وجود رقابة حكومية كافية في هذا المجال.

الأزمة الثانية، هي شح المياه وقوانين الري الجديدة، حيث يقترب البرلمان من إنهاء مشروع قانون الري الجديد، الذي أعدّته وزارة الري بالتعاون مع وزارة الزراعة، وبذريعة الحفاظ على مياه النيل، يمنع القانون  الجديد زراعة عدد من المحاصيل الزراعية التي ترى الحكومة أنها "شارهة للمياه" وتحتاج إلى نسبة ري عالية، إلا أن القانون يواجه بانتقادات  واسعة من قبل المزارعين، كونه يعظّم خسائرهم.

والقانون الجديد يحتوي على 135 مادة، ويحظر إقامة أي أعمال  من دون ترخيص من وزارة الري، فضلًا عن توقيع عقوبات حبس وغرامات مالية للمخالفين.  كما يضع قواعد جديدة للتعامل مع المياه الجوفية ويضبط استخدامها، مما قد يؤدي إلى فرض رسوم إضافية لاستخدام هذه المياه، ويزيد الأعباء على من يريدون حفر آبار جوفية للزراعة بحجة الحفاظ على المياه الجوفية، لافتاً إلى أن الاتجاه لتغليظ العقوبات سيؤدي إلى التضييق على المزارعين وقلة المساحات المزروعة، وهو ما سيؤدي إلى "خراب البيوت" وارتفاع أسعار السلع الغذائية.[5]

الأزمة الثالثة هي التسويق:.. وخلال شهر أكتوبر الجاري 2018، تشهد المحافظات المصرية مأساة متكررة كل سنة تتعلق بابتزاز الحكومة للفلاحين بشأن محصول القطن وفرض أسعار متدنية لشرائه وهي بلا شك سياسات خاطئة وتخريب متعمد أفضى إلى أن المحاصيل الاستراتيجية التي كانت تتميز بها مصر تم العصف بها عمدا.

فالفلاحون علقوا آمالهم على توريد القطن للحكومة بسعر لا يقل عن 2500 جنيه للقنطار من الوجه القبلي و2700 جنيه من الوجه البحري، ثم فوجئوا بتنصُّل الحكومة من وعودها، ما دفع المزارعين إلى بيعه بـ2300 جنيه للتجار، رغم أن الفلاح كان يبيع القنطار العام السابق ب3300 جنيه، ما تسبب في خسائر جمة للفلاحين.  ووقف عمليات تسويق القطن. وكان البديل الوحيد أمام الفلاحين هو الاستسلام لجشع التجار الذين استغلوا الموقف وعرضوا سعراً بخساً، وبالتالي الغرق في الديون والتعرض للسجن، وخراب بيوت الفلاحين. هذه السياسات الخاطئة ستفضي بالتأكيد إلى الامتناع عن زراعته واللجوء لاستيراد القطن من الخارج لتكتمل فصول المهزلة. وخرجت مصر  من السوق العالمية في عام 2014، وانخفضت المساحة المنزرعة من القطن بشكل كبير في عام 2016، ووصلت المساحة المنزرعة 130 ألف فدان، وتعتبر أقل مساحة منزرعة من القطن منذ أيام “محمد علي”، وهو ما ترتب عليه انخفاض الإنتاجية والصادرات، كذلك المنتجات السنوية من الأعلاف والزيوت النباتية.

الأزمة الرابعة، التقاوي الفاسدة، حيث  اعترف الدكتور عز الدين أبوستيت، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي بحكومة العسكر، بمسئولية وزارته في مشكلة تقاوي الطماطم الفاسدة التي ضربت آلاف الأفدنة هذا العام وأدت إلى فساد المحصول وخسائر بالجملة للفلاحين.

واتهم حسين عبدالرحمن أبوصدام نقيب عام الفلاحين  الوزارة بالتورط في الكارثة، التي أدت لخراب بيوت ألاف الفلاحين ممن زرعوا شتلات الطماطم المضروبة والتي كان من المفترض مقاومتها لفيروس تجعد الأوراق ولكنها لم تقاوم الفيروس وأصيبت مما نتج عنه ندرة الإنتاج وهلاك المحصول بعدما تكلف الفدان الواحد أكثر من ثلاثين ألف جنيه، بعد أن اشترى المزراعون هذه التقاوي والشتلات من شركات ومشاتل مرخصة ومعروفة.

وكانت البداية عندما سمحت الإدارة المركزية لفحص واعتماد التقاوي التابعه لوزارة الزراعه بدخول التقاوي لمصر دون تحليلها معتمدة على الشهادة السابق اعتمادها من سنوات عند السماح بالاستيراد أول مرة. ما أدى  هلاك كمية كبيرة من محصول الطماطم لارتفاع جنوني بأسعارها وخراب بيوت للفلاحين.[6]

الأزمة الخامسة :قرارات الاستيراد التي تدعم مافيا المحتكرين، فقد جاء قرار خفض المساحات المزروعة بالأرز من "1,1" مليون فدان إلى "724" ألف فدان، متزامنا مع قرار فتح باب الاستيراد؛ وبالتالي تحولت مصر أخيرًا من دولة مُصدّرة للأرز لها مكانتها في السوق الدولية إلى مستورد من الخارج. ونقلت وكالة رويترز  وقتها عن وزير التموين والتجارة الداخلية، علي المصيلحي، إن مصر تتوقع استيراد ما يتراوح بين 500 و700 ألف طن من الأرز الشعير.

ويشن نظام الجنرال السيسي حربًا على الأرز بحجة أنه يهدر مياه الري، واتهمت وزارة الموارد المائية في بيان رسمي محصول الأرز باستهلاك 9 آلاف متر مكعب من المياه للفدان، وقالت إن هذه الكمية تكفي لزراعة 3 أفدنة من المحاصيل الأخرى، وأن الأرز يستهلك 15 مليار متر مكعب من المياه، وهي تعادل 27% من مياه النيل. وفي المقابل تتجاهل الحكومة إهدار المياه في ري ملاعب الغولف، وحمامات السباحة في التجمعات السكنية المنتشرة في الساحل الشمالي، وطريق الإسكندرية الصحراوي، والقطامية في شرق القاهرة، والسويس، بالرغم من أن استهلاك الفدان الواحد من ملاعب الجولف يبلغ 15 ألف متر مكعب من المياه سنويا، بحسب إحصائيات وزارة الري، وهي كمية تكفي لزراعة 3 أفدنة من الأرز، ويوجد 40 ملعب غولف في مصر على مساحة 40 ألف فدان، وهناك مطالب برلمانية لوزارة الري بالكشف عن كمية هذه المياه وعدم التستر على جريمة إهدارها، ولكنها تكتفي بمحاربة زراعة الأرز.

وبعد تولي الجنرال السيسي الحكم، رفضت الحكومة شراء الأرز من الفلاحين أيضًا، وتوقفت عن بناء احتياطي استراتيجي، ثم رفعت السعر في منظومة البطاقات التموينية من 1.5 جنيه للكيلو في 2013، إلى 6.5 جنيه للكيلو، وكررت الخطأ الذي وقعت فيه حكومة الجنزوري، وقامت باستيراد كميات من الأرز الفيليبيني، في عامي 2016، و2017، بالرغم من الاكتفاء الذاتي ووفرة الإنتاج أيضًا.

وعلى عكس القمح والسكر والسلع الأساسية الأخرى التي تستوردها مصر لتغطية الطلب الذي يفوق الإنتاج المحلي، فإن محصول الأرز الضخم يفوق بكثير حجم الطلب المحلي، وقدرت وزارة الزراعة الأميركية إنتاج حقول الأرز بمصر في نفس الشهر بنحو 5.1 ملايين طن، مقابل استهلاك سنوي يبلغ نحو 3.95 ملايين طن، وبالرغم من الوفرة، طرحت الهيئة المصرية العامة للسلع التموينية مناقصة عالمية لشراء ما لا يقل عن 100 ألف طن من الأرز في مستهل حملة حكومية لشراء 500 ألف طن.

والمستفيد الأول من تخفيض مساحة الأرز في مصر هي أميركا باعتبارها المنافس الأكبر للأرز المصري، والمتضرر الأكبر من وجوده في السوق الدولية، وبالتالي هي الرابح الأكبر، علما بأن نوعية الأرز المصري يتم زراعته في خارج مصر في منطقتين فقط، هما كاليفورنيا في الولايات المتحدة، وأستراليا، وكانت مصر تستحوذ على 20% من حجم التجارة العالمية للأرز، وبعد تخفيض مصر المساحة وتوقف تصدير الأرز خرجت من السوق العالمي. وفي حالة استيراد هذه النوعية من الأرز فسوف يصل السعر إلى ألف دولار، أي 18 جنيهاً للكيلوغرام في مصر.

أما المستفيد الثاني من استيراد مصر للأرز فهي مافيا استيراد الأرز الهندي التي ضغطت على الحكومة في سنوات سابقة، بالرغم من وفرة الإنتاج المحلي.[7]

الأزمة السادسة،  وأد محاولات الاكتفاء الذاتي من القمح، في 2012 وبمجرد انتخابه، «تعهد الرئيس مرسي بالاكتفاء الذاتي من القمح في غضون 4 سنوات، وزادت المساحة المزروعة بنسبة 10%، والإنتاجية بنسبة 30%، بحسب إحصاءات وزارة الزراعة الأميركية، وأوقف استيراد مليون طن في موسم الحصاد، ولم تزد فاتورة الاستيراد في عهده عن سبعة ملايين طن»[8].

لكن هذا «الحلم الوطني العظيم» تلاشى بعد انقلاب 30 يونيو، وذهب أدراج الرياح، وعادت مؤسسات الدولة التي تهيمن عليها المؤسسة العسكرية والأمنية تفرص وصايتها على مصر دولة وشعبا وحضارة.

بالمقابل «لم ينطق الجنرال عبدالفتاح السيسي ببنت شفة عن الاكتفاء الذاتي من القمح مطلقاً، طوال فترة حكمه، كما لم يستهجن تصريح وزير تموينه السابق، خالد حنفي، حين اعتبر  وصف مصر بأكبر مستورد قمح في العالم "نقطة قوة". ولا حين قال "لا يجب أن يكون عندنا اكتفاء ذاتي من القمح، وليس من مصلحة مصر أن تكتفي ذاتياً من القمح"، وقفز بالاستيراد إلى 12 مليون طن، بزيادة 70%. وفي عهده انتكست المساحات المزروعة بالقمح، وكشف تقرير رسمي صادر عن شؤون المديريات الزراعية على مستوى الجمهورية، التابع لوزارة الزراعة في 2016، عن تراجع بمقدار 500 ألف فدان عن العام السابق بنسبة 16%، وجاء تقرير نفس الجهة، هذا العام، كاشفاً عن تراجع آخر بلغ 269 ألف فدان عن العام السابق بنسبة 11%. وفي الموسم الماضي 2017، أعلن خالد حنفي عن استلام 5.2 ملايين طن من المزارعين، ليكشف النائب العام عن توريدات وهمية بنسبة 40% من الكمية وخلط القمح المستورد بالمحلي، وتدخلت مؤسسة الرئاسة التي تدعي محاربة الفساد لغلق الملف، بحسب مصدر برلماني واكتفى النظام بإقالة الوزير بدلاً من محاكمته[9]».

خلاصة القول.. أن هذه  السياسات التخريبية تفضي إلى:

أولا، تدمير المحاصيل الزراعية الاستراتيجية مثل القمح والأرز والقطن والذرة الصفراء وتعمد تراجع إنتاج مصر منها.

ثانيا، حصار الفلاح بقوانين وقرارات تعسفية وعدم دعمه أوتسويق محاصيله وهو ما يفضي في النهاية إلى هجره الفلاحة لقلة العائد ما يسهم في تدمير الزراعة.

ثالثا، تعزيز موقف مافيا الاستيراد خصوصا في القمح والأرز والذرة الرفيعة لحساب شركات مملوكة لأجهزة سيادية بالدولة أو جنرالات كبار تربطهم علاقات قوية بشبكة المصالح التي تهمين على مفاصل البلاد منذ عقود.

رابعا، إبقاء مصر في حالة عوز مستمر  في محصول القمح وإجهاص أي مساعي نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي وهو ما يسهم في تبعية مصر لدول أجنبية كبرى باتت هي المتحكم في الفعلي في رغيف الخبز وهو ما يؤثر في استقلال القرار الوطني فمن كان خبزه من فأسه فقراره من رأسه.

 

 



[1] د.عبدالحميد عيد عميد كلية الزراعة بجامعة قناة السويس//الزراعة المصرية.. المشاكل والحلول/ الفلاح اليوم 2 مايو 2018

[2] مصطفى النجار/ما حجم الفجوة الغذائية في مصر؟.. لجنة الزراعة بمجلس النواب تفجر مفاجأة صادمة/ صوت الأمة الأحد 08 يوليه 2018

 

[3] نادر نور الدين محمد/ مستقبل أمن الغذاء فى مصر/ المصري اليوم الخميس 11 يناير 2018

 

[4]أزمة أسمدة تهدد زراعة مصر/ العربي الجديد 1 أكتوبر 2018

[5] الفلاحون في مصر ينتقدون مشروع قانون الري الجديد/ العربي الجديد 30 سبتمبر 2018

 

[6] محمد أبو عمرة/"أبو ستيت": الزراعة طرف أصيل في أزمة "بذور الطماطم" المغشوشة / الوطن الثلاثاء 02 أكتوبر 2018

 

[7] عبد التواب بركات/مخاطر قرار السيسي استيراد الأرز/ العربي الجديد 20 أغسطس 2018

[8] عبد التواب بركات/ القمح المصري ما بين مرسي والسيسي/ العربي الجديد 13 مايو 2017

[9] المصدر السابق

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة