سيناريوهات كارثية تنتظر مصر بعد حادث المنيا الإرهابي

 سيناريوهات كارثية تنتظر مصر بعد حادث المنيا الإرهابي

 

تعرضت مصر لحادثين إرهابيين، خلال الأسبوع الأول من شهر نوفمبر الجاري؛ الأول نفّذه مسلحون ينتمون إلى ما يعرف تنظيم “ولاية سيناء”، حيث أسفر يوم الجمعة 02 نوفمبر عن مقتل 7 أقباط وإصابة حوالي 19 آخرين كانوا يستقلون 3 حافلات في الطريق إلى دير الأنبا صموئيل بمركز العدوة بمحافظة المنيا، والثاني نفذته بخسة مماثلة عصابات جنرال الانقلاب عبد الفتاح السيسي، يوم الأحد 04 نوفمبر، بحق 19 مواطنًا مصريًّا لم تُعرف هوياتهم حتى اليوم، وعلى الأرجح هم شباب من المختفين قسريِّا اغتالتهم مليشيات العسكر بدم بارد خارج إطار القانون؛ في محاولة للتغطية على فشل الأجهزة الأمنية في حماية الأقباط في الجريمة الأولى.

مصر إذًا أمام تنظيمين إرهابيين يتسمان بالوحشية المفرطة والدموية المتأصلة في تكويناتهم وثقافتهم المتطرفة: التنظيم الأول هو “ولاية سيناء” الذي يعتمد التكفير الديني لكل مخالفيه، أما التنظيم الإرهابي الثاني فهو نظام الحكم العسكري الدموي، والذي استبدل صناديق السلاح والذخيرة بصناديق الانتخابات، وأجهض المسار الديمقراطي بانقلاب عسكري مشؤوم، في 03 يوليو 2013م، وارتكب عشرات المذابح الوحشية التي تم بثها على الهواء مباشرة، مثل مذبحة رابعة والنهضة، وميدان مصطفى محمود، و6 أكتوبر، وقبلها العباسية ومجلس الوزراء ومحمد محمود وماسبيرو وغيرها.

تنظيم العسكر الإرهابي يمارس التكفير الوطني والديني على حد سواء، فمخالفوه لا يستحقون الانتماء للوطن، فلا مكان لهم فيه إلا بالاغتيال قنصًا أو الاعتقال والاختفاء قسرًا؛ أو مصادرة الأموال والشركات وتركهم حتى يموتوا جوعًا؛ فضلا عن أنهم “ناس نتنة ليس لهم إلا الرصاص والضرب في المليان، وقتلهم هو نوع من التقرب إلى الله ورسوله”، كما أفتى علي جمعة في الفيديو الشهير أمام شرذمة من جنرالات العسكر الدمويين بعد انقلاب 03 يوليو بأيام!

وبهذه الجريمة الوحشية على طريق دير الأنبا صموئيل، أرد تنظيم "ولاية سيناء" توجيه رسالة للنظام العسكري أنه لا يزال موجودًا، وأن “القوة الغاشمة” التي توعد بها السيسي التنظيم لم تجدِ نفعًا، وأنه لا يزال متماسكًا ولم تؤثر فيه العملية الشاملة التي بدأت في نوفمبر الماضي، ولا تزال مستمرة، دون إنجاز يذكر، سوى تدمير مزيد من منازل ومزارع أهالي سيناء لدفعهم نحو التهجير القسري طوعًا جراء انعدام الاستقرار في شمال سيناء؛ لأهداف تتعلق بصفقة القرن وحماية الكيان الصهيوني.

كما أن التنظيم اختار الزمان والمكان بعناية فائقة،  فالجريمة تأتي بعد يوم واحد فقط من بيان الجيش رقم 29 الذي تباهي فيه بالقضاء على التنظيم وقتل واعتقال العشرات من عناصره وأفراد، كما أنه يأتي قبل يوم واحد من بدء احتفالات السيسي بمنتدى شباب العالم، ما يمثل إحراجًا دوليًّا للنظام وإفشالًا للمؤتمر قبل أن يبدأ، ذلك أن كل التغطية والتناول الإعلامي الدولي يسلط الضوء على حادث المنيا، بينما تلاشت تمامًا أخبار مؤتمر السيسي الذي انطفأ بالفعل قبل أن يبدأ.

أما المكان فهو نفس المكان الذي نفذ فيه التنظيم جريمة مماثلة قبل أكثر من سنة، يوم 26 مايو 2017؛ أسفرت عن مقتل 29 قبطيًّا وإصابة 24 آخرين؛ ما يعني أن التنظيم يخرج لسانه للنظام، مدللا على فشل المنظومة الأمنية التي لا تجيد سوى اغتيال المخطوفين قسريا في سجونهم، بينما الذين ارتكبوا مذبحة الجمعة ضد الأقباط على الأرجح هم نفس الخلية التي نفذت الجريمة الأولى قبل سنة.

الرسالة الثالثة من "ولاية سيناء" هي لقيادة الكنيسة؛ بتأكيد أن رهان البابا وقيادات الكنيسة على نظام العسكر  لن يحصدوا منه سوى الدماء والانتقام، فقد وفر انحياز بابا الكنيسة للنظام العسكري مبررًا لتنظيم داعش وولاية سيناء لتوصيف الأقباط باعتبارهم محاربين لا ذميين؛ وبذلك يتعامل معهم على هذا الأساس، مستحلا دماءهم وأموالهم باعتبارهم منحازين وداعمين لجرائم النظام بالمثل؛ وهو ما يتعين معه من قيادة الكنيسة إلى ضرورة إعادة التفكير في مسارهم ورهانهم على النظام الذي يكتوي بنيرانه وظلمه جميع فئات الشعب دون استثناء.

 

اعتداء دير الأنبا صموئيل

في أعقاب الهجوم المسلح الذي تبناه تنظيم الدولة "ولاية سيناء" على "3" حافلات كانت تقل أقباطا في طريق عودتهم ظهرًا من تعميد طفل في زيارة لدير الأنبا صموئيل،  تساءلت  صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية: «لماذا تعجز الأجهزة الأمنية المصرية عن وقف هذه الهجمات المتكررة ضد الأقباط؟».

وقالت الصحيفة في التقرير الذي نشرته على موقعها الإلكتروني يوم الأحد "04 نوفمبر 2018م" إن حكومة الجنرال عبدالفتاح السيسي تعلن بشكل روتيني عن مثل هذه الهجمات، معتبرة أن ذلك يطرح سؤالا وهو:"لماذا تعجز قوات الأمن عن وقف هجمات المسلحين؟".

تقرير "نيويورك تايمز"[1] ينقل عن تيموثي كالداس، المحلل في معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط، اندهاشه:" الحقيقة أن تنظيم الدولة نجح في تنفيذ هجوم بنفس الطريق بالقرب من نفس الدير بعد عام واحد".  وأضاف قائلا :" هذا حقا يستدعي سؤالا حول فاعلية جهود الحكومة لتعزيز الأمن بشكل خاص في المنيا، حيث تستهدف الأقلية القبطية دون رحمة".

 

أين الكمين الأمني؟!

منذ حادث العام الماضي مايو 2017 يتواجد كمينان أمنيان؛ الأول أمام بوابة الدير لحراسته، والثاني متحرك يقف عادة أمام مدخل طريق المدق الوحيد المؤدي للدير. وفي محاولة للتغطية على الفشل الأمني، كانت صحف ومواقع موالية للسلطة نقلت عن  مصدر أمني أن «الطريق الرئيسي للدير مغلق طبقًا للتعليمات الأمنية، نظرًا لخطورة موقعه في الظهير الصحراوي وانقطاع شبكة الاتصالات في محيطه، حيث استخدم الضحايا دروب فرعية للوصول الى الدير»[2].

لكن مطرانية مغاغة والعدوة أصدرت بيانا[3] يوم الثلاثاء 06 نوفمبر، تؤكد فيه أن الحافلات التي تعرضت لهجوم الجمعة  أثناء عودتها من دير الأنبا صموئيل المعترف، قد توجهت، بحسب ما أجمع عليه الناجون، إلى الدير من «المدخل الرئيسي، على الطريق الصحراوي ولم يسلكوا طريقًا آخر كما يدعي البعض» في تكذيب واضح لهيئة الاستعلامات المصرية، وما تردده الأذرع الإعلامية للنظام؛ بل يؤكد الراهب داود الصموئيلي، أحد مسؤولي أمن بوابة الدير، أنه لا وجود أصلا  ﻷي طرق فرعية أخرى للدير وأن «المدق» (الطريق غير الممهد) هو وسيلة الدخول الوحيدة.

ويشير الراهب إلى أن الكمين الموجود على مدخل الطريق المؤدي للدير  ليس ثابتا طول اليوم، فهو يصل الساعة 6 صباحًا ويمشي الساعة 6 مساءً.  ويفسر الراهب تداول أخبار مغلوطة  على لسان مصادر أمنية حول اتخاذ الرحلات طريق فرعي بأنها محاولة للتغطية على التقصير الأمني لعدم وجود الكمين طول الوقت، رغم أن الناس تعلم طبعا أنه لا يوجد طريق فرعي للدير من الأساس!.

الراهب يؤكد  أيضا أن الهجوم وقع الساعة الثانية بعد الظهر، فيما وصل الأمن بعد نحو ساعتين، منتقدا عدم وجود طائرة مروحية جاهزة لتمشيط المنطقة واللحاق بالعناصر المسلحة!.

فإذا علمنا أن الاعتداء وقع على بعد 10 كم من بوابة الدير وكذلك 10 كم من بداية الطريق فإن هذه المسافة تستغرق من 10 دقائق إلى 15 دقيقة  على أقصى تقدير لو كان الكمين موجودا لكن الكمين لم يكن موجودا من الأساس رغم أنه يوم جمعة وتكثر فيه رحلات الأقباط للدير!

خلاصة تصريحات الراهب أن الكمين الأمني الذي يتواجد كل يوم من السادسة صباحا حتى السادسة مساء منذ الحادث الأول في 26 مايو من العام الماضي 2017 لم يكن موجودا يوم الحادث! فمن أين عرف المسلحون أن الكمين لن يكون موجودا؟ ومن الذي أخبرهم بذلك؟ وهل ثمة اختراق في صفوف الأجهزة الأمنية لصالح هؤلاء المسلحين؟ أم ثمة تواطؤا من جانب أجهزة الأمن يصل إلى حد التورط؟!

ولماذا لم تنفذ السلطات مطالب الأنبا أغاثون، أسقف إيبراشية مغاغة والعدوة، في لقاءات تليفزيونية عديدة بتنفيذ ما وُعد به بعد الهجوم الأول الذي استهدف حافلة أخرى متجهة للدير في مايو 2017، وأسفر عن مقتل 28 وإصابة أكثر من 20 قبطيًا بعد تواجد حراسة أمنية ثابتة على مدخل الطريق وأخرى متحركة لتأمين الرحلات يوم الجمعة فضلًا عن رصف وإنارة الطريق المؤدي للدير، وتركيب كاميرات مراقبة به، بالإضافة إلى تقوية شبكات المحمول لسهولة التواصل بالمنطقة البعيدة عن التغطية؟

كل هذه الأشياء تؤكد إما تواطؤا فجا أو تورطا مفضوحا من جانب أجنحة داخل النظام؛ الذي يحتاج كل فترة لمثل هذه النوعية من الاعتداءات لتوظيفها سياسيا في الولايات المتحدة الأمريكية والغرب لتسويق شرعيته المشكوك فيها و والتأكيد على أهمية الدور الذي يقوم باعتباره رأس الحرب ضد ما يسمى بالإرهاب وهي تجارة رائحة تلقى قبولا في الغرب وتدر كثيرا من الدعم السياسي والمالي يصل إلى مليارات الدولارات.

 

بيان اغتيال الـ19!

في محاولة للتغطية أيضا على فشل الأجهزة الأمنية، والنظام السياسي، أصدرت وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب يوم الأحد 04 نوفمبر بيانا حول الثأر لضحايا الحادث بالإعلان عن مقتل 19 شخصًا زعمت أنهم متورطون في الحادث من خلال تبادل إطلاق نار في الظهير الصحراوي بالمنيا، دون أن تفصح عن أسمائهم! فكيف عرفت الداخية أنهم متورطون في الحادث دون تحقيق ودون حتى أن تثبت بالأدلة تورط هؤلاء الضحايا الـ19؟!  ولماذا لم يسقط ضحايا ومصابون في صفوف الشرطة في هذا التبادل المزعوم لإطلاق النار  رغم أن الجثث التي نشرتها الداخلية في صحراء واسعة لا توجد بها سواتر رملية ما يعني أن التبادل المزعوم لإطلاق الرصاص حتما سينتج عنه ضحايا من الجانبين فأين ضحايا الشرطة؟ ولماذا قتل جميع المسلحين ونجا جميع أفراد الشرطة؟  ولماذا لم تقبض عليهم وتحقق معهم للكشف عن تفاصيل الحادث ومصادر التمويل؟ فما جرى مع الـ19 هو جريمة اغتيال مع سبق الإصرار والترصد لا تقل بشاعة عن قتل الأقباط السبعة. وتؤكد أن النظام استهدف باغتيالهم طمس الأدلة وغلق باب التحقيق حتى يفلت الجناة الحقيقيون!. كل هذه الأسئلة والألغاز تفضح الرواية الأمينة وتؤكد فبركتها.

يعزز هذه الفرضية التي ترتقي إلى مستوى الدليل ما نشرته صحيفة “المصري اليوم” في عدد الأربعاء 07 نوفمبر 2018م، تحت عنوان “فريق أمني عالي المستوى يمشط محيط “دير الأنبا صموئيل” بالمنيا.. الاستعانة بمشايخ العرب لتحديد مسار سيارة الجناة.. وصلاة بالشموع للضحايا”!..  فلماذا تستعين الشرطة بقصاصي الأثر لتحديد مسار سيارة الجناة إذا كانت قد أعلنت عن قتلهم يوم الأحد الماضي؟! ولماذا تمشط فرقة أمنية عالية المستوى مسرح الجريمة ما دامت قد عثرت عليهم في الظهير الصحراوي وقتلتهم؟! وإذا كانت الشرطة تحتاج إلى معلومات إضافية.. فلماذا لم تقبض على الجناة أحياء بدلا من قتلهم يوم الأحد الماضي؟!

الخلاصة أن النظام البربري العسكري اغتال 19 بريئًا من المخطوفين قسريًا أو المجهولين –الذين لم يكشف عن اسمائهم حتى الآن- من أجل تهدئة غضب الكنيسة والأقباط فارتكب جريمة أبشع من الأولى ودلل على أنه لا يقل إجرامًا وإرهابًا من عناصر تنظيم “ولاية سيناء” أو داعش بل هو أكثر وحشية ودموية لأنه يمارس أعمال المجرمين وقطاع الطرق عبر اختطاف مؤسسات الدولة فيتعامل بمنطق وأدوات المجرمين واللصوص لا بأدوات الحكومات وسيادة القانون.

 

سيارة البدو!

الدليل الثالث على تواطؤ أو حتى تورط أجنحة داخل النظام، في هذه الجريمة المروعة،  هو تمكن عدد من الأهالي المتعاطفين مع الدير  من توقيف سيارة دفع رباعي بعد الحادث مباشرة، يقلها عدد من البدو يحملون أسلحة آلية ويرتدون جلاليب ، شك الأهالي في السيارة فأوقفوها وأشعلوا فيها النيران، وقبضوا على بعض ركابها،  لكن البدو أطلقوا الرصاص عشوائيا في الهواء لتخويف الأهالي مؤكدين أنهم تابعون لجهاز الأمن الوطني[4]، وأمام قيام الأهالي بضربهم جاءت قوة عسكرية تابعة للجيش واستلمت هؤلاء البدو وسط اندهاش الأهالي وطرح تساؤلات ملحة حول تورط أجنحة داخل النظام في هاتين الجريمتين: الأولى الاعتداء على الزوار الأقباط وقتل 7 وإصابة 19 آخرين. والثانية اغتيال 19 بريئا بدم بارد خارج إطار القانون!

 

غليان في طريق الانفجار

وتسود حالة من الغليان بين جموع الأقباط ورعايا الكنيسة، في أعقاب الهجوم المسلح؛ ظهر ذلك بشدة في جنازة ضحايا الحادث في اليوم التالي؛ حيث  تهكم مئات المشيعين بصوت عال وأشاروا بأصابعهم تعبيرا عن الرفض، بعد أن وجه أحد الأساقفة الشكر لقوات الأمن ومسئولي الحكومة على الملأ.

ولم يصدر تعليق رسمي من الكنيسة الأرثوذكسية إلا في صباح اليوم التالي، حيث صدر بيان تعزية من البابا تواضروس الثاني. وكان البابا قد صرح أثناء زيارته للولايات المتحدة الأمريكية، في شهر سبتمبر الماضي، ردًا على سؤال يخص الوضع الأمني في مصر، قائلًا: «اللى عايز يزور مصر أهلًا وسهلًا، والوضع تغيّر تمامًا غير من 5 سنين»[5].

وأسهم في زيادة الاحتقان والغضب القبطي ضد نظام العسكر، حالة البلادة والتوهان التي بدا عليها النظام، بخلاف هشاشة التحرك الأمني وبطئه، وغياب الأدوات الضرورية في مثل هذه الحالات لتعقب الجناة وضبطهم، ومما أغضب الأقباط، أيضا تجاهل النوافذ الإعلامية الموالية للسلطة من فضائيات وصحف ومواقع للحدث لمدة يومين على الأقل ثم بدأ التناول لكنه كان يحتل الأولوية الثانية باستمرار؛ وذلك لأنه تزامن مع بدء منتدى شباب العالم الذي أقيم بعد الحادث بيوم واحد فقط من "السبت 03 نوفمبر  حتى الثلاثاء 06 نوفمبر "؛ وقد كانت وسائل الإعلام حريصة على عدم التنغيص على الجنرال عبدالفتاح السيسي وهو يحتفل بين 5 آلاف شاب تم انتقاؤهم على الفرازة الأمنية داخل مصر بخلاف لفيف من الشباب من عدة دول مختلفة؛ جيء بهم خصيصا ليحتفلوا على حساب«الدولة الفقيرة أوي»  يقيمون في فنادقها  الفاخرة مجانا ويتنقلون بحافلاتها وينعمون في أفخم شواطئها على حساب الشعب المسكين.

حالة التكتم التي سيطرت على المشهد الإعلامي مما حدث في "المنيا" أثارت انتقادات واسعة من صحفيين وخبراء إعلام، فضلا عن رواد "السوشيال ميديا" الذين تساءوا لماذا تجاهلت وسائل الإعلام الموالية للسلطة الحادث، ولماذا لم تعلن حالة الحداد؟.[6]

اختلف سياسيون وخبراء حول تفسير ذلك،  فبينما رأى البعض من الموالين للعسكر أنه من الأفضل عدم تسليط الضوء على مثل هذه العمليات حتى لا تروج أن مصر فيها  "إرهاب"،  لاسيما أنها جاءت في وقت تتجه فيه الأنظار صوب منتدى شباب العالم الذي تستضيف فيه مصر نحو 5 آلاف شاب من 160 دولة، لكن آخرين رأوا أن إخفاء الحقائق سيترك المجال أمام وسائل الإعلام الأجنبية والمعارضة أو الرافضة للنظام لتنقل ما تريد وهو ما يضعف تلقائيا الآلة الإعلامية للنظام لحساب هذه الفضائيات والصحف، كما أنه سوف يسهم في زيادة منسوب عدم اليقين والمصداقية بين الشعب والنظام.

لكن الكاتب الصحفي محمد سعد عبدالحفيظ[7]، عضو مجلس نقابة الصحفيين يحذر مما هو أخطر من  ذلك ، لافتا إلى أن حجم الغضب داخل الأقباط أوشك على الانفجار حيث ينقل عن شاب قبطي «ماذا لو فتح شاب مسيحي متطرف النار على مسلمين داخل مسجد؟.. وكيف سيكون حال البلد لو قررنا حمل السلاح لحماية كنائسنا وأديرتنا؟.. إحنا مش عجزة»،  ويعلق عبدالحفيظ: «فزعت من مستقبل يراه البعض بعيدًا أو مستحيلًا ويراه هؤلاء على مرمى بصر، فالشرر يتطاير من العيون، والقلوب تحمل كمًا من الغضب قادر على حرق كل من يقف أمامه، وهو ما جعلني أشعر بالخوف ليس على مصيرنا في هذه اللحظة بل على مستقبل هذه الدولة»، ويضيف «مر أكثر من عام، ولا يعلم أحد مصير تحقيقات حادث الدير الأول، حتى جاءني خبر حادث الدير الثاني نهار الجمعة والذي راح ضحيته 7 شهداء ونحو 20 مصابًا، فهاتفت بعض ممن قابلتهم العام الماضي في قرى المنيا من المترددين على الدير، فشكوا من نفس الأخطاء وكرروا ذات النحيب على من صعدوا، وأيقنت أن منسوب الغضب أكبر مما تصورت»!.

خلاصة القول،  أن ظلم السيسي واستبداده وانقلابه المشئوم، هو ما بث الروح في أفكار التنظيمات الراديكالية المتطرفة مثل القاعدة وداعش وولاية سيناء، فبات العسكر وداعش وجهان لعملة واحدة يمارسان التكفير الديني والوطني لمخالفيهم وينفذان الجرائم الوحشية التي تستحل حياة وأموال وأعراض وحريات مخالفيهم.

وأمام فشل الأجهزة الأمنية في إلقاء القبض على من نفذوا الجريمة الأولى، اضطر السيسي وقتها إلى إلهاء المواطنين وتشتيت الانتباه بشن عدوان على ليبيا بحجة الانتقام من المسلحين في درنة!، لكنه بعد الهجوم الأخير، اغتال 19 مواطنا بريئا ليبقى من نفذوا الجريمة طلقاء يستعدون لتنفيذ جريمة أخرى، لتبقى مصر في دائرة مفرغة بين تنظيمين دمويين: الأول يبرر جرائمه بنصوص دينية يفسرها وفق هواه، والثاني يمارس التكفير الديني والوطني لمخالفيه و يوظف الأحداث  سياسيًّا من أجل إقناع الغرب بأنه رأس الحربة ضد «الإرهاب الإسلامي»، ويتخذ من هذه الجرائم ذريعة للتنكيل والانتقام من كل ما يمس ثورة يناير من الإخوان والسلفيين والجماعة الإسلامية والحركات الشبابية الليبرالية واليسارية التي شاركت بقوة في أحداث الثورة، من أجل إقامة نظام ديمقراطي يكرس الحرية والعدالة للجميع دون تهميش أو إقصاء.

 



[1] بسيوني الوكيل/نيويورك تايمز: لماذا عجز الأمن عن منع تكرار هجوم المنيا؟ / مصر العربية 04 نوفمبر 2018

[2] سارة نور/ الكنيسة تصدر بيانًا ثانيًا بشأن دير الأنبا صموئيل.. و«توك توك» هو من أبلغ عن الحادث/ مصر العربية الجمعة 02 نوفمبر 2018

[3] مطرانية «مغاغة والعدوة»: قافلة الجمعة سلكت الطريق الرئيسي لـ«الأنبا صموئيل».. وراهب بالدير: الكمين الأمني لم يكن موجودًا وقت وصولها/مدى مصر 6 نوفمبر 2018

 

[4] أهالي المنيا يقبضون على أفراد من داعش مرتكبي عملية إطلاق النار على أتوبيس أقباط المنيا/ يوتيوب  السبت 03 نوفمبر 2018م// الصحفي محمود جمال  تويتر  04 نوفمبر 2018م

[5] ما نعرفه عن مقتل 7 مواطنين في هجوم على حافلات للأقباط بالمنيا (تغطية مستمرة)/مدى مصر2 نوفمبر 2018

[6] علي أحمد/ تجاهل «الإعلام» لحادث المنيا.. هل سقط سهوًا؟/ مصر العربية  03 نوفمبر 2018

[7] محمد سعد عبد الحفيظ/ غضب في طريق دير المعترف/ مدى مصر 4 نوفمبر 2018

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة