اجتماعات ايطاليا حول ليبيا .. المصالح الدولية و"حفتر" يعرقلان الانتخابات وتوحيد الجيش

 اجتماعات ايطاليا حول ليبيا .. المصالح الدولية و"حفتر" يعرقلان الانتخابات وتوحيد الجيش

 

شهدت مدينة باليرمو الإيطالية، في 12 و13 من نوفمبر 2018، مؤتمراً دولياً بشأن التسوية السلمية في ليبيا، في محاولة جديدة للتوفيق بين تياري "خليفة حفتر" قائد ما يسمي "الجيش الوطني" الذي يسيطر على شرق ليبيا، و"فايز السراج" رئيس المجلس الرئاسي المعترف به دوليا، وتوحيد جيشي وبرلماني وحكومتي الطرفين.

وحين اجتمع قادة دول جوار ليبيا وروسيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي صباح الثلاثاء 13 نوفمبر الجاري 2018، مع ثنائي مراكز القوة في ليبيا (حفتر والسراج) في مدينة "باليروا" الايطالية لحل المشكلة الليبية، وطالبوا اللواء المتمرد خليفة حفتر بالخضوع لسلطة المجلس الرئاسي الذي يقوده "السراج" ودمج قواته مع قوات الحكومة المعترف بها دوليا، رد عليهم قائلا: "لا خضوع إلا لقائد أعلى يكون هو الرئيس المنتخب القادم، والحديث عن توحيد الجيش مع المليشيات غير مقبول".

رد فعل الانقلابي حفتر الرافض للخضوع للمجلس الرئاسي الذي يدير ليبيا من طرابلس، واصراره على إبقاء جيشه الانقلابي المدعوم من مصر والامارات بعيدا عن سيطرة طرابلس، يأتي كنتيجة طبيعية لما حققه على الارض كقوة عسكرية بعدما سيطر على بنغازي، ثم درنه، كما استولي على «الهلال النفطي» سنة 2016، الذي يضم أكبر موانئ تحميل النفط في البحر الأبيض المتوسط.

فخطة مصر والامارات تقوم على دعم جيش حفتر عسكريا وسيطرته على كل ليبيا، والقبول بانتخابات برلمانية ورئاسية يشارك فيها حفتر مرهون بالسعي لتصعيد حفتر كرئيس لليبيا وقائد لجيشها، لهذا قال حفتر أنه لا خضوع إلا لقائد أعلى يكون هو الرئيس المنتخب القادم، قاصدا نفسه!

وجاء الخلاف الثاني بشأن توحيد الجيش، إذ برغم إصدار كل من فائز السراج وعقيلة صالح وخالد المشري بياناً يؤكدون من خلاله على ضرورة دعم مسار توحيد المؤسسة العسكرية برعاية مصرية بعكس ما كان متوقعاً بأن يصدر ما يشير إلى سحب هذا الملف من مصر وتسليمه إلى الأمم المتحدة، فلم يشارك حفتر في التوقيع عليه.

ويضع حفتر – بالتعاون مع السيسي وبن زايد – اعينهم على العاصمة طرابلس، لهذا قال حفتر أن الجيش الوطني الليبي سيدخل طرابلس في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة، لاسيما في ظل تفشي وضع لا تستطيع الحكومة المعترف بها من قبل الغرب التعامل معه.

مؤتمر باليرمو .. نجح ام فشل؟

كان انتهاء مؤتمر باليرمو الإيطالي بشأن الأزمة الليبية، بنتائج لم تصاغ على شكل اتفاق، بل أُعلن عنها تحت مسمى "استنتاجات"، مؤشرا على الفشل، ومع هذا جاء إعلان الاطراف المشاركة موافقتها على اجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية العم القادم كأنه نجاح.

فقد اظهر المؤتمر انبطاحا إيطاليا أمام حفتر"، ربما بدعم من مصر والامارات، حيث نجح حفتر وحلفاءه، تمكّنوا من جعله نجم الحدث بلا منازع، وبالتالي تسويقه لدى الرأي العام بأنّه الطرف الأقوى، أو على الأقل الأهم من غيره، لدرجة أن يسافر رئيس الحكومة الإيطالية جوزيبي كونتي شخصياً إلى ليبيا في جنح الظلام، لإقناعه بالمشاركة في المؤتمر، ثم ليحضر الأخير لساعات، ويقاطع أغلب أعمال المؤتمر.

ويلاحظ هنا أن ممثلي الأطراف الليبية من تيار الإسلام السياسي، غُيّبوا عن المشاركة في المؤتمر، واعتبروا أن "إعلان باليرمو جاء في أغلبه لصالح حفتر؛ لا سيما من خلال تأكيد نشر قوات نظامية في طرابلس، ما يعني إقصاء المجاميع المسلحة المناوئة له هناك، مقابل دعم لقاءات الضباط لتوحيد المؤسسة العسكرية، التي ترعاها حليفته القاهرة.

أيضا انصاعت إيطاليا لمطالب حفتر بشكل مخجل خلال المؤتمر، بينما فضلت أطراف دولية مهمة في الملف الليبي مثل تركيا؛ الانسحاب من المؤتمر، واختارت وفود أخرى لا تقل أهمية، كالوفد الأميركي، التقليل من شأن المؤتمر، ولم تظهر حتى في الصورة الجماعية التي التُقطت للمشاركين.

والخلاصة أن مؤتمر باليرمو لم يسفر عن جديد، والأوضاع المقبلة باتت مرتهنة بالتعديل الجديد في الخطة الأممية المرتبط بخطوتين أكدهما بيان المؤتمر؛ وهما الملتقى الوطني الجامع مطلع العام المقبل، ومن ثم الانتخابات في فصل الربيع، وهي الخطة التي أعلن حفتر، خلال حضوره جانبا من المؤتمر، عن دعمه لها، إلى جانب موافقته على بقاء السراج في منصبه.

أما الخطوة الأخرى الهامة المرتبطة بالأولي فهي توحيد المؤسسة العسكرية وهو امر بالغ الصعوبة ومرتبط بمصالح الاطراف الدولية قبل الاطراف المحلية، ما يجعل استقرار ليبيا تحت رحمة المصالح العربية والدولية.

ويمكن القول ان المحصلة النهائية تشير الي الفشل، فلم يوقع خليفة حفتر الذي يشكل المعضلة الاكبر علي بيان موحد مع السراج برغم لقاءهما للمرة الثانية، واقتصر الامر على إصدار ثلاثة من قادة ليبيا المشاركين في المؤتمر؛ وهم: عقيلة صالح رئيس مجلس نواب طبرق الداعم لحفتر، وخالد المشري رئيس المجلس الأعلى للدولة، وفايز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، في بيان، "استنتاجات" المؤتمر الذي غاب عن صياغته اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

وتحدثت البيانات التي صدرت عن أمور عامة مثل: ضرورة دعم الخطة الأممية، من أجل الاستقرار والأمن في ليبيا، ووقف إطلاق النار من خلال نشر قوات نظامية، بالتوازي مع ضرورة صدور دستور دائم للبلاد كأساس للانتخابات المقبلة، وانتهاء المراحل الانتقالية فيها.

كما أكدوا ضرورة احترام نتائج الانتخابات، ومحاسبة من يحاول عرقلتها، وضرورة تحمّل الأجسام السياسية الحالية مسؤولية إنهاء المراحل الانتقالية، من خلال إنجاز دستور دائم للبلاد، وإجراء انتخابات نزيهة وعادلة في أقرب وقت ممكن.

ولكن النائب الثاني للمجلس الأعلى للدولة في ليبيا فوزي العقاب، قال بوضوح أن المؤتمر، "لم يفض إلى نتائج مرجوة"، وأن "نتائجه كانت محبطة ومخيبة للآمال".

وقال العقاب في سلسلة تغريدات على حسابه بموقع "تويتر": "لم يفض مؤتمر باليرمو إلى نتائج، بل خلص إلى حقائق محبطة ومخيبة للآمال .. نحن تحت الوصاية سياسيًا".

وأشار العقاب، أن: "مؤتمر باليرمو يؤكد على غياب الإرادة الوطنية لتجنيب بلادنا وشعبنا الفوضى والمعاناة، كما أكد على عدم ملكية الليبيين للعملية السياسية".

واعتبر في تغريده ثالثة، أنه "في ردهات قصر ايجيا في باليرمو كان المشهد أكثر وضوحا وتجليا، فليبيا ما هي إلا ساحة لصراع عربي-عربي، وأوروبي-أوروبي، عرف زورا وبهتانا باسم "الأزمة الليبية".

واختتم النائب الثاني لرئيس المجلس الأعلى للدولة تغريداته قائلا: "نحن تحت الوصاية سياسيا، والدعم، الذي حظي به غسان سلامة جعله أكثر الأطراف شرعية على مائدة باليرمو ".

اوروبا وروسيا واختطاف "ليبيا" لمصالحهم الخاصة

الملفت في مؤتمر باليرمو أنه – كما وصفه نائب الرئيس التركي فؤاد أقطاي – أنه سعي لحل أزمة ليبيا عبر اختطاف اوروبا وروسيا للعملية السياسية في تحقيق مصالحها الخاصة، فهم الذين تسببوا في الأزمة الحالية برمتها ولا يمكن أن يساهموا في حلها، لهذا تبدو الحلول المطروحة تستهدف تحقيق مصالح الغرب فيما يخص منع الهجرة غير الشرعية من ليبيا الي سواحل ايطاليا واوروبا، وسعي روسيا للاستفادة من مشاريع ليبيا ونفطها.

والأكثر خطورة، وهو ما اظهره مؤتمر باليرمو، أن روسيا وأوروبا تسعيان للتقرب من خليفة حفتر، لا سيما أنه بات العنصر الأبرز المؤثر في الساحة الليبية، بعد سيطرة قواته بدعم مصري واماراتي عسكري واضح على مدينة درنه ليبسط بذلك سيطرته على شرق ليبيا، وبعدما اظهرت معارك طرابلس الاخيرة تفتتا وانقساما بين القوي العسكرية التي تسيطر على العاصمة.

المصالح الاوروبية والإيطالية خصوصا تتمثل في السعي لمنع تدفق اللاجئين غير الشرعيين من سواحل شمال إفريقيا وحوادث الغرق، إلى جانب ضمان تدفق النفط الليبي خاصة أن روما قبل الأحداث التي شاهدتها ليبيا عام 2011، كانت أكبر مستهلك للغاز الليبي في العالم، بنسبة 32% من صادرات النفط الليبي.

وقد تنافست فرنسا وايطاليا في عقد المؤتمرات حول ليبيا رغبة في الوصول لاتفاق حول اجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية عامة في ليبيا، ونجحت باريس في عقد مؤتمر اتفق فيه على أن تعقد هذه الانتخابات في ديسمبر 2018، بيد أن عدم استقرار الوضع في غرب ليبيا، والاشتباكات الدورية بين الوحدات المتمركزة في جنوب طرابلس وقوات حكومة فايز السراج، عرقلت هذه الانتخابات والاستعدادات له وتم الاتفاق على تأجيل الانتخابات الي منتصف 2019.

والملفت في إعلان باليرمو، أنّ إيطاليا نجحت في الاستحواذ على قيادة الملف الليبي، فقد استفادت من أخطاء باريس، فتجنبت التورّط في الإعلان عن مدد زمنية للانتخابات والدستور، بعدما حددته باريس بديسمبر 2018 ولم يتحقق.

موسكو، بدورها تسعي للعب دور في ليبيا بالتنسيق مع السيسي، لتحقيق مصالحها في المشاريع النفطية الليبية وتوريد السلاح، لهذا تسعي للعب دور في حسم النراع بما يضمن لها مصالحها.

وهناك رغبة لدي حفتر ومصر والامارات في تأخير إجراء هذه الانتخابات في ليبيا انتظار لمزيد من سيطرة حفتر على الأراضي بشكل تدريجي، لهذا سعي السيسي للمشاركة للتأكيد على ضرورة رفع الحظر الدولي عن توريد السلاح لليبيا كي يمكن توريده لقوات حفتر (التي تحصل سرا على ما تريد عبر مصر) كما حرص حفتر علي تكثيف مشاوراته مع الشركات الروسية العسكرية لشراء السلاح منها خلال زيارتين قام بهما لموسكو أخرهما قبل توجهه الي باليرمو.

مرتزقة روس في ليبيا بطلب اماراتي

ويشار هنا لدور يراد لشركات المرتزقة الروسية أن تلعبه في ليبيا عبر دعم مالي من الامارات، وقد ذكرت بعض الوسائل الإعلامية الروسية، أن مالك الشركة العسكرية الروسية الخاصة (فاغنر)، وهم مرتزقة شاركوا في القتال بسوريا بجوار قوات الاسد، كان حاضراً في المحادثات الاخيرة التي جمعت بين حفتر ووزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو.

وقد أشارت صحيفة The Sun البريطانية، الي وجود خبراء عسكريين روس في ليبيا، وان وجود وحدات الشركات العسكرية الخاصة، هدفه حماية «الطرق الهيدروكربونية» الليبية التي تشكل محوراً هاماً للأسواق الأوروبية، وأن هؤلاء المرتزقة الذين يعملون بالتنسيق مع الجيش الروسي، هدفهم حماية مصالح موسكو أيضا في خط أنابيب الغاز East Med في حوض البحر الأبيض المتوسط، ولحماية المصالح الروسية فيما يتعلق بإمدادات الغاز إلى أوروبا.

ويدخل ضمن المصالح الروسية في ليبيا السعي لإحياء قواعدها العسكرية في المنطقة العربية ومنها ليبيا، وقاعدة سيدي براني في مرسي مطروح بمصر.

هل يتوحد الجيش الليبي؟

بالتزامن مع الحلول السياسية لازمة ليبيا جاءت بنود اجتماعات القاهرة لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية برعاية مصرية لتستهدف بدورها تتويج الانقلابي "حفتر".

وتتمركز الجهود المنصبة تجاه توحيد المؤسسة العسكرية حول توحيد القيادة العامة للقوات المسلحة تحت سلطة حكومة شرعية واحدة، ولصعوبة ذلك على الاقل لحين اجراء الانتخابات، ظهر توجه لخلق "مجلس الأمن القومي الليبي)، ليكون هو القيادة السياسية للمؤسسة العسكرية، وكذا "مجلس دفاع وطني"، يصبح هو القيادة السياسية العسكرية، و"مجلس القيادة العامة"، ليكون هو القيادة العسكرية للجيش الموحد.

وفي ضوء سعي القاهرة لوضع نظام مشابه لما هو معمول به في مصر وبغرض نهائي هو تنصيب "حفتر" رئيسا وقائدا للجيش، دارت المناقشات في مؤتمر القاهرة الاخير حول أن يتولى رئيس الدولة قيادة القوات المسلحة ويعتبر القائد الأعلى وتخضع القوات المسلحة لإشرافه، ويحق له تعيين القائد العام ورئيس الأركان وإعفائهم بناء على اقتراح مجلس الدفاع الوطني، وإعلان حالة النفير والحرب.

أما فيما يتعلق بمنصب القائد العام، فهو يكون أقدم ضابط عامل في المؤسسة العسكرية ويرأسها وهو المسؤول الأول أمام القائد الاعلى، وهو توصيف يكاد يكون مفصلا علي حفتر باعتباره أقدم القيادات الباقية من الجيش الليبي.

وتنقسم القوات المسلحة الليبية حاليًا إلى: "جيش القيادة العامة" بقيادة خليفة حفتر، ويضم كثيرًا من الجنود الذين عملوا في جيش معمر القذافي، و"جيش رئاسة أركان قوات الوفاق" برئاسة عبد الرحمن الطويل، رئيس أركان حكومة الوفاق، إضافة إلى عدد من الميليشيات المستقلة.

وبحسب الاتفاق السياسي الليبي الموقع في 17 ديسمبر 2015 بمدينة الصخيرات المغربية بين الأطراف السياسية الليبية، يحمل رئيس المجلس الرئاسي لقب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بينما يتولى القائد العام للجيش مهام إدارة الجيش.

وحين تأسست بالقاهرة نوفمبر 2017 "لجنة توحيد المؤسسة العسكرية، جري إدراج أربع لجان تحتها هي: لجنة لحل التشكيلات المسلحة والميليشيات، ولجنة لتطوير ودعم الشرطة العسكرية والاستخبارات العسكرية، ولجنة لمحاربة الإرهاب، ولجنة إعادة الهيكل التنظيمي للمؤسسة العسكرية.

وقد أكد ممثلي حكومة الوفاق العسكريين المشاركين في اجتماعات القاهرة أن فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، يؤيد ويدعم ملف توحيد الجيش بشرط أساسي هو أن تكون المؤسسة العسكرية تحت إشراف "السلطة المدنية"، بيد أن قادة الجيش الليبي التابع لحفتر يعارضون ذلك.

ولكن جاءت الأحداث الأخيرة في العاصمة طرابلس والصراع بين المليشيات والدعوة لتفكيكها ليصب في مصلحة الدعوة لتوحيد المؤسسة العسكرية وانشاء جيش وطني وشرطة وحل المليشيات المسلحة.

وأشار حفتر في لقاء سابق أن الجيش الليبي لن يعترف إلا بسلطة منتخبة شرعية يتفق عليها كل الليبيين، مما يدعو لتساؤل عما إذا كان مشروع توحيد المؤسسة العسكرية -حال نجاحه-سيدخل حيز التنفيذ مباشرة أم أنه سينتظر إجراء الانتخابات المرتقبة.

وجاء تأكيد حفتر علي لك خلال مؤتمر باليرمو ليجعل مسألة توحيد الجيش تواجه عقبة الانتظار لحين اجراء الانتخابات، والانتخابات تواجه معضلة الفشل الامني وعدم استقرار الاوضاع، لتدور ليبيا في حلقة مفرغة.

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة