هل يحسمها الجيش؟ .. غياب المرشح التوافقي في انتخابات الرئاسة يُدخل الجزائر في دوامة الأزمات

 


هل يحسمها الجيش؟ .. غياب المرشح التوافقي في انتخابات الرئاسة يُدخل الجزائر في دوامة الأزمات

 

يرتكز النظام الجزائري منذ تأسيسه بعد الاستقلال عام 1962 على كلا من الجيش والرئاسة والاستخبارات العسكرية، بسبب دورهم خلال حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، ولهذا أصبحت هذه المؤسسات هي مركز القرار والمتحكمة في البلاد، والتي تختار أيضا رئيس الجمهورية، في انتخابات رئاسية تبدو غالبا صورية ويفوز فيها مرشح الجيش.

وفي ظل غياب مرشح توافقي للانتخابات الرئاسية 18 أبريل 2019، والباق عليها اقل من 3 أشهر، ينفتح مستقبل الجزائر على جميع الاحتمالات، خصوصا في ظل مطالبة شخصيات جزائرية بعدم ترشح الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة البالغ من العمر ثمانين عاما والذي يعاني من مشاكل صحية لولاية خامسة عام 2019 سواء عبر جبهة مشتركة للتغيير أو بمساعدة الجيش أو بحياده.

لذلك لا يزال مصير هذه الانتخابات مجهولا ومفتوحا على جميع الاحتمالات، خاصة مع "تدهور" الحالة الصحية للرئيس بوتفليقة، وعدم وجود مرشح توافقي "يرضي" غالبية الأطراف المتصارعة على الحكم، فيما بدأت فكرة تأجيل هذه الانتخابات تتغلغل في العديد من الأحزاب السياسية، وهذه سابقة هي الأولى من نوعها في حال حدوث هذا السيناريو.

السيناريوهات المحتملة

السيناريوهات المحتملة في الجزائر قبل ثلاثة أشهر فقط من موعد الانتخابات الرئاسية تدور حول ثلاثة خيارات:

(الأول): أن يستمر ترشيح الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة لعهدة خامسة لمنع أي انقسامات في البلاد وبقاء الحال على ما هو عليه حيث يحكم الرئيس صوريا بينما يحكم الجيش من وراءه.

(الثاني): أن يغادر بوتفليقة الساحة السياسية وبشكل نهائي بسبب المرض الذي يعاني منه منذ 2013، ويجري ترشيح مرشح تجمع عليه الجهات العسكرية وهو امر صعب.

ومع اقتراب انتخابات عام 2019، يدعو البعض الي تفعيل المادة 88 من الدستور الجزائري التي تنص على أنه "إذا استحال على رئيس الجمهورية ممارسة واجباته بسبب مرض خطير ومزمن، فإن المجلس الدستوري يقترح بالإجماع أن يكشف البرلمان عن الأسباب المعوقة".

وتنص هذه المادة أيضًا على أنه "يحق لرئيس الجمعية الوطنية تولي رئاسة الدولة القائمة بالتصرف لمدة أقصاها (45) يومًا". ولكن، في حال "لا يزال الرئيس غير قادر على مواصلة مهامه بعد انقضاء مهلة الـ (45) يومًا، يعلن البرلمان عن شغور منصب رئاسة الجمهورية".

(الثالث): تأجيل موعد الرئاسيات لسنة أو سنتين مع استحداث منصب نائب رئيس الجمهورية على الطريقة الأمريكية كحل مؤقت لحين حسم الصراع والبحث على مرشح توافقي

وهذا المقترح الأخير دعت له بوضوح حركة "مجتمع السلم" المعارضة التي تنتمي إلى التيار الإسلامي (الاخوان المسلمون)، حيث دعت رسميا إلى تأجيل موعد الانتخابات بهدف "تعميق الإصلاحات السياسية وتجسيد الديمقراطية الحقيقة على أرض الواقع".

وقال عبد الرزاق مقري، زعيم الحركة، في حوار مع جريدة "الخبر": "نطالب بتأجيل الانتخابات لمدة أقصاها سنة وبشروط توافقية، فالعهدة الخامسة حظوظها ضعيفة واليوم مع اقتراب الرئاسيات، أصبحت أضعف بسبب اشتداد المرض على الرئيس، وهو ما يعيقه عن دخول الانتخابات"، مشيرا إلى أن "حزبه طرح فكرة المرشح التوافقي وأن الفكرة مقبولة عند الجميع سواء كان لدى السلطة أو لدى قسم واسع في المعارضة".

وشرح "مقري" أن التأجيل الذي تدعو إليه حركته "له شروط محددة: أولها ألا تتجاوز مدة هذا التأجيل سنة واحدة، وثانيا أن يكون مبنيا على إصلاحات اقتصادية وسياسية عميقة، وثالثا أن تنتهي مرحلة التأجيل بالتوافق، أي باختيار رئيس توافقي وحكومة موسعة والذهاب إلى انتخابات تشريعية في إطار لجنة لتنظيم الانتخابات".

وانتقد زعيم حركة "مجتمع السلم" "جميع الشخصيات التي تتنافس لخلافة بوتفليقة من داخل النظام ووصفها " بشخصيات دكتاتورية ومهيمنة ليس لديها كفاءات في تسيير الاقتصاد وتمثل خطرا على البلاد وعلى الديمقراطية".

ولم تعلن أحزاب الموالاة المسانِدة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وحزب تاج (تجمع أمل الجزائر) والحركة الشعبية الديمقراطية وحزب العدل والبيان، بشكل مباشر موقفها من هذه الانتخابات، لكنها بدت وكأنها تساند، ضمنا، اقتراح عبد الرزاق مقري.

والدليل هو أنه بعدما كانت هذه الأحزاب تدعو لعهدة خامسة للرئيس بوتفليقة، غيرت فجأة خطابها السياسي وأصبحت تتحدث عن مبدأ "الاستمرارية"، بمعنى الاستمرار في تطبيق برنامج عبد العزيز بوتفليقة وليس انتخابه لعهدة خامسة، ما جعل بعض المراقبين للسياسة الجزائرية يتساءلون حول سيناريو تأجيل الانتخابات الذي "يطبخ" في مختبرات النظام الجزائري.

بالمقابل لا تؤيد بعض أحزاب المعارضة سيناريو التأجيل، بل تدعو إلى تنظيم انتخابات رئاسية في موعدها المقرر ومن بين هذه الأحزاب حركة "المواطنة" التي يترأسها سفيان جيلالي والذي انتقد بشدة اقتراح زعيم حركة "مجتمع السلم" واصفا إياها بـأنها "مساس بالأخلاقيات".

لا مرشح توافقي

وخلافا للانتخابات الرئاسية السابقة والتي كان يملك فيها النظام مرشحا متفقا عليه من قبل الجميع وهو عبد العزيز بوتفليقة، يبدو أن الحسابات تغيرت هذه المرة، بمعنى أنه لم يبرز على الساحة السياسية أي اسم لشخصية سياسية توافقية ترضى عنها المؤسسة العسكرية و"المقربين" من دائرة الرئيس بوتفليقة.

وحتى اسم أحمد أويحيى، الوزير الأول الحالي الذي شغل هذا المنصب عدة مرات منصب مدير ديوان بوتفليقة، لا يحظى بتوافق من الجميع.

فالأحزاب الإسلامية تنظر إليه على أنه "راديكالي" في مواقفه إزاء الأحزاب الإسلامية فيما تعتبره المعارضة "جزءا من النظام كونه شارك في إدارة شؤون البلاد خلال سنوات عديدة".

ولم يفصح أويحيى الذي يتزعم حزب التجمع الوطني الديمقراطي، عن نيته في خوض غمار الانتخابات الرئاسية تاركا الأولوية لعبد العزيز بوتفليقة، إلا أن بعض مؤيديه مثل الرئيس الأسبق لمجلس النواب الجزائري عبد العزيز زياري صرح أن "أويحيى يملك جميع المواصفات لخلافة عبد العزيز بوتفليقة وهو رجل دولة قادر على مواجهة التحديات"، فهل سيحالف "القدَر" أويحيى، كما قالها مرارا في عدة خطابات ولقاءات شعبية؟

ونددت "حركة مجتمع السلم" (حمس) الإسلامية الجزائرية بـ "حالة الغموض" المحيطة بالانتخابات الرئاسية وقالت في بيان صدر إثر اجتماع لمكتبها التنفيذي الوطني إن "استمرار حالة الغموض بشأن الانتخابات الرئاسية دليل على فقدان الرؤية لدى منظومة الحكم، واستمرار التجاذب على السيطرة على السلطة في الأروقة المظلمة بعيدا عن المصلحة الوطنية".

وفي تصريح للوكالة الفرنسية للأنباء، قال مسؤول الإعلام في "حمس" بوعبد الله بن عجايمية "ليس لدينا انطباع بأن الانتخابات الرئاسية ستجري على الرغم من أننا على بعد بضعة أشهر فقط من هذا الاستحقاق البالغ الأهمية".

وأضاف "هناك غموض بشأن من سيكون مرشح السلطة طريقة الحكم مبهمة والقرارات تتخذ في دائرة مغلقة".

62 مرشحا!

وقد أعلنت وزارة الداخلية الجزائرية، أن عدد المرشحين للانتخابات الرئاسية في الجزائر، وصل إلى 62 مرشحا، منهم 12 رئيس حزب و50 مرشحا حرا خلال أسبوع من فتح باب الترشيح بعدما وصل الي 32 في الثلاثة أيام الاولي، وأن من بين المترشحين أسماء رؤساء أحزاب شاركوا في استحقاقات رئاسية سابقة.

وقالت صحيفة "الخبر" أن هوس الترشح لخلافة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة اجتاح المواطنين البسطاء، تجار وحرفيين وعاطلين عن العمل، فضلا عن رؤساء أحزاب صغيرة ينافسون الشخصيات السياسية المتمرّسة ورؤساء حكومات سابقين أعلنوا النية في الترشح، لدرجة وصل فيها عدد الذين سحبوا استمارة الترشح من وزارة الداخلية حتى الأربعاء 24 يناير الي 62 مترشحا مقابل 106 في انتخابات 2014.

وبالنسبة للمرشحين المستقلين، بدا وفق القائمة التي نشرتها الوزارة، أن أغلبهم شخصيات مغمورة باستثناء الجنرال المتقاعد على غديري (64 سنة)، والناشط السياسي المقيم بفرنسا رشيد نكاز (47 عامًا) والبرلماني السابق رابح ميسوم.

وانتقد الجنرال البالغ 64 عاما في بيان لوسائل الإعلام الجزائرية تكهنات تأجيل الانتخابات وتمديد ولاية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، قائلا إنه يتوقع أن يوقف الجيش خطوة مماثلة ما أثار حفيظة وزارة الدفاع التي توعدت باللجوء إلى القضاء إذا تم خرق القواعد المتعلقة بسلوك العسكريين المتقاعدين.

ايضا أعلن رئيس المنتدى العالمي للوسطية، أبو جرة سلطاني، والقيادي في جماعة الاخوان، نيته الترشح لرئاسة الجزائر 2019 في ظل عجز الرئيس الحالي بوتفليقة وتضارب الاجواء.

وأكد "سلطاني" أن لديه نية الترشح للرئاسة، لكن في حال ترشحه لن يترشح باسم المنتدى العالمي للوسطية، ولا باسم حركة مجتمع السلم (الاخوان المسلمون).

وتنتهي في 28 أبريل المقبل الولاية الرابعة لبوتفليقة (81 عاما) الذي يستخدم كرسيا متحركا منذ إصابته بجلطة دماغية في العام 2013 وهو يحكم البلاد منذ أبريل 1999.

لماذا لا يحسمها الجيش؟

يزيد ازمة انتخابات الرئاسة المقبلة عمقا اعتماد النظام السياسي الجزائري في شرعيته منذ الاستقلال على ديناميكيتين حاسمتين لموازنة القوة، (الأولي): أن الرئيس ظل يستمد الجزء الأكبر من مصداقيته من دوره في حرب الجزائر من أجل الاستقلال ومشاركته فيها.

(الثانية): تقاسم السلطة بين "جماعة تلمسان" في غرب الجزائر التي ينتمي لها الرئيس الحالي بوتفليقه، و"الجماعة الشرقية"، التي غالبا ما يمثلها جنرالات الجيش الكبار، وهما جماعتان تقسمان كافة شرائح الشعب الجزائري الرئيسية، ويجري تقسيم الحصص الحكومية والسلطة عليهما دائما.

ويري الباحث الجزائري "عبد الاله بن داودي" في دراسة نشرها معهد واشنطن سبتمبر 2018، أن هذه القواعد في تقسيم السلطة تمثل حاليا ازمة كبيرة، لأن معظم المحاربين القدامى الذين قاتلوا ضد الفرنسيين قد ماتوا، ما يعني أن الرئيس المقبل لن يكون من المشاركين في حرب التحرير، وأي رئيس من جيل ما بعد الاستقلال سيفتقر إلى الشرعية الموضوعية والمصداقية التي يملكها بوتفليقة حاليًا.

ومن ثم ستختلف الديناميكيات في تقاسم السلطة في فترة ما بعد ولاية بوتفليقة عما هي حاليا، فالتحالف بين الرئيس الحالي، الذي يمثل "جماعة تلمسان"، ورئيس أركان الجيش قايد صالح، الذي يتزعم "الجماعة الشرقية"، خلق قوة هرمية، تترابط فيها مصالح الجيش والرئاسة وأعضاء النخبة السياسية والاقتصادية.

وفي ظل هذه الظروف، يشكّل تعيين خليفة لبوتفليقة أمرًا في غاية الأهمية لضمان انتقال السلطة سلميًا وبسلاسة، أو أن تسعي الدائرة المقربة من الرئيس بوتفليقه لتمرير هذا الوضع الجديد، عبر تمهيد الطريق لولاية خامسة مستقرة له بهدف المحافظة على الوضع الراهن إلى أن يظهر مرشح توافقي.

ويفسر ذلك ما يسمي "الحرب الباردة على الخلافة"، أي الرئاسة والتي تصاعدت بعد انتخاب الرئيس مجددًا في عام 2014، وترتب عليها عزل العديد من القيادات العسكرية وإقصاء عددًا من المرشحين المحتملين للرئاسة مستقبلا.

من ذلك: تفكيك الوكالة الجزائرية الشهيرة "دائرة الاستعلام والأمن" التابعة للسلطة الجزائرية عن طريق إقالة زعيم الدائرة المخضرم محمد مدين في عام 2015، وتغيير تسمية الوكالة من "دائرة الاستعلام والأمن" إلى "دائرة المراقبة والأمن"، واستبدالها بجهاز استخبارات خاضع للسيطرة الرئاسية لتعزيز قبضته على السلطة.

وكذا اقصاء "عبد الغني هامل"، المدير العام للأمن القومي كمرشح محتمل لخلافة بوتفليقة، بعدما أعلن عن ضبط شحنة كوكايين قيل إنه متورط بها، ما أدى إلى انتهاء مسيرته السياسية.

وكذا إبعاد "عبد المجيد تبون"، رئيس الوزراء الأسبق، الذي تم إعفاؤه من منصبه كرئيس للوزراء بعد تعيينه بثلاثة أشهر فقط لأنه من أتباع "قايد صالح" ومرشح محتمل للرئاسة من الجماعة الشرقية، كما أضعف عزله موقف رئيس هيئة الأركان العسكرية في اختيار مرشح.

ونظرًا لهذه المكائد، فليس من المستغرب أن تستمر الجماعتين في تفضيل بوتفليقة، حتى لو كان مسنًا ومريضًا، على حسم المواجهة في مسألة الخلافة خلال الانتخابات المقبلة، خشية أيضا من سعي الاسلاميين للاستفادة من هذا الصراع الداخلي على النفوذ، ولعب دورا ما.

وقد يثار تساؤل: لماذا لا يحسم الجيش الامر؟ والمشكلة هنا أيضا في ظل ارتكاز النظام الجزائري على كلا من (الجيش والرئاسة والاستخبارات العسكرية) أنه منذ الحرب الأهلية في الجزائر التي أعقبت انقلاب الجيش علي العملية الديمقراطية 1990 ومنع الجبهة الاسلامية للإنقاذ من حكم البلاد، بدأت تحدث خلافات نسبية بين المؤسسات الثلاث، بحيث يحدث تحالف بين مؤسستين لإضعاف المؤسسة الثالثة في اتخاذ القرار، أو العكس فيما يشبه لعبة الكراسي الموسيقية.

وبينما ظهر توافق بين المؤسسات الثلاثة فيما يخص اختيار الرئيس الحالي (بوتفليقة) ليكون هو الرئيس الثامن للجزائر منذ استقلالها، في أبريل 1999، حدث خلاف بين هذه المؤسسات في إبريل 2013 حين رفضت مؤسسة الاستخبارات العسكرية ترشيح بوتفليقة لولاية رئاسية رابعة في الانتخابات الرئاسية التي جرت في إبريل 2014، مبرره ذلك بوضعه الصحي، ما دفع الرئيس بوتفليقة للإقدام على سلسلة إقالات لعدد من جنرالات الاستخبارات وتحويل مؤسسات تابعة لها إلى أمرة قيادة أركان الجيش.

وجاء إلقاء القبض على المسؤول الاول عن مكافحة الارهاب سابقا في المخابرات الجزائرية (الجنرال حسان واسمه الحقيقي عبد القادر آيت عرابي) بموجب مُذكرة توقيف أصدرتها المحكمة العسكرية للبليدة، وبعد أسابيع على تغييرات هامة في قيادات الجيش والمخابرات، كجزء من هذا الصراع بين الرئاسة والجيش (الذي يقوده نفس شخص الرئيس الذي هو أيضا وزير الدفاع)، من جهة، وجهاز المخابرات العسكرية من جهة ثانية.

وهو ما فسره مراقبون جزائريون على أنه استكمال لسلسلة خطوات تشير لأن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة والمقربين منه استعادوا السيطرة على جهاز المخابرات والعديد من مهامه.

وسبق أن نشرت صحيفة لوموند الفرنسية في أغسطس 2015 تقريرا حول السقوط المفاجئ والمدوي للجنرال حسان، قالت فيه إن "عملية إضعاف جهاز المخابرات زادت وتيرتها بنهاية يوليو 2015، بعد أن انتشرت شائعات غير مؤكدة حول حدوث محاولة للتسلل إلى القصر الرئاسي في زرالدة، حيث تم على إثر هذه الحادثة إقالة ثلاثة مسؤولين كبار، هم قائد الحرس الجمهوري، وقائد الإدارة العامة للأمن الرئاسي، وقائد إدارة مكافحة التجسس".

وفي غمرة هذه التغييرات، قرر الرئيس بوتفليقة تجريد المخابرات من مهمة تأمين الحماية للرئاسة، وإسناد هذه المهمة للحرس الوطني ولكن الإجراء الأكثر إثارة للجدل كان الإعلان عن حلّ وحدة العمليات الخاصة، التي تمثل القوة الضاربة لجهاز الاستخبارات في حربه على الجماعات المسلحة.

وفي 27 اغسطس 2015 ألقى القبض على الجنرال "حسان" وأودع السجن العسكري بالبليدة، قرب العاصمة الجزائرية، بحسب الصحف الجزائرية، وكان مستغربا أن الصحف الجزائرية هي التي أعلنت عن اعتقاله وإيداعه رهن الحبس المؤقت، ثم أعلنت أنه قد تم إطلاق سراحه، من دون توجيه أية تهمة إليه، ثم أكدت نبأ اعتقاله.

ولخصت صحيفة "الوطن" الناطقة بالفرنسية مغزى هذا الخبر بالقول ان: "الجنرال حسان اصيب في معركة الاضرار الجانبية لحرب الخنادق بين الرئاسة، والمخابرات الجزائرية"، التي تسمي (دائرة الاستعلام والامن)، في إشارة لأن المعركة الحقيقية هي بين الرئاسة وجهاز المخابرات حيث سعي بوتفليقة لعزل العديد من أعضاء الجهاز وأخرهم "حسان" ما أظهر رئيسه "توفيق" بلا أنصار، ما قد يدفعه للاستقالة مستقبلا أو أن يقال لاحقا.

فالجنرال "حسان" كان قائد "مصلحة مكافحة الارهاب" في المخابرات التي تضم فرقة نخبة مسلحة جيدا وتملك شبكة واسعة من المخبرين، وسبق أن أقاله الرئيس بوتفليقة (يشغل ايضا منصب وزير الدفاع)، بشكل مفاجئ في بداية 2014، بعدما قام في 2013 بإلحاق فرقة النخبة بقيادة الاركان بالجيش بدل المخابرات.

وهناك جذور تاريخية للصراع بين الرئيس بوتفليقة وجهاز الاستخبارات جعلته يسحب من الجهاز الضبطية القضائية، فعقب عودة بوتفليقة من رحلة علاجه الاولي في فرنسا التي استمرت 88 يوما، فوجئ بمذكرة اعتقال دولية أصدرتها الشرطة القضائية التابعة للاستخبارات العسكرية بحق وزير الطاقة السابق شكيب خليل وهو صديق طفولة لبوتفليقة فغضب الرئيس بوتفليقة وسحب الشرطة القضائية من أمرة الاستخبارات، وكانت هذه أول ضربة موجعة لقائد الاستخبارات الجنرال توفيق.

وقبل اسابيع من توقيف هذا الضابط (حسان) المقرب من مدير المخابرات الفريق محمد مدين المعروف باسم "توفيق"، والمتهم بالتستر على معلومات أمنية، وتكوين جماعة مسلحة، والتحضير لانقلاب عسكري، قام بوتفليقة أيضا بتغييرات في مناصب هامة في قيادة الجيش والمخابرات.

هذه التغييرات مست لواءين من المقربين من الفريق توفيق رئيس جهاز المخابرات، هما: مدير مكافحة التجسس ومدير الامن الرئاسي، وتم أيضا إلحاق "الامن الرئاسي" بقيادة الاركان المفترض أنها بيد الرئيس الذي يجمع بين منصب الرئاسة ووزير الدفاع.

وقد دفعت هذه التغييرات الاخيرة العديد من المحللين الجزائريين والأجانب لاعتبار ما جري مؤشر على ان الرئاسة أصبحت تتحكم في السلطة بالكامل في الوقت الحالي، وأن الصراع يشارف على النهاية، وأن بوتفليقة استعاد "السلطة الخفية" للمخابرات التي تمثل "دولة داخل الدولة".

ويري مراقبون أن مرض بوتفليقة والشك في سيطرته الكاملة على السلطة، ربما وراء سعي المقربين منه في الرئاسة والجيش للقيام بحسم هذه الصراعات مع المخابرات – باسم الرئيس – كي يسهل مستقبلا، في حالة غياب بوتفليقة، على من سيخلفه، ويحكم بدون صراعات على السلطة.

ويشيرون في هذا الصدد لرئيس اركان الجيش ونائب وزير الدفاع الفريق "قايد صالح"، الذي تم تحويل كل المهام المسحوبة من المخابرات له، كمرشح قوي للرئاسة أو داعم على الاقل لأي من القياديين الحاليين: الوزير الأول، عبد المالك سلال، ومدير ديوان الرئاسة، أحمد أويحيى، الذي تتحدث صحف جزائرية عن اشتعال حرب طموح الرئاسة بينهما.

 

 

.

Share:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة