معركة تعديل الدستور .. هل اخذ السيسي الضوء الاخضر من الغرب؟

 


معركة تعديل الدستور .. هل اخذ السيسي الضوء الاخضر من الغرب؟

 

يخشى "عبد الفتاح السيسي"، مع استمرار فقدانه الشعبية التي حصل عليها عقب انقلاب 3 يوليو 2013 من جانب انصاره، بعد افتضاح حقيقة نواياه في تحويل مصر لدولة ديكتاتورية، وتصاعد الضغوط الاقتصادية على الشعب، من اليوم الذي كان محددا له للخروج عن دائرة الحكم، ما يعني فتح أبواب المساءلة حول قضايا عديدة اقلها القتل والخيانة والتنازل عن الارض.

لذلك يسرع "السيسي" وأركان نظامه الخطى لفتح مدد الرئاسة إلى ما لا نهاية، أو على الأقل فتح المدة الحالية إلى 6 سنوات حتى تتوفر ظروف مواتية للتعديل الرئيسي، وهي خطوة كان يتوقعها الجميع ولا تشكل أي مفاجأة.

ولكن الاعلان رسميا الاحد 2 فبراير 2019، وبعد جدل مستمر منذ عدة أشهر، عن بدء خطوات تعديل الدستور، ليس فقط من أجل السماح للسيسي بالبقاء في السلطة لفترة أطول، وإنما من أجل تقليص صلاحيات البرلمان والحكومة امامه، كشف عن مخاوف اخري تتعلق بالسعي لإلغاء فقرة تحصين شيخ الازهر من العزل في الدستور، وإلغاء الرقابة المسبقة للقضاء (مجلس الدولة) على مشروعات القوانين، بما يحول مصر الي دولة "الطغيان" الكامل.

 

من "الديكتاتورية" الي "الاستبداد" فـ "الطغيان"

كثيرا ما يخلط الصحفيون والسياسيون بين مصطلحات: الطغيان Tyranny والاستبداد Despotism والدكتاتورية Dictator او الشمولية Totalitarism، رغم انها مفاهيم ذات مدلولات دقيقة ومتمايزة في حقل الفكر السياسي.

ولبيان التحول في نظام السيسي حتى وصوله الي مرحلة الطغيان بتنفيذه التعديلات الدستورية المقترحة، نشير الي معاني المصطلحات الثلاثة من الناحية السياسية، وتطورها مع نظام السيسي:

أولا: مرحلة الاستبداد:

يقصد بـ "الاستبداد" في المعاجم العربية"، الانفراد بالشيء دون غيره، والمستبد، هو الحاكم الذي لا يحكم عبر الوسائل الديمقراطية.

وكلمة المستبد (despot) بالمفهوم الغربي، مشتقة من الكلمة اليونانية "ديسبوتيس" التي تعني رب الأسرة، أو سيد المنزل، ما يعني أن "المستبد" هو الحاكم الذي يسعي لفرض رايه على الجميع وجمع السلطات في يده والهيمنة على الاعلام والسلطة وكل شيء، لذلك قيل في علم السياسة أن "السلطة المطلقة تفسد افسادا كاملا".

والمستبد يستأثر بكل السلطات او يحتكرها احتكارا تاما (على نقيض الديمقراطية التي تقوم على الفصل بينها).

وفي ولايته الأولي وتحت بند الضرورة جمع السيسي بين سلطتي التنفيذ والتشريع ثم هندس البرلمان على مقاسه فاستمر قابضا ً على السلطتين، ولم يكتف بذلك، فأعاد هندسة المشهد العام بكامله ليكون عجينة لينة في قبضته من النقابات الي الاعلام الي الصحافة الي الأحزاب الي المؤسسات الدينية، ولم يترك شاردة ولا واردة إلا وقد وضعها بين أصابعه، وكانت هذه هي فترة الاستبداد الجلي الواضح المبين، لهذا تميزت مرحلته بالاستبداد.

ثانيا: مرحلة الديكتاتورية:

يقصد بالدكتاتورية، شكل من أشكال الحكم المطلق حيث تكون سلطات الحكم محصورة في شخص واحد، وأبرز اشكالها هي الديكتاتورية العسكرية، وهي لا تسمح لأي أحزاب سياسية ولا أي نوع من المعارضة وتعمل جاهدة لتنظيم كل مظاهر الحياة وفق توجهات الحاكم الفرد.

ولذلك يعتبر الدكتاتور نفسه هو المنقذ والمخلص لشعبه ولا يقتنع بوجود اخرين يصلحون لهذا المنصب لهذا يسعي لمنع غيره من منافسته ويسعي للسلطة بطرق غير شرعية ويستند فيها الي فكرة تفويض الشعب له.

وفي فترته الثانية (الحالية) التي بدأت عام 2018، تحول السيسي من مجرد الاستبداد الي الديكتاتورية المطلقة، بمنع المدنيين والعسكريين السابقين من الترشح إزاءه في انتخابات الرئاسة، ثم في اللحظات الأخيرة، ومن باب استيفاء الشكل فقط، دفع بمرشح من أشد المؤيدين لينافسه في مشهد تمثيلي مثير للشفقة والرثاء والعجب والعتب والغضب، وقبل وأثناء وبعد الانتخابات استطاع أن يملأ مفاصل البلد بالخوف والرعب فأسكت كل الأصوات حتى همست ثم خشعت ثم خافت ثم خضعت ثم اتكتمت، بحسب ما يري أنور الهواري رئيس تحرير الاهرام الاقتصادي السابق.

ثالثا: مرحلة سلطة الطاغية:

يقصد بالطاغية ذلك الحاكم الذي يتخطى مراحل قمع معارضيه والقهر السياسي لمرحلة حصر الرأي والكلمة له، وتحويل سلطة فرد او مجموعة افراد على مجموعة لسلطة لا تخضع في ممارستها لأي رادع قانوني او عرفي، بحيث يعتبر الحاكم نفسه هو "السلطة السياسية" وهو "مصدر التشريع" الذي يتصرف وفقا لأهوائه فقط ودون اعتبار لدستور او لمبادئ أخلاقية تقوم رقيبا عليه وتكون حاميا للشعب، فيصير أقرب الي الهيمنة والبطش أو "الطغيان"، وغالبا ما ينتهي الصراع الى قتل الطاغية.

والان في مرحلة تعديل الدستور يجري تخليد السيسي في السلطة لتنتقل مصر الي مرحلة الطغيان بعد الاستبداد والديكتاتورية، وهذا الطغيان يقوض أركان النظام الجمهوري، ويخلق نظاماً ملكياً مستتراً تحت لافتة الجمهورية، الملك فيه يحكم ويملك ويقبض بين أصابعه على القرار والمصير معاً، لا يملك أحد له حساباً ولا نقداً ولا عتاباً ولا مساءلةً ولا مراجعة فهو -وحده -صاحب النقض والإبرام!!

ولهذا قيل إنه بعد تعديل الدستور، لن يبق للسيسي من مناماته الأربعة التي رأى فيها السادات، إلا العرض العسكري!

فقد تحدث عن رؤية انه سيصبح الرئيس، وحدث، ورؤية أنه سيرفع "سيف باللون الاحمر"، وتحقق في مجازره العديدة التي قام بها، ورؤية "الساعة الاوميجا"، وتحققت له بالسلطة والجاه والاستبداد والثراء، ورؤية أنه "مع السادات" وهي ما تبقي من احلامه، وتشير لمصير مثل مصير السادات.

أخطر تعديلات الدستور

كان من الملفت في إعلان "ائتلاف دعم مصر" المؤيد للسيسي المتعلق بتقديم وثيقة لتعديل الدستور لرئيس مجلس النواب أنه لم يذكر كافة هذه التعديلات ولا تفاصيلها واكتفي بثلاثة تعديلات فقط، بحسب الخبر الذي نشرته وكالة الانباء المصرية أ ش أ ونقلته عنها الصحف المختلفة.

https://twitter.com/ma7mod_badr/status/1091724321985318912

فقد تضمنت التعديلات الدستورية المعلنة رسميا ما يلي:

1-استحداث غرفة مجلس الشيوخ (بدل مجلس الشورى) كغرفة ثانية في البرلمان.

2-استمرار تمثيل المرأة بما لا يقل عن 25% من النواب، والحفاظ علي نسب الشباب وذوي الاحتياجات الخاصة، مع التمثيل الملائم للعمال والفلاحين والشباب والأقباط.

3-تعيين نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية.

 

ويُعتقد أن الفكرة من وراء تعيين نائب للرئيس ضمن التعديلات تستهدف الالتفاف على الدستور الذي ينص على عدم جواز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية "ما لم يكن التعديل متعلقا بالمزيد من الضمانات"، بدعوي أن تعيين نائب أو أكثر هو من الضمانات، بينما نائب الرئيس بلا أي صلاحيات.

وتُرك الامر لكل نائب ليقول ما بدا له من تعديلات ما قد يعني ان الهدف هو محاولة خداع الشعب بإظهار ان هدف التعديلات – كما قال "عبد الهادي القصبي" منسق ائتلاف مصر-هو "زيادة الحريات"، وأنها ليست مفصلة على مقاس السيسي، وعقب انتهاء الضجة الإعلامية يضاف لهذه التعديلات المواد المطلوبة تفصيلها.

فالنائب محمود بدر عضو حرك "تمرد" قال مثلا في مداخلة هاتفية لبرنامج «الحكاية» عمرو اديب على فضائية «MBC مصر»، أن من أبرز المواد المقترح تعديلها: تحديد مهام أخرى للقوات المسلحة مثل الحفاظ على مدنية الدولة، وإلغاء المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والصحافة.

والنائب مصطفى بكري كتب على حسابه على تويتر يقول إن من ضمن التعديلات الدستوري: "تعيين نائب للسيسي وتعزيز تمثيل المرأة في البرلمان، وهيئة واحدة للإعلام"، ومعروف ان بكري يقوم دوما بدور المدفعية قبل الحروب أو التمهيد النيراني أمام المشاة، وهم هنا أعضاء مجلس النواب!!.

أيضا تحدثت صحف ومواقع قريبة من سلطة الانقلاب عن تعديل المادة 140 بما يتضمن جواز انتخاب السيسي عدة مرات بدلًا من مرة واحدة، بالإضافة إلى زيادة مدة توليه من 4 سنوات إلى 6 سنوات.

وأشارت الصحف الي تعديل المادتين 146 و147 بما يقلص صلاحيات مجلس النواب وصلاحيات مجلس الوزراء ويضمن مزيدًا من السلطات للسيسي.

حيث تقول المادة 146: "يكلف رئيس الجمهورية رئيسًا لمجلس الوزراء، بتشكيل الحكومة وعرض برنامجه على مجلس النواب، فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال ثلاثين يومًا على الأكثر، يكلف رئيس الجمهورية رئيسًا لمجلس الوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب، فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال ثلاثين يوماً، عُدٌ المجلس منحلاً ويدعو رئيس الجمهورية لانتخاب مجلس نواب جديد خلال ستين يومًا من تاريخ صدور قرار الحل".

وتنص المادة 147علي أن "لرئيس الجمهورية إعفاء الحكومة من أداء عملها بشرط موافقة أغلبية أعضاء مجلس النواب ولرئيس الجمهورية إجراء تعديل وزاري بعد التشاور مع رئيس الوزراء وموافقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة للحاضرين وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس"، وسيتم تعديلها بما يتيح للسيسي إعفاء الحكومة دون الرجوع إلى مجلس النواب.

هل يمهد التعديل لعزل شيخ الازهر؟

أيضا يدور الحديث في الأوساط السياسية عن تعديل ما بين 15 الي 17 مادة في الدستور أخطرها إلغاء فقرة تحصين شيخ الازهر من العزل بتغيير المادة الخاصة بمنصب شيخ الأزهر وإلغاء الرقابة القضائية المسبقة (لمجلس الدولة) على مشروعات القوانين بعدما لعب المجلس دورا هاما في الغاء العديد من قوانين السيسي واعترض على القرار الجمهوري بالتنازل عن تيران وصنافير.

فمن التعديلات التي يجري تسريبها لصحف مقربة من الانقلاب تعديل المادة السابعة التي تتضمن تحصين منصب شيخ الأزهر من العزل، حيث تنص على أن "... شيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل، وينظم القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء".

فقبل عامين، تقدم النائب محمد حامد وكيل لجنة التضامن الاجتماعي، بمقترح حول منصب شيخ الأزهر ومدته، ضمن مشروع قانون «تنظيم الأزهر»، الذي يشمل تحديد مدة زمنية للإمام الأكبر بـ 8 سنوات، وعدم انفراد هيئة كبار العلماء بإجراءات اختياره، واعتبر الامر رسالة لشيخ الازهر ضمن محاولات السيسي وإعلامه الضغط عليه كي يتماهى مع مطالبها بشأن الموافقة على قوانين تخالف الشريعة بدعوي تجديد الخطاب الديني.

وقد أشار تقرير اخير اصدره معهد كارنيجي لـ "ناثان ج. براون"، يوم 12 ديسمبر 2018 أن طبيعة الصراع بين السيسي والشيخ أحمد الطيب، تتلخص في "سياسة القوة أم المبادئ؟، وأن هذا النزاع الغامض بينهما "هو في الحقيقة تنافس على القيادة الروحية أو الأخلاقية للمجتمع.

فالسيسي الذي يعتبر نفسه طبيب الفلاسفة والخبير الذي لا يشق له غبار في كل شيء، يطمح أيضا لانتزاع دور "القائد الديني" من شيخ الازهر، وهو ما ظهر في عشرات الفتاوي الفاسدة التي حاول تمريرها بشأن الطلاق الشفوي والمواريث في الشريعة وما يسمي تنقية الأحاديث النبوية وكلها تصدي لها علماء الأزهر.

وجاء في تعديلات قانون تنظيم الأزهر التي صدرت في 19 يناير 2012 بمرسوم عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، برئاسة المشير محمد حسين طنطاوي، وبعضوية عبد الفتاح السيسي، النص على عدم إمكانية عزل رئيس الجمهورية لشيخ الازهر، وهي مادة كان مقصودا بها تحصين الشيخ كي لا يعزله الرئيس مرسي أو البرلمان لو أرادوا، وقطع الطريق على أي محاولات لتغيير وضع الأزهر.

بيد أن هذه التعديلات التي وافق عليها السيسي حينئذ، باتت عقبة أمامه هو في مواجهة شيخ الازهر لأن تعديلات القانون ألغت سلطة رئيس الجمهورية في تعيين شيخ الأزهر، وجعلت اختيار الشيخ القادم للأزهر بالانتخاب من جانب هيئة كبار العلماء، ولكن أبقت على سلطة رئيس الجمهورية في التصديق على نتيجة الانتخاب.

كما أبقت التعديلات أحمد الطيب، شيخ الأزهر الحالي، في موقعه، ومنحته سلطة تشكيل هيئة كبار العلماء، بموافقة رئيس الجمهورية على التشكيل، وأيضًا، على انضمام أي عضو جديد إليها، كما يشترط موافقة رئيس الجمهورية على اختيار وكيل الأزهر، وكان لهذه التعديلات أثر قوي في بقاء وضع الأزهر على ما هو عليه بعيدًا عن أي تغيير، كما أنها أبقت جانبًا كبيرًا من سيطرة السلطة التنفيذية ممثلةً في رئاسة الجمهورية على القيادات المستقبلية لمؤسسة الأزهر.

ولا شك ان هذه القيود القانونية تكبل يد السيسي في الضغط علي شيخ الازهر وتمنح الأخير قدرا من الحصانة للمناورة فيما يخص وضعه القانوني كشخص مستقل عن السلطة نظريا وغير ملزم بقبول إملاءاتها بالكامل وان كان مشاركا في توجهها ودعمها.

بيد أن ضرب السيسي عرض الحائط بأي قانون او مواد في الدستور لا يمنع ترجيح أن يبادر لتعديل مواد في الدستور أو قانون الازهر لإزالة استقلالية شيخ الازهر وتطويعه في يد سلطة الانقلاب.

هل وصل الضوء الاخضر الامريكي؟

بخلاف الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، يبدو أن المؤسسات الأمريكية البارزة مثل الكونجرس والمخابرات والخارجية والدفاع غير متحمسة لدعم خيار تعديل الدستور المصري والتمديد لـ "السيسي" لما بعد 2022، ليس لاعتراضات عليه باعتباره أفضل من يخدم المصالح الأمريكية في المنطقة، وإنما خشية تكرار الربيع العربي في بلد ذاق اهله طعم الحرية ويعانون حاليا من مشاكل معيشية قد تعصف بالسيسي ونظامه.

ورغم ما نشرته عدة صحف عربية منها "العربي الجديد" نقلا عن "مصادر دبلوماسية وسياسية مصرية" بشأن "تحذيرات أمريكية شديدة اللهجة"، تلقاها النظام المصري، تتعلق بمساعي تعديل الدستور بشكل يسمح لـ "السيسي" بالبقاء لفترة أطول في الحكم، وأن عباس كامل ساعد السيسي الايمن سافر خصيصا لأمريكا لاستطلاع رأي مراكز صناعة القرار الامريكية حول تعديل الدستور وتمديد فترة ولاية "السيسي"، إلا أنه لم يصدر موقف امريكي رسمي بهذا الشأن.

وفي اغسطس 2017 أثيرت تساؤلات حول اسباب هدوء وفتور الحديث عن التعديلات الدستورية بعدما أثير الامر رسميا على لسان بعض نواب الانقلاب، وقيل إن الامر راجع لأسباب تتعلق بعدم الرضاء الامريكي.

وطُرحت تساؤلات حينئذ: هل هناك علاقة بين هذا الهدوء، والانتقادات الأمريكية لملف حقوق الإنسان، والجمعيات الأهلية والتي أدت إلى تأجيل وتجميد جزء من المعونة الأمريكية المقدمة لسلطة الانقلاب حينئذ، طبقا لما نشرته وكالة رويترز نقلا عن مسؤولين أمريكيين.

وتبع هذا حديث أكثر من شخصية مقربة من السيسي وسلطة الانقلاب عن ضرورة التمهل والتأني في تعديل الدستور، بل وتأكيد صحف موالية للسلطة أن "السيسي يقطع الطريق على مزاعم قنوات الإخوان حول تعديل مدد الرئاسة بعد تصريحاته باحترام الدستور وعدم الترشح لفترة رئاسية ثالثة، ونواب البرلمان: الرئيس حسم دائرة الجدل وأخرس ألسنة المتربصين بالوطن"!!.

وكان أبرز ما قيل ملفتا للنظر بشأن علاقة التعديل بوجود تحفظ امريكي، هو قول اللواء كمال عامر رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي أن "تعديل الدستور ليس في صالح مصر أو صالح الرئيس عبد الفتاح السيسي"، وأنه "ليس من الحكمة تعديل الدستور الآن ... لأن بعض القوى الكارهة والمعادية لمصر سوف تستغل ذلك سلاحا ضد الدولة والرئيس".

لذلك قيل إن أمريكا هي كلمة السر في تأجيل الحديث عن ملف التعديلات الدستورية رغم نفي أكثر من مصدر مصري، وربط البعض بين الرفض الامريكي ووزير الخارجية الامريكي السابق ريكس تليرسون، بعكس سلفه الحالي (مايك بومبيو) الذي يدعم السيسي ولا يمانع في تمديد بقاؤه في الحكم، ورفض الربط في زيارته الاخيرة لمصر بين حقوق الانسان وغيرها وبين أي عقوبات أمريكية.

ويبدو أن عبد الفتاح السيسي لا يحتاج إلى ضوء أخضر من أمريكا لتعديل الدستور، لأن أمريكا تغض الطرف عن انتهاكات السيسي لحقوق الإنسان، مقابل تماهي السيسي مع السياسة الأمريكية في المنطقة، وحمايته مصالح اسرائيل والمرور الامريكي الامن في قناة السويس بتسهيلات لا تحظي بها دول اخري.

بعبارة أخري يبدو أن هناك اتفاقًا غير مكتوب بين السيسي والإدارة الأمريكية، يقضي بعدم تدخل أمريكا في شئون مصر مقابل خضوع السيسي لرغباتها وتنفيذ أوامرها وحماية الأمن الصهيوني، ما يعني ان هناك ضوء اخضر امريكي لتعديل الدستور.

ولا يختلف الموقف الاوروبي عن الامريكي في القبول ببقاء السيسي وتعديل الدستور، برغم استغلال ذلك في مواقف تكتيكية للضغط عليه، ففي مؤتمره الصحفي الاخير مع الرئيس الفرنسي، زعم عبد الفتاح السيسي، إنه "يجب الاعتراف بأن مصر ليست كأوروبا أو أمريكا، ولكنها منطقة لها خصوصيتها وطبيعتها الخاصة المختلفة"، ولم يعترض على كلامه الرئيس الفرنسي.

وأضاف السيسي، في تبريره ما تفعله سلطة الانقلاب ردًا على تساؤل أحد الصحفيين الفرنسيين حول أوضاع حقوق الإنسان في مصر "نحن في منطقة مضطربة".

وظلت السياسات الأوروبية لحقوق الإنسان تجاه مصر، مخيبة للآمال وتتميز بالنفاق وتغليب مصالحها على انتهاكات حقوق الانسان والقتل والتعذيب المتصاعد في مصر، ومع انقلاب السيسي وتعاظم سياسات القتل الجماعي والتعذيب والقمع، تفاجئ الجميع بتوثيق الاوروبيين علاقتهم مع السيسي والدفاع عن قمعه مقابل مصالحهم وصفقات سلاح قدمت لهم كرشاوي من سلطة الانقلاب.

وقد أصدر مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان دراسة بعنوان: تقرير: حالة حقوق الإنسان في العالم العربي 2017-2018، رصد فيها هذا التحول الجذري في التعامل الغربي الصادمة مع الانقلاب وتغليب لغة المصالح على حقوق الانسان، حيث ركزت الدراسة علي أن هناك تغير في الموقف الأوروبي أو تبرير لهذا الانحياز لدعم الانظمة الديكتاتورية العربية تلخصه "سياسة الجوار الأوروبية المعدلة، في الاهتمام بـ "استقرار المنطقة في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية"، بحيث يكون هذا في صميم السياسة الجديدة، ومن ذلك تعديل الدستور.

 

 

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة