الكرة والسياسة .. ازمة قطر والامارات في ضوء لصراع بين محوري الثورة المضادة والربيع العربي


الكرة والسياسة .. ازمة قطر والامارات في ضوء لصراع بين محوري الثورة المضادة والربيع العربي

 

هل أصبحت الرياضة ساحة لتصفية الخلافات العربية؟ هذا ما يبدو أنه مُحصلة بطولة كأس أسيا التي من المفترض ان يشجع فيها الدول العربية والخليجية بعضها البعض في مواجهة الدول الاسيوية، ولكنها – بسبب الصراع بين الثورة المضادة والربيع العربي – تحولت الي تشجيع الاماراتيين لفريق اليابان ضد قطر، وارتداء مشجعي الامارات شارات اليابان وقمع الشرطة الاماراتية للمشجعين الخليجيين الاخرين من الاحتفاء بفوز فريق قطر بالبطولة.

فقد انعكست مقاطعة دول الحصار (الإمارات والسعودية ومصر والبحرين) لقطر على مباريات الدوحة في البطولة، وانعكس الخلاف السياسي المحتدم، بين أبو ظبي والدوحة، منذ فرض الحصار علي قطر يونيو من العام 2017، على البطولة الاسيوية، وغابت الروح الرياضية بعد غياب الروح السياسية التي كانت عنوان الخليج العربي قبل ازمة الربيع العربي.

وشهدت مباريات البطولة خاصة بين قطر والامارات، وقطر اليابان، اسقاطات لكل تداعيات الخلاف السياسي بين دول الحصار وقطر، بحيث بدا لكثيرين أنها تحولت إلى ما يشبه الموقعة العسكرية في ظل حشد الجانبين لها، ما انعكس على تعليقات الصحافة العربية بعناوين غريبة مثل: "كيف سرقت قطر كأس أسيا؟"، وقول أعلامي الانقلاب في مصر أحد موسي: "قلوبنا مع المنتخب الياباني الي حيشرفنا ويشرف الكرة العربية"!!.

فضلا عن التجاهل الكامل لإعلام دول الحصار لفوز قطر، لحد استبعاد كلمة "قطر" من عنوان الخبر ومتنه مثل قول صحيفة "البيان": (خسارة اليابان بطولة اسيا)، وعدم ذكر ظفر منتخب قطر بلقب كأس أمم آسيا لكرة القدم للمرة الأولى في تاريخه بفوزه على اليابان 3-1.

أيضا لم يظهر الخبر على وكالات الأنباء السعودية والإماراتية والبحرينية والمصرية، في حين نشرت صحف أبو ظبي الخبر على استحياء، ولم تذكر كلمة "قطر" في عنوان الخبر ومتنه، وتركزت التغطية على أن فريق قطر "مُجنس" وبه 9 لاعبين من 14 لاعبا غير قطريين، واعتبار هذا فوز للمجنسين لا لقطر برغم أن قضية التجنيس منتشرة في كافة الدول، بما فيها الاوروبية، وفريق الامارات ذاته به 5 مجنسين من جنسيات غير اماراتية ولم يقل القطريون أنه فريق مجنس.

وهناك وجه اخر لهذه الخلافات الخليجية – الخليجية علي وقع الصراع بين دول الحصار وقطر.

فقد شهد تنظيم بطولتي كاس العالم عامي 2022 و2026 منافسة سياسية شرسة بين الدول للفوز بهما، كانت محصلتها صراعا عربيا-عربيا، بعدما اصبحت الرياضة و"كرة القدم" هدفا أكبر في اهتمام السياسيين، وأداة ووسيلة سياسية لتلميع الانظمة.

وادي انقسام الدول العربية حول دعم قطر في استضافتها لكأس 2022 بسبب الخلافات الخليجية، وأيضا حول دعم طلب المغرب لتنظيم بطولة 2026، لتحول البطولتين لسلاح تتقاتل به الحكومات العربية على العشب الاخضر بدلا من تحولهما الي مناسبة لتوحيد العرب، لخروج المونديال في قطر أو المغرب بشكل مشرف لكل العرب.

ورأي مراقبون سياسيون ورياضيون أن قوة التحالف السياسي بين الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية، والصراع الخليجي مع قطر، حال دون تصويت السعودية والامارات و5 دول عربية أخري، لصالح المغرب لاستضافة مونديال 2026، ما أضاع تنظيم البطولة من المغرب وأثار حربا اعلاميا بين مراكش والرياض.

ومع هذا لم يخل هذا الصراع من مكاسب، كان أبرزها تضامن الجزائر مع المغرب، رغم الحدود المغلقة والتوتر السياسي بين البلدين.

أما على صعيد محاولات ابو ظبي والرياض منع عقد بطولة كاس العالم 2022 في قطر، كشفت صحيفة "الجارديان" البريطانية أن كلا من الرياض وابو ظبي سعتا لمنع والتشكيك في فوز قطر بالبطولة، تارة بمطالبة دول الحصار لقطر بالتخلي عن استضافة كأس العالم مقابل رفع العقوبات، وتارة أخري بأعمال غير مشروعة.

إذ كشف الكاتب "جيم ووترسن" عن تمويل سعودي-إماراتي لمؤتمر عُقد مؤخراً بلندن، يهدف إلى التشكيك في منح تنظيم بطولة كأس العالم 2022 بقطر، ضمن محاولات استغلال الاعلام الغربي في تشويه استضافة قطر للبطولة.

طغيان السياسي علي الرياضي

ومنذ انطلاق تلك البطولة الرياضية بالتزامن مع الصراع المتصاعد بين جبهتي "الثورة المضادة" و"الربيع العربي، وهناك طغيان واضح لما هو سياسي على ما هو رياضي.

تمثل هذا في منع السلطات الإماراتية، لسعود المهندي نائب رئيسي الاتحادي الآسيوي والقطري ورئيس اللجنة المنظمة للمسابقة القارية، من دخول الإمارات قبل أن يسمح له لاحقا بالدخول.

وفي رفض السلطات الإماراتية، دخول وفد إعلامي قطري، كان يفترض أن يشارك في تغطية فعاليات البطولة، وأعادته على الطائرة نفسها إلى الدوحة، فضلا عن وضع عراقيل أمام دخول مشجعين قطريين إلى الإمارات لتشجيع فريق بلادهم.

وقد طال الخلاف السياسي أيضا الجماهير العمانية، المشاركة في البطولة، والتي قيل إن معظمها يشجع المنتخب القطري، إذ شنت شخصيات إماراتية هجوما على الجماهير العمانية، مستهجنة تشجيعها للمنتخب القطري، كما منعهم البوليس الاماراتي من الاحتفال بفوز قطر بالبطولة في شوارع ابو ظبي!

والغريب أن يحدث ذلك التباعد في الرؤي بسبب الرياضة بينما المعتاد أن تعلب الرياضة دورا في حل الخلافات السياسية.

فعلى عكس تجارب سابقة في كل أنحاء العالم، تبدو الرياضة مصطبغة بالخلافات السياسية في المنطقة العربية، وبدلا من أن تؤدي دورها في التقريب بين الشعوب فهي على العكس تستخدم كأداة في خلافات الأنظمة بالمنطقة، ويبدو واضحا في سياق التجارب العالمية كيف لعبت "دبلوماسية البنج بونج"، دورا هاما في تطبيع العلاقات بين واشنطن وبكين، في مطلع السبعينات من القرن الماضي وهو ما مهد فيما بعد لزيارة الرئيس الأمريكي الراحل ريتشارد نيكسون إلى العاصمة الصينية.

ومن الواضح أن المشكلة، تكمن في استخدام الرياضة كأداة من قبل أنظمة المنطقة الخليجية، وأن الأمر لا يتعلق إطلاقا بعداء بين الشعوب، بقدر ما هو يتعلق بتوظيف الرياضة لتحقيق هدف سياسي من قبل الأنظمة فقط، ويبرز هنا الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام الرسمية، في إذكاء حالة الاحتقان ومهاجمة شعب أو دولة كاملة، في حالة من التخلي عن روح الرياضة وهدفها.

ويمتلئ تاريخ اللقاءات الرياضية العربية بمناسبات استخدمت فيها اللعبة، لإذكاء الخلاف بين الشعوب العربية، والمثال الواضح على هذا كان التوتر بين الشعبين المصري والجزائري، في أعقاب مباريات منتخبي البلدين في تصفيات كأس العالم لكرة القدم عام 2010، وما لعبه الإعلام المصري، من تأجيج للخلاف ونقله من منافسة رياضية، إلى شقاق بين شعبين.

أيضا خلال نهائي البطولة العربية التي استضافتها القاهرة والاسكندرية وبرج العرب في مصر، تعرض الحكم الدولي المصري، إبراهيم نور الدين، إلى الضرب المبرح على يد فريق الفيصلي الأردني، عقب المباراة التي جمعته مع الترجي التونسي، لتلقي بظلال لفترة طويلة على العلاقات بين الشعبين المصري والأردني.

وهناك ايضا دورة ألعاب البحر المتوسط التي استضافتها الجزائر عام 1980، وما شهدته من أحداث مؤسفة في بعض المنافسات بين فرق مصرية، وفرق من دول عربية أخرى، وكانت هذه الدورة قد جاءت بعد أشهر فقط من توقيع معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية في 26 (مارس) 1979، والتي تركت آثارا سلبية على علاقة مصر بالعديد من الدول العربية.

منتخب قطر وحقيقة التجنيس في كرة القدم

من بين 14 لاعبا يضم منتخب قطر 9 مجنسين هم: 4 سودانيين و3 مصريين وفرنسي وبرتغالي، فيما يضم منتخب الامارات 5 لاعبين يمنيين وايرانيين، والامر نفسه يحدث في كافة الفرق الاوروبية والخليجية ومع هذا جري التركيز على التجنيس القطري للاعبين للتشكيك في فوز القطريين بالبطولة الاسيوية من جانب الامارات خصوصا، التي قدمت شكوى تم رفضها ضد التجنيس في الفريق القطري.

والتجنيس في الرياضة ظاهرة عالمية وهناك وقائع كثيرة في بلدان مختلفة، ومنها فرنسا مثلا، فمعظم لاعبى المنتخب الفرنسي بطل العالم في 1998 من أبناء مهاجرين أصولهم غير فرنسية.

 ويوم فازت فرنسا باللقب حرص الرئيس جاك شيراك على التقاط صورة تذكارية مع لاعبى المنتخب وأبرزهم الهداف الجزائري.

ورغم اثارة الجدل حول كثرة اللاعبين المجنسين في المنتخب القطري الا ان الواقع يؤكد أن منتخب قطر من خريجي مدرسة "إسباير" للتفوق الرياضي التي انشئت عام 2004 بهدف الكشف والمساعدة في تطوير الرياضيين القطريين، ويعد بطل العالم الحالي في الوثب العالي معتز برشم من أبرز خريجيها.

التوظيف السياسي للرياضة

ليس التوظيف السياسي للرياضة قاصرا على الخليجيين خلال ازمة كأس اسيا الاخير، ولكنها صناعة عالمية بدأت منذ عهد النازية في المانيا والفاشية في ايطاليا، واستغلها الروس في بطولة العالم الاخيرة وسعي الرئيس الشيشاني لاستغلال صوره مع اللاعب محمد صلاح في تلميع صورته الديكتاتورية، وهو نفس ما فعله السيسي في مصر مع اللاعب محمد صلاح.

فهناك علاقة قوية بين السياسة والرياضة، وسعي للتوظيف السياسي للرياضة وسعي من جانب الانظمة القمعية وخاصة العربية للاستفادة منها في الدعم الشعبي لها وتثبيت شرعيتها.

وعلى غرار قول وزير الإعلام بحكومة هتلر أن "الفوز بمباراة كرة قدم دولية أهم من السيطرة على إحدى المُدن"، أرسى سياسيون في العالم العربي القاعدة نفسها لاستغلال الرياضة من اجل الترويج لسياساتهم وزيادة شعبيتهم.

 

ويؤكد الخبراء المتخصصون في النقد الرياضي والسياسة وعلم الاجتماع والنفس أن الرياضة أداة من الأدوات التي تستخدمها الحكومات لتحقيق جماهيرية للنظام الحاكم، لهذا تستخدم نّـظم عربية الرياضة لدعم شرعيتها وتوسيع قاعدتها الجماهيرية لجهة التأثير على قطاع الشباب، أو الهاء الشعوب وتغييبها عن احداث سياسية خطيرة وفساد.

فبالرياضة فبإمكانك اغتيال وهزيمة شعب بكامله (رياضيا) بتصويبه كرة قدم تعانق الشباك، لتعويض هزيمة سابقة عسكرية أو سياسية، وبها يمكنك أن تشعل حربا أو توترا سياسية كما حدث بين مصر والجزائر عام 2009، او تحقيق شعبية أو تثبيت شرعية حكم، كما جري في بلدان عدة في ظل كأس العالم الاخيرة بروسيا.

ويري بعض المحللين الرياضيين والسياسيين أن السياسة أفسدت الرياضة، وأن هناك من سعي لإقحام السياسة في الرياضة لإفسادها بدلا من الاستفادة من الرياضة في تحسين العلاقات بين الشعوب، وأن السياسة أفسدت كرة القدم وجيوش الحقد تحركت لهدم الكورة.

وقد أظهرت أربعة احداث رياضية عربية، محاولات "تسييس الرياضة" خلال بطولة كأس العالم الاخيرة في روسيا، أبرزها: سعي حكام لتلميع أنفسهم كرعاة لمنتخبات بلادهم، واستغلال اللاعب الشهير محمد صلاح محليا ودوليا، والصراع حول احتكار قناة بي ان سبورت بث بطولة كأس العالم، وانتقام السعودية من المغرب لعدم وقوفها معها في حصار قطر، بدعم استضافة أمريكا مونديال 2026 على حساب المغاربة.

فقد حاول النظام في مصر استغلال شعبية اللاعب محمد صلاح في الترويج لشركة "اتصالات" الحكومية بالمخالفة لعقود اللاعب الاعلانية، والاستفادة منه في دعم مشروعات حكومية عب ابتزازه ماليا للتبرع لصندوق "تحيا مصر"، كما سعي الرئيس الشيشاني لاستغلال "صلاح" في تلميع صورة نظامه الذي تتهمه منظمات حقوقية بالقمع، خلال تواجد الفريق المصري بالشيشان.

وتحول احتكار "بي ان سبورت" لحقوق بث مباريات كأس العالم لصراع مصري سعودي قطري، ورُفعت دعاوي قضائية بالقاهرة والرياض ضد "احتكار" القناة القطرية، وتم منع رياضيين من الظهور فيها، وتغريم القناة في محاكم مصرية.

وجاء ترشيح المغرب نفسها لتنظيم بطولة 2026، ودعم 7 دول علي راسها السعودية والامارات لأمريكا على حسابها، ليشير لسعي الرياض لعقاب المغرب على مواقفه غير الداعمة للحصار علي قطر، واستغلال هذه المناسبة الرياضية في تحقيق انتقام سياسي.

وأولت النظم العربية أهمية خاصة للرياضة، نظرا لقدرتها على تعبئة الجماهير والتأثير فيها، ووظفت الرياضة لخدمة مصالحها السياسية.

وقبل مرحلة الربيع العربي، استغلت الأنظمة التي كانت تسعي لتوريث السلطة الأبناء، في مصر وليبيا واليمن خصوصا، الرياضة، لدعم "أبناء الرؤساء" وتصعيدهم وجلب شعبية غائبة لهم، وتصدت لهم روابط التراس وسحبت الشعبية منهم، ما دفع السلطة لقمعها.

وعقب الربيع العربي، حدث العكس وأصبحت الجماهير الرياضية، ممثلة في روابط "ألتراس"، هي قوة الضغط السياسية على القادة العسكريين والسياسيين بمشاركتهم في المظاهرات والاحتجاجات، ما أضطر أجهزة الامن لإيقاف مباريات الكرة ومنع حضور الجماهير لإبعاد "التراس" عن المدرجات، ثم تم حظر روابط التراس رسميا، بعدما دعمت الثورات الشعبية.

فقد شكلت الروابط الرياضية (ألتراس) في العالم العربي، خاصة مصر، رقما صعبا ومعضلة للحكومات، بسبب شعبيتها وقوتها الجماهيرية وقدرتها التنظيمية علي حشد أنصارها والمخاوف من حشدها الجماهير الغير مسيسة في الدعوة للحريات.

وامتدت الحرب على التراس ما بين مذابح كروية، مثل مذبحة بورسعيد 1 فبراير 2012 ومذبحة الدفاع الجوي 8 فبراير 2015، الي اعتقال أعضاءها، ثم الضغط عليهم اخيرا لحل هذه الروابط لإنهاء أدوارها المعارضة للسلطة.

وكان لروابط التراس في شمال افريقيا، نصيب أيضا من العمل السياسي الذي اقلق حكومات المنطقة، خاصة عبر التفاني في الحديث في أغلب أهازيجها عن "الحرية".

حيث غني التراس المغرب: "الشعب ليه مقموع جاي نغني، جاي نقول"، وانتشرت أهازيج سياسية أخرى بالمقابل مؤيدة للأنظمة والوضع القائم.

وقاد "التراس الفريق الإفريقي" في تونس عملية إرسال رسائل سياسية غاضبة للنظام في أغانيه، مثل أغنية "تيستامونت" Testament التي تقول إحدى جملها "الثورة أحنا بديناها"، في إشارة لربيع "ثورة الياسمين" في تونس.

ولم تختلف أغاني الملاعب في الجزائر، حيث تحولت مخاطبة "ألتراس" للسلطة، في أغاني الشباب التي حملت أيضا رسائل سياسية، إلى رسائل تنتقد الأوضاع، وتحتج على البطالة والغلاء.

 

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة