من الاستغلال للصدام.. العلاقة بين السيسي والقوى العلمانية وسيناريوهات المسنقبل

 


من الاستغلال للصدام.. العلاقة بين السيسي والقوى العلمانية وسيناريوهات المسنقبل


لم يكن انقلاب 03 يوليو 2013م كلاسيكيا بالمعنى المفهوم لانقلاب الجيوش خلال مرحلة الحرب الباردة في القرن العشرين؛ حيث يرسل الجيش ضابطا ترافقه قوة عسكرية صغيرة للسيطرة على مقر الإذاعة والتلفزيون لإعلان بيان الجيش الأول والذي عادة ما يطلقون عليه "بيان الثورة الأول" إمعانا في التضليل والخداع، بالتزامن مع استعراض قوة بالدبابات في الشوارع ومحاصرة مؤسسات الدولة وسفك الدماء إذا تطلب الأمر؛ هنالك الآن طريقة مختلفة وأكثر فاعلية، تتمثل في استعمال غطاء مدني، لتنفيذ انقلاب عسكري في القرن 21. إذ لم يعد كافيا أن يتحرك الجيش بمبادرة فردية منه ثم يتوقع الحصول على الدعم من المتفرجين المدنيين، فهؤلاء المدنيون وجب استعمالهم لإضفاء مسحة شعبية للتغطية على جريمة الانقلاب والتستر على ممارساته القمعية؛ ليكونوا جسرا يعبر من خلاله الجنرالات للسطو على الحكم من جديد وإعادة صياغة العلاقات المدنية العسكرية بما يحقق مصالح كبار القادة والجنرالات الذين تكون لهم عادة تشابكات مصالح مع قوى أجنبية ، ومنح القوى العلمانية التي شكلت غطاء مدنيا للانقلاب بعض الفتات ثم الرمي بها في أقرب سلة مهملات مع أول محطة خلاف بين الطرفين.

وبالتدريج، انتهى المقام بمعظم الأحزاب العلمانية لأن تتخذ أحد ثلاثة مواقف[1] منذ انقلاب 2013:

(1)  الدعم الأعمى للدولة وللترتيبات السلطوية الجديدة التي وضعها الجيش قيد العمل.

(2)  التأييد العام للدولة مترافقاً مع محاولات للحفاظ على قدر من الاستقلال أو حيّز لانتقاد سياسات حكومية بعينها.

(3)  إدانة السيطرة العسكرية على العمل السياسي ومعارضة سياسات الحكومة. بيد أن أياً من هذه المواقف لم يمنع انهيار الدور السياسي للأحزاب العلمانية.

ومرت العلاقة بين الجيش والقوى العلمانية بمراحل ثلاثة:

أولا التحالف الوثيق

الأولى هي التحالف الوثيق من أجل إسقاط المسار الديمقراطي والإطاحة بالرئيس المدني المنتخب وذلك في أعقاب فشل  الدولة العميقة في فوز مرشحها أحمد شفيق في انتخابات الرئاسة 2012م وكذلك عدم قدرتها  أو عدم رغبتها في احتواء الرئيس والمؤسسات المنتخبة عبر صيغة سياسية  تقوم على المصالح المشتركة، وكذلك فشل القوى  العلمانية في منافسة الإسلاميين منافسة سياسية شريفة تقوم على إقناع الناخبين ببرامجهم وأفكارهم فعملوا على التشكيك المتواصل والتشويه المستمر لنظام الرئيس محمد مرسي واختلاق الأكاذيب والافتراءات والمبالغة في تضخيم جوانب القصور والخطأ التي تعد أمرا طبيعيا في مرحلة سبقتها عقود من التجريف السياسي التي مرت بها البلاد منذ انقلاب 23 يوليو 1952م وعدم اكتساب أي قوة سياسية أو حزب سياسي أي خبرات تتعلق بالحكم وإدارة دواليب العمل الحكومي في ظل إصرار أركان الدولة العميقة على إعاقة التجربة وإفشال الرئيس ووأد المسار الثوري كله؛ فوجدت القوى العلمانية في ذلك فرصة للتحالف مع الدولة العميقة وتحريض المؤسسة العسكرية من أجل تنفيذ انقلاب عسكري ظنا منهم أن ذلك سوف يخلي الجو لهم للاستفراد بحكم البلاد حتى لو كان ذلك فوق ظهور الدبابات وليس بإرادة الناخبين وهو ما يمثل أكبر طعنة وجهتها هذه القوى لنفسها قبل أن توجهها لمصر أو الإسلاميين أو ثورة يناير.

وفي انقلاب 03 يوليو، استخدم الجيش ما تسمى بالقوى المدنية "العلمانية" كما وظَّف المؤسسة الدينية في البلاد بشقيها الإسلامي والمسيحي من أجل اكتساب هذه المسحة الشعبية المفتعلة التي جاءت مدعومة بشكل واسع عبر تدخلات خارجية سافرة وتمويل واسع من الإمارات والسعودية وتدبير ورعاية من جانب الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية.

وفي أعقاب نجاح الانقلاب في الإطاحة بالرئيس المدني المنتخب محمد مرسي واعتقال قادة الحكومة المنتخبة والحزب الحاكم، وإجهاض المسار الديمقراطي الوليد بعد ثورة 25يناير 2011م،  وإمعانا في التضليل والخداع ألح الخطاب السياسي للجيش وأبواقه الإعلامية على أنهم فقط يستجيبون لما أسموها " مطالب الشعب" في انحياز صارخ وتوظيف للأقلية السياسية، وأنهم لا مطمع لهم في السلطة أو الحكم  وأن بيان 30 يوليو هو تصحيح لمسار الثورة؛ وهو بالطبع ما ثبت كذبه، لكن الجيش  كافأ القوى العلمانية التي مثلت غطاء مدنيا للانقلاب بأمرين مهمين:

الأول هو تشكيل حكومة "علمانية" يقودها قيادات ما تسمى بجبهة الإنقاذ برئاسة الدكتور حازم الببلاوي القيادي بالجبهة والحزب المصري الديمقراطي كما تم تعيين الدكتور محمد البرادعي الواجهة المدنية الأكثر شهرة نائبا للمؤقت عدلي منصور ومستشارا لرئيس الوزراء للشئون الخارجية، إضافة إلى عدد من الوزراء والمستشارين منهم أحمد البرعي وكمال أبو عيطة ومنير فخري عبدالنور، وحسام عيسى وزياد بهاء الدين ومصطفى حجازي وسكينة فؤاد وأحمد المسلماني وغيرهم. وهي الحكومة التي تولت في 16 يوليو 2013م واتخذت قرارات وتشريعات ومواقف سيئة السمعة منها:

1)     بعكس الإسلاميين الذين جاءوا  إلى الحكم عبر انتخابات نزيهة وبأصوات الناخبين تولى العلمانيون الحكم على ظهر دبابات الجيش دون أن يمنحهم الشعب ثقته وهم الذين فشلوا في الفوز بثقة الشعب في ستة استحقاقات ديمقراطية نزيهة في المرحلة ما بين 11 فبراير 2011 حتى 30 يونيو 2013م.

2)     وبعكس الدستور الذي تم الموافقة عليها شعبيا في عهد الإسلاميين والذي شارك فيه الجميع صياغة وتصويتا ووافق عليه الشعب بنسبة "64%" جاء دستور العسكر والعلمانيين في أجلى صور الإقصاء حيث استفرد به العلمانيون والموالون للجيش ولم يشارك فيه الإسلاميون؛ ولذلك تم تمريره في استفتاء صوري قاطعه  أكبر الفصائل السياسية في البلاد بنسبة "98%".

3)     تم في عهد هذه الحكومة  ارتكاب أبشع المذابح الدموية في تاريخ مصر الحديث والمعاصر  التي أفضت إلى مقتل آلاف الضحايا والأبرياء، كما حدث في ميدان رابعة العدوية[2] والنهضة ومصطفى محمود ومذبحة 6 أكتوبر بشارع التحرير بالدقي وغيرها، وتماديا في الإقصاء والعنصرية من جانب حكومة القوى العلمانية تم اعتبار جماعة الإخوان المسلمين وهي القوة الشعبية الأولى في البلاد التي فازت بثقة الشعب كيانا إرهابيا، كما تم تلفيق  التهم للرئيس المنتخب وأركان حكومته وقادة حزب الحرية والعدالة الذي فاز بثقة الشعب لأنهم رفضوا الانصياع لهذا الانقلاب العسكري.

4)     سن قانون منع التظاهر حيث وافق المؤقت عدلي منصور في 24 نوفمبر  2013  علي قانون قدمته له حكومة القوى (المدنيةالديمقراطية!) بخصوص "تنظيم حق التظاهر"، حيث يحتم القانون على من يريد التظاهر الحصول على ترخيص من وزارة الداخلية وإلا يتعرض لعقوبات من بينها الحبس، وهو القانون الذي أثار غضب مؤيدين ومعارضين للسلطات الحالية والذين تظاهروا ضد القانون ما أدى إلى حبس عدد منهم، من بينهم الناشطون أحمد ماهر وعلاء عبد الفتاح وأحمد دومة.

5)     تحويل الحبس الاحتياطي[3] إلى عقوبة في حد ذاته وذلك بالموافقة على تعديل تشريعي على بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية  بما يسمح بمد فترات الحبس الاحتياطي دون التقيد بالمدد المنصوص عليها في المادة 143 إذا كانت التهمة التي يحاكم بها عقوبتها الإعدام أو السجن المؤبد وهو القرار الذي أصدره عدلي منصور رقم 83 لسنة 2013م.

6)     أصدر الببلاوي في  31 أكتوبر 2013، قرارا بعودة الشرطة للجامعات والتي كان قد تم منعها في أعقاب تنفيذ حكم المحكمة الإدارية العليا في 2011 بمنع تواجد الحرس الجامعى داخل الحرم. وبموجب قرار الببلاوي، منحت الشرطة حق دخول الحرم الجماعى، بناء على استدعاء من رئيس الجامعة أو بإذن مسبق من النيابة العامة. وفى 21 نوفمبر 2013، تطور القرار لمنح قوات الشرطة الحق في دخول الحرم الجامعي دون إخطار أو إذن مسبق، متى رأت وجود مخاطر على الأرواح المتواجدة بالحرم الجامعى أو تهديد لمنشآتها.[4]

7)     وفي 11 سبتمبر 2013م، أصدر عدلي منصور بموافقة الحكومة قرارا جمهوريا بتعديل بعض أحكام قانون المناقصات والمزايدات[5]، يسمح فيما وصفها بالحالات العاجلة، أن يتم التعاقد بطريق الاتفاق المباشر، بناء على ترخيص من الوزير أو المسئول المختص. وهو ما يفتح بابا واسعا للفساد والوساطة والمحسوبية بسبب تعديلهم قانون المناقصات والمزايدات الذى يسمح بالتعاقد بالأمر المباشر.

8)     عقب  إقالة الحكومة في 24 فبراير 2014م، غير مأسوف عليها وسط إجماع شعبي[6] على فشلها في كافة القطاعات والملفات؛ لاحقت وزراء حكومة جبهة الإنقاذ اتهامات بالفساد وإهدار المال العام، بعد تحويل الجهاز المركزي للمحاسبات عددًا من التقارير للقضاء. فبين اتهامات لوزير العدل المستشار عادل عبد الحميد بحصوله على 2 مليون جنيه بدون وجه حق، ومطالبته بإعادتها للدولة، وأخرى تتهم وزير الإسكان المهندس إبراهيم محلب بإهدار 4 مليارات جنيه، في مخالفات أراض لم يتم إعادتها للدولة، وثالث ينذر بكارثة وهي إيرادات وأرباح وهمية جمعتها وزارة الكهرباء برئاسة أحمد إمام من الشركات المستهلكة للطاقة بدون سند قانوني، واتهامات أخرى للدكتور محمد أبو شادي وزير التموين، بعد اتهام مدير مكتبه بتلقي رشوة، وإهداره شركة الصوامع لـ89 مليون جنيه.[7]

الثاني، كافأهم الجيش بصلاحيات واسعة واستفراد بتشكيل دستور جديد على هواهم بدلا من دستور الثورة 2012م الذي شارك الجميع في صياغة 90% من مواده قبل انسحاب القوى العلمانية ربما بتحريض من الجيش لإفشال المسار إضافة لإصرارها على فرض تصوراتها في المواد الخلافية دون الاعتماد على الإجراء الديمقراطي بالتصويت، وهو ما أسفر عن دستور 2014 الذي يسعى جنرال الانقلاب عبدالفتاح السيسي حاليا لتعديله بما يفضي لتأبيده في الحكم ومنح القوات المسلحة صلاحيات أوسع ومهام وظيفية تجعل منها وصيا على الشعب. حيث ترأس لجنة الخمسين التأسيسية المعينة من جانب الجيش عمرو موسى القيادي بجبهة الإنقاذ وتشكلت كلها من العلمانيين وممثلين عن بعض المؤسسات والنقابات الذين تم اختيارهم أيضا بناء على معايير ولائهم للنظام الجديد وإيمانهم بالعلمانية وعدائهم للتيار الإسلامي باستثناء ممثل حزب النور الذي جيء به كديكور في اللجنة ليس له من الأمر شيئا.إضافة إلى أنهم أداة طيعة في أيدي الأجهزة الأمنية. وخلت هذه اللجنة التأسيسة من أي صوت إسلامي معتدل يعارض الحكم العسكري لاقتناع الإسلاميين بعدم مشروعية هذه الإجراءات التي تأسست على انقلاب عسكري على الدستور والقانون والمسار الديمقراطي كله ونسفا كذلك لمكتسبات ثورة يناير؛ وبذلك تم تمرير دستور إقصائي من البداية تشكل بنكهة علمانية خالصة تحت رعاية المؤسسة العسكرية التي فرضت نفسها وصيا على الشعب وأهدرت إرادة الناخبين في  جميع الاستحقاقات الديمقراطية النزيهة التي جرت في أعقاب ثورة يناير فكل المؤسسات المنتخبة الرئيس والبرلمان والدستور تم وأدها بعنف ووحشية؛ في توجهات شديدة الوضوح بعدم سماح الجيش باستكمال أي مسار ديمقراطي في مصر!.

 

مرحلة التوتر

المرحلة الثانية هي التوتر والتنافر،  والتي امتدت سنتين من (2014/حتى إبريل 2016)وذلك في أعقاب إجبار حكومة الدكتور حازم الببلاوي على الاستقالة كما صرح بذلك حسام عيسى، وإقرار الدستور الإقصائي 2014 الذي استفردت به وبلجنته التأسيسة هذه القوى العلمانية بالتحالف مع الموالين للجيش والدولة العميقة ونظام مبارك، كما تم الهجوم على الحكومة المقالة بعنف من جانب أبواق الجيش سعيا لتكريس فشل كل مدني رغم أنها جيء بها بإرادة الجيش نفسه، وأدركت هذه القوى أنها تم خداعها واستخدامها كواجهة مدنية لما جرى في 03 يوليو ، وكانت الصدمة لهم أن الحكومة التي أعقبت الببلاوي كانت من أركان النظام القديم كاملا على رأسها إبراهيم محلب عضو لجنة السياسات والمقرب من جمال مبارك وأحد المتهمين بالفساد في قضايا عديدة؛ الأمر الذي دفع أحمد فوزي، الأمين العام للحزب المصري الديمقراطي الذي كان ينتمي له الببلاوي إلى انتقاد الهجوم الذي تعرضت له حكومة "جبهة الإنقاذ" من جميع القوى السياسية دون استثناء سواء المؤيدين للنظام والرافضين له والقوى السياسية والأحزاب والحركات الشبابية التي رأت في حكومة الببلاوي ارتدادا صارخا عن كل ما نادت به ثورة يناير.[8]

أسهم في توتير العلاقة أيضا، وضوح التوجهات الاستبدادية لزعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي بعد أن أحرق أحد قيادات جبهة الإنقاذ "حمدين صباحي" في مسرحية الرئاسة 2014 حيث حل ثالثا بعد السيسي والأصوات الباطلة، وتم توظيف مؤسسات الدولة لصالح السيسي في ارتداد لعهد مبارك بخلاف ما جرى من استحقاقات خلال مرحلة ما بين فبراير 2011 حتى 30يونيو 2013م، ما يؤكد عودة احتكار وسيطرة الأجهزة الأمنية على كافة الأوضاع في البلاد والتغول الوحشي للمؤسسة العسكرية سياسيا واقتصاديا والاعتماد كليا على ما يسمى بالحل الأمني رغم أنه يعقد الأمور ولا يحل شيئا؛ والبدء في مصادرة الحريات و كل هذه العوامل أفضت إلى توتر العلاقة بين الطرفين وبات قيادات الجبهة ينشرون كتابات تنتقد الأوضاع وتحذر من مستقبل مأساوي إذا استمرت على هذا النحو.

 

مرحلة الصدام

المرحلة الثالثة، تبدأ مع إبريل  2016م، وهي المرحلة التي ارتفع فيها صوت موالين للقوى العلمانية بهتافات تماثل هتافات ثورة يناير (ارحل) مطالبين برحيل السيسي ونظامه وذلك للأسباب الآتية:

1)     اتهامه بالخيانة والتفريط في التراب الوطني والتنازل عن سيادة مصر على جزء من أراضيها في أعقاب  تنازل النظام عن جزيرتي "تيران وصنافير" في 08 أبريل 2016م.

2)     اقتحام نقابة الصحافيين في مشهد همجي لم يحدث في أي عصر من العصور، لاعتقال صحافيين محتجين على بيع "تيران وصنافير".

3)     الطامة الكبرى في نوفمبر 2016 بالاتفاق مع صندوق النقد وقرارات تعويم الجنيه وهو ما أفضى إلى تآكل قيمة الجنيه أمام الدولار بنسبة أكثر من 100% حيث ارتفع سعر صرف الدولار من 8 جنيهات إلى 18 جنيها ما أفضى إلى موجات من الغلاء الفاحش الذي طال كل السلع والخدمات وهبط بعشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر. والشره في الاستدانة والاقتراض من الخارج والداخل حتى ارتفعت ديون مصر بنسبة 200% في فترة السيسي الأولى.

4)     عدم احترام حكم الإدارية العليا في مارس 2017 بمصرية الجزيرتين، وعدم اكتراث النظام لهذا الحكم البات والنهائي والالتفاف على الدستور والقانون بالطعن على الحكم أمام الأمور المستعجلة والتي لا ولاية لها على مثل هذه القضايا في إصرار على التفريط في التراب الوطني والعصف بدولة القانون.

5)     زيارة السيسي للولايات المتحدة الأمريكية في إبريل 2017 ولقائه بالرئيس الجديد دونالد ترامب وتصريحات السيسي التي أكد فيها حرصه على تمرير ما تسمى بصفقة القرن الأمريكية بشأن تصفية القضية الفلسطينية وما أثير حول التفريط في مزيد من الأراضي المصرية بسيناء لتمرير الصفقة بالتزامن مع عمليات تهجير قسري بحق أهالي رفح المصرية.

6)     أعقب لقاء السيسي بترامب عمليات تأميم واسعة لجميع وسائل الإعلام واستحواذ جهاز المخابرات عبر  شركة "إيجال كابيتال"على جميع الفضائيات والصحف وحجب مئات المواقع الإخبارية والتضييق على منظمات المجتمع المدني بقانون مشبوه تم تمريره على عجل، وزيادة وتيرة الاعتقالات والاغتيال خارج القانون بدعوى الحرب على الإرهاب.

7)     مسرحية الرئاسة في 2018م حيث أقصى السيسي بعنف ووحشية كل منافسيه المحتملين فزج بالفريق عنان في السجن ووضع الفريق شفيق رهن الإقامة الجبرية وحكم عسكريا على العقيد أحمد قنصوة بالسجن 10 سنوات لإعلانه الترشح ضد السيسي،وامتنعت جبهة الإنقاذ عن تقديم "كومبارس" جديد للمسرحية ما وضع النظام في ورطة وتم الدفع بأحد أنصار السيسي للترشح صوريا أمامه الأمر الذي مثل فضيحة من العيار الثقيل؛ دفع القوى العلمانية إلى مقاطعة هذه المسرحية.

8)     أمام الانسداد السياسي واحتكار الجيش لكل مفاصل الدولة سياسيا واقتصاديا وإعلاميا أدرك الجميع أن استمرار هذا المسار مدمر لا محالة فخرجت بعض المبادرات من أجل حلحلة المشهد ومنها مبادرة السفير معصوم مرزوق، مساعد وزير الخارجية الأسبق والقيادي بتيار الكرامة الناصري والذي طرح تنظيم استفتاء على شرعية النظام وهو ما قوبل بوحشية مفرطة من جانب النظام حيث اعتقل مرزوق وهو أحد أبطال حرب أكتوبر وقضى معظم عمره في خدمة البلاد سفيرا ودبلوماسيا لكن ذلك لم يشفع له أمام توحش نظام 30 يونيو الذي لا يقبل النقد والتشكيك في سياساته وتوجهاته؛ حيث اعتقل مرزوق ونخبة من أصحابه ولا يزالون قابعين في سجون العسكر بلا تهمة سوى معارضة النظام.

9)      يأس القوى العلمانية من أي إصلاح لهذا النظام مع انطلاق البرلمان في تمرير  التعديلات الدستورية التي تفضي إلى تأبيد حكم السيسي حتى 2034م وربما أكثر من ذلك على طريقة (بوتين/ميدفيدف) وكذلك منح القوات المسلحة مهام وصلاحيات تجعل منها وصيا على الشعب وتقنن انقلابها على أي مسار ديمقراطي قادم بدعوى صون الديمقراطية وحماية مدنية الدولة على غرار الجيش التركي قبل المرحلة الأردوغانية حيث نفذ 5 انقلابات بدعوى "حماية النظام العلماني". وكذلك العصف بما تبقى من استقلال القضاء بمنح السيسي صلاحيات تعيين النائب العام ورئيس المحكمة الدستورية وجميع رؤساء الهيئات القضائية وغل سلطات مجلس الدولة. وهو ما دفع القوى العلمانية نحو رفض هذه التعديلات مع تباين المواقف حول المقاطعة باعتبار نتائج الاستفتاء معلومة مسبقا والمشاركة بالتصويت بلا رغم عدم وجود ضمانات لإجراء استفتاء نزيه وتوظيف النظام مشاركة هذه القوى للتدليل على المشاركة الشعبية، في ظل توقعات بعزوف شعبي واسع وإجبار النظام موظفي الدولة على المشاركة وتهديد غير المشاركين بغرامات مغلظة.

سيناريوهات مستقبل العلاقة

وإزاء هذه التفاعلات فإن أمام القوى العلمانية ثلاثة مسارات:

الأول، أن تقبل بصفقة مع النظام تضمن بمقتضاها جزءا من تورتة البرلمان القادم وتخيف القيود على حرية الحركة لهذه القوى مقابل صمتها أو دعمها لهذه التعديلات.

الثاني، أن تبقى المعارضة على ما هي عليه "معارضة مستأنسة"  لا تملك من أدوات المعارضة سوى الشجب والاستنكار كموقف الحكومات العربية من الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين على مدار العقود السابقة، أو المعارضة في العالم الافتراضي كشبكات التواصل الاجتماعي "تويتر وفيس بوك وغيرها"

الثالث، أن تنزوي هذه القوى وتتلاشي شيئا فشيئا مع توجه شبابها نحو سرية الحركة والتنظيم على نطاق ضيق ويمكن لبعض شبابها إذا زادت وتيرة الضغط والانتقام أن يتجه لمربع العنف وفق قاعدة "لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه".

ولكن يبقى التساؤل الأهم: هل يمكن في حال تمرير هذه التعديلات أن تتحول القوى العلمانية من المعارضة في ظل التسليم بشرعية النظام إلى مربع الرفض وعدم الاقتناع بشرعيته بعد دهس الدستور وإهدار جميع مكتسبات ثورة يناير التي تبقت في بعض نصوصه؟ وهل يمكن أن يفضي ذلك إلى تقارب بين هذه القوى والإسلاميين من أجل صناعة تصور وخطاب سياسي يضع المبادئ الأساسية لتعايش مشترك دون إقصاء أو تهميش والتسليم بأن الديمقراطية واحترام إرادة الشعب مهما كانت هي الضمان الوحيد لاستقرار البلاد وسلامة وحدتها وتماسكها؟  وهل يمكن أن يؤدي ذلك إلى تشكيل تيار واسع مع احترام الخصوصيات والاتفاق على المبادئ الكلية من أجل إزاحة نظام 03 يوليو لأن استمراره تبديد للحاضر وعصف بالمستقبل؟. هذا ما ستكشف عنه الأيام والشهور المقبلة..

 



[1] ميشل  دن وعمرو حمزاوي/الأحزاب السياسية العلمانية في مصر: تنازع من أجل الهوية والاستقلال/مركز كارنيغي للشرق الأوسط 31 مارس 2017

 

[2] آشتون تحمل مسؤولية أحداث مصر لـ"حكومة الببلاوى"/ مصر العربية 16 أغسطس 2013

 

[3] قرار جمهورى بتعديل مدة الحبس الاحتياطى فى قانون الإجراءات الجنائية/ بوابة الأهرام 25 سبتمبر 2013

[4] نادية أبوالعينين/ حقوقيون: عودة الشرطة للجامعة يولد العنف/ مصر العربية  13 أكتوبر 2014

[5] محمد الجالى ونور ذو الفقار/قرار جمهورى يسمح بتعديل بعض أحكام قانون المناقصات والمزايدات/ اليوم السابع الخميس 12 سبتمبر 2013م

[6] محمد السوداني/استقالة "حكومة الدم".. ترحيب بالإجماع/ مصر العربية 02 مارس 2014... حمزة صلاح/واشنطن بوست: سقوط حكومة "العرائس المتحركة"/ مصر العربية 24 فبراير 2014 ... أنس زكي/حكومة الببلاوي لا بواكي لها/ الجزيرة نت 25 فبراير 2014

[7] محمد معوض /"الفساد" يلاحق وزراء حكومة الببلاوي/ مصر العربية   27 فبراير 2014 .. يوسف إبراهيم/المناقصات بالأمر المباشر.. أنت في "مغارة الببلاوي"..القانون صدر فى غياب البرلمان..وخبراء: الحكومة تشجع الرشاوى/ مصر العربية 17 سبتمبر 2013

 

 

[8] محمد كمال/فيديو.."المصري الديمقراطي": جميع الأحزاب ستندم بعد استقالة الببلاوي/ مصر العربية 25 فبراير 2014 .. أنس زكي/حكومة الببلاوي لا بواكي لها/ الجزيرة نت 25 فبراير 2014

 

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة