سيناريوهات المشهد السوداني بعد خطاب البشير


سيناريوهات المشهد  السوداني بعد خطاب البشير

 

لا يساند السيسي نظام البشير حبا فيه، إذ يعلم ان خلفيات النظام وبدايته تعود للحركة الاسلامية السودانية، قبل ان تنقسم الحركة ويختلف الفرقاء ويبتعد أغلب الاسلاميين عن البشير، ولكن قائد الانقلاب في مصر يدعم النظام السوداني من منطلق دوره ضمن "مثلث الثورة المضادة" المكون من مصر والامارات والسعودية المعادي للربيع العربي، والذي يسعي لدعم الانظمة القمعية الحاكمة ضد الثورات خشية ان تنتقل لبلادهم.

من هذا المنطق يمكن فهم سر تقارب السيسي مع البشير وحرصه بصورة أكبر علي عدم سقوط نظامه عقب مظاهرات الخبز التي تطورات على مدار شهرين لتتحول الي ربيع سوداني يطالب بإسقاط نظام الحكم ويستلهم التجربة المصرية عام 2011، خشية انتقال الشرارة لمصر التي نجحت الثورة المضادة في إجهاض الربيع العربي بها، وبدء الموجة الثانية من الربيع العربي.

لهذا يمكن تصور قدر الانزعاج الذي مثلته قرارات الرئيس السوداني، لدي نظام السيسي، بتأجيل تعديل الدستور خصوصا، ومن ثم تمديد رئاسته لما بعد 2020، لتبريد الغضب الشعبي، بفعل تشبه الاوضاع في مصر والسودان حيث يسعي برلماني السيسي والبشير لتعديل الدستور لتمديد بقاءهما مدي الحياة.

اذ يخشى السيسي أن تدفع قرارات الرئيس السوداني عمر البشير المعارضين في مصر لتصعيد مطالبهم برفض تعديل الدستور واستغلال ذلك في مطالبة بالشعب برفض التعديلات في الاستفتاء القادم على تعديل الدستور قبل رمضان المقبل، رغم حالة القمع التي تمنع أي صوت معارض.

فبمجرد اندلاع تلك الاحتجاجات، سارع نظام السيسي، الذي ساءت علاقته بالسودان خلال الأعوام الماضية، بسبب تباين وجهات النظر في العديد من القضايا، وعلى رأسها أزمة سد النهضة وملفّ حلايب وشلاتين الحدودي، بإعلان دعمه للسودان، لضبط الأمن وإعادة الاستقرار، وتوجه وزير الخارجية المصري سامح شكري ومدير المخابرات العامة عباس كامل، في 27 ديسمبر 2018، إلى الخرطوم، للقاء وزير الخارجية السوداني الدرديري محمد أحمد، ورئيس الاستخبارات الفريق صلاح عبد الله قوش، لبحث العلاقات الثنائية بين البلدين.

ومنذ ذلك الحين تدفقت مساعدات مصرية للخرطوم منها قمح ونفط وربما اسلحة.

وهذا الدعم السيساوي للبشير قد يؤثر على صورة مصر لدى السودانيين، في ظلال المؤشرات حول نجاح انتفاضتهم ضد البشير، والسيسي الذي يسعى إلى إخماد أي ثورة في العالم العربي، لتخوفه الشديد من انعكاس ذلك على الوضع في مصر، قد يكون أمام نظام جديد في السودان اشد عداء له من البشير حال نجاح الثورة الشعبية السودانية.

قرارات البشير

وأمر البشير البرلمان بتأجيل النظر في التعديلات الدستورية التي تسمح بإعادة ترشيحه، كما قرر إقالة حكومة الوفاق الوطني وحل الحكومات الولائية، والقى خطابا الى الشعب السوداني أعلن فيه عن تدابير اقتصادية محكمة تنفذها "حكومة بمهام جديدة"، والوقوف على مسافة واحدة من الجميع موالين ومعارضين، وهي قرارات لإرضاء الشارع الغاضب.

ولكنه بالمقابل، أعلن تشديد قبضة نظامه الحديدية بعدما انفرط عقد المظاهرات وباتت منتشرة في غالبية ربوع السودان، بفرض حالة الطوارئ بجميع انحاء البلاد لمدة عام لإخلاء الشوارع من التظاهرات الليلية وقمع رموز الثورة ضده، ومحاولة انهاء هذه المظاهرات بالقوة.

والملفت أن إعلان البشير "تأجيل النظر في التعديلات الدستورية المطروحة" وليس إلغاءها بالكامل، بدا كمحاولة لتبريد الاجواء ومن ثم عودة الحديث عن التعديلات في وقت لاحق تكون فيه المظاهرات انتهت، لهذا لم تقتنع القوي المتظاهرة واستمرت في المظاهرات كأن شيئا لم يكن.

فقد جاء إعلان البشير تأجيل التعديلات لا إلغاءها متعارضا مع ما قاله مدير جهاز الأمن والمخابرات صلاح عبد الله من أن البشير لن يترشح في انتخابات 2020 وأن حزب المؤتمر الوطني سيسمي مرشحا آخرا، وهو ما لم يشر البشير له في كلمته صراحة، ويبدو محاولة للالتفاف على المطالب الشعبية برحيله.

فقد شهدت العاصمة السودانية ليل الجمعة، احتجاجات شعبية عارمة بعد دقائق من خطاب الرئيس عمر البشير، وفور انتهاء الخطاب الذي تابعه السودانيون باهتمام، شهدت أحياء في الخرطوم وأم درمان مظاهرات عارمة رفضا لما جاء في خطاب الرئيس السوداني وتمسك المحتجون برحيل البشير ونظامه.

وانتشرت الاحتجاجات في احياء بري، جبرة، الديم، المنشية بالخرطوم، علاوة على الموردة بأم درمان، والشعبية والمزاد وشمبات في الخرطوم بحري، وأطلق تجمع المهنيين وقوى إعلان الحرية والتغيير دعوة للسودانيين للخروج والتظاهر في كل المدن والأحياء.

وقالت قيادات في المعارضة إن خطاب البشير لم يرتقي لمطالب الشعب الداعي لرحيل النظام بكامله معتبره أن دعوة البشير للحوار تجاوزها الزمن وقالوا أن من يريد الحوار يجب أن يرفع القبضة الأمنية ويلغي القوانين المقيدة للحريات وإطلاق الحريات العامة والافراج عن المعتقلين.

وساهم في تأجيج الاحتجاجات بدء السلطات حملة اعتقالات استنادا على قانون الطوارئ شملت صحفيين مثل رئيس تحرير صحيفة (التيار) عثمان ميرغني من مقر الصحيفة، واقتحام سكن للأطباء واعتقال عدد منهم بعد خروجهم في تظاهرات تندد بمستجدات الأوضاع.

قراءة في خطاب البشير

يمكن استخلاص القراءات التالية من خطاب البشير:

1-    جاء خطاب البشير ليؤشر لانتصار المتظاهرين السودانيين، وربما يكون بداية سقوط حكم البشير، حيث عكس تأثير المظاهرات المستمرة منذ شهرين على السلطة ما اضطرها الي التراجع النسبي امام المظاهرات وتقديم بعض التنازلات في صورة تأجيل تمديد رئاسة البشير، ولكن هذه التنازلات وفق نظرية الربيع العربي لن تخمد التظاهرات ولكنها ستؤججها حيث سيعتبرها المتظاهرون انتصارا لهم كما حدث في ثورة يناير المصرية، فيزيد التصعيد، وصولا لمطلب تنحي البشير تماما والان وليس مع ولايته العام المقبل وهو سيناريو شبيه لعزل مبارك.

2-    خطاب البشير عكس كل أعراض الأنانية السياسية التي يتسم الحاكم العسكري العربي، وتكرار لما قاله مبارك وبن على والقذافي وغيرهم، فبدلا من أن يتخلى عن سلطة تشبث بها لثلاثة عقود، أعلن حالة الطوارئ، فجمع كل السلطات في يديه، ما يشير لأنه مصر على البقاء، فإن لم يستطع فينوي تسليم السلطة لعسكري مثله، حتى ان نشطاء مصريين تساءلوا: "مبارك كتب خطاب أمس للبشير؟ ام البشير كتب خطاب مبارك الاخير؟!".

3-    تميز خطاب الرئيس السوداني بلغة تصالحية تجاه معارضيه، كما ترحم على أرواح من لقوا حتفهم في الاحتجاجات الأخيرة وعزى أهاليهم، وقال ان الاحتجاجات خرجت في البداية بمطالب مشروعة وموضوعية كفل الدستور والقانون حق التعبير عنها التزاما بجانب السلمية، وتابع "لم يكن مرفوضا عندنا خروج فئة من الشعب تطالب بترقية الأوضاع العامة ومعالجة جوانب الخلل في الأداء الحكومي، وهو ما يعد اعتراف بان ما يجري "ثورة شعبية" لا مؤامرات خارجية او تدخلات من اجهزة استخبارات اجنبية كما روج نظامه وقال مدير مخابراته.

4-    على غرار مبارك، سعي البشير للاعتراف بقوة الشباب السوداني في الشارع بدعوته القوى السياسية لاستيعاب المتغير الجديد في المسرح السياسي وهم الشباب، من خلال أطروحاتهم وتنظيماتهم عبر آليات جديدة وإشراكهم في البناء الوطني، ولكنه لم يقدم حلول واضحة ترضي هذا الشباب المطالب بتنحيته.

5-    حرص البشير علي تذكير المتظاهرين أن الجيش السوداني معه وليس ضده (عكس الحالة المصرية والتونسية التي نجحت فيهما الثورة بسبب انحياز الجيش للمتظاهرين)، بحديثه عن دور القوات المسلحة في المشهد الوطني كحامية وضامنة للاستقرار، والمشكل الان بعد فرض الطوارئ أن المظاهرات اتسمت قبل خطاب البشير بالسلمية، ولكنها الآن ومع فرض حالة الطوارئ والزيادات المتوقعة للاعتقالات والعنف الامني، ستنضم أعداد كبيرة للحراك لأول مرة مشحونة باليأس والغضب الذي قد يخل بسلمية الحراك، ما يشكل خطورة على التصعيد العنيف للأحداث.

6-    حاول البشير وحزبه إعادة التواصل مع الشق الاخر المنشق من الحركة الاسلامية ممثلا في تيار الراحل الدكتور حسن الترابي داخل "حزب المؤتمر الشعبي"، حين التقي د. على الحاج رئيس الحزب في مكتبه، وناقشا سويا التطورات السياسية في البلاد، ولكن "على الحاج" حرص على إبلاغ البشير أن "ما يحدث في السودان هو انتفاضة شعبية كبيرة دافعها ظروف البلاد المأزومة في مجالات توفير الخبز والوقود والمال"، وشجب امين المؤتمر الشعبي محاولات الحكومة والرئيس البشير اتهام حركات مسلحة ومندسين مأمورين من خارج الحدود بالتورط في تحريك الاحتجاجات.

واكد "الحاج" انه سواء كان الحل هو تغيير النظام ام لا، فان القضية الاساسية هي الحاجة لإيجاد حل يعيد الامور الى طبيعتها "بدلا من توزيع الاتهامات بعيدا عن سبب الاحتجاجات"، ويواجه زعيم المؤتمر الشعبي ضغوطا داخل حزبه لفض الشراكة مع الحكومة والانضمام إلى حركة الاحتجاج المتواصلة بينما شارك بعض كوادر الحزب بالفعل في المظاهرات.

الموقف الامريكي وسيناريو "قوش"

تبدو الادارة والمخابرات الأمريكية أقرب الي دعم العسكريين في السودان بالرغم من العداء الظاهري لأسباب تتعلق بالمصالح الامريكية وتوافق البشير والجيش السوداني في الفترات الاخيرة مع المصالح الامريكية بما ساهم في رفع العقوبات عن السودان.

لهذا هناك سيناريو مطروح يدور حول دعم أمريكا لصلاح قوش مدير المخابرات، حال تنحي البشير للإبقاء على الاستقرار في السودان بما لا يهدد مصالحها في البحر الاحمر وافريقيا.

وقد حذر مدير شؤون أفريقيا في مجلس الأمن القومي الأمريكي سيريل سارتور الذي يزور الخرطوم لوكالة فرانس برس من أن "العنف المفرط" الذي تستخدمه قوات الأمن السودانية لقمع الاحتجاجات المناهضة للحكومة يمكن أن يهدد المحادثات لشطب السودان من قائمة واشنطن للدول الراعية للإرهاب.

وقال: "من غير المقبول مطلقاً أن تستخدم قوات الأمن القوة المفرطة لقمع المتظاهرين، اضافة الى التوقيفات من دون اتهامات وكذلك اللجوء الى العنف والتعذيب والقتل".

وما يزيد الضغوط على الخرطوم أن نظام البشير لا يمتلك مساحة للمناورة مثلما كان يفعل في الماضي، إذ فقد البشير سيطرته على الثروة النفطية منذ انفصال جنوب السودان عام 2011، كما يُعاني النظام أيضًا بسبب العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على السودان عام 1997، والتي عزلتها اقتصاديًا نتيجة إدانة البشير في المحكمة الجنائية الدولية لما ارتكبه من جرائم حرب في دارفور؛ مما زاد من عُزلة حكومته.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت السودان معتمدة على عدد قليل من الحلفاء الإقليميين المزاجيين، مثل السعودية مقابل مشاركة الجيش السوداني في حرب اليمن، وإرسال السودان قرابة 14 ألف جندي لليمن تحت قيادة الجيش السعودي.

توقعات المستقبل

مع اتساع نطاق المظاهرات ومشاركة النقابات والقوي العمالية والاحزاب المختلفة فيها، وخروج المزيد من المتظاهرين غضبا على القتل والقمع الامني، تبدو الامور مرشحه لمزيد من التصعيد لا التهدئة قبل ان يحدث تغيير حقيقي أقله تنحي البشير.

فالتطورات المتسارعة دفعت النقابات لرفع سقف مطالبها إلى تسليم القصر الرئاسي مذكرة تدعو صراحة لاستقالة الرئيس عمر البشير، مما جعل الحكومة تعيش تحت وطأة الضغوط فتميل تارة للمراوغة وإظهار المرونة، وتارة إلى استخدام سلاحها المجرب من القمع والقوة المفرطة.

ورغم أن هذه الثورة الشعبية تبدو مختلفة في كل شيء عن سابقاتها، إلا انها تشترك مع تجربة الثورتين السابقتين اللتان نجحتا في الإطاحة بنظام حكم الفريق إبراهيم عبود عام 1964 وحكم المشير جعفر النميري عام 1985، في الاستناد لقوة الحركة النقابية في أوج عنفوانها والحركة السياسية المنظمة بالمدن الكبرى وخاصة العاصمة الخرطوم.

لهذا يبدو السودان أمام ثلاثة خيارات لانتهاء هذه الثورة الشعبية هي:

أولا: حدوث تغيير جذري باضطرار البشير للاستقالة وحل الحزب الحاكم، واجراء انتخابات جديدة، تستهدف ابعاد الحركة الاسلامية دون القدرة على الإطاحة بهذه الحركة المتجذرة في السودان والتي تشمل ثلاثة فصائل للإخوان أحدها ممثل في الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني) والثاني في حزب المؤتمر الشعبي والثالث في جماعة الاخوان المسلمين في السودان، ومن ثم السعي لانتخابات رئاسية وبرلمانية حرة جديدة.

ثانيا: أن تستبق الحركة الإسلامية المشاركة في الحكم، الجميع بإحداث انقلاب داخلي ووضع حد لحكم البشير، وربما تعيين مدير المخابرات صلاح قوش رئيسا مؤقتا، وهو ما قد يهدئ الامور نسبيا، ولكن هناك احتمال أن يواجه ذلك بحركة شعبية رافضة ومطالبة بالتخلص من كل الرموز الحاكمة وايضا من الحزب الحاكم واجراء انتخابات حرة على الطريقة المصرية، ونشير هنا لعقد اجتماع (21 ديسمبر 2018) ضم قيادات من الحركة الاسلامية المنقسمين على بعضهم من حزب المؤتمر الشعبي الذي يقوده على الحاج وحركة الاصلاح بقيادة غازي صلاح الدين والفاتح عز الدين رئيس مجلس شورى الحركة الاسلامية، مع الفريق كمال عبد المعروف رئيس الأركان في الجيش السوداني وتردد ان اللقاء قد تناول تولي القوات المسلحة السلطة، وان عبد المعروف قد وافق مبدئيا على الفكرة وترك له الأمر في مشاورة بقية هيئة قيادة الجيش.

ثالثا: توافق بين الحركة الاسلامية والاحزاب الكبرى في السودان خاصة حزب الامة بزعامة الصادق المهدي، لتهدئة وإجراء انتخابات حرة جديدة، رئاسية وبرلمانية تجنب السودان مشكلات الدولة الفاشلة وتصاعد العنف خاصة في ظل دعم الجيش للحركة الاسلامية ورفضه التخلي عن الحكم.

 

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة