المشهد السوداني بعد البشير

المشهد السوداني بعد البشير

بقلم: حازم عبد الرحمن

             بعد دخول الاحتجاجات شهرها الرابع, لم يكن مفاجئا أن يعلن وزير الدفاع السوداني (المستقيل) عوض بن عوف عزل الرئيس عمر البشير بعد ثلاثين عاما في السلطة, لم تتحسن فيها أحوال البلد, الغني بموارده الطبيعية, الفقير في إدارة حكمه منذ الاستقلال وحتى الآن.

         وقد كانت التسريبات والتوقعات تؤكد قرب خروج البشير من السلطة وقبوله نصيحة قيادة الجيش بضرورة التنحي تلافيا لما هو أسوأ بعد استمرار الاحتجاجات الشعبية التي بدأت في 19 ديسمبر الماضي.

        ومهما يكن, فإنه لا يمكن تجاهل أن البشير جاء إلى السلطة عام 1989م بانقلاب عسكري على حكومة شرعية, ورغم انتمائه إلى الجبهة الإسلامية بقيادة الدكتور حسن الترابي, فإن ذلك لم يمنعه من الانقلاب عليها أيضا لينفرد بالحكم ويؤسس حزب المؤتمر الوطني, ويبقى في السلطة حتى 11إبريل 2019.

      وطوال الثلاثين عاما الماضية ظل السودان يعاني من الفقر والحرب, وفقد جزءا غاليا من ترابه الوطني لتنشأ دولة جنوب السودان, وتشكل بعلاقاتها الخارجية خطرا على الأمن القومي العربي, وتواصل جماعات مسلحة تهديد الأمن والاستقرار دون التوصل إلى حلول تنهي الأزمة مما يعطي الشعب الحق في مساءلة القيادة التي تربعت على السلطة ثلاثين عاما ولم تنجز ما وعدت به من أمن ورخاء.

       ومن الإنصاف الإقرار بوجود مؤامرة كبرى لتمزيق السودان, وفير الثروة, متميز الموقع, لكن من الإنصاف أيضا محاسبة المسئول عن الفشل في مواجهة المؤامرة وهو البشير وحزبه.

          وقد جاء حراك الشارع لتحقيق مطلب شعبي برحيل نظام فشل في حكم البلاد بعد ثلاثين عاما في السلطة ليعيد التذكير بأن الربيع العربي قادم من جديد خاصة مع تزامنه القدري مع حراك الجزائر الناجح حتى الآن.

       ورغم خروج البشير من السلطة وإجبار خلفه عوض بن عوف على اللحاق به وتشكيل مجلس عسكري جديد, فإنه من المهم التأكيد على أن هناك مخاطر تهدد المشهد السوداني بمصير ثورة 25 يناير في مصر ومآلاتها المؤلمة ومنها:

   ـ محاولات المجلس العسكري تكرار تجربة نظيره المصري في التجاوب المؤقت مع مطالب الثوار, والتحاور معهم وإثارة نقاط الخلاف أكثر من الاتفاق والتفاهم , والسعي لفض الاعتصام, وإطالة أمد الفترة الانتقالية, حتى ينصرف الناس, ويفرغ منهم الميدان, ويخسروا ورقة الضغط على الجنرالات, فالمطلوب من قادة الحراك الثوري والنخب السياسية تحقيق توافق على برنامج سياسي يكون كفيلا بقيادة مرحلة انتقالية تؤسس لحكم ديمقراطي سليم.

  ـ التدخل الخارجي المتمثل في محور الثورة المضادة بقيادة محمد بن زايد في الإمارات ومحمد بن سلمان في السعودية وعبد الفتاح السيسي قائد الانقلاب في مصر, وقد تنبه حراك الجزائر مبكرا إلى خطورة تدخل هؤلاء, ورفع لافتات ترفضهم جميعا وترفض أي تدخل خارجي آخر, كما تنبه السودانيون أيضا لذلك, لكن استمرار الحذر يظل مطلوبا كلما مرت الأيام.

   ـ مساعي الانتهازيين نحو عقد صفقات مشبوهة مع العسكر مثل مطالبة بعض قادة الاعتصام من ائتلاف الحرية والتغيير في السودان بتولي السلطة في حماية العسكر مع تمديد الفترة الانتقالية إلى أربع سنوات, وهو ما يعيد إلى الأذهان مطالب جبهة الإنقاذ التي أدت إلى انقلاب عسكري في مصر انتقم من كل من شارك في الثورة بعد ذلك. 

   ـ الخطاب الإيديولوجي الذي يمزق وحدة الحراك الثوري بزعم إنهاء حكم الإسلاميين, فالذي كان يحكم طوال الثلاثين عاما كان العسكر, وأن ثورة الشعب كانت ضد الفشل في الحكم, ولم تكن ضد الأحزاب أو الجماعات الإسلامية.

   ـ دعوات الإقصاء والانتقام التي تجعل مكاسب التغيير في السودان تتراجع, أو تتحول إلى خسائر, فأي دعوة من هذا النوع ستكون وبالا على التحول الديمقراطي في السودان, وسيستغلها العسكر لتفريغ التغيير من مضمونه الحقيقي.

    ـ غياب الشفافية فيما يخص علاقات المجلس العسكري الانتقالي بالخارج, خاصة زيارات وفود الثورة المضادة التي تمثلت في وفد سعودي إماراتي مشترك, وبعده وفد آخر يمثل قائد الانقلاب في مصر, الذي لن يخرج عن قيادات أمنية بأجهزة المخابرات العامة والحربية والأمن الوطني، لتقديم خبراتهم في الإجهاز على ثورة الشعب السوداني، التي حققت نجاحات لكنها تمر بأصعب مراحلها كذلك، وهي محاولة الالتفاف عليها لتكرار التجربة المصرية في المشهد السوداني, الأمر الذي قد يحمل خطرا داهما على حلم التحول الديمقراطي.

هذه بعض المخاطر التي يجب تحصين السودان منها وهو في سبيله إلى التحول الديمقراطي.

.

Share:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة