المرحلة الأصعب فى السودان والجزائر

 

المرحلة الأصعب في السودان والجزائر

بقلم: حازم عبد الرحمن   

 

دخل السودان والجزائر المرحلة الأصعب في طريق التحول الديمقراطي والانعتاق من حكم العسكر, بعد شهور من الحراك السلمي الذي نجح في عزل رئيسي الدولتين البشير وبوتفليقة , ومنعهما من تمديد حكميهما الذين أفقرا دولتين من أكثر الدول غنى وثراء, وهي فورة وعي جديرة بالتسجيل للشعبين اللذين لا تنقصهما مقومات النهضة الشاملة.  

 انت المحطات الأولى للنجاح مبشرة, إذ تغلب الحراك السلمي على الاستبداد, بالإصرار على رحيل رأس النظام في البلدين, لكن الأصعب من ذلك مواجهة الكتلة الصلبة في أنظمة الاستبداد وهي العسكر, الحاكم الفعلي برغم وجود قشرة مدنية, ذرا للرماد في العيون, فقد دأبت أنظمة الاستبداد العسكري في البلاد العربية على إيجاد قشرة مدنية للسلطة لتنفي عن نفسها صفة الحكم العسكري, ما يعني أيضا أن الجنرالات يتحرجون من إظهار قبضتهم على السلطة فيلجئون إلى "برافان" مدني .

 بعد ظهور الثورات المضادة للربيع العربي, بات اللعب على المكشوف, وظهر واضحا أن العسكر لن يتنازلوا بسهولة إزاء المطالبة بالحرية والديمقراطية والحكم المدني, فكانت موجة الانقلاب على الربيع العربي في مصر وليبيا واليمن, دفاعا عن امتيازات الطبقة الحاكمة التي يمثل العسكر كتلتها الصلبة.  

وما يجري الآن في السودان والجزائر يكشف عن جوهر مشكلات الشعوب العربية, وهو حكم العسكر, الذين يناورون للالتفاف على إرادة الجماهير وتفريغ مطلب الحرية من مضمونه, ففي السودان وبعد لغة التهديد مع اعتصام الثوار أعلن المجلس العسكري انحيازه إلى الثورة ضد البشير, الذي عين أعضاء المجلس وقادة الجيش المدينون له بالولاء, لكن الضرورة لها أحكام, وقد سبقهم نظراؤهم في مصر إلى هذا الطريق, حيث اجتمع المجلس الأعلى للقوات المسلحة بدون قائده الأعلى (المخلوع مبارك) ليعلن انحيازه لثورة 25 يناير, حتى يلتقط العسكر أنفاسهم من صدمة الثورة, ويعيدوا التخطيط من جديد لإحكام سيطرتهم على السلطة, وقد نجحوا في القيام بثورة مضادة, وتبخرت كلماتهم الرقيقة للشعب الذي لم يجد من يحنو عليه, على حد تعبيرهم.  

 

وفي السودان تبدو ملامح سيناريو قريب من ذلك حتى الآن, حيث بدأ تراجع العسكر بخطاب منحاز إلى الثورة تغلفه عبارات الثناء على الشباب, وتهنئهم بالانتصار واقتلاع المستبد, وتدعوهم في النهاية إلى فض الاعتصام, وهي نسخة مما حدث في مصر إبان ثورة 25 يناير, لكن الفارق هنا أن السودانيين فطنوا مبكرا لخطة العسكر, واستوعبوا الدرس من التجربة المصرية في خطورة الانخداع بكلام العسكر المعسول, فكان الشد والجذب, والنقاش والمساومة, حتى الوصول إلى جوهر الأزمة, وهو ضرورة تسليم السلطة للمدنيين, إذ كيف يستقيم القول بنجاح الثورة وإسقاط النظام في حين أن من يحكم هم العسكر رجال النظام الذي سقط رأسه فقط ؟ ولماذا يبقي قادته ليعيدوا إنتاجه من جديد كما حدث في مصر؟.   

 لسيناريو نفسه يجري في الجزائر, فمن لغة التهديد ضد مطالب الحراك التي بدأ بها رئيس الأركان قايد صالح, محذرا ومتوعدا, إلى انحيازه لمطلب عزل بوتفليقة, بل توجيه اتهامات إلى عصابة الحكم ـ وكأنه ليس منها ـ متماهيا في ذلك مع شعارات المظاهرات الحاشدة, واستمرت المناورة ومحاولات الاستكشاف بين قيادة الجيش وجماهير الحراك إلى نفاد صبر رئيس الأركان, وعودته إلى لغة التهديد, ثم تراجعه عنها كما فعل من قبل, وهي لغة العسكر المتشابهة في مصر والسودان والجزائر.   

 قد تقدمت الثورة في السودان خطوة جديدة في المطلب الواضح بتسليم السلطة إلى حكومة مدنية والبدء في التحول الديمقراطي الحقيقي, بعيدا عن وصاية العسكر, بينما لم تصل الجزائر بعد إلى وقف وصاية الجنرالات على الدولة, وقد يكون إعلان رئيس الأركان قايد صالح استعداده قبول مقترحات لحل الأزمة بداية في هذا الطريق . 

 ما يزيد من صعوبة المرحلة المقبلة تربص محور الثورة المضادة الذي يقوده ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد وولي العهد السعودي محمد بن سلمان وقائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي في القاهرة, بالإضافة إلى القوى الإقليمية والدولية التي يقلقها وجود حكومات منتخبة في الدول العربية, فهم من وقفوا وراء الانقلاب العسكري في مصر, وأشعلوا حربا في ليبيا بعد الاقتراب من اتفاق دولي على توحيد السلطة وإقرار السلام فيها, وكذلك فعلوا في اليمن الذي لم يعد سعيدا.     

 قد شكلت المشاهد المؤلمة من مآسي الثورة المضادة دروسا لن تنساها ذاكرة الشعوب العربية بسبب التآمر الخارجي لدعم العسكر في البقاء على رأس السلطة, مع ما يترتب على ذلك من خراب ودمار اقتصادي وسياسي واجتماعي, تتبدى صورته واضحة في مصر وليبيا.  

وكان من أهم الدروس عدم الاستسلام لوعود الجنرالات الذين لا يرون في التحول الديمقراطي مكسبا أو إضافة إلى امتيازات طبقتهم التي ترى نفسها فوق الدولة. 

ومنها كذلك الوعي بخطورة تدخل محور الثورة المضادة, فكانت الهتافات ضد الإمارات والسعودية وقائد الانقلاب في مصر.   

 

ولا يتوقع أحد أن يرتدع محور الثورة المضادة عن محاولات إفساد الموجة الثانية من الربيع العربي في السودان والجزائر, لكن الشعوب هذه المرة زادت خبرة ومعرفة بما يجب أن يكون, فلا مغادرة للميادين إلا بترك العسكر الحكم, وعودتهم إلى ثكناتهم, ليحكم الشعب نفسه بنفسه, وهذه هي المرحلة الأكثر صعوبة من سابقتها التي شهدت إزاحة رأس النظام فقط, فالحرية والتحول الديمقراطي يحتاجان مزيدا من العمل والتضحية وتحقيق التوافق لترسيخ تجربة تعددية لم يسبق أن شهدتها البلاد العربية إلا في لمحات قصيرة من الزمن.  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

   .

 

.

Share:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة