قمم السعودية الثلاث.. الفشل في الحشد ضد إيران

 قمم السعودية الثلاث.. الفشل في الحشد ضد إيران

 

بقلم: حازم عبد الرحمن

 

بعد التصعيد الأمريكي السعودي ضد إيران واشتداد هجمات الحوثيين في عمق المملكة, شهدت السعودية انعقاد ثلاث قمم أولاها خليجية طارئة, والثانية عربية طارئة, والثالثة إسلامية, وبدا الهدف واضحا وهو الحشد الدولي لإدانة إيران التي تدعم جماعة الحوثي في اليمن, بعدما طالت هجماتها مناطق استراتيجية منها محطتا ضخ البترول في محافظتي الدوادمي وعفيف بمنطقة الرياض, وهو خطر يهدد المصدر الأول للدخل القومي السعودي.

وكان لافتا توجيه السعودية الدعوة إلى قطر إحدى دول الخليج الست التي يتشكل منها مجلس التعاون, مع ما يكتنف ذلك من تناقض في السياسة الخارجية للبلد المضيف حيث يقوم بحصار الشقيق الضيف, ويشن عليه حربا إعلامية مستعرة منذ عامين, وتتخذ الكويت موقف الوساطة بين الشقيقين, لكن الوساطة مازالت تراوح مكانها بسبب تشدد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وزميله في الحصار محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي, وكذلك تختلف رؤية عمان مع كل من السعودية والإمارات بشأن الأزمات وتصعيدها في منطقة الخليج, مما يجعل الانقسام واضحا, والاختلاف كبيرا في الرؤى بين دول مجلس التعاون, ما يمنع توحيد المواقف تجاه الأزمة الراهنة في الخليج, ولا تتفق الكويت مع التصعيد الذي يهدد أمن الخليج, وأعلنت استعدادها لبذل أي جهود تهدف إلى التهدئة والاستقرار وتجنب الصدام, ما يعني أنها لا تتوافق مع سياسة الرياض وأبو ظبي.

ولم يظهر في القمة الخليجية بوادر مصالحة بخلاف المصافحة الفاترة بين رئيس وزراء قطر عبدالله بن ناصر بن خليفة آل ثاني والعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز.

وجاء البيان الختامي للقمة الخليجية استجابة للطلب السعودي بـ"إدانة هجوم الحوثيين على المملكة, واتهامهم بتخريب أربع سفن تجارية مدنية في المياه الإقليمية للإمارات, والتأكيد على قوة وتماسك ومنعة مجلس التعاون، ووحدة الصف بين أعضائه، لمواجهة هذه التهديدات، لما يربط بينها من علاقات خاصة وسمات مشتركة أساسها العقيدة الإسلامية والثقافة العربية، والمصير المشترك ووحدة الهدف التي تجمع بين شعوبها، ورغبتها في تحقيق المزيد من التنسيق والتكامل والترابط بينها في جميع الميادين من خلال المسيرة الخيرة لمجلس التعاون".   

 

ومن اللافت اشتمال البيان على تعبيرات

"العلاقات الخاصة بين دول مجلس التعاون والسمات المشتركة التي أساسها العقيدة الإسلامية والثفافة العربية", وهو ما نسفته جريمة الحصار التي ارتكبتها السعودية والإمارات والبحرين وقيادة الانقلاب في مصر  بحصار دولة قطر, هذا الشقيق الذي يشترك في العقيدة الإسلامية والثقافة العربية, وجرى منع مواطنيه من أداء فريضة الحج, إمعانا في الخصومة, مع إشعال حرب إعلامية, تضمنت توجيه اتهامات لا أساس لها من الصحة, وفشلت في النهاية في تحقيق أهدافها, والآن يستصرخ العاهل السعودي الأشقاء في مجلس التعاون الذي لم يعد كما كان صاحب كلمة واحدة وموقف واحد بسبب سياسات نجله ولي العهد.   

وجاء البيان الختامي تحصيل حاصل رغم تكرار ذكر  المجلس الأعلى للسياسة الدفاعية لدول مجلس التعاون القائمة على مبدأ الأمن الجماعي المتكامل والمتكافل لغرض الدفاع عن كيان ومقومات ومصالح دوله وأراضيها وأجوائها ومياهها الإقليمية, وكانت القمة الخليجية الطارئة ردا دبلوماسيا على استغاثة السعودية من هجمات الحوثيين, لكنه أقل بكثير مما كانت تهدف إليه الرياض.

 

*القمة العربية الطارئة

 

ومن القمة الخليجية الطارئة إلى القمة العربية الطارئة واصلت السعودية محاولاتها لحشد الدول العربية في مواجهة إيران بعد موجة التوترات الأخيرة بين البلدين.

وقبل الدعوة إلى هذه القمة تلقت السعودية والإمارات صفعة قاسية من جنرالات الانقلاب في مصر بعدم المشاركة فيما كانتا تخططان له من تشكيل قوة عسكرية عربية على غرار "الناتو" تحت قيادتهما, وسبق ذلك مواقف أخرى تؤكد أن الجنرالات في القاهرة يستجيبون لإغراءات "الرز" الخليجي في حدود سحق الشعب المصري, أما الدخول في حروب حقيقية فهذا ما لم يوافق عليه الجنرالات الذين لا يأمنون جانب زملائهم الآخرين, فضلا عن مخاطر دخول الحروب التي لو تورطوا فيها بضغط من محمد بن زايد ومحمد بن سلمان, فربما يغرقون جميعا, بينما هم أحرص الناس على حياة, وقد تكون لهم حسابات أخرى ستنكشف في الأيام المقبلة .        

وإذا كانت محاولة تسخير الجيش المصري للقتال كمرتزقة لصالح أحلام زعامة محمد بن زايد ومحمد بن سلمان قد باءت بالفشل برغم ما قدمته الدولتان للجنرالات من "الرز", فإنه سيكون من الأكثر صعوبة فرض أو إقناع الدول الأخرى التي تحتفظ بجزء من استقلالها مثل العراق الذي اعترض صراحة على البيان الختامي للقمة الطارئة، لكون البيان ندد بسلوك إيران واعتداءاتها في المنطقة، وسجل الرئيس العراقي رفض بلاده المشاركة في صياغة البيان.

 

وفضلا عن العراق لا تشاطر كثير من الدول العربية الرياض موقفها من التصعيد ضد إيران الذي يبدو هدفا سعوديا خاصا جدا, ولن تفلح الدبلوماسية السعودية في تحقيق هدفها من عزل إيران وتوحيد الصف العربي في مواجهتها؛ فقد تراجع النفوذ الدبلوماسي للرياض كثيرا بعد موجة الربيع العربي, واتخاذها سلوكا أهوج يساند الطغاة في قتل الأبرياء, ثم جاء صعود الملك سلمان ونجله محمد بسياسته العنيفة ضد تقاليد المجتمع المحافظ في المملكة واعتقال الدعاة والعلماء وتعذيبهم والإعلان عن إعدام عدد منهم, بل وقتل الصحفي جمال خاشقجي وتقطيع أشلائه في القنصلية السعودية بإسطنبول .. كل ذلك جعل العلاقة مع حكم آل سعود أمرا محفوفا بالحذر, وجعلهم يخسرون إمبراطورية دبلوماسية هائلة عبر عقود طويلة من البناء.       

لهذا جاء البيان الختامي للقمة العربية الطارئة ردا رسميا على دعوة العاهل السعودي, لكن لا حشد ضد إيران.

 

*القمة الإسلامية

 

وإذا كانت السعودية قد فشلت في حشد العرب ضد إيران فإنها من باب أولى ستكون أقل قدرة على التأثير في دول منظمة التعاون الإسلامي التي جاء بيانها الختامي مؤكدا على مركزية القضية الفلسطينية والقدس الشريف وحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة.

وأدان البيان أي قرار غير قانوني وغير مسئول بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني ، داعيا الدول الأعضاء إلى اتخاذ الإجراءات المناسبة ضد الدول التي نقلت سفاراتها أو فتحت مكاتب تجارية لها في القدس المحتلة, كما أدان ما اعتبرها "اعتداءات" تعرضت لها كل من المملكة العربية السعودية والإمارات, وقد خلت كلمات المشاركين في القمة من ذكر إيران، واكتفت بالإشارة إلى شجب الدعم الخارجي الذي يتلقاه الحوثيون في اليمن، والتدخل في الشئون الداخلية لدول عربية, وذلك من خلال بيان اشتمل على مائة واثنين من البنود.

وهكذا خرجت السعودية من القمم الثلاث على أرضها دون تحقيق أهدافها التي دأبت عليها في كل خلاف دولي, مستصرخة العالم العربي والإسلامي لمساندة المملكة التي تخدم الحرمين الشريفين, فقد "بانت الفولة", وأصبح من غير الممكن أن تقود السعودية العرب والمسلمين من أجل "التخديم" على مخططات وأحلام المراهقين في الرياض وأبو ظبي. 

.

Share:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة