الجزائر.. قرابين العسكر والفشل في تطويق الحراك

 الجزائر.. قرابين العسكر والفشل في تطويق الحراك

 

بقلم: حازم عبد الرحمن

 

أوشك الحراك السلمي في الجزائر على إكمال شهره الخامس, ويبدو مرشحا للاستمرار إلى مدى أبعد, ما لم تتم الاستجابة لمطالبه برحيل كل قيادات النظام, بما فيها أحمد قايد صالح رئيس أركان الجيش الذي يصطنع مناسبات عسكرية؛ ليتحدث فيها عن استمرار المظاهرات, ورغبته في إنهائها, متجاهلا أنه مقصود بالرحيل لكونه أحد أبرز رجالات نظام بوتفليقة.  

ولم يفلح التهديد والوعيد مع هتاف الشارع بضرورة رحيل كل أفراد العصابة؛ فكان لجوء النظام إلى حيلة لخداع الجماهير الثائرة, كما حدث في مصر والسودان بمحاولة الإيحاء بالاستجابة للمظاهرات المستمرة بإحالة عدد من المسئولين السابقين إلى المحاكمة أمام القضاء الذي بدا مشاركا في محاولة خداع الشعب الجزائري؛ بإيداعه عددا من المسئولين السابقين قيد الحبس الاحتياطي، وتوجيه اتهامات إليهم بالفساد خلال تولي بوتفليقة الرئاسة, واتهم كذلك عددا من رجال الأعمال المقربين لبوتفليقة في قضايا الفساد، قبل أن تصدر أحكام بسجنهم على ذمة قضايا فساد ومخالفات مادية.

وقد شملت هذه الإجراءات اعتقال رءوس كبيرة مثل رئيس الوزراء السابق عبد المالك سلال ومرشح الرئاسة الملغاة الجنرال علي غديري, ووزير التجارة الأسبق عمارة بن يونس, ورجل الأعمال محيي الدين طحكوت, وعبدالقادر زوخ  محافظ العاصمة, وأحمد أويحيى رئيس الوزراء السابق, وعبد الغني زعلان وزير النقل السابق ورجال الأعمال الأشقاء كونيناف (رضا وعبد القادروكريم وطارق)، ووزير المالية الجزائري محمد لوكال.

ورغم ذلك تواصلت مظاهرات الشارع لتؤكد تمسكها بمطالبها؛ فلم تعد قرابين العسكر تغري المتظاهرين بالانصراف.

ويخطط قائد الجيش لتكرار تجربة خداع المجلس العسكري الثورة المصرية بإيداع رءوس النظام المخلوع السجن لتهدئة الجماهير, ثم العودة إلى إخراجهم, وتبرئتهم بعد أن تغادر الجماهير الثائرة الميادين, وتغلق عليها طريق العودة.

والتجربة تؤكد أن هذه الاعتقالات ليست محاربة حقيقية للفساد بل هي إجراءات انتقائية تدين مؤسسة القضاء نفسها, وتكشف عن عدم استقلالها عن السلطة التنفيذية, وإلا أين كانت طوال الفترات السابقة؟

وهذا هو حال منظومة القضاء في الدول التي شهدت ثورات الربيع العربي؛ فكلها تعاني من غيبة الاستقلال وتحولها إلى أداة في يد أذرع الاستبداد الحاكم؛ مما يجعلها في التحليل النهائي مجرد إجراءات تصب في خطة محكمة لإنقاذ النظام عبر التضحية بعدد من رموزه, وهي محاولة مكشوفة ومكررة لوأد الثورات العربية في ربيعها, والالتفاف على مطالب الجماهير.

وكان واضحا تضخيم فرحة الجماهير إعلاميا؛ للزعم بأن هناك إنجازات تتحقق استجابة لمطالب الشارع, وهو ما وقعت فيه بعض وسائل الإعلام فهناك أنصار للنظام في الجزائر مثل المواطنين الشرفاء في النسخة المصرية الذين يتقدمون الصفوف دوما خدمة للسلطة, وضد مطالب الجماهير, وقد باتت هذه المظاهر من أبرز علامات الثورة المضادة. 

 

*القيود على الصحافة

من الواضح عدم مصداقية الإجراءات التي تم اتخاذها وأنها مجرد "تمويه" لخداع الجماهير وليس أدل على ذلك من القيود المفروضة على الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى؛ ما جعل الصحفيين ينتقدون التضييق على الحريات الإعلامية, ويتخوفون  من نيات السلطة حيال الحقوق الديمقراطية والطابع القمعي الذي يطغى على تصورها للحريات؛ وهو ما يتنافى مع المظاهر التي يحاول قائد الجيش ترسيخها كاستجابة لمطالب الشارع.

وقد بلغت الأزمة حد أن الرقابة أضحت على وسائل الإعلام العمومية، من تلفزيون وإذاعة وصحافة مكتوبة، سياسة ثابتة جعلتها في خدمة خطاب السلطة وحدها, مع عقوبات ضد من يخالف, رغم أن حريات الإعلام جزء لا يتجزأ من مطالب الشارع.

 

*الوعي

منذ بداية الصراع وعلامات وعي دروس الثورة المضادة حاضرة في الحراك الجزائري؛ فلا ترحيب بأي تدخل خارجي على طريقة ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد وتلميذه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أو على طريقة الاستعمار القديم الذي ما زال يعيش في حلم استمرار سيطرته على المستعمرات السابقة التي قررت الخلاص من الاستسلام لتدخل الخارج, كما أن هناك خطوات مهمة أنجزتها مظاهرات الحراك المستمرة, مثل نجاحها في وقف ترشيح بوتفليقة الذي حاول النظام التمسك به, وكذلك إلغاء موعد الانتخابات الرئاسية, وهو نجاح كبير يؤكد قدرة الحراك على تحقيق المزيد . 

والأهم الوعي بخطة الدولة العميقة للنظام المطلوب اجتثاثه, ومحاولتها بث الفرقة بين المتظاهرين الذين بادروا إلى رفع شعار "أن الجزائريين خاوة خاوة"؛ ردا على استدعاء روح عرقية تفرق وحدة الشارع, ما يعني أن هناك مؤامرات أخرى في الطريق لبث الفرقة وروح الانقسام.

 

*باب الخروج

من المؤكد أن الطريق إلى باب الخروج من الأزمة الجزائرية بات واضحا بعد إصرار الجماهير الثائرة على استمرار التظاهر, وتجديدها مطالبها برحيل كل رموز السلطة, وليس من حق أحد أن يرفض مطالب الشعب التي لا تنكرها عين, لكن المشكلة تكمن فيما يدور في رأس المؤسسة العسكرية التي تحلم ببقاء وصايتها على الشعب الذي يضم بين أبنائه الكثير من الكفاءات من غير العسكريين, ويمكنهم أن يتحملوا المسئولية, وينقذوا بلادهم الغنية بثرواتها من الفقر, والبلاء الذي ورطها فيه العسكر بجهلهم وفسادهم.   

وليس هناك منطق للتحجج بالدستور فالبلد تعيش ثورة حقيقية والتغيير مطلب الأغلبية, والسيادة للشعب,  ولا بد من تغيير طريقة الحكم وأدواته البالية التي تسببت فيما آلت إليه أحوال شعب بلد غني كالجزائر, يمتلك كل مقومات النهوض والرفاهية.   

 ولا بد من الاستجابة لمطالب الجماهير, وعندها يتم تحديد خريطة طريق للخروج من الأزمة, بكل شفافية, وحذر شديد من محور الثورة المضادة, وحزب فرنسا.

.

Share:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة