موازنة 2019/2020 محاباة الأغنياء واهدار العدالة الإجتماعية بمصر

 موازنة 2019/2020 محاباة الأغنياء واهدار العدالة الإجتماعية بمصر

 

 

وافق أعضاء البرلمان المصري في جلسة الأحد الماضي على مشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية المقبلة، بالرغم من مخالفة بنودها العديد من مواد الدستور، وفي مقدمتها المتعلقة بالتزام الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي لا تقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي لقطاع الصحة، و4% للتعليم، و2% للتعليم العالي، و1% للبحث العلمي.

وتضمن مشروع القانون أن إجمالى المصروفات تبلغ 301 مليار و615 مليون و116 ألف جنيه، وبلغ المقدر لشراء السلع والخدمات نحو 74 مليار جنيه، وبلغ المخصص للفوائد 569 مليار جنيه والمخصص لشراء الأصول غير الاستثمارية "الاستثمارات" نحو 211 مليار و245 مليون جنيه، وبلغ المخصص لحيازة الأصول المالية المحلية والأجنبية نحو 28 مليار و811 مليون، وبلغ المخصص لسداد القروض المحلية والأجنبية نحو 375 مليار و566 مليون جنيه.

 وتضمن مشروع الموازنة أن إجمالى إيرادات الضرائب تقدر بـ 856 مليار و616 مليون جنيه، وتقدر المنح بـ 3 مليار و405 مليون جنيه، وتقدر الإيرادات الأخرى بـ 274 مليار جنيه.

 وتقدر المتحصلات من الأقراض ومبيعات الأصول المالية وغيرها من الأصول بنحو 23 مليار و556 مليون و910 ألف جنيه.

 

وتقدر قيمة الاقتراض نحو 820 مليار جنيه و656 مليون جنيه.

 

 

تحايل على الدستور

 

وتحايلت لجنة الخطة والموازنة على الدستور، للعام الرابع على التوالي، بإضافة ميزانية الصرف الصحي إلى موازنة قطاع الصحة، علاوة على حصة وزارة الصحة من الدين العام، وميزانيات المستشفيات التابعة للقوات المسلحة والشرطة، مع العلم بتبعيتها إلى وزارتي الدفاع والداخلية، وقصر خدماتها على الضباط والأفراد المنتمين إلى مؤسستي الجيش والشرطة، وأسرهم، من دون غيرهم من المواطنين.

 

وكررت اللجنة ما فعلته في الصحة مع قطاعات التعليم والتعليم العالي والبحث العلمي، وذلك بإضافة حصتها من ديون البلاد إلى مخصصاتها، بعد أن كانت تبلغ اعتمادات تلك القطاعات مجتمعة نحو 206 مليارات جنيه في مشروع الموازنة، من أصل 6.2 تريليونات جنيه جملة الناتج القومي الإجمالي، بنسبة لا تجاوز 3.3%، بما يعادل ثُلث المخصصات الدستورية لتلك القطاعات المحددة بواقع 10%....

 

مطالبات لم يستجاب لها:

وكان لافتا العديد من المطالبات التي ضمنتها لجنة الخطة والموازنة، ولم يستجب لها النواب في الجلسة العامة، حيث أقرت اللجنة، في تقريرها، عدداً من التعديلات على مشروع الموازنة، بزيادة اعتمادات بنود بعض الوزارات والجهات الحكومية، بعد أخذ موافقة وزارتي المالية والتخطيط، وذلك بما يقارب 10 مليارات جنيه لصالح وزارات الصحة، والتربية والتعليم، والتعليم العالي والبحث العلمي، والإسكان، والنقل والمواصلات، والري والموارد المائية، والأوقاف.

وأوصت اللجنة بدعم وزارة التربية والتعليم بمليار و500 مليون جنيه، من أصل 11 مليار جنيه طلبتها الوزارة لاستكمال نظام التعليم الجديد، ودعم وزارة الأوقاف بمبلغ 20 مليون جنيه لتركيب عدادات الكهرباء المسبقة الدفع بالمساجد، ودعم "المجلس القومي للشباب" بمبلغ 120 مليون جنيه لصالح البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب، ودعم مراكز الشباب بمبلغ 500 مليون جنيه.

 

كما أوصى تقرير اللجنة بدعم وزارة التنمية المحلية بمبلغ 250 مليون جنيه، ووزارة الري والموارد المائية بمبلغ 923 مليون جنيه، وإدراج اعتماد إضافي قدره مليار جنيه لصالح وزارة الإسكان، بغرض إنهاء مشروعات الصرف الصحي بالقرى الأكثر فقراً، ودعم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بمليارين و510 ملايين جنيه.

 

كذلك طلبت اللجنة دعم وزارة النقل والمواصلات بمليار جنيه إضافية لصالح ميزانية الهيئة العامة للطرق والكباري، ودعم وزارة الصحة والسكان بمبلغ مليار و925 مليون جنيه لصالح تطبيق نظام التأمين الصحي الجديد، مع العلم أن الوزارة طلبت 33 مليار جنيه إضافية على موازنتها من أجل تطبيق النظام الجديد.

 

مؤشرات خطيرة

 

وتعبر أرقام الموازنة المخالفة للدستور عن العديد من المؤشرات الدالة على طبيعة النظام العسكري، الذي لا يهمه سوى الأغنياء فيما يقنع الفقراء والمهشين للقمع الأمني أو الرهاب الاعلامي بالتخويف تارة وبالتزييف مرات عدة...ومن تلك المؤشرات:

 

أولا: الانحياز ضد الفقراء واهدار العدالة الاجتماعية:

وتمثل ذلك في عدة أمور

عبرت عنها الأرقام، ومنها:

-اهدار العدالة بالرواتب:

وبحسب خبراء اقتصاديين ، يعد هيكل الأجور بمصر من المشكلات المزمنة، والتي لم تقترب منها السياسات الاقتصادية بأي حال من الأحوال، لكي تبقى بابًا للفساد والمحسوبية، فمخصصات المرتبات والأجور بموازنة 2019 /2020 تبلغ نحو 301 مليار جنيه مصري، منها حوالي 90 مليار جنيه مرتبات أساسية، وباقي المبلغ مكافآت وبدلات، أي أن المرتبات الأساسية بحدود نسبة 30% فقط، بينما 70% عبارة عن مكافآت وبدلات، ليحدث نوع من التميز غير المبرر بين العاملين بالحكومة.

 

 

فثمة قطاعات في مصر تحصل على رواتب متميزة، مثل العاملين بقطاع البترول أو البنوك، أو الجمارك أو الضرائب، أو القضاء أو الخارجية، بينما العاملون في الإدارة المحلية أو الصحة مثلًا يحصلون على رواتب شديدة التواضع، مما يدفعهم للحصول على الرشاوي، أو العزوف عن العمل بالقطاع الحكومي.

ثمة فئات أخرى من العاملين بالدولة تستأهل هذا التميز ولا تجده، مثل الأطباء والمدرسين الذين يعينون بالريف والمناطق النائية، ولا يجدون مثل هذه المزايا، ولو توفرت لهم هذه الفرصة، لما فكروا في الامتناع عن الذهاب للريف والمناطق النائية، بل قد تكون بالفعل محفزًا لهم للبقاء والاستقرار بالريف والمناطق النائية، مما يؤدي إلى تحسين الخدمات في قطاعي التعليم والصحة بهذه المناطق المحرومة.

 

-تجميل الدعم مسئولية أزمات الديون وعجز الموازنة:

وجرى خفض دعم السلع التموينية والوقود بـ35 مليار  جنية:

 

حيث تضمنت الموازنة الجديدة، خفض مخصصات دعم السلع التموينية والمواد البترولية في الموازنة العامة للدولة الجديدة، بقيمة 35 مليار جنيه عن العام الماضي.

 

وقالت وزارة المالية ، في بيان لها، إن "مخصصات برامج الدعم السلعي بلغت 149 مليار جنيه منها: 89 مليار جنيه لدعم السلع التموينية، و52.9 لدعم المواد البترولية بخفض قدره 35 مليار جنيه عن العام الماضي، و4 مليارات جنيه لدعم الكهرباء، ومليار جنيه لدعم شركات المياه، و3.5 مليار جنيه لتوصيل الغاز الطبيعي لـ1.3 مليون أسرة".

وكذلك تضمنت الموازنة العامة "2019 – 2020" انخفاضًا 592 مليون جنيه في بند المنح والمزايا الاجتماعية..

عصر الفقراء وإنهاء الطبقة الوسطى:

وبحسب استاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع ووزير التموين الأسبق الدكتور جودة عبد الخالق،"الحكومة تمارس خداع الشعب؛ حيث تؤكد في البيان المالي حرصها على تحقيق «التنمية المستدامة» وفي الوقت نفسه تقدم موازنة تغتال التنمية المستدامة لأنها ضد العدالة الاجتماعية، إنها تكرر ممارسات اليهود في زمن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام: «من كان عنده يعطي ويزاد ومن ليس عنده يؤخذ منه»".

مضيفا في مقال له بصحيفة الأهالي المصرية، " الأرقام تتحدث عن نفسها وهي تشير بوضوح إلى لب المشكلة فقد وقعت الحكومة في فخ الاستدانة الذي نصبه لها صندوق النقد الدولي وأصبحت خدمة الدين تعادل حوالي ثلاثة أمثال مخصصات الدعم، ونسيت الحكومة دروس تاريخنا وقصة صندوق الدين عام 1872 الذي مهد الطريق للاحتلال البريطاني عام 1882 وعلى يد الحكومة تحولت قضية فقراء مصر إلى مسألة حماية اجتماعية كبديل للعدالة الاجتماعية، بل إن المزارعين وهم يمثلون أغلبية فقراء المحروسة ضحت بهم قربانا على مذبح اقتصاد السوق، فخفَّضَت دعمهم بنسبة 45٪ "..

متابعا: "الحكومة تدعي أن الدعم هو السبب الرئيسي لعجز الموازنة، وتخطط للتخلص من دعم الكهرباء وتحويل الدعم العيني للغذاء إلى دعم نقدي لترشيد الإنفاق.."..

فيما يرى خبراء ودراسات اقتصادية حديثة، أن السبب الأكبر لعجز الموازنة هو تضخم خدمة الدين وليس الدعم.

كما أن التحول إلى الدعم النقدي مع فشل الحكومة في ضبط الأسعار يعني الإفقار المتزايد لملايين المصريين.

 

ثانيا: الانحياز للأغنياء:  ويتمثل ذلك في عدة أمور، منها:

 

-زيادة موازنة "النواب"

في مقابل ذلك، اقر البرلمان رفع موازنة مجلس النواب إلى 1.55 مليار جنيه (93 مليون دولار) للسنة المالية 2019 /2020، التي تبدأ في الأول من يوليو المقبل، بزيادة 151 مليون جنيه عن السنة المالية الحالية، وذلك بهدف زيادة بدلات ومكافآت النواب عن حضور الجلسات واللجان، فضلاً عن تحسين رواتب العاملين في البرلمان.

وتضاعفت موازنة مجلس النواب ثلاث مرات منذ انعقاد المجلس الحالي في يناير 2016، حيث كانت تبلغ 508 ملايين جنيه في موازنة 2014 /2015، زيدت بنحو 92 مليون جنيه في موازنة 2015 /2016، و221 مليون جنيه في موازنة 2016 /2017، و279 مليون جنيه في موازنة 2017 /2018، و300 مليون جنيه في موازنة السنة المالية الحالية 2018 /2019.

 

 

-تمويل مدينة الأغنياء:

ووفقًا لما كشفه محمد عبد المقصود، رئيس جهاز العاصمة الإدارية الجديدة، فإن هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة ستضخ استثمارات تتراوح بين 60 إلى 70 مليار جنيه بالعاصمة الإدارية، خلال العام المالي الجديد 2019-2020، وسيتم توجيه تلك الأموال من إيرادات الهيئة من بيع أراضي الدولة، التي هي في الأساس إيرادات للموازنة المصرية.

وقال عبد المقصود، إن هذه الاستثمارات تشمل الحي السكني الثالث R3، والحي السكني الخامس  R5 “جاردن سيتي الجديدة”، ومرافق المرحلة الأولى، ومنطقة المال والأعمال والنهر الأخضر، في محاولة لجذب مستثمرين جدد، لإنقاذ المشروع الذي يعاني من هروب الشركات وعدم توافر السيولة الكافية.

ولم يتوقف الأمر على السحب عبر هيئة المجتمعات العمرانية، بل إن مختلف الوزارات والهيئات الحكومية تسير على نفس النهج، حيث أعلن مؤخرا مدير الإدارة المركزية للمشروعات المتخصصة بوزارة الاتصالات، محمود فخر الدين، عن أن السبب الرئيس في الرقم الضخم لمخصصات الباب السادس بموازنة ديوان عام وزارة الاتصالات، والبالغ 26 مليارًا و836 مليونًا و140 ألف جنيه، بزيادة 25 مليارًا و149 مليونًا و140 ألف جنيه عن موازنة العام الجاري، هو تنفيذ المشروعات المسندة للوزارة فى العاصمة الإدارية الجديدة.

وكشفت أرقام موازنة وزارة الاتصالات عن زيادة مخصصات أحد أبوابها من 900 مليون جنيه في العام المالي الجاري إلى 26 مليار جنيه في العام المالي الجديد، لإقامة مدينة وبنك المعرفة في العاصمة الإدارية بتكليفات مباشرة من عبد الفتاح السيسي ، وهو ما يتنافى مع ادعاءاته بأن تمويل عاصمة الأغنياء ذاتيًّا.

وبحسب تقارير اقتصادية دولية بثتها وكالات رويترز وبلومبرج، يواجه مشروع العاصمة الادارية الجديدة صعوبات تمويلية كبيرة، وهو ما أظهرته معدلات الاقتراض المتزايدة التي دأب عليها السيسي ونظامه بالتزامن مع انسحاب المستثمرين.

وقالت "رويترز"  إن المشروع الذي تقدر تكلفته بحوالي 58 مليار دولار يكابد لجمع التمويل وللتغلب على تحديات أخرى بعد انسحاب مستثمرين من المشاركة فيه، حيث فقد المشروع مستثمرًا رئيسيًّا من الإمارات، وتديره حاليًا شركة مشتركة من وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية والهيئة الهندسية للقوات المسلحة.

 

ونقلت الوكالة عن أحمد زكي عابدين، رئيس مجلس إدارة شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية المسئولة عن تنفيذ المشروع، وهو لواء جيش متقاعد، اعترافه بأن ذلك المشروع مشاكله ضخمة، مشيرا إلى أن من بين المشاكل الكثيرة التي تواجه المشروع توفير تمويل يقدر بنحو تريليون جنيه مصري (58 مليار دولار) للسنوات القادمة من بيع الأراضي واستثمارات أخرى.

-تمويل مساكن موظفي "العاصمة الادارية" من موازنة الشعب:

ومن جملة الأسافي أيضا المتعلقة بالعاصمة الادارية، هو اعلان رئيس الوزراء مصطفي مدبولي ، مؤخرا، تنفيذ توجيهات "الرئيس" عبد الفتاح السيسي بتقديم وحدات متميزة بمدينة بدر للموظفين المقرر انتقالهم إلى العاصمة الإجارية بأسعار مخفضة، وعدم حساب ثمن الرض المبني عليها الوحدة السكنية، وهو ما يعادل 33% من قيمة الوحدة، سيتم تحميله لميزانية الدولة، تحت بند دعم الاسكان الاجتماعي أو غيره من المسميات، فيما يتشدد السيسي وحكومته على أنه "لا شيء ببلاش"، وهو ما يعتبر دعم تمييزي لموظفي العاصمة الادارية من ميزانية الدولة، بجسب الحبير الاقتصادي، عبد الحافظ الصاوي ، بصحيفة "العربي الجديد"..

 

تخفيف الأعباء الضريبية عن الأغنياء:

وفي الوقت الذي استخدمت فيه الحكومة التعبيرات الفخمة، في استعراض نمو ضلعي الموازنة الرئيسيين "الإيرادات" و"المصروفات"، ذهب معدو الموازنة إلى جيوب الفقراء لتمويل تلك الايرادات، وهو ما يتعلق بالفئات محدودة ومتوسطة الدخل التي تعد مصادر رئيسية لتمويل الموازنة من خلال ما تدفعه من ضرائب.

فوفقًا لمشروع الموازنة، تمثل الضرائب بمختلف أنواعها نحو 75.5% من إجمالي الإيرادات العامة في العام المالي المقبل.

وتنقسم الضرائب في الموازنة العامة للدولة إلى نوعين رئيسيين: ضرائب مباشرة وضرائب غير مباشرة.

 

الضرائب المباشرة هي التي يدفعها ممول الضريبة بشكل مباشر للخزانة العامة، وأهم صورها الضريبة على الدخل. وتطبق الضريبة على الدخل على الرواتب، وعلى دخول الأفراد من الأنشطة التجارية والصناعية مثل أصحاب المحال التجارية والورش وغيرها، وعلى أصحاب المهن الحرة كعيادات الأطباء ومكاتب المحامين ومكاتب المحاسبين والمهندسين.

أيضًا، تعد الضرائب على أرباح الشركات بمختلف أنواعها من الضرائب المباشرة على الدخل، تدفعها الشركات عن الدخل المتحقق لديها سنويًا مباشرة لخزينة الدولة.

أما الضرائب غير المباشرة فهي التي تفرض على السلع والخدمات المختلفة؛ مستوردة كانت أو محلية، وقت الحصول عليها، وأهمها الضريبة على القيمة المضافة التي يتم تحصيلها بنسبة 14% من قيمة السلعة أو الخدمة التي يحصل عليها المستهلك.

 

وتستهدف الحكومة تحقيق إيرادات ضريبية بقيمة 856.6 مليار جنيه في العام الجديد، بزيادة نحو 96 مليار جنيه عن المتوقع تحقيقه للعام المالي الحالي، ويأتي ما يقرب من نصف هذه الزيادة من الضرائب على الاستهلاك (ضريبة القيمة المضافة)، بينما يتوزع النصف الآخر على باقي البنود..

كما أن قراءة أرقام الضريبة على الدخل بمشروع الموازنة الجديدة، تكشف مساهمة الضرائب على الدخل من التوظف (بند المرتبات) بنحو 61.5 مليار جنيه، تمثل 21% من إجمالي الضرائب على الدخول، التي تبلغ قيمتها 291 مليار جنيه، وبزيادة تبلغ نحو ثمانية مليارات جنيه عن المتوقع للعام المالي الجاري عند انتهائه وإصدار حسابه الختامي.

وتأتي هذه الزيادة في الغالب بسبب قرار رفع الحد الأدني للأجور إلى 2000 جنيه بدلًا من 1200 جنيه، الذي أُعلن عنه قبيل التعديلات الدستورية التي أجريت في إبريل الماضي. المفارقة أن رفع الحد الأدنى للأجور، الذي كلف الموازنة مصروفات بنحو 30 مليار جنيه، بهدف زيادة أجور الموظفين، سوف تسترد الدولة أكثر من ربع تكلفته كإيرادات ضريبية سيتم تحصيلها من نفس الموظفين.

 

وبالرغم من ارتفاع دخول أصحاب الأنشطة التجارية والصناعية، وكذلك أصحاب المهن الحرة، إلا أن مقارنة المساهمة الضريبية لهذه الفئات بالموظفين وأصحاب الدخول الثابتة تؤكد أن العبء الأكبر في تمويل إيرادات الدولة من الضرائب على الدخول يقع على محدودي الدخل، حيث لا تتجاوز مساهمة أصحاب المهن الحرة غير التجارية (كعيادات الأطباء، ومكاتب المهندسين، والمحامين …) نسبة 1.3% من إجمالي الحصيلة المستهدفة للضرائب على الدخول، بقيمة 3.7 مليار جنيه. في حين بلغت الضريبة على دخول أصحاب الأنشطة التجارية والصناعية نحو 33.8 مليار جنيه تمثل نحو 11.6% من إجمالي ضريبة الدخل.

وبحسب ورقة بحثية صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية بعنوان «إصلاح السياسة الضريبية في مصر»، يقع العبء الضريبي على أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة بشكل أعلى من أصحاب الدخول المرتفعة بسبب ثبات حد الإعفاء الضريبي (الذي يعفي الواقعين تحته من الضرائب) بغض النظر عن الحالة الاجتماعية أو معدلات التضخم وعدم ملاءمة الشريحة المعفاة للحد الأدنى للأجور. بمعنى آخر، رقم الدخل الذي قررت الدولة إعفاء المواطنين ضريبيًا عنده لا يراعي إذا ما كان صاحب الدخل متزوجًا أو غير متزوج أو لديه أطفال، أو لا يعول من أساسه. ويبلغ حد الإعفاء الضريبي ثمانية آلاف جنيه سنويًا، بما يعادل 666 جنيه شهريًا.

 

وبينما تبحث الحكومة في جيوب الموظفين لزيادة إيراداتها لا تلتفت بالقدر الكافي إلى الضرائب على الممتلكات لتعظيم الحصيلة وتحقيق العدالة الضريبية في نفس الوقت. فنجد مشروع الموازنة الجديدة يستهدف تحصيل ضريبة على المباني (الضريبة العقارية) قيمتها 6.7 مليار جنيه بزيادة تقدر بنحو 1.5 مليار جنيه عن موازنة العام المالي الجاري.

 

وبالرغم من زيادة الحصيلة المستهدفة من الضريبة العقارية، أو المتحققة خلال السنوات الأخيرة، فإنها تبدو هزيلة للغاية إذا ما قورنت بحجم الثروة العقارية في مصر، والتي تقدر بأكثر من 100 تريليون جنيه..

كما تهمل أيضًا ضريبة الأراضي كأحد أنواع ضرائب الثروة، حيث تتراجع مستهدفات ضريبة الممتلكات من الأراضي بمشروع الموازنة الجديدة بواقع 180 مليون جنيه مقارنة بالعام الجاري، حيث بلغت 100 مليون جنيه فقط.

 

واستكمالًا لأرقام الضرائب على الممتلكات يحمل مشروع موازنة العام الجديد مفاجأة من العيار الثقيل في البند الخاص بالعوائد على أذون الخزانة والسندات (أوراق مالية تصدرها الحكومة وتقترض من خلالها)، حيث سجل المستهدف من هذا البند 51.5 مليار جنيه، متراجعًا بنحو 59.5 مليار جنيه عن الحصيلة المتوقعة للعام المالي الجاري، وهو الأمر الذي يخالف جميع التوقعات التي رجحت زيادة الحصيلة من هذا البند بعد التعديلات التي أجرتها وزارة المالية في فبراير الماضي على بعض مواد القانون رقم 91 لسنة 2005 للضريبة على الدخل.

 

بمقتضى هذه التعديلات التي صدق عليها رئيس الجمهورية، تم تغيير طريقة حساب الضريبة على استثمارات البنوك في تلك الأوراق المالية، من خلال فصل الوعاء الضريبي على تلك الاستثمارات عن باقي الأنشطة الاستثمارية الأخرى للبنوك، ومحاسبته بسعر ضريبة 20%.

نموذج آخر لغياب العدالة في توزيع الأعباء الضريبية في موازنة العام الجديد يظهر بقوة في الضريبة على القيمة المضافة، التي تنمو حصيلتها بشكل متواصل في الموازنات المتتابعة دون الالتفات إلى أنها تُمول بدرجة كبيرة من جيوب الفئات الأقل دخلًا، لأن هذه الفئات تصرف دخلها المحدود بالكامل على الاستهلاك. ووفقًا لمشروع الموازنة الجديدة بلغت تقديرات هذه الضريبة نحو 364.6 مليار جنيه، تمثل وحدها نحو 42.6% من إجمالي الإيرادات الضريبية، بزيادة 52 مليار عن الحصيلة المتوقعة للعام الحالي.

 

 

غياب العدالة عن ضريبة القيمة المضافة، وتحمل محدودي الدخل النسبة الأكبر من عبئها نابع من قاعدة استهلاكية، تؤكدها ورقة بحثية صادرة عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تقول إن «ضريبة القيمة المضافة تضر أصحاب الدخول الأدنى بشكل أساسي لأنهم الفئة التي تنفق الحصة الأكبر من دخولها الضئيلة، وفي بعض الأحيان تنفق أكثر مما تكسب لإشباع الاحتياجات الأساسية، وتدخر الجزء الأقل إن ادخرت على الإطلاق، في حين أنه كلما زاد الدخل زاد نصيب الادخار وقل نصيب الإنفاق. وتطبق ضرائب المبيعات والقيمة المضافة فقط على الجزء الذي يتم إنفاقه من الدخل، بعكس ضريبة الدخل التي تحسب على إجمالي الدخل بغض النظر عن طرق إنفاقه أو ادخاره. وهكذا، بحساب ضريبة الاستهلاك كنسبة من الدخول تكون ضريبة شديدة التراجعية بحيث أنه كلما قل دخل الفرد زادت نسبة ما يذهب من دخله كضريبة».

 

وهكذا، يمول الموظفون والمستهلكون إيرادات الدولة من الضرائب بشكل لا يضاهيه صاحب المحل التجاري وصاحب الأرض أو العقار، والبنك الذي يقرض الدولة.

 وكانت الحكومة المصرية قررت في يوليو 2016 (نفس العام الذي بدأ فيه البرنامج الاقتصادي) خفض الضرائب على الشريحة الأعلى من الدخل لتكون 22.5% بدلًا من 25%، وألغت في نفس الوقت ضريبة استثنائية مدتها ثلاث سنوات طبقت عام 2014 بنسبة 5% من دخل المواطنين الذي يزيد على مليون جنيه مصري سنويًا، كما ألغت ضريبة نسبتها 10% على الأرباح الرأسمالية.

 

 

موازنة منحازة للعسكر والقضاة

 

وعلى الرغم من تقليص الاعتمادات المالية للخدمات الاجتماعية وتوفير مستوى معيشي مناسب لعموم الشعب، وتقليص الاعتمادات المخصصة لدعم الوقود والطاقة والتموين، كشفت أرقام الموازنة سعي حكومة السيسي لإبعاد شرائح بعينها من ارتفاع الأسعار المرتقبة، وفي مقدمتها مؤسسات الجيش والشرطة والقضاء، بعد رفع تقديراتها لباب "المصروفات الأخرى" في العام المالي الجديد، من 74.69 مليار جنيه إلى 90.44 ملياراً، والتي تخصص لصالح ميزانيات الدفاع والأمن القومي، واعتمادات جهات مثل مجلس النواب، والقضاء، والجهاز المركزي للمحاسبات.

 

كذلك، رفعت الحكومة من مخصصات باب "قطاع النظام العام وشؤون السلامة العامة" من 61.72 مليار جنيه إلى 69.68 ملياراً في الموازنة الجديدة، من بينها 54.37 مليار جنيه لباب الأجور، والتي تذهب إلى خدمات الشرطة، والسجون، والمحاكم، ووزارتي الداخلية والعدل، والمحكمة الدستورية، والهيئات القضائية، ودار الإفتاء المصرية، وصندوق تطوير الأحوال المدنية، وصندوق أبنية المحاكم،

وصندوق السجل العيني.... وبذلك تضع الموازنة الجديدة الشعب المصري في مقصلة الغلاء وتردي الخدمات الحكومية في الوقت الذي ينتعش فيه اقتصادات الاغنياء... 
.

Share:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة