ماذا خسر الإعلام المصري بالانقلاب العسكري؟

 ماذا خسر الإعلام المصري بالانقلاب العسكري؟

 

بقلم: حازم عبد الرحمن

 

عندما وقع الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا ليلة 15 يوليو 2016 كان دور الإعلام كبيرا في إسقاط الانقلاب؛ فقد بادرت قناة "سي إن إن تورك" الخاصة بإذاعة مكالمة مع الرئيس إردوغان يطالب فيها بمواجهة الانقلاب؛ ما أدى إلى قطع الشك باليقين, وخرجت الجماهير إلى الشوارع تواجه الانقلاب العسكري, ولم تشرق شمس الصباح إلا وقيادات الانقلاب العسكري أسرى مقيدون بأيدي الشرعية.

أما في مصر فعندما وقعت جريمة الانقلاب على الإرادة الشعبية وأول رئيس مدني في تاريخ البلاد كانت يد الإعلام ملوثة بالخيانة, قابضة الثمن منذ بدء التخطيط للانقلاب؛ فقد أنشئت صحف وفضائيات ومواقع إنترنت, تحرض على إثارة الفوضى, وتروج لاحتجاجات مفتعلة محدودة المشاركة, وتدعو الجيش للتدخل لإنقاذ البلاد؛ ما يعني دعوة صريحة للانقلاب على الشرعية, ورغم أنه يجب أن يكون الإعلام الرسمي للدولة داعما للشرعية إلا أنه لم يكن كذلك, واختار أن يلعب لحساب جهاز المخابرات الحربية التي تنفذ خطة انقلاب يقف وراءها ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد والملك عبدالله بن عبد العزيز عاهل السعودية, بل إن رئيس تحرير جريدة "الأخبار" محمد حسن البنا شن قبل أسابيع من الانقلاب هجوما على جماعة الإخوان المسلمين بدون مبرر؛ فاستنتج محللون أن هذه بداية الانقلاب العسكري, وقد سبقها هتافات لصحفيين في النقابة ضد الإخوان , وتم تسخير برامج معينة في الفضائيات بتكلفة ضخمة للنيل من الرئيس الشرعي وحكومته, حتى اكتمل تدشين الانقلاب يوم 3 يوليو 2013 , وكان مشهد الإعلام المصري بائسا, مهينا, وهو يبرز بسعادة ونشاط خبر الانقلاب, وكأن البلاد ستنتقل من عهد الدكتاتورية والاستبداد إلى عهد الحرية والديمقراطية, وقد شهدت مدينة الإنتاج الإعلامي أحداثا مخجلة قام بها العاملون بالفضائيات المؤيدة للانقلاب ضد زملائهم في القنوات الأخرى المؤيدة للشرعية, وظهر أسوأ ما في النفس البشرية من توحش ونفاق؛ إذ وقف بعضهم يهتف ضد زملائه الآخرين الذين كانت قوات الأمن تعتقلهم في سياراتها لتنقلهم إلى المعتقلات, ولم يمر وقت طويل حتى قررت إدارات القنوات المؤيدة للانقلاب الاستغناء عن أعداد كبيرة من هؤلاء الذين شمتوا في اعتقال زملائهم وهتفوا تحية لقوات الأمن.                  

وقد كانت هناك خطة لسيطرة العسكر على الإعلام كشفت عنها تسريبات أحد لقاءات قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي مع عدد من الضباط عندما كان وزيرا للدفاع بضرورة السيطرة على الإعلام, ثم تواصلت المخابرات الحربية والأمن الوطني مع رؤساء القنوات في ما ينبغي نشره من عدمه، بل وتحديد السياسة التحريرية للقنوات, وتضخيم الاحتجاجات مهما كانت محدودة, وتحويلها إلى فعاليات لتمجيد وزير الدفاع آنذاك عبدالفتاح السيسي، والدعاية له باعتباره المنقذ، وهو الذي لم يخض معركة حقيقية في حياته .

 

*بعد الانقلاب

بعد اكتمال جريمة الانقلاب العسكري, وعلى غير ما توقع مؤيدوه, كشرت الأجهزة الأمنية عن أنيابها, مبكرا, وبدأت في تحذير الإعلام المستقل المؤيد للانقلاب من خطوط حمراء يجب الوقوف عندها, ومن لا يلتزم فهو الجاني على نفسه , ولذلك اختفى بوق الانقلاب توفيق عكاشة وتم إغلاق قناته الخاصة ليعود بعد سنوات من التأديب خادما للانقلاب على فضائية أخرى, وهاجر باسم يوسف وبلال فضل مضطرين إلى أمريكا, بعد خدماتهما للعسكر, وتم ترحيل اللبنانية ليليان داود المذيعة بقناة "أون تي في", وتم وقف برنامج جابر القرموطي الذي شكا كثيرا من البطالة رغم أنه صحفي في " الأهرام", واختفت برامج لميس الحديدي ورانيا بدوي ونائلة عمارة, وغادر إبراهيم عيسى فضائيات الانقلاب ليهاجم الإسلام على قناة "الحرة".. إلخ.       

 

*أزمة الصحافة

لا تزدهر الصحافة إلا في وجود الحرية, وعندما وقع الانقلاب العسكري تحولت الصحف المصرية كلها, القومية والخاصة, إلى نسخة واحدة من بعضها, لا تطرح قضايا يهتم بها جمهور القراء, أو توجه انتقادا لمسئول فاسد, وإنما فقط تسبح بحمد الانقلاب العسكري, الذي تورطت في التمهيد له وتجميله, ولم يعد أمامها ما يمكن أن تجذب به القارئ الذي سرعان ما انصرف عنها, وأصبحت الصحف القومية تعاني من أزمتين خطيرتين قد تؤديان بها إلى التوقف تماما, وهما أزمة انهيار التوزيع؛ بسبب الفشل في جذب اهتمام القارئ, وأزمة الانهيار الاقتصادي الذي انعكس على سوق الإعلانات؛ فتراجعت إيراداتها بنسبة مفزعة, وتسبب انهيار التوزيع في خسائر يومية للصحف التي ارتفعت تكاليف طباعتها, خاصة بعد تعويم الجنيه, وهو ما جعل بعض الأفكار تدور حول ضرورة خصخصتها؛ مما يهدد بتشريد آلاف الصحفيين والإداريين والعمال بعدما اطمأنوا طويلا إلى استقرارهم في وظائفهم تحت ظلال السلطة.            

كما تم حصار الصحف والصحفيين بالقوانين والعقوبات من جانب سلطة الانقلاب وإخضاعها لإملاءات الأجهزة الأمنية؛ مما أفقدها القدرة على متابعة اهتمام الجماهير؛ فخسرت قراءها.

وقد تدهورت دخول الصحفيين بشكل غير مسبوق, وتوقفت بعض الصحف عن صرف المرتبات, وأصبح الكثير من الصحفيين يعانون من الفصل التعسفي, كما يحدث في "البوابة نيوز" لصاحبها الذراع الانقلابي عبد الرحيم علي, و"اليوم السابع" التابعة لشركة "إعلام المصريين" التي تمتلكها المخابرات, وقد فصلت إدارة صحيفة "الدستور" عشرات الصحفيين تعسفيا، وأجبرت بعضهم على الإجازة بدون راتب أو الفصل من التأمينات.

وأعلنت صحيفة "التحرير" وقف العمل بالموقع بعد حجبه في مصر، وهو ما يترتب عليه تسريح عشرات الصحفيين والعاملين, ويواجه نحو 50 صحفيا بجريدة "العالم اليوم"، أزمة فصلهم من التأمينات الاجتماعية، وهي استمرار لأزمة قديمة تواجه مئات الصحفيين المفصولين على مدار سنوات ,.

 

*دور نقابة الصحفيين

لا يبدو أن نقابة الصحفيين يمكن أن تقوم بدور لحل مشكلات المهنة, بعد تراجع دور النقابة وتعرضها للإهانة, أكثر من مرة على يد سلطات الانقلاب, التي اقتحمت مقرها, في سابقة غير معهودة في تاريخها, كما لفقت اتهامات باطلة لنقيب الصحفيين السابق يحيى قلاش وعضوي مجلس النقابة جمال عبد الرحيم وخالد البلشي, ما جعلها تتخلى عن دور كبير, كانت تقوم به من قبل لصالح حريات الصحفيين, وقد عجزت عن التدخل في  مشكلة أعضائها المعتقلين, ولم تساندهم في سابقة خطيرة تخلت فيها عن دورها تجاه أعضائها, ولن يقدم النقيب ضياء رشوان الموالي لسلطة الانقلاب شيئا سوى الكلام.

ولم تكن خسائر الإعلام المصري بالانقلاب العسكري هي النهاية؛ فقد ظهرت على الفور فضائيات ترفض الانقلاب, وتدعو إلى تحقيق أهداف ثورة 25 يناير, وإسقاط حكم العسكر, وقد نجحت في جذب المشاهد المصري والعربي, وأصبحت صوت الشعب بحق, بالإضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي, التي يستخدمها رافضو حكم العسكر بجدية وإتقان, حتى يأتي يوم الخلاص.  

.

Share:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة