"قمة العشرين" ..الحروب التجارية تراوح مكانها وتهدد مستقبل المجموعة

 "قمة العشرين" ..الحروب التجارية تراوح مكانها وتهدد مستقبل المجموعة

 

 

 

اختتمت "قمة العشرين" أعمالها في أوساكا اليابانية، يوم السبت الماضي، دون اتفاق حول قضايا التجارة وتغير المناخ، فيما لم تناقش أصلا قضايا الديون.

وهو ما دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليصف  المؤتمر ونتائجه بأن "مجموعة العشرين باتت اليوم فعلياً أقرب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تسمح لصانعي القرار بالالتقاء في اجتماعات ثنائية وتبادل وجهات النظر حول الملفات الهامة"، معتبرا أن مجموعة العشرين "ليست مفيدة بما يكفي". ...

ودعا ماكرون إلى "بحث جماعي" حول هذا الموضوع. وفقاً لما نقلت عنه قناة "دويتشه فيله" الألمانية.

 

وكانت منظمة التجارة العالمية، قالت مؤخرا، إن القيود التجارية بين مجموعة العشرين مستمرة عند مستويات تاريخية عالية.

 

وكشفت المنظمة أن (G20) أقامت 20 حاجزا تجاريا جديدا، في الفترة بين أكتوبر ومايو الماضيين، بما في ذلك زيادة التعريفة الجمركية، وحظر الاستيراد، وإجراءات الجمارك الجديدة الخاصة بالصادرات.

 

فشل ذريع

 

وحسب صحيفة "فاينانشيال تايمز"، فإن هنالك العديد من المواضيع التي تهم العالم، لم تتمكن قمة العشرين الأخيرة من مناقشاتها أو الاتفاق حولها. حيث لم تتمكن القمة من التوصل إلى أرضية مشتركة بشأن ملف المناخ، فقد أعرب رئيس الوزراء الياباني آبي الذي رأس الاجتماع عن رغبته في أن يوحد المشاركون صفوفهم في جهود مواجهة قضايا البيئة، وعلى رأسها قضية تغير المناخ.

غير أنه مع انسحاب الولايات المتحدة في ظل حكم ترامب من اتفاق باريس للمناخ لعام 2015، لم يعد للإشارة إليه في البيان الختامي قيمة تذكر.

ومن بين القضايا الأخرى، التي لم تنل اهتمام "قمة العشرين" موضوع ديون العالم الثالث، أو الدول الأكثر فقرا. وهذه الديون تحتاج إلى معالجة عبر الإعفاء أو الجدولة.

ويرى معهد التمويل الدولي، الذي يوجد مقره في واشنطن، أن عدم معالجة هذه الديون بات يعوق تنفيذ الشركات لمشاريع مهمة في هذه الدول، نسبة لأن المصارف غير متحمسة لمنح ديون إضافية.

وكان المعهد قد قدم مقترحات بشأن معالجتها لاجتماع وزراء المالية والمصارف المركزية لمجموعة العشرين الذي عادة يمهد لجدول أعمال قمة رؤساء المجموعة. فيما تعاني دول العالم من فجوة النمو غير المتوازن الذي يهدد بالاضطراب السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

قيما تخلق فجوة النمو المتزايدة بين الدول الغنية والدول الفقيرة، أزمة في الهجرة للدول الأوروبية من أفريقيا وبعض الدول العربية، كما يخلق كذلك أزمة بالنسبة للولايات المتحدة التي تسعى للحد من هجرة مواطني أميركا الجنوبية إلى أراضيها.

 

وحسب تقرير البنك الدولي الصادر في يناير الماضي، فإن ديون الدول الفقيرة تواصل الارتفاع بمعدلات كبيرة وتنذر بحدوث أزمة وشيكة في العالم.

وتناول التقرير 33 بلداً منها 27 في أفريقيا جنوب الصحراء، ويتقاطع مع تقارير أخرى عن نفس القضية نشرت خلال الأشهر القليلة الماضية. وتجاوزت ديون تلك الدول إلى ناتجها نسبة 50% في 2018 مقابل 30% في 2013. ويشير التقرير إلى زيادة مقلقة في نسبة الدين إلى الناتج في عدد من البلدان مثل غامبيا التي ارتفعت فيها تلك النسبة من 60 % إلى 88%، وتلتهم كلفة قروض الدولة 42% من إيراداتها.

 

بيان هزيل

 

 

البيان حذر أيضاً من أن النموّ الاقتصادي العالمي لا يزال ضعيفاً، مع "زيادة حدة" التوترات التجارية والجيوسياسية، وقال الزعماء فيه: "نسعى جاهدين لتوفير مناخ تجاري واستثماري حرّ نزيه غير منحاز وشفاف ومستقر، يمكن التكهن به وإبقاء أسواقنا مفتوحة".

 

وأورد البيان الختامي عن الزعماء قولهم: "سنعمل معا لتعزيز النموّ الاقتصادي العالمي"، و"نؤكد مجدداً دعمنا الإصلاح الضروري في منظمة التجارة العالمية لتطوير مهامها".

 

وأشار القادة إلى أن "السياسة النقدية ستستمر في دعم النشاط الاقتصادي وضمان استقرار الأسعار بما يتماشى مع عمل البنوك المركزية"، وأكدوا: "مجدداً الالتزامات المتصلة بأسعار الصرف التي أعلنها وزراء ماليّتنا ومحافظو المصارف المركزية في مارس/ آذار 2018".

 

 

الحرب التجارية بين أمريكا والصين

 

وعلى صعيد سياسة الحماية التجارية عبر الرسوم التي تتخطى قوانين منظمة التجارة العالمية، حذرت كريستين لاغارد المديرة العامة لصندوق النقد الدولي من أن الاقتصاد العالمي يواجه "موقفاً صعباً" بسبب النزاعات التجارية وحثت صناع القرار في مجموعة العشرين على خفض الرسوم الجمركية والعقبات الأخرى أمام التجارة.

وقالت لاغارد في قمة مجموعة العشرين " فيما نرحب باستئناف محادثات التجارة بين الولايات المتحدة والصين، فإن الرسوم التي فرضت بالفعل تكبح الاقتصاد العالمي بينما تحمل القضايا التي لم تحسم الكثير من الضبابية تجاه المستقبل".

لكن رغم هذه التحذيرات فإن قضية السياسة الحمائية أو "حرب الرسوم"، باتت هي سياسة الضغط التي تمارسها أميركا لتحقيق أغراضها السياسية والاقتصادية. ويلاحظ أن تركيز قمة العشرين كان على اللقاء بين الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ بشأن تسوية النزاع التجاري. وهو لقاء كان يمكن أن يعقد بينهما في أي مكان ولا يحتاج إلى قمة مجموعة العشرين.

إلا أن الهدنة الجديدة بين بكين وواشنطن المُعلن عنها اليوم قدراً من الارتياح للقادة المشاركين، بعدما كلفت الحرب التجارية بينهما والمستمرة منذ أكثر من عام، الشركات مليارات الدولارات، وأدّت إلى تباطؤ الاقتصاد العالمي، فضلاً عن تعقيدات في سلاسل الإنتاج والإمداد وقلق في أسواق المال.

وعلى وقع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والصيني شي جين بينغ المتفائلة والإيجابية، واتفاقهما على استعادة لغة التفاوض بعيداً من رفع الرسوم وتقييد الشركات، أحجم قادة مجموعة العشرين عن التنديد بالحماية التجارية، ودعوا بدلاً من ذلك لتوفير مناخ تجاري "حر ونزيه وغير منحاز"

بينما تجاهل كبار المسؤولين الماليين في مجموعة العشرين، تداعيات الحرب التجارية، بين الولايات المتحدة والصين، في مسودة بيان ختامي لهم، بعد يومين من الاجتماع ،  وذلك رغم الإقرار بتفاقم مخاطر التوترات الحالية.

وبعد مفاوضات شاقة كادت تجهض إصدار بيان، اتفق وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية المجتمعون باليابان، على الصياغة التي صدرت بشأن التجارة في اجتماع بوينس أيرس بالأرجنتين في ديسمبر الماضي.

وأشار البيان إلى أن كبار مسؤولي المالية بمجموعة العشرين اتفقوا على وضع قواعد مشتركة بحلول 2020 لسد الثغرات التي استغلتها شركات التكنولوجيا العملاقة مثل فيسبوك وغوغل لخفض مدفوعات ضرائب الشركات.

 

وجرى حذف فقرة مقترحة عن "الاعتراف بالحاجة الملحة لحل التوترات التجارية" كانت مدرجة في مسودة سابقة جرت مناقشتها.

ويظهر حذف الفقرة، الذي قالت المصادر لرويترز إنه جاء بإصرار من الولايات المتحدة، رغبة واشنطن في تجنب أي عوائق بينما تزيد الرسوم الجمركية على السلع الصينية. وخلا البيان أيضا من أي إقرار بأن النزاع التجاري الآخذ في الاشتداد بين الولايات المتحدة والصين يضر بالنمو الاقتصادي العالمي.

 

محطات الحرب التجارية

وكانت وكالة "فرانس برس" رصدت  10 محطات من الصراع التجاري الأمريكي الصيني.

 

-8 مارس 2018: فرض ترامب رسوماً بنسبة 25% على واردات الصلب و10% على الألمنيوم، لتقليص العجز التجاري الأميركي الذي بلغ 566 مليار دولار في 2017، منها 375.2 مليار دولار مع الصين، أكبر منتج للصلب والألمنيوم في العالم.

-22 مارس 2018 : عشية تطبيقها، علق ترامب الرسوم الجمركية على عدد كبير من البلدان، لكنه لم يستثن الصين. وردّت بكين بالكشف عن قائمة تضم 128 منتجا ستفرض عليها ضرائب تتفاوت بين 15 و25% إذا فشلت المفاوضات مع واشنطن.

 

-3 إبريل 2018: نشرت واشنطن قائمة بالمنتجات الصينية التي يمكن فرض ضرائب عليها، رداً على "النقل القسري للتكنولوجيا والملكية الفكرية الأميركية". وبكين ردّت بقائمة واردات بالقيمة نفسها (50 مليار دولار).

 

-19 مايو 2018 : أعلن البلدان اتفاقا مبدئيا على خفض العجز التجاري الأميركي خفضا كبيرا، ويؤدي إلى تعليق تهديداتهما باتخاذ تدابير عقابية. وفي الأسابيع التالية، تصدر الصين مؤشرات تهدئة (خفض الرسوم الجمركية، رفع القيود، مقترحات شراء بضائع أميركية...).

 

-6 يوليو 2018: دخل البلدان في حرب تجارية من خلال فرض الرسوم الأميركية على 34 مليار دولار من الواردات الصينية (سيارات، أقراص صلبة، مكونات طائرات). وفرضت بكين بدورها ضريبة على بضائع بقيمة 34 مليار دولار (منتجات زراعية، سيارات، منتجات بحرية).

 

-23 أغسطس 2018 : فرضت الولايات المتحدة ضرائب جديدة على منتجات صينية بقيمة 16 مليار دولار، غداة استئناف المحادثات. وفي الصين، بدأ تطبيق رسوم بنسبة 25% تستهدف 16 مليار دولار من البضائع الأميركية، بما فيها الدراجات النارية "هارلي دافيدسون" و"البوربون" أو عصير البرتقال. وفي 24 سبتمبر ، تفرض واشنطن ضرائب بنسبة 10% على 200 مليار دولار من الواردات الصينية. بكين ترد مع رسوم جمركية على سلع أميركية بـ60 مليار دولار.

 

-1 ديسمبر 2018: أعلن ترامب ونظيره الصيني هدنة. فواشنطن التي خططت لرفع الرسوم الجمركية 25% في الأول من يناير على 200 مليار دولار من الواردات، توقف هذه الزيادة لمدة 90 يوما.

من جانبها، تعهدت بكين بشراء كمية "كبيرة جدا" من المنتجات الأميركية، وتوقف ثلاثة أشهر الرسوم الإضافية المفروضة على السيارات وقطع غيار السيارات الأميركية وتسمح باستيراد الأرز الأميركي.

 

-10 مايو 2019: استئناف الأعمال العدوانية باعلان واشنطن إنهاء  الهدنة وترفع رسميا من 10 إلى 25% الرسوم الجمركية على 200 مليار دولار من الواردات الصينية.

وفي 13 مايو ، أعلنت الصين أنها ستزيد اعتباراً من الأول من يونيو رسومها الجمركية على منتجات أميركية تستوردها بقيمة 60 مليار دولار.

 

-15 مايو 2019 : فتح ترامب جبهة جديدة بإصداره مرسوماً يحظر على شركات الاتصالات الأميركية شراء معدات من شركات أجنبية اعتبر أنها تمثل خطراً عليها، في إجراء يستهدف شركة هواوي الصينية العملاقة.

وأعلنت الإدارة الأميركية أنها تشتبه في أن الشركة الرائدة عالمياً في نظام 5جي تتجسس لصالح بكين ووضعتها على قائمة الشركات المحظور بيعها منتجات التكنولوجيا، ما عدا بإذن خاص.

وأعلنت الولايات المتحدة في 20 مايو مهلة 3 أشهر قبل تفعيل هذه العقوبات. والأول من يونيو ظهرت عقوبات صينية جديدة. كما زادت الصين في 13 مايو ، التعرفات الجمركية على منتجات أميركية بقيمة 60 مليار دولار، وأعلنت بكين أنها تعد قائمة سوداء بالشركات الأجنبية "غير الموثوقة".

 

-18 مايو 2019: أرسلت واشنطن وبكين إشارات انفراج، وتم الكشف عن محادثة هاتفية بين ترامب وجينبينغ..

 

مخاوف عالمية

 

وكان صندوق النقد الدولي، قد حذر الأسبوع الماضي، من أن الخلاف التجاري سيقلص النمو العالمي في العام المقبل، وشهدت الأسواق المالية موجة بيع كبيرة مع توتر العلاقات الأميركية الصينية.

لكن وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين، قال إن النزاع التجاري لن يؤثر على النمو الأميركي، وإن الحكومة ستتخذ إجراءات لحماية المستهلكين من زيادة الرسوم الجمركية.

وبينما تقلل الإدارة الأميركية من تداعيات الحرب التجارية، اصطفت البنوك الكبرى في "وول ستريت" بالولايات المتحدة، لتحذير المستثمرين من مخاطر الركود المتزايدة، بسبب التوترات التجارية المتصاعدة بين واشنطن وبكين..

وتوقع بنك "مورغان ستانلي" مطلع الشهر الجاري، احتمال بدء ركود عالمي في غضون تسعة أشهر في حال فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوما جمركية بنسبة 25 % على صادرات صينية إضافية بقيمة 300 مليار دولار، ورد بكين على ذلك بإجراءات انتقامية.

وحذر كذلك بنك "جيه بي مورغان تشيس آند كو" من ارتفاع مخاطر حدوث ركود في النصف الثاني من العام الجاري إلى 40 % من 25 % منذ شهر مضى.

كما قلص بنك "غولدمان ساكس غروب" توقعاته للنمو الأميركي في النصف الثاني من العام بحوالي 0.5 % إلى 2 %، مشيرا إلى أنه يرى احتمالا أكبر لخفض أسعار الفائدة من الاحتياطي الفيدرالي.

ومثل هذه التحذيرات قد تحدد مسار أسواق المال العالمية التي تشهد اضطرابات بالأساس بفعل التصعيد المتبادل بين الصين والولايات المتحدة خلال الأيام الأخيرة. وقال بروس كاسمان كبير الاقتصاديين في بنك جيه بي مورغان: "يبدو أن النمو العالمي الآن سينخفض ​​لبقية هذا العام".

وكان اجتماع مجموعة العشرين في بوينس أيرس نهاية العام 2018 قد أطلق هدنة تجارية مدتها خمسة أشهر بين الولايات المتحدة والصين، لإتاحة الفرصة لمفاوضات بين البلدين لإنهاء الحرب التجارية الآخذة في التصاعد.

لكن تلك المحادثات واجهت مأزقا حاداً في مايو الماضي، حيث تصاعدت التوترات، في أعقاب بدء الولايات المتحدة في تحصيل رسوم جمركية تبلغ 25% على سلع صينية كثيرة وصلت إلى الموانئ الأميركية، في  يونيو الماضي، في إطار تضييقات على سلع بقيمة 200 مليار دولار سنوياً، لترد الصين ببدء تحصيل رسوم أعلى أيضاً على معظم السلع الواردة في قائمة مستهدفة، تشمل بضائع أميركية قيمتها 60 مليار دولار.

ولم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة والصين مقتصرة على الجبهة التجارية، وإنما تمتد إلى العمق لتطاول ركائز الاقتصاد في أكبر اقتصادين في العالم، ما ينذر بإطالة أمد الصراع، الذي لن يكون سهلاً في ظل الصمود الذي تبديه بكين في مواجهة الضغوط المتزايدة من قبل إدارة ترامب.

وصعّدت الصين لهجتها في حربها التجارية، محملة واشنطن مسؤولية فشل المفاوضات، بدون أن تشير إلى أي مخرج من الأزمة في وقت قريب.

ووسعت بكين من دائرة المواجهة لتشمل بجانب فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على سلع أميركية بقيمة 60 مليار دولار، وضع "لائحة سوداء" لشركات أجنبية، والتهديد بحظر تصدير المعادن النادرة.

كما يتزايد القلق عالميا من اتساع نطاق الحرب التجارية وتعدد جبهاتها. وصعّد ترامب هجومه على المكسيك، حيث قرر، نهاية مايو الماضي "فرض رسوم جمركية نسبتها 5% على كل البضائع الآتية من المكسيك، اعتباراً من 10 يونيو، لكن الجانبين توصلا إلى اتفاق، يحول دون نشوب حرب تجارية بين البلدين.

وذكر الإعلان الأميركي المكسيكي المشترك الذي صدر في واشنطن، أن المكسيك وافقت على استقبال مزيد من المهاجرين الذين يطلبون اللجوء السياسي في الولايات المتحدة، بينما ينتظرون صدور حكم قضائي بشأن حالاتهم، ووافقت كذلك على زيادة القيود على الهجرة غير الشرعية، ومنها نشر الحرس الوطني على حدودها الجنوبية.

وبينما يعتمد الاقتصاد المكسيكي بدرجة كبيرة على الصادرات إلى الولايات المتحدة، وسط توقعات بأنه كان سيتلقى ضربة قوية إذا تم فرض الرسوم الجمركية الأميركية الإضافية، فإن الولايات المتحدة كانت ستتضرر أيضا، لاسيما أن المكسيك قد أعدت قائمة برسوم جمركية محتملة للرد على العقوبات الأميركية تستهدف منتجات من ولايات زراعية وصناعية تعتبر قاعدة ترامب الانتخابية، وهو أسلوب تستخدمه الصين بهدف التأثير على محاولة الرئيس الأميركي الترشح لفترة جديدة عام 2020.

 

 

مستقبل G 20

 

وإزاءالاختزال السياسي،والاهتمام باللقاءات الثنائية وتأجيل الملفات المهمة عالميا بقمة اليابان، تثور الشكوك حول جدوى مجموعة العشرين، وما إذا كانت الظروف التي ولدت فيها قد انتهت ولم تعد موجودة، خاصة وأنها لم تعد قادرة على البت في القضايا الرئيسية التي تهدد الاقتصاد العالمي مثل البيئة والحماية التجارية وقضايا ديون الدول الفقيرة التي باتت تهدد بهجرة كثيفة إلى أوروبا وأميركا.

وأسست "مجموعة العشرين" في أعقاب أزمة المال العالمية في 2008 وضمت الاقتصادات الكبرى التي تمثل 85% من الاقتصاد العالمي، وأكثر من 75% من التجارة العالمية و66% من سكان العالم.

وتتكون مجموعة العشرين من بلدان: تركيا، الأرجنتين، أستراليا، البرازيل، كندا، الصين، الاتحاد الأوروبي، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، الهند، إندونيسيا، اليابان، كوريا، المكسيك، روسيا، السعودية، كوريا الجنوبية، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة.

 

وبحسب الباحث السياسي عمر كوش، جاء البيان الختامي وسطي، أو متوازن، لم يعط شعوراً بأنه أرضى مختلف الأطراف المجتمعة، لكنه أغفل التطرق إلى أبرز القضايا الاقتصادية العالمية، مثل الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية والحمائية التجارية. ولم يتفق القادة على خطوات جذرية لحل المشكلات الاقتصادية التي تواجه دول العالم وشعوبها، بل إنهم بالكاد ناقشوا قضايا عامة ومكررة، مثل تمكین المرأة وعدم المساواة، وأھداف التنمیة المستدامة، واستثمارات البنیة التحتیة العالمیة والصحة العالمیة، إضافة إلى قضایا البیئة والطاقة والمناخ. وجاء التراجع الدولي لدور المجموعة بتضمن بيان أوساكا اعترافاً بقرار الولايات المتحدة الانسحاب من اتفاقية باريس بشأن الحدِّ من انبعاثات الكربون التي تؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض.

فيما فاقت اللقاءاتٍ الثنائية أهمية القمة نفسها هذه المرة، ويمكن القول إن القمة انقسمت إلى سلسلة من الاجتماعات واللقاءات الثنائية، بشكل لا يمكن اعتبارها قمة "مجموعة العشرين" فعلياً. وذلك لأن التركيز الدبلوماسي والإعلامي انصبّ على الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ولقاءاته واجتماعاته مع زعماء آخرين، وهو ما يتسق مع رغباته، وهو الذي لا يقيم وزناً للقمم والاجتماعات متعدّدة الأطراف، ولذلك حوّل ترامب، بوصفه زعيم الدولة الأعظم في العالم، القمة إلى مناسبة لخدمة أجندته وأهدافه، واستخدمها من أجل علاقاته العامة، ليجيّر ذلك كله خدمة لحساباته الداخلية الأميركية، وخصوصا استعدادته لخوض حملته للانتخابات الرئاسية المقبلة.

إذاً، تركز الاهتمام على لقاءات ترامب مع كل من نظيره الصيني، شي جين بينغ، للحصول على تنازلات من الصين؛ ومع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، كي يسير في قطار التطبيع مع روسيا، ومع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، بهدف تحقيق ما لم يتمكن رؤساء الولايات المتحدة السابقون من تحقيقه معها، بوصفه أول رئيس أميركي تطأ قدماه أرض كوريا الشمالية، رفقة كيم، ومن المنطقة معزولة السلاح بين الكوريتين.

 

والواقع أن قمة أوساكا انتهت إلى تفاهمات واتفاقات مهمة ومرضية لأطرافها الثنائية، أبرزها اجتماع الرئيسين، الأميركي والصيني، فقد نتج منه تفاهم على إعادة البدء في المحادثات التجارية بين بلديهما، بعد فترة من احتدام الحرب التجارية، شهدت فرض مزيد من القيود والضرائب الأميركية على الصادرات الصينية، إضافة إلى رفع الحظر الأميركي على عملاق التكنولوجيا الصيني "هواوي"، والسماح ببيع هواتفه الذكية في الولايات المتحدة. ولكن ذلك لا يعني سوى اتفاق بين خصمين تجاريين على تأجيل تطبيق الرسوم الجديدة، التي هي أقرب إلى عقوبات أميركية على الشركات الصينية. وبالتالي، إذا كان لقاء الزعيمين الأميركي والصيني قد حقق نجاحاً قصير الأجل، فإنه لم يلغِ الحواجز الأميركية أمام التجارة مع الصين، تلك التي أدخلها ترامب نفسه، وبالتالي يمكن القول إن الاتفاق الأميركي الصيني قد خفّف من حدّة الحرب التجارية بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، إلا أن الوصول إلى اتفاق يرضي الطرفين يتوقف على النتائج التي ستأتي بها المفاوضات التجارية التي ستجرى بين واشنطن وبكين.

لكن اللافت أن ما روّجته دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة عن العولمة وحرية التجارة والقرية الكونية بات من مخلفات الماضي، بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض، إذ فور  وصوله إليه، أعلن عن أوسع زيادة للرسوم الجمركية على السلع الأجنبية منذ عقود. ولم يقتصر ذلك على السلع الصينية وحسب، بل شمل أيضاً السلع والبضائع الأوروبية والكندية والروسية والمكسيكية واليابانية والكورية وغيرها، الأمر الذي جعل شبح الحمائية التجارية يخيم على الاقتصاد العالمي، بعكس ما جرى ترويجه في القمم السابقة بشأن حرية التجارة. ..وهو ما يراه خبراء أنه فشل على مستوى القمة متعددة الطراف التي لم ترق قراراتها لطموحات الدول ، بل واللقاءات الثنائية الناجحة...

 

.

Share:
دلالات: قمة العشرين
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة