هندسة المشهد اليمني ومستقبل الحل النهائي في ضوء اتفاق "ستوكهولم"

 هندسة المشهد اليمني ومستقبل الحل النهائي في ضوء اتفاق "ستوكهولم"

 

في ضوء تصور أن السعودية ربما ترغب في الخروج من ورطة حرب اليمن، كأحد تداعيات فضيحة خاشقجي، وتصور أن الحوثيين بدورهم يرغبون في توقيع اتفاق سلام وتهدئة بعدما تكبدوا خسائر باهظة بسبب القصف المستمر والعشوائي لطائرات التحالف العربي بقيادة السعودية، جاء اتفاق ستوكهولم في السويد الذي رعته الامم المتحدة كنقطة ضوء في اخر النفق المظلم.

وبرغم أن الاتفاق ليس اتفاق سلام شامل بين القوي المتحاربة، وإنما اتفاق لوقف إطلاق النار في منطقة "الحديدة" التي تعتبر نقطة التماس بين القوات البرية للطرفين، إلا أن الأمال كانت معقودة على هذا الاتفاق كي يكون مقدمة وخطوة أولي نحو اتفاق سلام شامل مستقبلا.

لهذا جاء فشل هذا الاتفاق والاتهامات المتبادلة بخرقه خصوصا من جانب الحوثيين، ليكشف ليس فقط صعوبة الخروج من المستنقع اليمني، وإنما حجم التدخلات الاجنبية في حرب اليمن، تماما مثل حرب سوريا، بما يجعل قرار وضع الحرب اوزارها ليس قرار اليمنيين وإنما القوي الاقليمية والدولية المتورطة في الحرب هناك والتي حولتها الي حرب تصارع نفوذ دولية.

فالاتفاق بشأن مدينة "الحديدة" غربي اليمن بين الحكومة اليمنية والمتمردين الحوثيين كان يتضمن وقفا كاملا لإطلاق النار وانسحابا عسكريا لكافة القوات من المدينة والميناء، وأن تقوم الأمم المتحدة بتولي دور "مراقبة الميناء"، بينما ستشرف قوى محلية على النظام في المدينة.

لذلك اعتبره وزير الخارجية اليمني خالد اليماني "إنجاز لأنه يتضمن قبول الحوثيين بالانسحاب للمرة الأولى منذ الانقلاب على الحكومة الشرعية قبل أكثر من 4 سنوات من مدينة الحديدة ومينائها"، ولكنه أعتبر أن "المدينة ستعود بذلك إلى السلطات الشرعية"، وهو ما يرفض الحوثيون.

أيضا نص الاتفاق على انسحاب الميليشيات من موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى إلى شمال طريق صنعاء، وأن تودع جميع إيرادات موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى في البنك المركزي اليمني من خلال فرعه الموجود في الحديدة للمساهمة في دفع مرتبات موظفي الخدمة المدنية بمحافظة الحديدة وجميع أنحاء اليمن.

وتحيط القوات الحكومية حاليّاً بالأطراف الشرقية والشمالية الشرقية لمدينة الحديدة، على بُعد 4 كلم فقط من الميناء وعلى طول الطريق المباشر إلى صنعاء، في حين تحتفظ قوات الحوثي بغالبية المناطق الحضرية والميناء، حيث تقيم أعداداً كبيرة من الخنادق والحواجز وحقول الألغام داخل المدينة.

لهذا وجهت اتهامات للمتمردين الحوثيين بالسعي لتخريب اتفاق وقف إطلاق النار، باعتبار أنهم متفوقون عسكريا بينما انسحابهم يجعل الطريق الي صنعاء مفتوحا حال انهيار اتفاق وقف إطلاق النار وهو امر متوقع.

فبعد أيام قليلة على توقيع اتفاقية ستوكهولم لوقف إطلاق النار في 14 ديسمبر 2018، وبدء سريان وقف إطلاق النار في محافظة الحديدة، خرق الحوثيون، العديد من بنود وقف إطلاق النار، وارتكبوا انتهاكات شتى شملت شن أكثر من 300 هجوم وعسكرة مناطق حضرية واسعة، فضلًا عن الإخفاق في الانسحاب وفقًا للمواعيد المحددة من الأمم المتحدة، ما قد يشير لعدم رغبة ايرانية في الانسحاب.

ويشير تقرير موقع "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"، 8 يناير 2019، إلى أنه "برزت أدلة تستند إلى طائرات مراقبة حديثة، ورادارات، توفر إحداثيات دقيقة للأمم المتحدة، وأوقاتًا وتفاصيل أخرى، حول الكثير من الانتهاكات الحوثية لاتفاقية ستوكهولم، منها شن الحوثيون 313 هجومًا ما بين 18 ديسمبر و2 يناير ما تسبب بمقتل 25 شخصًا وإصابة 197 بجروح في صفوف القوات اليمنية".

أيضا قام الحوثيون بقصف القوات الحكومية وقوات التحالف بقذائف هاون ثقيلة 95 مرة اعتبارًا من 2 يناير بالإضافة إلى 21 هجومًا بصواريخ كاتيوشيا و4 هجمات بمدافع من طراز هواترز، كما استخدم الحوثيون صواريخ مدفعية ثقيلة من نوع (بدر 1) ضد مقرات التحالف في 21 ديسمبر، بخلاف 55 هجومًا باستخدام رشاشات ثقيلة من عيار (14.5) ملم و(12.7) ملم، وكذلك 20 هجومًا باستخدام القنابل المتفجرة، و8 صواريخ مدفعية مضادة للطائرات، و4 هجمات باستخدام بنادق من طراز (B1)، وكذلك 76 هجومًا باستخدام أسلحة القنص.

وبهذه المعلومات الأممية، يكون الحوثيون قد انتهكوا وقف إطلاق النار بمعدل 19,5 هجومًا في اليوم الواحد اعتبارًا من 2 يناير وفي المقابل، لم يقم التحالف بأي هجوم باستخدام المدفعية أو الطائرات في الحديدة بعد 18 ديسمبر ما يعني أن التحالف قد حافظ على وقف إطلاق النار.

بل واستغل الحوثيون فترة وقف إطلاق النار من أجل زيادة عدد تحصيناتهم بشكل كبير في مدينة الحديدة، بالمخالفة لبنود اتفاقية ستوكهولم والقرار رقم 2451 للأمم المتحدة كما قاموا بنصب حواجز متعددة داخل المدينة، باستخدام حاويات شحن.

لذلك يتوقع مراقبون ألا ينسحب التحالف من طريق الحديدة – صنعاء قبل مغادرة الحوثيين الموانئ والمدينة، أو يلتزم بدوره ببنود الاتفاق ما يعني انهيار فرصة السلام وتوقع استمرار الصراع الذي تديره أطراف دولية.

التزامات وقف إطلاق النار التي لم تُنفذ

تنص اتفاقية ستوكهولم وقرار مجلس الأمن اللاحق رقم 2451 على أن ينفذ الطرفان ما يلي:

1-    وقف إطلاق النار اعتبارًا من 18 ديسمبر 2018 في محافظة الحديدة.

2-    الانسحاب الحوثي من موانئ البحر الأحمر حيث نص قرار الأمم المتحدة على وجوب انسحاب الحوثيين من موانئ الحديدة، والصليف، ورأس عيسى، بحلول 1 يناير 2019، وهو ما لم يحدث، فقد قامت إحدى ميليشيات الحوثي بمغادرة الحديدة في 29 ديسمبر ولكن أحد مقاطع الفيديو أظهر أن الكثير من المقاتلين ظلوا في المكان مرتدين زيًا عسكريًا لخفر السواحل، حلوا محل قوات ما قبل الحرب، المستمدة من السكان المحليين.

3-     إعادة انتشار متبادل خارج مدينة الحديدة، حيث دعا قرار الأمم المتحدة إلى انسحاب القوات إلى المناطق المتفق عليها خارج المدينة بحلول 8 يناير، وكذلك "التعهد بعدم جلب أي تعزيزات" إلى الموانئ أو المدينة أو المحافظة، ومعني هذا أنه سيُطلب من القوات الحكومية اليمنية إعادة الانتشار جنوب طريق الحديدة – صنعاء خلال فترة غير محددة، وكذلك التخلي عن نقاط عسكرية في مناطق الكيلو 8 و10 و16 على التقاطعات شمال شرقي المدينة.

4-     إزالة التحصينات، حيث يدعو القرار إلى "الالتزام بإزالة أي مظاهر عسكرية من المدينة"، دون الإشارة إلى تواريخ محددة، وحتى هذه اللحظة، تشير الصور الملتقطة إلى أن عدد التحصينات العسكرية الحوثية قد زاد بنسبة 57% في الفترة الواقعة ما بين 18 ديسمبر و2 يناير.

سيناريوهات المستقبل

تدرك قوات الحوثي وإيران أن اجتياح قوات التحالف العربي للحديدة سيقصم ظهر الحوثيين وقد يكون بداية النهاية للشوكة التي غرستها إيران في خاصرة الجزيرة العربية، إذ أن الطريق لصنعاء يبدأ من المحافظة التي تحتضن ميناءين استراتيجيين على البحر الأحمر وسيطرة قوات التحالف عليها قد تقلب موازين القوى غير أن الطريق نحو السيناريوهات المحتملة لمستقبل اليمن في مرحلة ما بعد التحرير من قبضة الحوثى ليس مفروشاً بالرمال.

وفي ظل انهيار اتفاق وقف إطلاق النار وعدم تنفيذه، وتشابك المصالح الايرانية في اليمن مع المصالح السعودية والغربية، ورغبة طهران في استمرار اليمن كشوكة في خاصرة السعوديين خصوصا في ظل الضغوط الامريكية الحالية علي طهران والسعي لتشكيل الناتو العربي، وكذا عودة "بن سلمان" لشم نفسه بعدما انتهت فضيحة خاشقجي للاشئ، يمكن توقع السيناريوهات التالية:

(أولا): لأنه ليس من مصلحة الحوثيين الانسحاب من الحديدة وهم متفوقون عسكريا، ولأنهم يحاربون بطريقة "حرب العصابات"، والتخندق في تحصينات وزرع الالغام التي تُكبد القوات المهاجمة خسائر كبيرة، وهو نفس الهدف الايراني في ضوء رغبة طهران في استخدام اوراق ضغط على امريكا والسعودية منها الورقة اليمنية، فمن المتوقع ألا يحظى اتفاق وقف إطلاق النار بجدية في التطبيق وينهار، وتعود المعارك مرة اخري الي الحديدة، ويستمر مسلسل القتل الذي لا يهم الحوثيين خسائرهم فيه بقدر ما يهم السعوديين والاماراتيين.

(ثانيا): ستسعى قوات التحالف العربي الي حسم المعركة في الحديدة لأن هذا معناه إضعاف قوة الحوثى وتعبيد الطريق نحو تحرير محافظات متاخمة لها من بينها "ريمة" و"المحويت" و"حجة"، ولو ضمن التحالف السيطرة على محافظة الحديدة سيكون قد قطع كافة الإمدادات العسكرية للمليشيا القادمة الى تعز من الجهة الغربية، كما سيتيح تنظيف الساحل الغربي من البحر الأحمر والساحل اليمني وإغلاقه بشكل نهائي أمام أنصار الله (الحوثيين) والذين سارعوا في مد نفوذهم إليه عقب استيلائهم على صنعاء في 21 سبتمبر 2014.

فضلاً عن أن السيطرة على الميناء ستجفف مصدراً هاما من مصادر تمويل المليشيا والتي طالما اعتمدت عليها الحركة وهو جمع الضرائب واستخدامها في عملياتها العسكرية، إلى جانب كون الميناء قد سمح لهم باستخدام المواد الغذائية والوقود الذي يتم استيرادهما من خلاله كورقة ضغط على المدنيين للإذعان لمطالب الجماعة حيث تمر عبره أكثر من 90% من المساعدات والمعونات التي تشرف عليها منظمات الأمم المتحدة.

كما ستسعي قوات التحالف العربي للاستعانة بالمزيد من القوات السودانية وربما المصرية لتحقيق أي نصر بري يسمح لها بالتقدم نحو صنعاء لإجبار الحوثيين على الجلوس على مائدة التفاوض، وجاءت الانتفاضة السودانية ضد الرئيس عمر البشير واعترافه بان عدة دول منها السعودية والامارات قدمت له دعما ماليا وغذائيا لحل ازمة الخبز والتغلب على المظاهرات، لتشير ضمنا لرغبة التحالف في الحصول علي المزيد من القوات البرية مقابل دعم ومساعدات مالية سعودية للسودان، والامر نفسه قد يتحقق بنسبة لمصر حال ضاقت الاوضاع الاقتصادية سوءا ورغب السيسي في استبدال هذا الدعم العسكري في اليمن بمقابل مالي.

(ثالثا): لأن الصراع سيزداد سخونة في الايام المقبلة بين واشنطن وطهران مع توقيع المزيد من العقوبات الامريكية والسعي لمنع إيران من تصدير أي نفط للخارج، سيكون من المتوقع أن تلجأ طهران للتمسك بموقفها في اليمن، في ظل حاجة الحوثيين للسلاح لمواصلة المعارك وأغلبه يأتي من إيران، بل وقد تدفع إيران الحوثيين لزيادة تهديداتهم للقطع البحرية الامريكية والخليجية والمصرية في مياه خليج عدن والبحر الاحمر، ضمن سياسة عض الاصابع كي يتراجع الغرب عن العقوبات مقابل قبول إيران تسوية في اليمن.

فقد ادخل الانسحاب الامريكي من الاتفاق النووي مع إيران وعودة العقوبات، "الحديدة" الي قلب العاصفة ومهد الطريق أمام قوات التحالف لانتزاع ضوء أخضر من المجتمع الدولي لبدء المعركة المنتظرة عقب تهديد الحوثيين للملاحة الدولية باستهداف سفن التجارة وناقلات النفط في البحر الأحمر، لذلك ستحاول طهران عرقلة أي انتصار سعودي اماراتي أمريكي هناك.

(رابعا): التسوية السياسية، إذ تراهن قوات التحالف على أن الاستيلاء على الميناء سوف يجبر الحوثيين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات لكن واقع الأحداث يؤشر إلى أن هذا التصور أشبه بالتعلق بحبال الوهم، بدليل إفشال الحوثيين اتفاق وقف اطلاق النار الاخير، وكذا فشل كل المساعي والمبادرات السياسية التي  بذلت لإنقاذ ما تبقى من اليمن وتمثلت في مؤتمر الرياض في مايو 2015 ومؤتمر جنيف في يونيو من نفس العام وجولات مسقط وغيرها، والتي أسدل الحوثيين الستار عليها جميعاً بإعلانهم أنهم لن يقبلوا حلا سياسيا يتضمن وجود الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي.

(خامسا): هذا السيناريو قد يكون هو الاخير المقبول لدي الحوثيين، ويتعلق بتسوية سياسية تبقي الحوثيين قوة عسكرية، على غرار "حزب الله" في لبنان، وهو اشبه باستدعاء لاتفاق الطائف (1989م) بين الفصائل اللبنانية والذي سمح ببقاء سلاح حزب الله.

هذا السيناريو الذي يطرحه بعض المعلقين يستند الي رفض الحوثيين كل اتفاقات السلام التي عرضت عليهم حتى الان، والي حقيقة أن جماعة الحوثي سترفض الخروج مجددا من المشهد اليمنى، كما أن تاريخ الحركة الحوثية لم يشهد أي تنازلات سياسية أو عسكرية إلا بالقوة.

لكن هذا السيناريو يحمل مخاطر جمة على أمن الخليج والمنطقة، لأن بقاء التنظيم بسلاحه معناه أن تحول العلاقة بينهم وبين السعوديين على الحدود الجنوبية الي ما يشبه العلاقة بين حزب الله ودولة الاحتلال الاسرائيلي حاليا، ويظل لهم دور في توجيه دفة اليمن وفكرة الثلث المعطل كما حدث مع حزب الله في لبنان، وتهديد الخليج ككل، لهذا يصعب تقبل السعودية لهذا الحل إلا لو تعرضت لاستنزاف كبير يدفعها للقبول بأي حل.

 

 

 

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة