إرهاب اليمين المتطرف.. الحقائق والتحرك المطلوب

 


إرهاب اليمين المتطرف.. الحقائق والتحرك المطلوب

 

كتب ـ حازم عبد الرحمن:

 

لفتت مجزرة مسجدي نيوزيلندا التي كان ضحيتها 50 شهيدا مسلما ومثلهم من الجرحى أنظار العالم إلى خطورة الإرهاب اليميني المتطرف المتصاعد في الغرب, والذي تسنده أحزاب سياسية, ووسائل إعلام يمتلكها ويديرها متطرفون صهاينة ومسيحيون.

 

وتوالت ردود الأفعال على الحادث الإرهابي لتكشف عمق الأزمة التي يمر بها العالم تجاه اليمين المتطرف وجرائمه العنصرية ضد الآخر.

 

ورصدت صحيفة "الجارديان" البريطانية في تقرير لها بعنوان "تزايد جرائم معاداة الإسلام في بريطانيا بعد إطلاق النار في مسجدين بمدينة كرايست تشيرتش" زيادة معدل جرائم معاداة المسلمين المبلغ عنها عبر البلاد زاد خلال الأسبوع الماضي بمعدل 593 في المائة بعدما قام متعصب بإطلاق النار على المصلين في مسجدين في نيوزيلاندا.

 

وذكر التقرير أنه حسب الإحصاء الذي أصدرته منظمة "أخبر ماما" لمراقبة حقوق الإنسان فإن نسبة الزيادة في معدلات جرائم معاداة الإسلام قد زادت خلال الأسبوع الذي تلا هجوم كرايست تشيرتش بما يفوق معدلها خلال الأسبوع الذي تبع هجمات مدينة مانشستر عام 2017.

 

ووفقا للمنظمة، فإن 89 في المائة من البلاغات التي تلقتها في الفترة بين 15-21 مارس كانت مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بهجوم كرايست تشيرتش، بما في ذلك ترديد عبارات ساخرة تحوي ألفاظا موحية بإطلاق الرصاص على المسلمين."1"

 

وفي الدانمرك قام "راسموس بالودان" رئيس حزب "تشديد الاتجاه" اليميني المتطرف بحرق نسخ من القرآن الكريم ونفّذ مع أنصاره جريمتهم في مكان يبعد مسافة 100 متر عن الساحة التي أدى بها المسلمون صلاتهم, بذريعة الاحتجاج على أداء صلاة الجمعة، أمام مبنى البرلمان الدنماركي.

وكان أداء صلاة الجمعة في هذا المكان بهدف التعبير عن تنديدهم بمجزرة المسجدين في نيوزيلندا, كما أنهم حصلوا على التصاريح القانونية اللازمة، إلا أن المجموعة اليمينية حاولت عرقلة الصلاة من خلال إحداث ضجيج بواسطة أبواق هوائية.

 

وأفادت وكالة "الأناضول" بأن النائب البرلماني عن حزب الشعب الجمهوري اليميني المتطرف، مارتن هنريكسن، حاول أيضا استفزاز المسلمين المتجمعين أمام البرلمان, وتجوّل في الساحة المخصصة للصلاة وتحرش لفظيا بالمجتمعين.

 

وفي وقت سابق، أعلنت رئيسة البرلمان، بيا كيرسجارد معارضتها أداء صلاة الجمعة أمام مبنى البرلمان."2"

 

*خريطة التطرف اليميني في أوربا:

 

وتفيد قراء خريطة التطرف اليميني في أوربا في فهم الظاهرة واستشراف مستقبلها, وآثارها الخطيرة, حيث تؤكد نتائج الانتخابات الأخيرة في أوربا تصاعد مكاسب الأحزاب اليمينية المتطرفة, فهي 29% في سويسرا, و17% في إيطاليا, و21% في الدانمرك, و19% في المجر,  و17% في السويد, و13% في فرنسا, و13% في هولندا, و11% في التشيك, و12% في ألمانيا .

وفي كندا قالت الباحثة باربرا بيري بجامعة أونتاريو إنها لاحظت ارتفاعا بنسبة (20ـ 25%) بين عامي 2015 و2018 في عدد الجماعات اليمينية المتطرفة النشطة في كندا "3".

وأكدت دراسة لجامعة "زيورخ", صدرت العام الماضي أن الصحف السويسرية تنقل صورة سلبية عن المسلمين.

وكشفت عن أن أكثر من نصف الموضوعات المتعلقة بالمسلمين في الصحف السويسرية تنقل أخبارًا سلبية عن المسلمين، من دون إتاحة فرصة للرد, ولم تحظ موضوعات مثل الاندماج الناجح وسير الحياة اليومية للمسلمين إلا بتغطية هامشية لم تتجاوز 2٪ من إجمالي المقالات التي تغطي تلك المجالات، وفق ما نقله موقع هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية (حكومية)."4"

 

*تصاعد الكراهية في أمريكا:

 

وفي الولايات المتحدة يتصاعد المد اليميني المتطرف, ويلقى تشجيعا ودعما جعل عددا من الباحثين بجامعة جورج واشنطن يقارنون بين التطرف اليميني وتطرف ما يسمى "داعش" على الإنترنت ووصلوا إلى نتيجة أن "نمو الحركات القومية البيضاء" يفوق "داعش" بكل المقاييس, وأن تفوق العرق الأبيض هو فكر عنصري يعني أن ذوي هذا العرق هم السادة فقط بين البشر.

وفي دراسة بعنوان "مسلمو أمريكا ومكافحة الإرهاب: إحصاءات وممارسات" يرصد علاء عادل ممارسات التمييز ضد المسلمين في الولايات المتحدة, ويؤكد أنها أكثر من أن تُحصى مثل تصوير مشاهد دعائية تتهم الإسلام بالإرهاب

وتظهر باعتبارها "جدول الأعمال الحقيقي" للإسلام في أمريكا، ومنها جزء من فيلم "الجهاد الثالث" الذي عرضته شرطة نيويورك كجزء من تدريب آلاف الضباط.

 

كما عقد عضو الكونجرس الجمهوري بيتر كينج جلسات استماع وصفها المجلس الإسلامي بـ"المشينة" حول "تطرف" الجالية المسلمة، وادعى صراحةً بأنه "لا يوجد (أمريكيون) مسلمون يتعاونون في الحرب على الإرهاب"، وأن "80 – 85 ٪ من المساجد في هذا البلد تخضع لسيطرة الإسلاميين الأصوليين".

 

وكشفت وثائق من شرطة نيويورك عن خطة واسعة النطاق لعمليات تجسس على المساجد الشيعية في شمال شرقي البلاد. كما شارك مكتب التحقيقات الفيدرالي في مراقبة مماثلة على الصعيد الوطني (وكلاهما غير قانوني) تحت ستار برنامج التواصل مع المساجد، وهي الممارسات التي دعمها دونالد ترامب علنًا.

 

و ضغطت حركة مناهضة المسلمين في أمريكا من أجل سن قوانين مناهضة للشريعة في حوالي 23 ولاية، وساعدت في تأجيج احتجاجات ضد المساجد في أكثر من 50 مجتمعًا وأنفقت المجموعات المشاركة في حملة “أوقفوا أسلمة أمريكا” 43 مليون دولار لإقناع الجمهور بأن العنف والقمع متأصلان في الإسلام الذي تهدف مبادئه إلى تقويض الدستور..

 

وارتفعت حوادث الكراهية ضد المسلمين الأمريكيين في الفترة من 2016 إلى 2017 بنسبة 15%، بحسب باحثين في مجلس العلاقات الأمريكية-الإسلامية, وأكثر الإحصاءات إثارة للقلق تلك المتعلقة بعدد الحوادث التي حرضت عليها الوكالات الحكومية: ارتفع من 540 حادثا في عام 2016 إلى 919 حادثًا في عام 2017، بما يمثل 35٪ من مجمل حوادث التحيز ضد المسلمين.

 

 

* الموقف من صعود اليمين المتطرف:

 

وحول صعود اليمين المتطرف في الغرب يمكن رصد عدد من الحقائق منها:

ـ تركيز الغرب على خطر ما أسماه الإرهاب الإسلامي, تقوده في ذلك أسباب تتعلق برغبته في السيطرة على مناطق استراتيجية في العالم الإسلامي, ومسايرة العالم ذلك, مع تجاهل مخاطر إرهاب اليمين المتطرف في أوربا وأمريكا     

ـ تبني الحكومات الغربية ـ في أحيان كثيرة ـ توجهات ضد العرب والمسلمين المقيمين على أراضيها.

ـ تبني وسائل إعلام غربية روحا معادية للآخر .

ـ مزايدة الدكتاتوريات العربية على الغرب في تضخيم ما يسمونه "الإرهاب الإسلامي" وإعلانها المستمر أنها تواجه خطر الإرهاب ما أعطى مبررا باتهام الإسلام والمسلمين بالإرهاب.

ـ القضاء على دور المؤسسات الإسلامية في الدفاع عن الإسلام والرد على أعدائه, فقد تراجع دور الأزهر كثيرا في هذا الصدد بل إن الأزهر نفسه أصبح يتلقى الهجوم على مؤسسته وشيخه من الإعلام المصري وقائد الانقلاب, ومثل ذلك في السعودية, جرى اعتقال العلماء والدعاة والزج بهم في السجون, ووصفهم بالتطرف والإرهاب .

ـ غياب الحريات عن معظم الشعوب الإسلامية؛ مما أخلى الساحة من دفاع حقيقي عن الإسلام والمسلمين في الساحة الدولية, باستثناء دول قليلة مثل تركيا وماليزيا وباكستان. 

 

*التحرك لمواجهة اليمين المتطرف:

 

إزاء إرهاب اليمين المتطرف وتصاعد جرائمه ومخاطره, لا بد من التحرك على أسس ومبادئ نرى ضرورة اشتمالها على ما يلي:

ـ دور المسلمين المقيمين بالغرب في فتح نوافذ للتعبير عن مشكلاتهم وتصعيدها أمام الحكومات, والتواصل مع الجهات الرسمية, لتحقيق ذلك.

ـ التحرك الجماعي للدول والهيئات الإسلامية لطرح مخاوفها من تهديدات اليمين المتطرف وجرائمه.

ـ الدور الشعبي المستقل عن الحكومات في الدفاع عن الإسلام والمسلمين .

 ـ دور الإعلام المستقل الذي لا يخضع للمواءمات السياسية, ويدافع عن قضايا المسلمين في الغرب, ويكشف عن جرائم اليمين المتطرف , ويحشد الرأي العام العالمي ضده.

ـ تحرر الشعوب العربية والمسلمة من استبداد دكتاتورياتها, لوقف التحريض على مسلمي الغرب كما حدث في خطاب عبد الفتاح السيسي الذي طالب الغرب بمراقبة المساجد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

.

1 ـ :القدس العربي رابط  https://bit.ly/2HOpKgp

2 ـ عربي21 رابط  https://bit.ly/2FoLhcB

3ـ جريدة الأخبار المصرية  بتاريخ 24/3/2019

4ــ موقع "سويس إنفو" رابط  :  https://bit.ly/2TURXcD

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة