من 27 أكتوبر الى 2 نوفمبر 2017

 سد النهضة – حقيقة الأزمة

الخيارات المصرية
لم يكن الموقف الذي اتخذته القاهرة على لسان وزير الري عبد المعطي، بالتطور المفاجئ المغاير للأحداث، بل سبقه تصريح وزير الخارجية شكري في يونيو الماضي قائلاً: "إن مصر ليستْ راضيةً عن مسار المفاوضات مع إثيوبيا حول سد النهضة... والاجتماعات الأخيرة على المستوى الفني كانت صعبة" ، وتليمحه بوجود مسارات أخرى، ستقوم بها القاهرة في حالة استمرار مسار المفاوضات على هذا المنوال. وربما تتجه مسارات النظام الأخرى نحو تدويل القضية، لأنه الأقرب إلى الواقع، لاسيما مع محاولة السيسي الظهور والتسويق بكونه راعي السلام الإنساني، لذا يتعرض مسار التوجه نحو تبني الخيار المسلح، لسلبيات عديدة. ورغم ذلك، ربما يكون التدخل العسكري –كما يرى البعض- وسيلة فعالة للنظام لتدعيم شرعيته في الداخل، وتقريب وجهة نظره ربما مع وجهات نظر قادة المجلس العسكري، كما يمنحه فرصة لمزيد من الإجراءات التقشفية، التي تساعده في استمرار مشروعه الاقتصادي. فما هو سر الأزمة؟ وما هي مواقف الدول الثلاث منها؟ وماذا كان الموقف الخارجي منها؟ كل هذا ستحاول تلك الورقة الإجابة عنه في ضوء المتاح من المعلومات..
* التقرير الاستهلالي وتصاعد الأزمة..
تُعد المرحلة الحالية للمفاوضات هي الأعقد بين اجتماعات سد النهضة باعتبارها تحدد التفاصيل الفنية للمنهجية التي يستخدمها المكتب الاستشاري الفرنسي "بي آر إل" في تنفيذ الدراسات، حيث تشهد اجتماعات اللجنة الوطنية الثلاثية لدراسة آثار سد النهضة مناقشة ملاحظات الدول الثلاث على مسودة التقرير الاستهلالي للدراسات الفنية الخاصة بتقييم التأثيرات الهيدرولوجية والبيئية والاقتصادية للسد، والذي قُدم من المكتب الاستشاري الفرنسي أواخر مارس الماضي. وأوضح خلالهما خبراء الدول الثلاث مواقفها إزاء فهم الاستشاري للشروط المرجعية للدراسات مع مراجعة قائمة البيانات المطلوبة من قبل الاستشاري، حيث تم توافق الدول على الحزمة الأولى من البيانات الممكن تسليمها للاستشاري حالياً، وكذلك الآلية والمنهجية الخاصة بتبادل البيانات الخاصة بالاحتياجات المائية والكهرومائية والدراسات الفنية التي أعدها خبراء الدول الثلاث مع الاستشاري وتم التحقق من صحتها.
ومن ثمَّ فالموافقة المبدئية على تقارير المكتب الاستشاري المنوط به إنجاز الدراسات الفنية حول قضايا محددة بخصوص سد النهضة، ومن أهمها "أمان السد"، تعني في القانون الدولي أن هذه موافقة من حيث المبدأ، وليست نهائية. فمثلاً الموافقة المبدئية التي أعلنها رئيس الوزراء المصري على التقارير، تعني أنها قد تتغير مستقبلاً بعد استكمال كل التفاصيل النهائية حول المسائل الفنية العالقة، والتي تتمحور حول عوامل أمان السد، وبما تفضي إليها هذه التقارير، والملاحظات الفنية، والتي تحفظت عليها دولة إثيوبيا في ذات الوقت. واعتماد التقرير الاستهلالي من شأنه الدفع بعمل المكتب الاستشاري والسير قُدماً في إنهاء التقرير النهائي، والمقرر أن يتم الانتهاء منه خلال 11 شهر من انطلاق أعمال المكتب، والتي بدأت منتصف فبراير الماضي.
* آراء مُتفاوتة حول سبب تعثر المفاوضات الأخيرة..
- مصر.. سرَّب مصدر مصري رسمي مرتبط بسد النهضة أن مصر رفضت التعديلات التي طلبتها إثيوبيا لأنها لا تتفق مع المادة 5 من إعلان المبادئ. وتتضمن المادة 5 اتفاقاً على قواعد ملء السد الأول وتشغيله، فضلاً عن الفترة الزمنية المتوقعة لملء خزان السد بماء النيل. وتطالب مصر بأن تكون هذه الفترة من 7 إلى 10 سنوات، بينما تصر إثيوبيا على ثلاث سنوات كحد أقصى.
قالت الخارجية المصرية، مساء الثلاثاء، إن لديها خطة تحرك واضحة فى التعامل مع ملف سد النهضة تبدأ بـ"إشراك المجتمع الدولى بتفاصيل المفاوضات". جاء ذلك في تصريحات متلفزة أدلى بها أحمد أبوزيد، المتحدث باسم الخارجية بعد يوم من إعلان وزير الري المصري "تعثر" المفاوضات. وأوضح أبوزيد أن ملف سد النهضة يتحرك على مسارين أحدهما فني والآخر سياسي. وأشار إلى أن "المسار الفنى فى ملف النهضة أساسى ومهم لأنه من خلاله يتم إعداد الدراسات حول تأثير السد على دولتى المصب (مصر والسودان) والتوصل إلى نتائج تتوافق عليها الدول الثلاث فهو مسار لا غنى عنه وضرورى أن يصل إلى نهايته". وتابع: "وأي تعثر فيه يأتى بعده الدور السياسى لإزالة الخلافات وإظهار الإطار السياسى الحاكم لهذه العلاقة الثلاثية، لأنه يوجد اتفاق إطاري (الموقع في مارس 2015) يجمع الدول الثلاث". وحسب اتفاق الدول الثلاث في سبتمبر 2016، يُعد المكتب الاستشاري الفرنسي مسئولاً عن الملف الفني عن السد وآثاره وأضراره، إضافة إلى تحديد أنسب آلية لملء خزان السد والتشغيل.
ويجسد عمل المكتب الاستشاري الفرنسي التزاماً بأهم بنود اتفاق المبادئ الذي وقعه قادة الدول الثلاث، في مارس 2015، والذي يتضمن 10 مبادئ أساسية، تحفظ في مجملها الحقوق والمصالح المائية. ولفت المتحدث باسم الخارجية المصرية "نحن في مرحلة إشراك المجتمع الدولى فى معرفة التفاصيل، وأين تقع العثرات وسبب التعثر فى هذا الملف، ومن المسئول عن تعثر هذا المسار"، في إشارة إلى إثيوبيا. وأضاف: "تم تكليف السفارات المصرية فى الخارج لشرح ما وصلت إليه المفاوضات والمرونة التى تعاملت بها مصر فى هذا الملف على مدار الأشهر الأخيرة والتأكيد على أهمية الالتزام بالاتفاق الإطاري". وتابع: "ثم الانتقال إلى مرحلة التحرك السياسى التى تتطلب أن يمارس المجتمع الدولى الضغط على الأطراف التى تتسبب فى تعثر هذا الملف، وهناك اتصالات سياسية مباشرة بين مصر وإثيوبيا". وقال إن الجانبين بصدد عقد اللجنة العليا المشتركة بالقاهرة على مستوى رئيس الوزراء الإثيوبي (هيلي ماريام ديسالين)، والسيسى فى شهر ديسمبر المقبل، ستتيح الفرصة للحديث على مستوى القيادة السياسية".
ورأى الدكتور خالد أبوزيد الخبير الدولي في الموارد المائية والري، أنه لابد من الإفصاح عن طبيعة الخلافات التي شهدتها اجتماعات اللجنة الثلاثية لسد النهضة بالقاهرة يومي السبت والأحد الماضيين، مشيراً إلى أنه على الجانبين الأثيوبي والسوداني الإعلان عن أسباب عدم التوافق على التقرير الاستهلالي وذلك حتى يمكن الوقوف على منطقية الاعتراضات. وأوضح أنه يُفترض أن المكتب الاستشاري جهه دولية علمية محايدة، ولابد أن يتضح وجه الاعتراض على التقرير الاستهلالي، الذي يشرح منهجية الدراسة والأسس العلمية التي توضح الآثار السلبية للسد على دول المصب، مبينا أنه لايُمكن التحدث عن منطقية الاعتراضات؛ قبل أن يتم إيضاح طبيعتها ومدى توافقها مع القواعد العلمية التي تبنى عليها دراسات تقييم الآثار السلبية للسد.
- السودان.. وقعت السودان ومصر وإثيوبيا إعلاناً حول مشروع السد يوافق على بنائه ولكنه يدعو إلى إجراء دراسات فنية لحماية حصص المياه للدول الثلاث المشاطئة. وفي 22 سبتمبر 2014، اتفق خبراء من البلدان الثلاث على إجراء دراستين بشأن مشروع السد: أولهما عن أثر السد على حصص المياه في السودان ومصر، والثاني لدراسة الآثار الإيكولوجية والاقتصادية والاجتماعية للسد على السودان ومصر. وقال وزير الموارد المائية والرى والكهرباء السوداني معتز موسى أن السودان وإثيوبيا تقدمتا "بمقترحات بناءة وموضوعية" استناداً إلى الاتفاقات القائمة واقترحت مطالبة المستشارين بتقديم المزيد من الإيضاحات من أجل دفع المفاوضات قُدماً ولكن مصر رفضت.
وكشفت الخرطوم يوم الأحد 19 نوفمبر عن ظهور خلافات جديدة مع مصر حول نتائج تقرير الاستشاري الذي يتعلق بتأثير سد النهضة الإثيوبي. وصرح موسى بعد فشل اجتماع مع نظيريه المصري والإثيوبي لمناقشة نتائج تقرير عن آثار بناء السد الذي أعدته الشركة الفرنسية بأن "للسودان وإثيوبيا تحفظات على بعض النقاط الرئيسية في التقرير التشاوري الأولي حول الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لسد النهضة". وأضاف "في مقدمة هذه النقاط هناك بيانات أساسية تبدأ من خلالها أي دراسة حول تشغيل السد"، مشيراً إلى أن مصر لم توافق عليها وأبدت تحفظها. ورغم التأكيدات الإثيوبية بأن حصة مصر من مياه النيل الأزرق لن تتأثر خلال وبعد فترة التعبئة، فإن مصر لا تزال تعرب عن مخاوفها من أن إنتاج الطاقة من السد العالي سيتأثر بتخفيض حجم المياه في بحيرة ناصر عند بدء ملء خزان سد النهضة. وأكد الوزير مجدداً التزام السودان بالوسائل العلمية لحل كافة القضايا العالقة. كما جدد التزام بلاده باتفاق الخرطوم حول مبادئ سد النهضة الإثيوبية وقمة رؤساء الدول الثلاث فى مارس 2015.
هذا فيما صرح وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور يوم الثلاثاء 21 نوفمبر بأن مصر تتخوف من سد النهضة الإثيوبي لأنه "سيمكِّن السودان من استخدام كامل حصته في مياه نهر النيل التي كانت تمضي لمصر على سبيل "الدين" منذ عام 1959 ". وذكر في مقابلة تلفزيونية إن سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على مجرى النيل الأزرق يحقق للسودان مصالحه "لذا يقف السودان مع مصالحه، رغم أنه شدد مراراً أن حصة مصر في مياه النيل وفقا لاتفاقية 1959 بالنسبة له خط أحمر". وعزا غندور تخوفات مصر من السد إلى خسارتها نصيب السودان الذي كان يذهب إليها خارج اتفاقية مياه النيل كسلفة. وقال: "السودان لم يكن يستخدم كل نصيبه في مياه النيل وفق اتفاقية 1959، وسد النهضة يحفظ للسودان مياهه التي كانت تمضي لمصر في وقت الفيضان ويعطيها له في وقت الجفاف". ومنحت اتفاقية مياه النيل الموقعة بالقاهرة في نوفمبر 1959 مصر 55.5 مليار متر مكعب من إيرادات نهر النيل السنوية والسودان 18.5 مليار متر مكعب. لكن السودان لم يتمكن من استغلال حصته كاملة ووافق بمقتضى الاتفاقية على منح مصر سلفة مائية قدرها مليار ونصف المليار متر مكعب تنتهي عام 1977، كما أن تقارير فنية تشير إلى أنه منح مصر حوالي 5 مليارات متر مكعب أخرى بفعل تناقص السعة التخزينية لسدوده جراء تراكم الطمي.
وانتقد السفير السوداني في القاهرة عبد الحميد عبد الحميد تصريحات وزير الموارد المائية والري المصري قائلاً "إن رد فعل مصر بوقف المفاوضات يثير الشكوك حول مستقبلها". وأوضح أنه "على الرغم من أن البيان يخاطب الرأي العام المصري، إلا أنه يمهد الطريق أمام أعمال لن تجلب للقاهرة ولا الأطراف الأخرى المتفاوضة - أي خير". ونفى السفير السوداني قيام السودان بإدخال تعديلات على التقرير الاستهلالي كما جاء في بيان وزارة الموارد المائية والري المصرية، وقال: "لقد كانت مصر قد أضافت عدة مراجعات وتعديلات على التقرير منذ الاجتماع الأول، وليس السودان، وعلى عكس ما يعكسه البيان، عُقدت جميع الاجتماعات في جو ودي ومنسجم".
- إثيوبيا.. وقالت وزارة المياه والري والكهرباء في إثيوبيا في بيان نشرته على موقعها الرسمي على الانترنت: "على الرغم من أن الدول الثلاث تحاول التوصل إلى تفاهم مشترك، إلا أن مصر رفضت مرة أخرى مشروع التقرير الذي سيتم إرساله إلى شركة الاستشارات". هذا مع استمرار التأكيدات الإثيوبية بأن حصة مصر من مياه النيل الأزرق لن تتأثر خلال وبعد فترة التعبئة.
ومن ناحيتها، أفردت جريدة "تاديس" الأثيوبية تقرير حول تداعيات أزمة تعثر المفاوضات، من خلال تركيزها على السيناريوهات المحتملة، لتلك الأزمة، وهي "إما أن يتقبل المصريون تقرير اللجنة الثلاثية وتنتهى المشكلة، أو أن يتم التفاوض حول السد تحت مائدة حوار دولية تشترك فيها كل دول حوض النيل، أما الخيار الثالث فسيكون استخدام مصر للخيار العسكرى من خلال تفجير السد بالطائرات العسكرية أو إرسال فرق الصاعقة، وفى هذه الحالة فسيكون رد إثيوبيا مماثلاً من خلال إرسال طائراتها الحربية وقصف السد العالى وغيرها من الأماكن الحيوية" .
مواقف القوى الخارجية من سد النهضة..
منذ بداية الأزمة، من عدة أعوام، أبدت العديد من الدول مواقفها الواضحة تجاه سد النهضة، وكان أبرزها..
- المملكة العربية السعودية: حيث قال السفير أحمد أبو زيد، المتحدث باسم وزارة الخارجية في حديثه الأخير الأربعاء 15 نوفمبر، إن ملف سد النهضة كان محل نقاش بين وزير الخارجية المصري، سامح شكري، ونظيره السعودي عادل الجبير، موضحاً أن المملكة تتابع تطورات الملف وتتفهم الشواغل المصرية، لافتا إلى أن "الجبير" أكد تفهم السعودية محورية اتفاق المبادئ والقانون الدولي في هذا الشأن.
- ألمانيا: بنهاية أغسطس 2017، عرض وزير الخارجية الألماني زيجمار جابرييل، وساطة بلاده لحل أزمة سد النهضة بين دول حوض النيل، في أول تدخل أوروبي في الأزمة المستمرة منذ سنوات. وقال "زيجمار جابرييل" في مؤتمر صحفي، مع وزير الخارجية سامح شكري: "أي مشروعات في حوض النيل ينبغي أن تراعي المصالح المصرية، وألمانيا مستعدة للوساطة فيما يتعلق بذلك بين الأطراف المختلفة". والجدير بالذكر أن ألمانيا استضافت، في يونيو 2017، القمة الإفريقية الألمانية وتعهدت بزيادة استثماراتها في معظم الدول الإفريقية، ومنها إثيوبيا، حيث تساهم ألمانيا بحسب خبراء في المجالات التكنولوجية والإلكترونية، وتصدر إثيوبيا لألمانيا الزهور بملايين الدولارات.
- أمريكا: رغم أنها لم تعلن موقفاً رسمياً لها بالأزمة، إلا أنه في مارس الماضي، قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تخفيض المعونة الأمريكية، لأديس أبابا، معلناً تقليص المساعدات الخارجية للبرنامج الذي أعلن عنه الرئيس السابق باراك أوباما، في عام 2015 بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا بتقديم 7 مليارات دولار على مدى 5 سنوات لـ6 دول إفريقية من أجل إقامة مشروعات توليد للكهرباء، في الوقت الذي أعلنت فيه لإثيوبيا انتهاءها من 56% من أعمال البناء في سد النهضة.
- روسيا: في فبراير 2014، أكد وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف أن روسيا ستبذل كل جهد ممكن لإنهاء مشكلة موارد المياه في مصر، بالإضافة إلى ضرورة التوصل إلى اتفاقات مقبولة للطرفين في حل مشكلة المياه وسد النهضة، مشيراً إلى أن موسكو في الوقت نفسه تتابع عن كثب الجهود المصرية لحل هذه الأزمة وسنتدخل في الوقت المناسب.
- إيطاليا: تساههم شركة "ساليني إمبراليجيو" الإيطالية المختصة بتشييد السدود في المشروع، منذ عام 2011.
دول التمويل:
تعاني إثيوبيا من نقص في تمويل بناء سد النهضة، حيث أعلن مكتب تنسيق المشاركات الوطنية لبناء سد النهضة، فتم جمع 417 مليون بر إثيوبي "عملة" في الربع الأول من السنة الميزانية الراهنة، بعد أن كان المجلس يعتزم جمع 1.2 مليار بر من العائدات خلال هذا العام. وأضاف وفقا لوكالة الأنباء الإثيوبية، أنه في الربع الأول من هذا العام تم جمع 417 مليون بر من المستثمرين المحليين والأجانب، مطالباً بضرورة إعلان حالة تعبئة جماهيرية للمواطنين الإثيوبيين؛ لزيادة مشاركتهم في تمويل بناء السد، مع ضرورة بذل مزيد من الجهود من جانب الأفراد والمؤسسات لتغطية العجز.
وقد أجرى رئيس الوزراء الأثيوبي هيل ماريام دسالين الذي قام بزيارة رسمية إلى قطر، مناقشات مع المواطنين الإثيوبيين المقيمين في قطر؛ لحثهم على مواصلة دعم السد. وكانت أوضحت وكالة روسيا اليوم، أن المملكة العربية السعودية، احتجزت أكبر ممول لسد النهضة الإثيوبي رجل الأعمال السعودي المقيم في أثيوبيا محمد العمودي.
خيارات مصر في الأزمة:
* تفسير حديث السيسي الأخير..
أكد السيسي في حديثه يوم السبت 18 نوفمبر من كفر الشيخ، أنه لا مساس بحصة مصر من المياه، وذلك أثناء تعليقه عن سد النهضة الإثيوبي، قائلاً: "مياه مصر موضوع مفيش فيه كلام، وأنا بطمنكم ماحدش يقدر يمس ميّة مصر، اتكلمنا مع أشقائنا في السودان وإثيوبيا عن عدم المساس بالمياه، المياه حياة أو موت لشعبي".
من جانبها، تقول الدكتورة هبة البشبيشي، الخبيرة في الشأن الإفريقي، أن السيسي عندما تحدث عن أزمة سد النهضة وتبعاتها لم يقصد سوى السعى لبناء الثقة بين مصر والدول الإفريقية جميعها وإدخال أطراف أخرى إفريقية لحل الأزمة بشكل تام ونهائي. وأضافت أن مصر تنعم بعلاقات جيدة مع دولة أوغندا والسودان في وقت واحد، فمن الممكن إدخال تلك الأطراف لبناء علاقات جيدة وتبني وجهة النظر المصرية، مشيرة إلى ضرورة خلق تحالفات سياسية إفريقية دولية لتبني وجهة النظر المصرية في جميع القضايا وليس في أزمة سد النهضة فقط. وأكدت أن هناك نقاشا بشكل دائم بين مصر وإثيوبيا، وتعاوناً بصورة مباشرة، للنظر إلى احتياجات الدول الإفريقية، وكما تسعى الحكومة المصرية لحل تلك الأزمات والاحتياجات للتفاهم والتفاوض وحل الأزمة برمتها.
وفي السياق ذاته، يقول الدكتور هاني رسلان، رئيس برنامج دراسات السودان وحوض النيل بمركز الأهرام، أن البيان الذي أصدره مجلس الوزارء في هذا الشأن أكد أن أزمة السد قد تعثرت وهناك جهوداً سياسية لتجاوز تلك العقبة، وعلى مصر التطرق للتحركات الدبلوماسية والسياسية لتوعية المحيط الإقليمي والدولي، بخلاف إمكانية اللجوء إلى المسار القانوني إذا تعثر الأمر بشكل نهائي. .
سد النهضة وخيارات الدولة المصرية
الخيار العسكري
في نهاية فبراير/شباط الماضي، ذكرت إثيوبيا أن قواتها تعرضت لهجوم مسلح شنته حركة "قنبوت سبات "المعارضة والمحظورة ضد سد النهضة، بحسب مصادر سياسية وإعلان حكومي رسمي. فهل تتكرر مثل تلك الهجمات؟ وهل ثمة علاقة بينها وبين الخيار العسكري المطروح؟
يقول الخبير العسكري المصري واللواء المتقاعد طلعت مسلم "القوة العسكرية تستخدم في حل أي مشكلة عندما تقرر الدولة ذلك، وليست بالضرورة ضربة عسكرية ستوجه للسد، وهناك حلول عسكرية عديدة خلاف ذلك"، لكنه تحفظ على ذكرها. أما السفير المتقاعد إبراهيم يسري فيرى أن الضربة العسكرية "مستبعدة، لكن الحلول العسكرية كثيرة وتتعلق بحصار بحري وخلافه بحسب ما تقرره الدولة".
ووفق الخبير بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية عاطف السعداوي فإن المفاوضات كانت أحد المسارات، وتم اللجوء لها بالفعل منذ فترة طويلة وفشلت، أما الخيار العسكري والتهديد به مشكلة كبيرة لأن تداعياته أمام المجتمع الدولي سلبية في ظل تدهور أوضاع المنطقة. ويرى السعداوي أن خيار اللجوء للمجتمع الدولي والمنظمات الدولية والتحكيم الدولي "أصبح الخيار المطروح، وسيكون عمليا أقوى لمصر، وهو مسار إجباري وليس اختياريا لعدم قدرة المسارات الأخرى على تحقيق ذلك".
الحرب الباردة
حول هذا المسار، يؤكد السفير المتقاعد إبراهيم يسري -الذي شغل منصب المدير الأسبق لإدارة الاتفاقيات والمعاهدات الدولية بالخارجية المصرية- أهمية التحرك السريع في الملف القضائي الدولي وعدم التأخر، في ظل ما يراها حقوقا مصرية مائية يضرها السد.
وغير بعيد عن الرأي السابق، يقول الأكاديمي المصري جهاد عودة، المتخصص في العلاقات الدولية، إن مصر لديها خيار في أزمة سد النهضة بالتصعيد الدولي الدبلوماسي وتقديم شكاوى دولية للمجالس الأممية. ويشير عودة إلى الإعلان المصري عن تحركات دبلوماسية واسعة مصرية في إطار الضغوط والمناورات، مضيفا أنه من "الوارد أن تنجح وتصل لحلول وسط في الأزمة الحالية". من جهته، يرى الأكاديمي المصري المتخصص في القانون الدولي مساعد عبد العاطي أن إثيوبيا لم تلتزم بمبادئ قانونية في السد؛ أهمها الإخطار المسبق، فضلا عما تقوم به حاليا، وبالتالي يمكن لمصر أن تتقدم بشكوى للأمم المتحدة أومجلس الأمن، خاصة أن الدول الثلاث: مصر والسودان وإثيوبيا أعضاء بالأمم المتحدة.
وأضاف عبد العاطي في تصريحات متلفزة: "من صلاحيات مجلس الأمن إذا رأى أن نزاعا يهدد السلم الدولي أن يستدعي الأطراف المتنازعة لتسوية النزاع، أو يوصي بذهاب الدول الثلاث إلى التحكيم الدولي، وفي حال رفضت إثيوبيا ذلك سيكون الموقف المصري أقوى دوليا ويمكن الضغط عليها".
مصر وجنوب السودان..
شهد مقر المخابرات العامة المصرية، التوقيع على وثيقة "إعلان القاهرة" لتوحيد الحركة الشعبية لتحرير السودان، تحت رعاية عبد الفتاح السيسى، ونظيره الأوغندى يورى موسيفنى، وذلك فى إطار جهود دعم السلام ووقف الحرب فى جنوب السودان.
كانت القاهرة استضافت اجتماعاً خلال الفترة من 13 إلى 16 نوفمبر للحركة الشعبية لتحرير السودان بشقيها الحكومى ومجموعة القادة السابقين وتم التوقيع بمقر المخابرات العامة على وثيقة إعلان القاهرة. واتفقت الأطراف على أن تنسق المخابرات العامة مع الأطراف المعنية بمتابعة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، وتمثل الوثيقة مدخلاً أساسياً لعودة اللاجئين والنازحين إلى مناطقهم الأصلية، وأكد اللواء محمد الغبارى، مستشار أكاديمية ناصر العسكرية، أن توحيد الحركة الشعبية بجنوب السودان يحقق الاستقرار فى المنطقة ويخدم المصالح الاستراتيجية لمصر، خاصة مصالحها فى مياه النيل. وقال: إن جمع الفرقاء فى جنوب السودان يخدم مصالح مصر حيث يمر النيل على الجنوب قادماً من أوغندا، ولذلك توحيد الجهود المصرية- الأوغندية فى هذا الشأن يأتى فى خدمة مصالح القاهرة.

* الحرب كوسيلة لحماية الأمن القومي:
في الربع الأول من العام الجاري، ظهرت تقارير وأخبار عن تأسيس قاعدة عسكرية مصرية على أرض إريتريا، وجاء الهدف المباشر منها، سعي النظام وعزمه توجيه ضربة عسكرية للسد الإثيوبي، كورقة ضغط علي الأخيرة في حالة قررت تفريغ المفاوضات من جدواها، ثم جاءت تصريحات وزير الخارجية شكري، بوجود خطة بديلة ومسارات أخرى، ستقوم بها الدولة في حالة استمرار إثيوبيا، على أسلوبها في تعقيد المفاوضات، بهدف إتاحة الوقت لاستكمال السد، وعليه ربما يتجه النظام للتصعيد العسكري ضد إثيوبيا، لاسيما بعد تصريح السيسي، بأنه لن يسمح لأحد بأن يحصل على حقوق المياه الخاصة بالمصريين، وهو الأمر الذي نشر عنه منذ فترة موقع "ميدل إيست مونيتور" نقل عن مصادر استخبارتية وأمنية سودانية، قولها: إن "هناك حالة استنفار من قِبَل القوات العسكرية في السودان وإثيوبيا على حدود البلدين؛ لوصول أنباء لها باستعداد مصر للقيام بهجوم محتمل على سد النهضة في إثيوبيا". التقرير قال: إن الجيشَيْن الإثيوبي والسوداني وصلتْ لهما تحذيرات بأن مصر لديها الإمكانية لضرب السد من مسافة تصل إلى 1500 كيلو متر، بعد تزويدها بـ 24 طائرة حربية من طراز "رافال" الفرنسية. الإثيوبيون نشروا على الفور صواريخ طويلة المدى حول السد، بينما أعلنت القوات السودانية حالة التأهب العسكري .
والجدير بالذكر، أن حادثة الهجوم على السد، التي قادها مسلحون تابعون للمعارضة، لاسيما وأن القاهرة، ترعي جبهة الأرومو، وهو ما أعلنته رسمياً إثيوبيا، واتهمت به القاهرة. لذا لا يستبعد هذا المسار، لاسيما أنه يحقق جملة من الأهداف السياسية للنظام، والتي ذكرناها مسبقاً.
* استثمارات الجيش لا تتوقف:
استطاعت القوات المسلحة الاشتراك، بل والسيطرة على معظم مناحي الحياة بصورة شبه كلية، مذ جاء انقلاب 3 يوليو 2017، حيث تحاول تعزيز امبراطوريتها الاقتصادية من ناحية، وكذا حماية نفوذها في النظام السياسي الكلي، في حالة حدوث اضطراب أو تغيير من ناحية أخرى. وجاء تصريح رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، بعزم الجيش تأسيس أكبر محطة تحلية مياة في العالم، بأنه تصريح يشير إلى عدة دلالات، يأتي في مقدمتها، استسلام مصر لإثيوبيا، ويأسها من تبني أى مسارات لحماية أمنها القومي، والتوجه نحو البحث عن بدائل، وبعيداً عن جدوى هذا المشروع في توفير بديل لنهر النيل، فإنه يشير على الجانب الآخر، إلى رغبة الجيش في الاستثمار في هذا الاتجاه، مما يجعل أى تحرك مستقبلي تغييري، لا يراعي موازين القوى، ومقدرات الجيش، في خانة المحكومة عليه بالفشل الحتمي، لو جاء ضد رغبتها، لقدرتها على إثارة أزمات غذائية ومائية، فضلاً عن الأمنية والعسكرية.
إن قراءة مشروع محطات تحلية المياه، قراءة موضوعية، تثبت فشله كخيار استراتيجي لحماية الأمن القومي المصري، فمصر تعاني بالأساس من فقر مادي، نتيجة استهلاكها 55.5 مليار متر مكعب، في حين ان استهلاكها يحتاج إلى ضعف هذا الرقم، من أجل إنجاح مشاريع التنمية، والزراعة والاستخدام الآدمي، بينما يشير السعة النهائية لحجم المياه التي سيتم تحليتها على لسان، "كامل الوزير، رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة"، الذي أعلن أن مصر تعمل على إنشاء أكبر محطات تحلية لمياه البحر في العالم. وقال: "مجموع ما نعمل على تحليته اليوم بلغ مليون متر مكعب مياه بحر فقط، وهذا الرقم سيرتفع مستقبلياً".
وأضاف الوزير: "أن الدولة نفذت محطات تحلية في منطقة مطروح والضبعة تعمل على تحلية 100 ألف متر مكعب يومياً، إضافة إلى محطات في جنوب سيناء الواحدة تنقي 20 ألف متر مكعب يومياً". وتابع: "ما نقوم به الآن هو أكبر محطة تحلية مياه في العالم بمنطقة العين السخنة ستعمل على تنقية 164 ألف متر مكعب من المياه يومياً وتغذية المنطقة الاقتصادية بشمال غرب خليج السويس" .
ورغم ضآلة حجم المياه التي سيوفرها هذا المشروع، فإن تكلفته أكبر بكثير من تكلفة تهيئة مياه النيل، وذلك في الوقت الذي تعاني منه البلاد، من أزمات اقتصادية حادة، وهو الأمر الذي يستبعد معه، امكانية الاعتماد على مشاريع تحلية المياه في توفير احتياجات البلاد منه، ويعزز من إمكانية توجه النظام نحو مسار التدويل، أو مسار التدخل العسكري المباشر.
في الأخير نخلص إلى أن..
- المشكلة الأساسية تكمن في اتفاق المبادئ الذي وافقت عليه مصر والسودان في 2015، والذي اتفقت فيه الدول الثلاث على إكمال الدراسات بالتوازي مع بناء السد؛ وهو الأمر الأخطر على الإطلاق حيث سمح لإثيوبيا بالسير قُدماً في بناء السد حتى صرنا اليوم نتكلم عن انتهاء 70% من أعمال الإنشاءات في السد. وهو الأمر الذي حدث من قبل عند انفصال جنوب السودان في التعامل مع جبهة التحرير التي أصرت على Fight & Talk لكسب أراضٍ أكثر حتى إتمام المفاوضات.
- إثيوبيا لها سابقة في هذا الأمر "سد تكيزي" على نهر عطبرة والذي تم إنشائه لتوليد الكهرباء بالتعاون مع الصين؛ إلا أنه تصدع بعد أيام من تشغيله. فإثيوبيا تعتبر بناء سد النهضة مشروع قومي للتنمية ولن تتنازل عن تشغيله في أقرب وقت. بغض النظر عن أضراره المحتملة حتى على إثيوبيا ذاتها في حالة تصدع السد بعد بنائه.
- يشير التحول المتصاعد في خطاب النظام، إلى الوصول لنتيجة ما، حول طريقة تعامل إثيوبيا والسودان في المفاوضات، وهو ما قد يظهر رفض ما داخل المؤسسة العسكرية، لطريقة تعامل الرئاسة مع هذا الملف، رغم محاولات الأخيرة، دفع مشروعات اقتصادية جديدة، في جعبة الجيش، بهدف احتوائها، والحصول على رضاها، كما يفعل مع الدول الكبرى، مثل فرنسا/ الرفال. ولذا ربما يكون هناك توجه فعلي للنظام، نحو تبني مسارات مختلفة، بهدف تقريب وجهة نظره مع الجيش من ناحية، واستكمال مشروعه الاقتصادي من ناحية أخرى، وإمكانية تأجيل الانتخابات، أو السيطرة عليها من ناحية ثالثة.
- بالرغم من طرح البعض لإمكانية لجوء مصر للحل العسكري؛ إلا أنه في تلك الحالة ستفقد مصر علاقاتها بالقارة الإفريقية ككل حيث مصر في العقلية الإفريقية الآن –على عكس ماكانت في الخمسينات مثلاً- هي الدولة العربية الدخيلة على القارة والتي تتعامل معها دائماً بنبرة من التعالي؛ وأن السودان بتقاربها مع مصر آثرت أن تكون أسوء العرب على أن تكون أفضل الأفارقة –كما قال الرئيس السنغالي السابق سنغور-، وهو ماتتداركه السودان الآن بالبحث عن مصالحها؛ والمُتمثلة في تشغيل سد النهضة الذي من ناحية سيُنظم تدفق المياه للسودان؛ فالدولة السودانية تُعاني أيام الفيضان الذي يُغرق الأراضي ويغمر المنازل طوال فترة فيضان النيل، ومن ناحية أخرى ستحصل على كمية كبيرة من الطاقة النظيفة والرخيصة. وبالنسبة للنقص في حصتها من المياه فستعوضه باستردادها للكمية التي لم تكن تستهلكها من قبل وتتركها لمصر، وبالتالي سيكون الأثر المباشر لتقليل فترة ملء الخزان يقع على مصر.
- على مصر اتباع الطرق السياسية للعمل على إطالة فترة ملء الخزان دون النبرة التهديدية التي يكون الخاسر الأكبر فيها هو مصر؛ مع محاولة توفير بدائل للمياه سواء بمحطات التحلية أو تنظيم مياه الري أو الاستثمار في الزراعات التي تستهلك كمية كبيرة من المياه في أماكن أخرى. لكن مع التأكيد على عدم إعلان ذلك حتى لايؤثر ذلك على الموقف التفاوضي المصري. وفي نفس الوقت يجب تحسين العلاقات مع السودان وتخطي الخلافات للعمل على حل الأزمة معها، بالإضافة للجوء للوساطة الدولية.
- اعتماد مصر النبرة الشديدة في التأكيد على كون المياه بالنسبة لها حياة أو موت وأنها لن تتهاون في حمايتها؛ ليس فقط موجهاً لإثيوبيا وإنما كذلك لباقي دول المنابع حيث أن سد النهضة مشكلته الأكبر تكمن في فتحه الطريق لباقي الدول لإقامة مشروعات وسدود أخرى على النهر مما يضر مستقبلاً بحصة مصر من المياه. وهو كذلك ربما مايُفسر التحركات المصرية الأخيرة مع جنوب السودان وأوغندا.

.

Share:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة