من 27 أكتوبر الى 2 نوفمبر 2017

 قراءة في الاتفاق الروسي الأمريكي حول سوريا
ما تزال سوريا محل صراع قوي بين أمريكا وروسيا يتسم بالتصاعد حيناً والتهدئة حيناً آخر، فليس هناك توافق كامل حول مصير سوريا ولكن هناك توافقات وتسويات تنجح حيناً وتفشل حيناً آخر.
فقد أعلن الكرملين في منتصف نوفمبر 2017 عن اتفاق مشترك بين الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" والرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" على هامش قمة آسيا الباسيفيك بشأن الوضع السوري، وذلك بأنه لا حل عسكري في سوريا، مبديان تصميمهما على مواصلة الجهود المشتركة لهزيمة داعش، والحفاظ على قنوات اتصال عسكرية مفتوحة بين العسكريين للمساعدة في ضمان سلامة القوات الأميركية والروسية على حد سواء، وأكدا التزامهما بسيادة سوريا واستقلالها وسلامة أراضيها، وطالبا كل الأطراف السورية بالمشاركة الفعالة في عملية السلام بجنيف، وطالبا أعضاء الأمم المتحدة بزيادة مساهمتهم في مساعدة سوريا.
ورأت بعض أوساط المعارضة السورية أن الاتفاق اشتمل التوافق على الإبقاء على بشار الأسد في المرحلة المقبلة من مستقبل سوريا، بما يحدد سقف المؤتمرات القادمة في جنيف وأستانا والرياض، لكن لم ينص الاتفاق على بيان جنيف1 أو تفاصيل قرار مجلس الأمن 2254 والذي ينص على تشكيل هيئة حكم انتقالي واعتماد مسار لصياغة دستور جديد لسوريا وعلى أساسه يتم إجراء انتخابات نزيهة، بما يعني أن روسيا قد تنجح في القفز على هذه الأمور من أجل بقاء الأسد.
ويتضح أن هذا الاتفاق له علاقة باتفاق تم الإعلان عنه في 8 نوفمبر بين الولايات المتحدة وروسيا والأردن، بوقف إطلاق النار في جنوب سورية يتعهد فيه الجميع بإبعاد قواتهم عن المناطق العازلة "أو مناطق خفض التصعيد كما قالت عنها موسكو"، إذ تضمن هذا الاتفاق إقامة مناطق عازلة على الحدود بين إسرائيل وسوريا في الجولان المحتل وفي منطقة الحدود بين الأردن وسوريا.
ويعد هذه الاتفاق خطوة هامة لدعم اتفاق وقف إطلاق النار على طول خط التماس المتفق عليه في جنوب غرب سوريا وإيجاد الظروف الملائمة لحل سياسي مستدام للأزمة السورية.
لكن ما حدث هو أن خرجت الرئاسة الروسية منتقدة بعض التفسير الخاطئ لنص الاتفاق، إذ أوضحت الخارجية الأمريكية أن الاتفاق نص على جلاء جميع القوات الأجنبية عن جنوب غرب سوريا بما فيها بما فيها الميليشيات الإيرانية والفصائل الموالية لها، وأن روسيا وعدت ببحث هذه القضية مع النظام بسوريا، فلم تتعهد روسيا بضمان خروج التشكيلات الموالية لإيران من سوريا، إضافة لذلك، لم تتضمن مذكرة عمّان بقاء جنوب غربي سوريا تحت سيطرة المعارضة السورية حتى إتمام التسوية السياسية لأزمة السوريين، فقالت روسيا أن المذكرة خضعت للبحث والمشاورات على مستوى الخبراء، وتم الاتفاق على صيغتها في دانانغ خلال قمة "آبيك".
وقيل أنه كان هناك مطلبا إسرائيليا بإقامة منطقة عازلة على امتداد الحدود اللبنانية والسورية بعمق أربعين كيلومترا، وأن الجانب الروسي وافق على إقناع الإيرانيين وحزب الله بأن يكون هذا الحزام بعرض عشرة كيلومترات وأن يقتصر على الحدود السورية، على أن يلتزم الحزب -بضمانة روسية- بعدم تنفيذ أي عملية ضد إسرائيل من جنوب لبنان، مقابل التزام إسرائيل بالمثل.
لكن إسرائيل كانت ترى وجود غموض يكتنف الاتفاق الأمريكي الروسي، ما جعل مسئولون إسرائيليون يقيمون محادثات في واشنطن وموسكو من أجل تحسين شروط الاتفاق بما يلبي مطالب إسرائيل الأمنية، لأن إسرائيل لن تقبل بأي حال وجود قوات إيرانية في هضبة الجولان.
من الواضح أيضا أن أمر الميليشيات الشيعية كان شئ أساسي سعت إليه الأردن في الاتفاق، فهي لا تقبل وجودها على حدودها، لكن جاءت موسكو لتتنصل مما تم الاتفاق عليه، مما يشير إلى أنها لا تريد التوصل لحل جدي في سوريا، فهي تعتبر سوريا ورقة ضغط على الغرب بسبب أوكرانيا والعقوبات الاقصادية المفروضة عليها.
من ناحية أخرى، من غير المتوقع أن تقوم الأردن بإرسال قوات لها في سوريا، إضافة إلى أن النظام الأردني لن يقوم بالتطبيع مع النظام السوري إلا بعد حل الملفات العالقة وأهمها إجبار القوات الإيرانية والميليشيات الموالية لها على التراجع من الحدود السورية الأردنية لعشرات الكيلومترات نحو العمق السوري.
ختاما، فالاتفاق الذي تم بين واشنطن وموسكو يأتي بمثابة اعتراف سياسي أمريكي- روسي بتقاسم النفوذ في سوريا، وهذا يخالف التأكيد على وحدة سوريا وسيادتها، ومن ناحية أخرى سيتم فلترة اللاعبين الآخرين خاصة تركيا وإيران، بما يعطي رسالة طمأنة لإسرائيل، ويساعد أمريكا بعد دحر داعش أن تركز جهودها على إيران وميليشياتها، وذلك لأن الاتفاق لم ينجح في حسم مصير تواجد تلك الميليشات، ويشير الاتفاق ضمنا إلى أنه بغض النظر عن بقاء بشار مستقبلا من عدمه، فيجب أن يستمر النظام السوري القادم بالحفاظ على مصالح البلدين وخريطة نفوذهما التي أفرزتها الأزمة السورية.

.

Share:
دلالات: مصير سوريا
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة