هل يذيب الغاز حاجز الجليد بين مصر وسوريا؟
فتحت مذكرتا التفاهم اللتان وقعتهما مصر وسوريا بشأن توريد الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية بابًا واسعًا للتساؤلات حول ما إذا كان هذا المسار سيتوقف عند حدوده الاقتصادية، أم أنه يشكل مدخلًا لتقارب سياسي أوسع بين القاهرة ودمشق بعد سنوات من الفتور الحذر. في ظل الحديث عن عدم إمكانية فصل الاتفاق بين مصر وسوريا عن تحولات أعمق في مقاربة القاهرة للملف السوري منذ وصول أحمد الشرع إلى السلطة، وسط انفتاح مشروط تحكمه اعتبارات أمنية وسياسية دقيقة. فمصر ترى في التعاون الطاقي فرصة لدعم استقرار سوريا، دون تجاوز ملفات عالقة تتعلق بالتنسيق الأمني وتسليم مطلوبين1. أولًا: مصر والتحفظ علي سقوط الأسد وصعود الشرع: مع سقوط نظام بشار الأسد ووصول “هيئة تحرير الشام” إلى الحكم بقيادة أحمد الشرع في سوريا، كانت المخاوف المصرية واضحة، نظراً للخلفية الجهادية للهيئة ورئيسها، ووجود عدد من المقاتلين المصريين فيها والمصنفين كإرهابيين في مصر. فهناك قيادات عديدة ومقاتلين من الجنسية المصرية، من بينهم هاربون من مصر خلال الفترة من 2011 إلى 2013، بينهم أبو الفتح الفرغلي أو يحيى طاهر الفرغلي، الذي يعد أبرز شخصيات الصراع السوري، الذي ظل الذراع اليمنى لأحمد الشرع “أبو محمد الجولاني” في الهيئة حتى عام 2022، حين أعلن خروجه منها، ليعود مجددًا للظهور في دمشق بعد سقوط النظام السوري، وتثير عودته التكهنات حول موقعه الجديد. كما تبرز أسماء أخرى يعرفون بكنيات غير معلومة الهوية، مثل أبو لؤي المصري وأبو محمد المصري. وسبق أن ظهر الجولاني في أحد اللقاءات الإعلامية خلال الثورة السورية يصف الجماعات “الإرهابية” في سيناء بـ”الأخوة المجاهدين”. وكان لبعض القادة والمسلحين المنتمين لـ”هيئة تحرير الشام” تداخل بصورة أو بأخرى مع الجماعات المسلحة في مصر عقب سقوط تنظيم الإخوان عام 2013، وبعضهم عمل منسقًا لتهريب المسلحين من مصر إلى ليبيا والعكس، وكان بعضهم منخرطًا بصورة مباشرة مع “جماعة أنصار الإسلام” و”كتائب ردع الطغاة” التي قادها عماد عبدالحميد رفيق هشام العشماوي ونفذت هجومًا على الشرطة بمنطقة الواحات البحرية في 20172. ولذلك، اختارت القاهرة، في الأسابيع الأولى التي تلت سقوط نظام الأسد، التزام صمت محسوب إزاء المشهد السوري المستجد، مفضلة التريث بدل الاندفاع، ففي الوقت الذي سارعت فيه قوى إقليمية ودولية إلى فتح قنوات تواصل مع الإدارة الانتقالية بقيادة الشرع، أبقت مصر موقفها ضمن إطار “الحياد المدروس”، مكتفية بإجراء مشاورات مكثفة مع دول الجوار السوري، بهدف استيعاب طبيعة التحولات الجارية وتقدير انعكاساتها المحتملة على أمن الإقليم وتوازناته. غير أن هذا الحذر لم يكن موقفًا سلبيًا بقدر ما كان تمهيدًا لمراجعة استراتيجية أعمق، فبعد 23 يومًا من الإطاحة بالنظام السابق، دشنت القاهرة أولى خطوات الانخراط الدبلوماسي المباشر عبر اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره في الحكومة الانتقالية أسعد الشيباني في 31 ديسمبر 2024. ومع تسارع الاعتراف الدولي بالسلطة السورية الجديدة، رأت القاهرة أن لحظة الانتقال من الحذر إلى الانخراط المحسوب قد حانت، فجاءت نقطة التحول في 31 يناير 2025، حين بعث السيسي برقية تهنئة إلى الشرع بمناسبة توليه رئاسة المرحلة الانتقالية، أعقبتها دعوة رسمية للمشاركة في القمة العربية الطارئة بالقاهرة، ثم أول زيارة رسمية للرئيس السوري إلى مصر في مارس 2025، بعد تهنئة السيسي للشرع بالمنصب الرئاسي في فبراير 20253. ورغم ذلك، فقد ظلت العلاقات بين مصر وسوريا في أدني مراحلها، وشهدت بعض التوترات علي خلفية ترديد المشاركون في مظاهرة تضامنية مع أهالي قطاع غزة خرجت في سوق الحميدية في قلب دمشق بعبارات وشعارات مسيئة لمصر وحملت إهانات للسيسي4. وعلي خلفية وصف الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، علاقة بلاده مع تركيا والسعودية وقطر والإمارات بـ”المثالية”، في حين أشار إلى أن العلاقات مع مصر والعراق “مقبولة”، وحديثه عن أن السعودية و قطر والإمارات دول ناجحة فيما أعتبر أن باقي الدول مثل مصر والعراق ليس لديها ذات النجاح5. ثانيًا: انفتاح العلاقات بين مصر وسوريا: شهد مطلع عام 2026 تحسن في العلاقات بين مصر وسوريا علي ضوء تطورين رئيسيين، هما: الأول: توقيع وزارة البترول والثروة المعدنية في مصر، في 5 يناير 2026، مذكرتي تفاهم مع وزارة الطاقة السورية، حيث تهدف المذكرة الأولى للتعاون في توريد الغاز إلى سورية عبر مصر لتوليد الكهرباء، من خلال استغلال البنية التحتية المصرية، سواء سفن التغييز، أو شبكات نقل الغاز، بينما تتعلق المذكرة الثانية بتلبية احتياجات سوريا من المنتجات البترولية. واستقبل الوزير المصري للبترول والثروة المعدنية كريم بدوي، وفداً نفطياً سورياً برئاسة نائب وزير الطاقة السوري غياث دياب، وجرى خلال اللقاء التأكيد على استعداد وزارة البترول والثروة المعدنية لتقديم خبراتها وإمكانياتها الفنية لقطاع الطاقة بسورية بما يدعم مساندة الشعب السوري. وقالت وزارة البترول في مصر، في بيان لها، إن لقاء الوفدين تناول فرص التعاون في تأهيل البنية التحتية للغاز والبترول في سورية، والاستفادة من الخبرات المصرية في هذا المجال. وأضافت “تعزيزاً لدور مصر مركزاً إقليمياً للطاقة، يأتي التوقيع مع الجانب السوري في أعقاب التوقيع على مذكرة تفاهم مع الجانب اللبناني في بيروت منذ أيام، فضلاً عن الاتفاق المبرم مع قبرص في وقت سابق لربط الغاز القبرصي بالتسهيلات المصرية”. وأشارت الوزارة إلى أن هذا اللقاء الثنائي جاء باعتبار مصر مركزاً لوجيستياً لتداول الطاقة6. الثاني: تأكيد الرئيس السوري أحمد الشرع علي أن العلاقة السورية المصرية ليست ترفاً، وإنما هي واجب”، داعياً في الوقت ذاته أن تكون في مسارها الصحيح. جاء ذلك خلال لقائه، في 11 يناير 2026، وفداً من اتحاد الغرف التجارية المصرية، في العاصمة السورية دمشق. واستهل الشرع حديثه بالتركيز على البعد التاريخي والجيوسياسي للعلاقة بين البلدين، قائلاً إن “الحقيقة عبر كل التاريخ؛ دائماً كان التكامل السوري المصري أمر أساسي لاستقرار المنطقة والتكامل الاقتصادي، وأيضاً الاستقرار الأمني والاستراتيجي”. وقال الرئيس السوري “نحن ومصر نعاني من نفس الإشكالات والتحديات، وعندما يحصل تقارب سوري مصري، لا تستفيد الدولتان فحسب، بل تقوى الأمة العربية بأكملها”. وأكد الشرع، أن الشركات المصرية أولى بالمساهمة في إعادة إعمار سوريا، مؤكداً على ضرورة “الاستفادة من الخبرات العظيمة التي تراكمت في مصر خلال السنوات العشر الأخيرة برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، خاصة في مجالات البنية التحتية والطاقة”. وأكد الشرع، على رغبة سوريا في بناء شراكات في مجالات الموانئ، والتنقيب عن الغاز في سواحل المتوسط، وإصلاح القطاعات النفطية، والسكك الحديدية، ومد إمدادات الفايبر (الألياف البصرية) “لربط أوروبا بالصين عبر الجغرافيا السورية”. كما ركز على أهمية “السلة الغذائية” المشتركة بين سوريا ومصر والعراق لتلبية احتياجات المنطقة بعيداً عن الكلف العالية للاستيراد من قارات أخرى. ولفت إلى أن السوق السورية تشبه السوق المصرية، وأن التعامل بين الجانبين يتم “من دون أي تعقيد”، مؤكداً أن الدولة السورية ستسهل كل ما يمكن لخدمة الاستثمارات المصرية داخل البلاد. وشكر الشرع “الشعب المصري على استقباله الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب، وهذا الأمر ليس غريباً عن طباع إخواننا…