المدن المسورة: قراءة في التفسيرات والتداعيات السياسية
تفاقمت حالة “المجتمعات المسورة” بصورة كبيرة في مصر، وهي مرشحة أن تحقق مزيد من التفشي والانتشار، وهو ما يوجب الوقوف عندها، أكثر من مرة، للدراسة والنظر والتفسير. ومن الراجح بصورة كبيرة أن يكون لهذه الظاهرة تداعيات سياسية كبيرة، خاصة إذا استمر الفرز الطبقي في مصر، بين أهل البلد وسكان إيجيبت، والكومباند من أبرز تجليات هذا الفرز. نستعرض في هذه السطور قراءات للظاهرة، ومحاولات لطرح مقولات تفسيرية، ونقدم في النهاية ملاحظات على هامش هذه القراءات. المجتمعات المسورة بوصفها فصل عنصري طبقي: في مقالة1 محمود هدهود عن الكومباوندات بوصفها “فصل عنصري طبقي”، يحاول تفسيرها من ذات المنظورات اليسارية التي تعلق برقبة الرأسمالية كل موبقات الحياة الحديثة. والمقالة ترد على الخطاب الذي يحاول تبرئة النيوليبرالية من مسؤوليتها عن ظهور التجمعات المسورة؛ بدعوى أن الدول التي تظهر فيها هذه التجمعات تلعب الدولة فيها دوراً محورياً في إدارة الموارد وتوزيعها، في حين أن الليبرالية تدعو إلى تقليص دور الدولة. لكن المقالة تشدد على أن النيوليبرالية لم تشتغل تاريخيًا في ظل غياب الدولة “بل قلّما اشتغلت من دون سلطة قمعيّة تقوى على فرض سياسات أو إصلاحات نيوليبرالية”، حيث مجتمعات تدير فيها الدولة آليّات تفضي بوضوحٍ إلى اللامساواة وتراكم الثروات الهائل لدى شريحة الواحد بالمئة العلْيا؛ والعنصر الطبقي في هذه العلاقة لا يمكن إسقاطه، وظاهرة المجمّعات المسوّرة نتاج مباشر لهذه اللحظة. لم أفهم حقيقة الربط بين الجدل بخصوص العلاقة بين افتصاد السوق والدولة وبين ظاهرة المجتمعات المسورة؛ إلا القول أنها ظاهرة مصاحبة للنيوليبرالية، تظهر في ظل الحكومات الاستبدادية كما تظهر في الدول الديمقراطية “الولايات المتحدة”، والنيوليبرالية تزدهر برعاية الدولة. فيما يبدو لي، أن تفسير هدهود ليس كافيًا، فالتباين الطبقي الهائل ليس كافيا لظهور المجتمعات المسورة، خاصة أنه ظاهرة قديمة، فالتباين الطبقي مصاحب لظهور المجتمعات الحديثة، مع ذلك لم تظهر المجتمعات المسورة سوى في السنوات الأخيرة، إلا أن المنظور المادي لم يكن ليطرح تفسير آخر. لكن يمكن أن نستعين بالرؤى التي طرحها زيجمونت باومان عن الخوف السائل، وسيطرة هاجس الخوف على المجتمعات الحديثة؛ الذي يغذي رغبة الانفصال والفصل الطبقي، بحثًا عن الأمان، ومع السيولة الهائلة تندفع الطبقات الثرية للتشبث بخصوصية متخيلة. ما وراء أسوار «الكومباوند»: يسلط كتاب أماني قنديل عن المجتمعات المسورة في مصر -بحسب مقالة2 حسن حافظ- الضوء على بعد آخر في تفسير ظاهرة الكومباوند في مصر، بعد يتعلق هذه المرة بالعولمة، حيث ظهرت طبقات جديدة، ثرية، تنتمي لمنظومات ثقافية أجنبية، مستوردة ومعولمة، أصبحوا معها منفصلين عن المجتمعات التي يعيشون فيها. هذه الشرائح الاجتماعية التي يصح وصفها بالمتغربة، تتبنى أنماط معيشة مرفهة واستهلاكية ومنفتحة، وتستهلك تعليم أجنبي، يعبر عن امتيازها الطبقي، ويضمن لها استمراره، واستخدام اللغة الانجليزية، وثقافة غريبة وقيم مختلفة. كأن المجتمعات المسورة وفق هذا التفسير، إنما جاءت للتعبير عن تحول اجتماعي، وهو ظهور طبقة جديدة معولمة مرتبطة بالرأسمال المعولم والمنظومة الثقافية الأجنبية المرافقة له، ومن ثم كان الكومباوند ترجمة أمينة لهذا التحول. التفسير الذي تطرحه أماني قنديل يصيب جانب من الحقيقة، إذ لا يمكن فصل هذه الظاهرة، عن الانفتاح الاقتصادي، الشركات العالمية، التي استقطبت أبناء هذه الشرائح، ووفرت لهم مداخيل تسمح لهم بهذا النمط من الحياة، مع عولمة الأنماط الاستهلاكية الأمريكية، وعليه صارت هذه الظاهرة ممكنة. وإن كان من الممكن أن نضيف إلى ذلك تفسيرًا سياسيًا؛ حيث دفع “إغلاق المجال العام، وموت السياسة، وما صاحبه من تراجع الاهتمام بالشأن العام” الناس إلى عودة للانتماءات الأولية، مثل الطائفة والقبيلة، وإلى التمترس بالانتماء الطبقي، في حال ضمور الانتماءات التقليدية، وعليه تصبح الطبقة هي النسخة الحديثة من القبيلة، لكن الطبقة “قبلية جديدة”، فهي تتعامل باستعلاء وتوجس مع الخارج، لكنها في الوقت ذاته تأكل أبنائها لا تحميهم، حيث يطحنهم الصراع المحموم للاحتفاظ بالامتيازات الطبقية، ومواصلة صعودهم الطبقي. الكومباوند والثورة المضادة: يربط علاء خالد في مقالته3 بين انتشار “المجتمعات المسورة” ولحظة ما بعد الثورة حيث “بدأ نمط سكان إيجبت يتبلور في فيلات وشوارع وحدائق الكانتونات المحمية”، مشيرًا إلى أن الفجوة الطبقية الضخمة لم تعد في حاجة إلى تدليل أكثر وضوحًا من المصطلحين الجديدين؛ “سكان إيجبت” و”سكان مصر”. لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن هذه الظاهرة سابقة على لحظة الثورة؛ إذ بدأت “مع مشاركة الدولة والقطاع الخاص في بناء المدن ذات البوابات على الساحل الشمالي وفي الصحاري، ليسكنها سكان “إيجيبت”. كأن المقالة، تعتبر أن المدن المسورة ظهرت مع بدء سياسات الانفتاح، لكنها وصلت ذروتها في لحظة ما بعد الثورة. وعن طبيعة هذا النموذج وتأثيراته، ونقلًا عن الباحث الجغرافي إيريك دينيس، يصف المدن المسورة في القاهرة بأنها تشبه نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وأنها “مثالٍ لذروة أشكال الخطر” و “إنها تخلق بوجودها الحقيقي العديد من أعمق الأخطار الاجتماعية والهشاشة، والضعف العام”. هذا الانقسام بين أهل مصر وسكان إيجيبت الذي يشبه الفصل العنصري في جنوب أفريقيا لا يمكن قراءته بمعزل عن الثورة المضادة في مصر؛ إذا أخذنا في الاعتبار أن سكان مصر -الغالبية- هم من يفجرون الثورات ويقودون الاحتجاجات ويحلمون بالتغيير، ويمثلون ضغطًا على النظام القائم. ولذلك فإن مراجعة سريعة لسياسات الحكومة خلال الفترة الأخيرة يكشف بصورة واضحة تحول الخدمات إلى أدوات فرز طبقي، حيث باتت السياسات الحكومية تتجه بصورة واضحة إلى تقليص الخدمات المقدمة للجمهور، عبر رفع سعر الخدمة، أو حتى خصخصتها بالكامل وإخضاعها لمنطق السوق القائم على تعظيم الربح وتقليل التكلفة. الخاتمة: أن التمييز بين المصريين وسكان إيجيبت يحقق نتيجتين؛ الأولى: معاقبة جماهير المصريين على احتجاجاتهم في يناير 2011، ويسعى للحيلولة دون تكرار ما حدث، عبر إعادة توزيع الثروة بشكل يحرم الغالبية العظمى من المجتمع من الموارد، بما فيها مورد الأرض. الثانية: أن أهل إيجيبت ليس لهم حقوقًا سياسية، بمعنى أن ما اكتسبوه من امتيازات ليس بوصفهم مواطنين، إنما باعتبارهم يملكون ثمن هذه الامتيازات والخدمات؛ ومن ثم يمكن سحب هذه الامتيازات منهم في حال عجزوا عن الوفاء بتكلفتها. ويمكن كذلك أن يطالهم الإقصاء والتهميش في حال حاولوا ترجمة امتيازاتهم الطبقية إلى امتيازات سياسية. وبالتالي فإن علاقتهم هي علاقة زبونية، هم زبائن والدولة مقدم خدمة؛ بالتالي فالدولة في هذه الحال أقرب للشركة ليست لديها التزامات تجاه سكان المدن المسورة بوصفهم مواطنين. 1 محمود هدهود، ترجمة: علاء بريك هنيدي، الفصل الطبقي: حالة المجمّعات المسوّرة، مجلة صفر، 26 ديسمبر 2025، في: https://alsifr.org/class-segregation 2 حسن حافظ، ما وراء أسوار «الكومباوند»: تفكيك ظاهرة على أطراف القاهرة، باب مصر، 7 أبريل 2025، في: https://tinyurl.com/ynxxmked 3 علاء خالد، قاهرة المدن المغلقة، المنصة، 19 يوليو 2025، في: https://manassa.news/stories/25650