الهياكل التقليدية والتحول الديمقراطي
كثيرة هي الدراسات التي تناولت الربيع العربي وثوراته، رصداً ووصفاً وتحليلاً وتفسيراً واستشرافاً ومآلاته. وكان لمراكز البحث والمفكرين العرب إنتاج كبير في هذا السياق. واللافت أن هذه الدراسات ركزت بالأساس على مكونين أو فاعلين، رأت أن لهما الدور الأكبر في تشكيل الربيع العربي على هذه الصورة، المكون الأول: نموذج الحركات الاجتماعية؛ وهي تلك الحركات التي لها أهداف وموارد وفرص سياسية وثقافة مكونة قادرة على استعمال أدوات (عنيفة أو غير عنيفة) لتوجيه المجتمع لأهداف محددة. المكون الثاني: البنى التقليدية (القبيلة، الطائفة، الجهوية) وهي كيانات وبنى ما قبل حداثية، تقوم على العلاقات القرابية والتراحمية بين أفرادها. والتركيز على الحركات الاجتماعية وعلى البنى التقليدية يسلط الضوء على الحضور الباهت للبنى الحداثية (السياسية) كـ الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني. ويثير التساؤلات حول أسباب بروز دور الأولى وتراجع الثانية وغيابها عن ساحات التغيير. لعل غياب الأحزاب والمؤسسات السياسية والمدنية القائمة على قيم التعاقد والمصلحة يفسر بأن هذه المؤسسات بطبيعتها ذات هوية محافظة تلتزم الدستور وتنصاع للنظام الحاكم وتخلص للفلسفة السياسية الليبرالية التي أسستها. كما أنها مؤسسات برجماتية تعاقدية –كما أسلفنا- تقوم على تقديم المصلحة وما يرتبط بها من قيم، وعدم المجازفة بتبني قيم التضحية والإيثار والشجاعة وهي المادة الأساسية التي تنبني عليها الثورات. ولا ننسى أن نذكر بأن النظم السلطوية الحاكمة في المنطقة نجحت في ترويض المؤسسات القائمة في المجال السياسي ذات البنى المحددة والخاضعة بشكل كامل لسلطة الرسمي والقانوني والمؤسسي؛ لذلك كانت نماذج الحركات واللاحركات والبنى التقليدية بما تتمتع به من حرية نسبية وإنفكاكاً من سلطة النظم الحاكمة قادرة على الأبداع والتحرك في مساحات ثورية وجديدة وغير مألوفة. فالحركات الاجتماعية واللاحركات –كما يرى الباحث- تقع في مساحة وسيطة بين التعاقدي الحداثي والتراحمي التقليدي، فهي تقع على التخوم بين الرؤيتين؛ والوسطية هنا ليست حسابية إنما هي وسطية مرنة اكتسبت من التعاقدي بعض ملامحه واحتفظت من التقليدي ببعض قيمه. كما أن البنى التقليدية (القبلية والطائفية والجهوية وغيرها من الإثنيات) لم تعد خارج التاريخ، إنما تأثرت بتحولات الواقع الراهن، وتاثرت به وأثرت فيه؛ فتعاطيها مع الدولة والمجتمع المدني والقانون الصارم المحدد وقيم السوق والاستهلاك وتحولات الزمان والجغرافيا الناجمة عن تكنولوجيا الإتصال والمواصلات وغيرها من التحولات الراهنة؛ التي اكسبت هذه البنى ملامح العصر ومنحتها أدوات جديدة دعمت قدرتها على الحركة والتاثير؛ كما أنها انتزعت منها بعض نفوذها وحضورها وسطوتها. الهياكل التقليدية والتحول الديمقراطي: رغم التفات عدد كبير من الدراسات التي تناولت الثورات العربية بالبحث والتحليل إلى الدور البارز الذي لعبته وتلعبه البنى التقليدية والقبلية في الحراك العربي، إلا أن هذه الدراسات ربطت إنجاح الثورات العربية وحدوث تحول ديمقراطي حقيقي في بلادنا بتثوير البنى التقليدية “التراحمية” في المجتمع –القبيلة والعرقية والأثنية والعشائرية- عبر صهرها واستبدالها بأطر حديثة “تعاقدية” –مدنية حزبية ونقابية. فوفق هذا الطرح فإن بقايا البنى التقليدية وخاصة منها القبيلة، ظلت تعرقل نشأة مكونات المجتمع المدني في هذه المجتمعات وتعيق تطورها وأداءها. يتبدى الخلاف بين هذه النظريات (فقط) حول الطريقة والمسار الأمثل لصهر واستبدال هذه البنى والمؤسسات الطبيعية؛ فهناك من يرهن التحول بوقوع تحديث اقتصادي اجتماعي، عبر البدء في عملية تصنيع واسعة وتوسع مديني وعمراني ينقل المجتمعات من حالاتها التقليدية إلى حالات أكثر حداثة وعقلانية. بينما هناك من يرهنها ببناء أطر سياسية وحزبية ديمقراطية تنافسية –أحزاب نقابات وحركات ومجتمع مدني؛ ويرى أن الشروع في العملية الديمقراطية والانتخابات هو طريق التحديث. يتعامل باحثونا مع هذه الطروحات باعتبارها مسلمات، دون طرح أية نساؤلات حول إمكانية حدوث تحول ديمقراطي وبناء دول حديثة على أساس من التعاقد بين الدولة وقوى المجتمع على الاحترام المتبادل وتفعيل مبادئ وقيم وآليات الديمقراطية، دون الدخول في صراعات تستهدف الدولة عبرها صهر وتسييل قوى المجتمع ومؤسساته التقليدية، وتدخلها قوى المجتمع وهياكله مدفوعة بالحفاظ على بقاءها، ومواجهة مروجي مشروع الديمقراطية؛ لما يروا فيها من خطر على بقاءهم ومصالحهم، وهو ما يفتح المجال لظهور قوى التطرف والعنف المستفيدة من حالة الاستقطاب والاحتقان المتبادل بين قوى المجتمع التقليدي المرعوبة من مساعي تقويضها، وقوى التحديث التي ترهن مصيرها بالقضاء على الهياكل التقليدية وصهرها. يتجاهل أصحاب هذا الطرح أن تسييل البنى والهياكل التقليدية يفتح المجال لظهور بنى حديثة لكنها تتبنى قيم البنى التقليدية المنصهرة، وأن القبلية –وغيرها من الهياكل التقليدية- ليست محض بنية اجتماعية ما قبل حداثية، إنما هي ثقافة ورؤية للعالم، فالأحزاب والمؤسسات الحكومية والأجهزة الأمنية والدول، التي يتحرك منتميها وأفرادها وفق تحيزات غير عقلانية ولا أخلاقية ولا تلتزم بدستور أو قوانين أو حقوق إنسان، ويكون انتماء افرادها لها هي المحدد الوحيد لسلوكهم؛ تكون هذه الهياكل بُنى قبلية وإن ادعت الحداثة والتنوير –كما تذكر هبة رءوف عزت في دراسة لها بعنوان “بين صحوة القبيلة وسطوة المدينة: قراءة في مشهد القرون الوسطى الجديدة”. علاقة الدولة والمجتمع قبل احتجاجات 2011: البنية القبلية من الخصائص السوسيولوجية للمنطقة العربية منذ تاريخها القديم، كما تطبع تاريخها المعاصر أيضاً. وكان لهذه البنية أدوار مهمة في عملية التحام المجتمعات وانقسامها، وفي حركات مقاومة الاستعمار، مثلما أثرت في عملية تشكل الدولة الوطنية الحديثة ومؤسساتها في أغلب الأقطار العربية. تأسست الدولة العربية على خبرة ممتدة من الهيمنة والسيطرة والسلطوية واحتكار القرار السياسي وقمع قوى المجتمع وتهميشه وعدم الاعتداد بمواقفه، وتبني شرعية مؤسسة على العنف والإكراه لا على التعاقد الاجتماعي –كما عند فلاسفة العقد الاجتماعي- أو التراضي، ورثتها عن المرحلة الاستعمارية في هذه البلاد؛ وبالتالي لم تأسس السلطات العربية في مجتمعاتنا على الديمقراطية ومشاركة المجتمع في صناعة القرار، لذلك فتحقيق الاستقرار ومصلحة نخبة الحكم هو المحدد الرئيسي لعلاقة الدولة بالتكوينات التقليدية وليست قيم التحديث او الأصالة، وعليه بات التوجس المتبادل والعداء وغياب الثقة هو المكون الرئيس للعلاقة بين الدولة والمجتمع في بلادنا. وباتت الدولة مدفوعة في علاقتها بالمجتمع بالرغبة في تحقيق الاستقرار لا الإصلاح ومصلحة النخبة لا تنمية المجتمع وتطوير هياكله؛ فمشروعات التحديث لا تستهدف التحديث بقدر ما تستبطن رغبة –شريرة- في تسييل الهياكل المجتمعية القوية واستبدالها ببنى هشة ضعيفة يسهل اقتيادها. تكلست الملكيات العربية المتعلقة بأهداب الخلافة وتحجر وعيها عند مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، وعجزت عن الوعي بتحولات السياسة والاجتماع في النصف الثاني من القرن العشرين، فكانت نهايتها حتمية سواء على يد النخب العسكرية الصاعدة المتسربلة بالخطاب القومي، أو عبر التحلل البطيء الذي تعقبه فوضى؛ ومع هذا التحول اكتسبت البنى التقليدية ملامح جديدة فيها الكثير من منتوجات الواقع على مستوى السلوك والخطاب؛ فهي وإن كانت تقليدية في ظاهرها فإن فيها للمتفحص تحديثات سمحت لها بالبقاء والاستمرار كل هذا الوقت. الخاتمة: افتراض وجود علاقة عكسية بين التحول الديمقراطي وبقاء البنى التقليدية “القبلية والعشائرية والطائفية والجهوية والإثنية”، والتأكيد على أن تحقيق تحول ديمقراطي ناجح يستلزم استبدال البنى التقليدية ببنى تعاقدية حداثية “أحزاب ومجتمع مدني”، يتجاهل تبعية البنى…