هل يذيب الغاز حاجز الجليد بين مصر وسوريا؟

فتحت مذكرتا التفاهم اللتان وقعتهما مصر وسوريا بشأن توريد الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية بابًا واسعًا للتساؤلات حول ما إذا كان هذا المسار سيتوقف عند حدوده الاقتصادية، أم أنه يشكل مدخلًا لتقارب سياسي أوسع بين القاهرة ودمشق بعد سنوات من الفتور الحذر. في ظل الحديث عن عدم إمكانية فصل الاتفاق بين مصر وسوريا عن تحولات أعمق في مقاربة القاهرة للملف السوري منذ وصول أحمد الشرع إلى السلطة، وسط انفتاح مشروط تحكمه اعتبارات أمنية وسياسية دقيقة. فمصر ترى في التعاون الطاقي فرصة لدعم استقرار سوريا، دون تجاوز ملفات عالقة تتعلق بالتنسيق الأمني وتسليم مطلوبين1. أولًا: مصر والتحفظ علي سقوط الأسد وصعود الشرع: مع سقوط نظام بشار الأسد ووصول “هيئة تحرير الشام” إلى الحكم بقيادة أحمد الشرع في سوريا، كانت المخاوف المصرية واضحة، نظراً للخلفية الجهادية للهيئة ورئيسها، ووجود عدد من المقاتلين المصريين فيها والمصنفين كإرهابيين في مصر. فهناك قيادات عديدة ومقاتلين من الجنسية المصرية، من بينهم هاربون من مصر خلال الفترة من 2011 إلى 2013، بينهم أبو الفتح الفرغلي أو يحيى طاهر الفرغلي، الذي يعد أبرز شخصيات الصراع السوري، الذي ظل الذراع اليمنى لأحمد الشرع “أبو محمد الجولاني” في الهيئة حتى عام 2022، حين أعلن خروجه منها، ليعود مجددًا للظهور في دمشق بعد سقوط النظام السوري، وتثير عودته التكهنات حول موقعه الجديد. كما تبرز أسماء أخرى يعرفون بكنيات غير معلومة الهوية، مثل أبو لؤي المصري وأبو محمد المصري. وسبق أن ظهر الجولاني في أحد اللقاءات الإعلامية خلال الثورة السورية يصف الجماعات “الإرهابية” في سيناء بـ”الأخوة المجاهدين”. وكان لبعض القادة والمسلحين المنتمين لـ”هيئة تحرير الشام” تداخل بصورة أو بأخرى مع الجماعات المسلحة في مصر عقب سقوط تنظيم الإخوان عام 2013، وبعضهم عمل منسقًا لتهريب المسلحين من مصر إلى ليبيا والعكس، وكان بعضهم منخرطًا بصورة مباشرة مع “جماعة أنصار الإسلام” و”كتائب ردع الطغاة” التي قادها عماد عبدالحميد رفيق هشام العشماوي ونفذت هجومًا على الشرطة بمنطقة الواحات البحرية في 20172. ولذلك، اختارت القاهرة، في الأسابيع الأولى التي تلت سقوط نظام الأسد، التزام صمت محسوب إزاء المشهد السوري المستجد، مفضلة التريث بدل الاندفاع،  ففي الوقت الذي سارعت فيه قوى إقليمية ودولية إلى فتح قنوات تواصل مع الإدارة الانتقالية بقيادة الشرع، أبقت مصر موقفها ضمن إطار “الحياد المدروس”، مكتفية بإجراء مشاورات مكثفة مع دول الجوار السوري، بهدف استيعاب طبيعة التحولات الجارية وتقدير انعكاساتها المحتملة على أمن الإقليم وتوازناته. غير أن هذا الحذر لم يكن موقفًا سلبيًا بقدر ما كان تمهيدًا لمراجعة استراتيجية أعمق، فبعد 23 يومًا من الإطاحة بالنظام السابق، دشنت القاهرة أولى خطوات الانخراط الدبلوماسي المباشر عبر اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره في الحكومة الانتقالية أسعد الشيباني في 31 ديسمبر 2024. ومع تسارع الاعتراف الدولي بالسلطة السورية الجديدة، رأت القاهرة أن لحظة الانتقال من الحذر إلى الانخراط المحسوب قد حانت، فجاءت نقطة التحول في 31 يناير 2025، حين بعث السيسي برقية تهنئة إلى الشرع بمناسبة توليه رئاسة المرحلة الانتقالية، أعقبتها دعوة رسمية للمشاركة في القمة العربية الطارئة بالقاهرة، ثم أول زيارة رسمية للرئيس السوري إلى مصر في مارس 2025، بعد تهنئة السيسي للشرع بالمنصب الرئاسي في فبراير 20253. ورغم ذلك، فقد ظلت العلاقات بين مصر وسوريا في أدني مراحلها، وشهدت بعض التوترات علي خلفية ترديد المشاركون في مظاهرة تضامنية مع أهالي قطاع غزة خرجت في سوق الحميدية في قلب دمشق بعبارات وشعارات مسيئة لمصر وحملت إهانات للسيسي4. وعلي خلفية وصف الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، علاقة بلاده مع تركيا والسعودية وقطر والإمارات بـ”المثالية”، في حين أشار إلى أن العلاقات مع مصر والعراق “مقبولة”، وحديثه عن أن السعودية و قطر والإمارات دول ناجحة فيما أعتبر أن باقي الدول مثل مصر والعراق ليس لديها ذات النجاح5. ثانيًا: انفتاح العلاقات بين مصر وسوريا: شهد مطلع عام 2026 تحسن في العلاقات بين مصر وسوريا علي ضوء تطورين رئيسيين، هما: الأول: توقيع وزارة البترول والثروة المعدنية في مصر، في 5 يناير 2026، مذكرتي تفاهم مع وزارة الطاقة السورية، حيث تهدف المذكرة الأولى للتعاون في توريد الغاز إلى سورية عبر مصر لتوليد الكهرباء، من خلال استغلال البنية التحتية المصرية، سواء سفن التغييز، أو شبكات نقل الغاز، بينما تتعلق المذكرة الثانية بتلبية احتياجات سوريا من المنتجات البترولية. واستقبل الوزير المصري للبترول والثروة المعدنية كريم بدوي، وفداً نفطياً سورياً برئاسة نائب وزير الطاقة السوري غياث دياب، وجرى خلال اللقاء التأكيد على استعداد وزارة البترول والثروة المعدنية لتقديم خبراتها وإمكانياتها الفنية لقطاع الطاقة بسورية بما يدعم مساندة الشعب السوري. وقالت وزارة البترول في مصر، في بيان لها، إن لقاء الوفدين تناول فرص التعاون في تأهيل البنية التحتية للغاز والبترول في سورية، والاستفادة من الخبرات المصرية في هذا المجال. وأضافت “تعزيزاً لدور مصر مركزاً إقليمياً للطاقة، يأتي التوقيع مع الجانب السوري في أعقاب التوقيع على مذكرة تفاهم مع الجانب اللبناني في بيروت منذ أيام، فضلاً عن الاتفاق المبرم مع قبرص في وقت سابق لربط الغاز القبرصي بالتسهيلات المصرية”. وأشارت الوزارة إلى أن هذا اللقاء الثنائي جاء باعتبار مصر مركزاً لوجيستياً لتداول الطاقة6. الثاني: تأكيد الرئيس السوري أحمد الشرع علي أن العلاقة السورية المصرية ليست ترفاً، وإنما هي واجب”، داعياً في الوقت ذاته أن تكون في مسارها الصحيح. جاء ذلك خلال لقائه، في 11 يناير 2026، وفداً من اتحاد الغرف التجارية المصرية، في العاصمة السورية دمشق. واستهل الشرع حديثه بالتركيز على البعد التاريخي والجيوسياسي للعلاقة بين البلدين، قائلاً إن “الحقيقة عبر كل التاريخ؛ دائماً كان التكامل السوري المصري أمر أساسي لاستقرار المنطقة والتكامل الاقتصادي، وأيضاً الاستقرار الأمني والاستراتيجي”. وقال الرئيس السوري “نحن ومصر نعاني من نفس الإشكالات والتحديات، وعندما يحصل تقارب سوري مصري، لا تستفيد الدولتان فحسب، بل تقوى الأمة العربية بأكملها”. وأكد الشرع، أن الشركات المصرية أولى بالمساهمة في إعادة إعمار سوريا، مؤكداً على ضرورة “الاستفادة من الخبرات العظيمة التي تراكمت في مصر خلال السنوات العشر الأخيرة برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، خاصة في مجالات البنية التحتية والطاقة”. وأكد الشرع، على رغبة سوريا في بناء شراكات في مجالات الموانئ، والتنقيب عن الغاز في سواحل المتوسط، وإصلاح القطاعات النفطية، والسكك الحديدية، ومد إمدادات الفايبر (الألياف البصرية) “لربط أوروبا بالصين عبر الجغرافيا السورية”. كما ركز على أهمية “السلة الغذائية” المشتركة بين سوريا ومصر والعراق لتلبية احتياجات المنطقة بعيداً عن الكلف العالية للاستيراد من قارات أخرى. ولفت إلى أن السوق السورية تشبه السوق المصرية، وأن التعامل بين الجانبين يتم “من دون أي تعقيد”، مؤكداً أن الدولة السورية ستسهل كل ما يمكن لخدمة الاستثمارات المصرية داخل البلاد. وشكر الشرع “الشعب المصري على استقباله الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب، وهذا الأمر ليس غريباً عن طباع إخواننا…

تابع القراءة

موقف مصر من الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في 26 ديسمبر 2025، عن اعتراف دولة الاحتلال الرسمي بـ”أرض الصومال” (صوماليلاند) “دولة مستقلة وذات سيادة”. ووقّع نتنياهو إلى جانب وزير الخارجية جدعون ساعر و”رئيس جمهورية صوماليلاند” عبد الرحمن محمد عبد الله، على إعلان مشترك ومتبادل. ولفت ديوان نتنياهو إلى أن إسرائيل “تستعد لتوسيع فوري لعلاقاتها مع جمهورية أرض الصومال من خلال تعاون واسع في مجالات الزراعة والصحة والتكنولوجيا والاقتصاد”1. وحول الأهداف الإسرائيلية من الاعتراف بأرض الصومال، قال الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود -في لقاء خاص مع الجزيرة- أن المعلومات الاستخبارية التي لديهم تفيد بأن أرض الصومال قبلت ثلاثة شروط إسرائيلية مقابل الاعتراف، وهي توطين الفلسطينيين، وتأسيس قاعدة عسكرية إسرائيلية على ساحل خليج عدن، وانضمام أرض الصومال لما تعرف بـ “الاتفاقيات الإبراهيمية”2. أثار هذا الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال غضب القاهرة، التي دانت في بيان لخارجيتها، في 27 ديسمبر 2025، هذا القرار، مؤكدة أن “هذا الاعتراف يعد انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ويقوض أسس السلم والأمن الدوليين، كما يسهم في زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي”. وشددت الخارجية على “الرفض الكامل للاعتراف بأي كيانات موازية أو انفصال أجزاء من أراضي الدول بطرق غير شرعية أو غير قانونية”، مؤكدة دعم مصر الكامل لوحدة وسيادة وسلامة الأراضي الصومالية، اتساقاً مع مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة3. أولًا: العوامل المؤثرة في الموقف المصري من الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال: لا يعد الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل هو اختراق مباشر لما يُعرف بالحديقة الخلفية لمصر، وتحديداً في منطقة تتحكم في شريان الحياة الاقتصادي (قناة السويس) والمائي (نهر النيل). فلسنوات طويلة، كان الصراع المصري الصهيوني المباشر – أو الأمني- يتركز في الجبهة الشرقية (سيناء وقطاع غزة). لكن باعتراف الكيان الصهيوني بأرض الصومال، نحن أمام استراتيجية جديدة لدولة الاحتلال ترتكز على استراتيجية الإزاحة الجيوسياسية: حيث ينقل الكيان الصهيوني الصراع من سيناء إلى باب المندب، وهو ما يعني فتح جبهة استنزاف دائم لمصر في أقصى جنوبها وذلك من خلال ثلاثة تكتيكات: وبالتالي، فمن خلال هذا الاعتراف، تهدف دولة الاحتلال إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية في وقت واحد: ثانيًا: طبيعة الموقف المصري من الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال: يتحرك الموقف المصري لمواجهة تداعيات الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال عبر ثلاثة مسارات متوازية: الأول؛ الحشد الدبلوماسي لرفض الخطوة الإسرائيلية: قالت الخارجية المصرية إن الوزير بدر عبد العاطي أجرى مباحثات هاتفية مع نظرائه في تركيا والصومال وجيبوتي، وأكدوا “الرفض التام والإدانة” لهذه الخطوة (الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال)، مشددين على أن “الاعتراف باستقلال أجزاء من أراضي الدول سابقة خطيرة وتهديد للسلم والأمن الدوليين”، إلى جانب “الدعم الكامل لوحدة وسيادة وسلامة الأراضي الصومالية”10. فيما شددت منظمة التعاون الإسلامي و21 دولة عربية وإسلامية على رفضها القاطع لإعلان إسرائيل الاعتراف بما يسمى “أرض الصومال”، معتبرة الخطوة “سابقة خطيرة وتهديداً للسلم والأمن الدوليين”. جاء ذلك في بيان مشترك للمنظمة ووزراء خارجية كل من تركيا والأردن ومصر والجزائر وجزر القمر وجيبوتي وغامبيا وإيران والعراق والكويت وليبيا، إلى جانب المالديف ونيجيريا وسلطنة عُمان وباكستان وفلسطين وقطر والسعودية والصومال والسودان واليمن11. كما طالبت مصر بعقد جلسة طارئة لمجلس السلم والأمن الأفريقي، لرفض الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم الانفصالي أرض الصومال، وذلك في كلمة لوزير الخارجية بدر عبد العاطي، في الجلسة الوزارية لمجلس السلم والأمن الأفريقي، التي عُقدت افتراضياً، وفق بيان لـ”الخارجية المصرية”12. وتسعي مصر لمواجهة جماعية وفق أسس القانون الدولي في مواجهة الخطوة الإسرائيلية، وتنسق تحديداً مع السعودية وتركيا من أجل تقديم كافة سبل الدعم إلى مقديشو، وضمان عدم تحول الخطوة الإسرائيلية إلى فعل على أرض الواقع. وهو ما يعني عدم إتاحة الفرصة لدولة الاحتلال لإقامة قواعد عسكرية لها تكون بمثابة مهدد للاستقرار في البحر الأحمر. وتفضل مصر التحرك بشكل جماعي بما يساهم في الضغط المقابل على الإدارة الأميركية لعدم اتخاذ موقف مؤيد لما ذهبت إليه إسرائيل. وهناك تنسيقاً مصرياً تركياً خاصاً في ما يتعلق بمواجهة الأطماع الإسرائيلية في البحر الأحمر، إذ لتركيا مصالح سياسية واقتصادية مهمة في الصومال، وتتواجد بقاعدة عسكرية، وتمتلك علاقات سياسية على درجة عالية من التشاور والتنسيق مع مقديشو. كما أن لها استثمارات ضخمة جداً هناك، كما أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتفق مع القاهرة في موقفها بشأن عدم السماح بتهجير الفلسطينيين إلى أرض الصومال، ويعد ذلك هدفاً إسرائيلياً غير مباشر وراء الاعتراف بالإقليم. كما أن التنسيق المصري التركي السعودي في الملف الصومالي يمثل نموذجاً مثالياً للتعاون الإقليمي المطلوب، حيث تتكامل الأدوار بين القوة العسكرية المصرية، والدعم السياسي التركي، والإمكانات الاقتصادية السعودية، مما يخلق جبهة موحدة قادرة على حماية الصومال من التفتيت ومنع إسرائيل من اختراق المنطقة13. الثاني؛ تفعيل الأدوات الأمنية لمجلس الدول المشاطئة للبحر الأحمر: وفقًا لتقارير إعلامية، تقوم القاهرة باتصالات حالياً على مستوى مجلس “الدول المشاطئة للبحر الأحمر”، وتفعيل أدواته الأمنية والاستراتيجية وفقاً لميثاقه التأسيسي، إذ تستهدف حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب والقرصنة، وتعزيز الأمن الإقليمي، والردع ضد أي تهديدات. وتنطلق القاهرة، من النقطة الأخيرة، إذ تعتبر خطوة إسرائيل تهديداً لأمن المنطقة، التي من المتوقع أن تشهد مزيداً من التوترات نتيجة أطماع توسعية لإسرائيل وإثيوبيا، التي تبحث أيضاً عن موطئ قدم على ساحل البحر الأحمر. والدول المنضمة إلى مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، الذي تأسس عام 2020، هي السعودية، ومصر، واليمن، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والسودان، والأردن، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار وحماية الملاحة والتجارة في هذه الممرات البحرية الحيوية14. وفي سياق متصل، ذكر موقع “بلومبيرغ” أن السعودية تنهي اتفاقية لتشكيل تحالف عسكري جديد مع الصومال ومصر، بعد اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال الانفصالي. وأفاد الموقع بأن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود سيتوجه إلى السعودية قريباً لإتمام الاتفاقية، التي تهدف إلى تعزيز التعاون الاستراتيجي في مجال أمن البحر الأحمر، فضلاً عن تعميق التعاون العسكري. وأكد متحدث باسم الحكومة الصومالية وجود اتفاق قيد الإعداد، لكنه امتنع عن الإدلاء بمزيد من التعليقات، بحسب الموقع. وفي 12 يناير 2026، قرر الصومال إلغاء جميع الاتفاقيات المبرمة مع دولة الإمارات، بما فيها اتفاقيات أمنية ودفاعية واقتصادية، رداً على اتخاذ أبو ظبي خطوات “تقوض سيادة البلاد ووحدتها واستقلالها”، بحسب بيان لمجلس الوزراء الصومالي15. الثالث؛ تعزيز التعاون العسكري الثنائي مع الصومال: نقلت مواقع عبرية متعددة بينها صحيفة «جيروزاليم بوست» وموقع «إيه آي 24» ما نشرته صحيفة «ذا ناشيونال»، بشأن “قيام مصر بتعزيز وجودها العسكري في الصومال عقب اعتراف إسرائيل بـ (صومالي لاند)، خشية من النفوذ الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الاستراتيجية”. وادعت التقارير أن “القوات المصرية، البالغ قوامها 10 آلاف جندي، أُعيد توزيعها وتوسيع نطاق مهامها الأمنية لمواجهة التهديد الجيوسياسي المتنامي”. ووقعت مصر والصومال، في أغسطس 2024، بروتوكول تعاون عسكري، واتفق البلدان حينها على مشاركة مصر في البعثة الأفريقية لحفظ السلام خلال الفترة من 2025 إلى 2029، ودعمت…

تابع القراءة

موقف مصر من الخلاف بين السعودية والإمارات

أقدم المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، في 3 ديسمبر 2025، على تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق، تمكن خلالها من بسط سيطرته على محافظتي حضرموت والمهرة، في خطوة مثلت تهديدًا جوهريًا للسعودية؛ حيث تشكل حضرموت والمهرة العمق الحدودي المباشر مع المملكة العربية السعودية، وبوابة اليمن على بحر العرب. ما دفع السعودية، إلي تنفيذ أولى الضربات الجوية التي استهدفت مواقع تابعة لقوات المجلس في حضرموت، في 26 ديسمبر 2025. ثم جاءت الضربة النوعية في 30 ديسمبر 2025 ضد سفن ومعدات عسكرية في ميناء المكلا، ثبت ارتباطها بخطوط إمداد قادمة من ميناء الفجيرة دون تصاريح رسمية، لتشكل لحظة فارقة في مسار التحول السعودي. فاستهداف شبكات الإمداد لا المواقع القتالية فقط، عكس استعداد الرياض لكشف وتعطيل أي أدوار مزدوجة لدولة الامارات داخل التحالف، وإنهاء مرحلة إدارة التباينات خلف الكواليس. في اليوم نفسه، أعلنت الإمارات سحب ما تبقى من قواتها من اليمن. ورغم تقديم القرار إعلاميًّا بوصفه إعادة تموضع، فإن توقيته المتزامن مع الضربة الجوية في المكلا كشف طبيعته الحقيقية كـانسحاب وقائي من ملف أصبح عالي التكلفة، واختيارًا لتفادي الاصطدام المباشر مع التوجهات الصارمة السعودية الجديدة التي أعادت رسم حدود الدور المسموح به لكل طرف داخل التحالف. أدى هذا الانسحاب إلى تجريد المجلس الانتقالي الجنوبي من غطائه الإقليمي الأساسي، وتركه مكشوفًا أمام الضغط العسكري والسياسي السعودي، مما سرع من عزلته الداخلية، ومهد لانهياره القيادي والسياسي خلال الأيام اللاحقة. وتجلى هذا الأمر بوضوح مع هروب رئيس المجلس، عيدروس الزبيدي، خارج البلاد. ثم في 9 يناير 2026، جاء إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي تتويجًا لهذا الانهيار1. أولًا: التعامل المصري مع الخلاف السعودي الإماراتي: اتخذ التعامل المصري مع الخلاف السعودي الإماراتي عدة أشكال، تمثلت في: 1- أصدرت الخارجية المصرية بيانًا رسميًا، في 30 ديسمبر 2025، تعليقًا على تطورات الأزمة السعودية – الإماراتية في اليمن، أكدت فيه القاهرة علي متابعتها باهتمام بالغ التطورات الأخيرة على الساحة اليمنية، مؤكدة إجراء اتصالات مكثفة مع الأطراف المعنية بهدف خفض التصعيد. كما أعرب البيان عن ثقة مصر في حرص كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة على التعامل بحكمة مع المستجدات، وعلى تغليب قيم التعاون والأخوة بين البلدين2. اتسمت صياغة البيان بالتحفظ واعتماد مقاربة وسطية، من دون تأكيد صريح على وحدة الأراضي اليمنية، فُسر هذا التوجه باعتباره منسجمًا مع الموقف الإماراتي الداعم لإعادة تشكيل الوضع في جنوب اليمن عبر كيانات محلية موالية لها3. وفي 5 يناير 2026، زار وزير الخارجية السعودي القاهرة للقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي. وعقب اللقاء، أفادت رئاسة الجمهورية المصرية بأن المباحثات أكدت تطابق الموقفين المصري والسعودي بشأن ضرورة التوصل إلى حلول سلمية لأزمات المنطقة، بما يضمن وحدة الدول وسيادتها وسلامة أراضيها، ولا سيما في السودان واليمن والصومال وقطاع غزة4. وتذهب تحليلات إلى أن الجانب السعودي كان يسعى إلى موقف مصري أكثر وضوحًا إزاء مسألة وحدة اليمن، بما ينسجم مع الرؤية السعودية، في مقابل الطرح الإماراتي الداعم لإعادة تشكيل الوضع في جنوب اليمن عبر قوى محلية موالية للإمارات. غير أن البيان الصادر عن رئاسة الجمهورية المصرية عقب اللقاء ركز على التأكيد المشترك على وحدة وسيادة عدة دول عربية، من بينها اليمن والسودان والصومال، دون تخصيص اليمن وحده، وهو ما فُسر على أنه محاولة للحفاظ على توازن دقيق في العلاقات مع الطرفين. في المقابل، قدم محللون سعوديون قراءة مغايرة، معتبرين أن البيان المشترك الصادر في القاهرة بعد الزيارة يعكس تقاربًا مصريًّا–سعوديًّا في ملفات إقليمية رئيسة، لا سيما اليمن والسودان والصومال. وذهب بعضهم إلى توصيف هذا التقارب باعتباره مؤشرًا على إعادة تموضع سياسي لمصر باتجاه تعزيز ما يُسمى بـ”الارتكاز العربي”، في مواجهة مشاريع تفكيك الدولة الوطنية في الإقليم التي تقودها الإمارات5. 2- نقل موقع “ميدل إيست آي” عن مصدر بالرئاسة المصرية، في 13 يناير الجاري، تأكيده مشاركة مصر معلومات استخباراتية وتسجيلات مع السعودية عن نشاط الإمارات وأهدافها في اليمن، وعن دعمها “مليشيا الدعم السريع” بالسودان، فيما أشار الموقع إلى طلب الرياض من القاهرة تجهيز قواتها البحرية لقطع خطوط الإمداد المحتملة من أبوظبي إلى جنوب اليمن. وذلك وسط تصاعد التوترات بين السعودية والإمارات، وفي توقيت ينظر فيه المصريون إلى دعم الإمارات للجماعات المسلحة والانفصالية في اليمن والسودان وصوماليلاند باعتباره تهديدًا للأمن القومي المصري. في المقابل، ووفق الموقع البريطاني، “أثار تبادل المعلومات الاستخباراتية غضب أبوظبي”، ناقلة عن مصدر مصري آخر، تأكيده اعتراض الإمارات وتوجيهها تحذيرًا من تحسين علاقات القاهرة مع الرياض على حسابها، وتلويحها باستثماراتها في مصر6. 3- في إطار حصار السعودية النفوذ الإماراتي في إقليم الشرق الأوسط، أكدت وكالة “بلومبيرغ”، في 8 يناير الجاري، سعي تركيا للانضمام لتحالف دفاعي سعودي باكستاني، ما قرأ فيه خبراء بأنه تمهيد لتغير ميزان القوى في الشرق الأوسط، دون حضور مصري. إلا أن وكالة “بلومبيرغ”، قالت إن السعودية بصدد تشكيل تحالف عسكري جديد مع الصومال ومصر، في إطار الحد من النفوذ الإقليمي للإمارات، وذلك بعد أن ألغت الصومال اتفاقيات أمنية وموانئ مع الإمارات، وذلك في ظل حضور عسكري مصري متسارع في الصومال في إطار اتفاقية عسكرية أُبرمت العام الماضي (2025). وفي مقابل قرار الصومال تعليق جميع الرحلات العسكرية الإماراتية في أجوائه وسماحها لأبوظبي سحب ما تبقى من أفرادها ومعداتها العسكرية دون إخضاعها لأي تفتيش، ومع أنباء بحث الإمارات عن مسارات طيران بديلة إلى ليبيا بعيدًا عن أجواء الصومال والسعودية ومصر؛ تزايد الحضور العسكري المصري بمقديشيو7. 4- شهد دور مصر في حصار النفوذ الإماراتي بالإقليم تطورًا غير مسبوقًا، منذ تفجر أزمة الحرب السودانية في أبريل 2023، بين “مليشيا الدعم السريع” بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) المدعومة إماراتيًا، والجيش السودان المدعوم من مصر وتركيا والسعودية، كمؤسسة شرعية. إذ تشير الأنباء إلى ضرب الجيش المصري ولأول مرة إمدادات عسكرية قرب العوينات كانت قادمة من الإمارات عبر قوات خليفة حفتر بليبيا، إلى مليشيا الدعم السريع، وسط أنباء عن إبلاغ القاهرة حفتر بضرورة الخروج من مشروع “الإمارات- حميدتي”8. وفي هذا السياق، عقدت مصر لقاءات دبلوماسية وتحركات فاعلة على الأرض في إطار تحالف مصري سعودي تركي أسفر مؤخرًا عن إبرام صفقة أسلحة للجيش السوداني من باكستان، بقيمة تُقدر بنحو 1.5 مليار دولار، في صفقة وُصفت بأنها الأضخم منذ اندلاع الحرب في البلاد، في ظل توجه يسعى لتضييق الخناق على الدور الإماراتي، وإزاحة الدعم السريع ودمجه داخل قوات الجيش والشرطة، وصولًا لإيجاد حل سياسي ينهي الحرب. ويبدو أن القاهرة تسعي إلي تشكيل تحالفات مماثلة في القرن الأفريقي لمواجهة التحالف بين إسرائيل والإمارات وإثيوبيا9. 5- كشف موقع “ميدل أيست آي” نقلًا عن مصدر رفيع في الرئاسة المصرية قوله إن الخلاف المصري الإماراتي اتضح هذا الشهر (يناير 2026) عندما رفضت الشركة القابضة للنقل البحري والبري المملوكة للدولة في مصر عرضاً من شركة بلاك كاسبيان…

تابع القراءة

العنف الطائفي في نزلة جلف الحدث ردود الفعل والدلالات

شهدت قرية نزلة جلف التابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا حادثة عنف طائفي، الأربعاء 22 أكتوبر؛ على خلفية “البحث عن فتاة مسلمة ثم اكتشاف وجودها بمنزل إحدى الأسر المسيحية لعدة ساعات، واتهمت أسرة الفتاة شابًا مسيحيًا بخطفها”1، وقيل أن السبب عِلاقة عاطفية جمعت بين الشاب القبطي، الذي يبلغ من العمر 18 عامًا، والفتاة المسلمة وتبلغ 16 عامًا2، ما دفع عدد من مسلمي القرية إلى التجمهر ورشق منازل مسيحييها بالطوب، وحرق عدد من عشش الأسر المسيحية بالأراضي الزراعية، ما أسفر عن إتلاف بعض الممتلكات الخاصة. وقد انتشرت عدة مقاطع فيديو، على مواقع التواصل، تحرض على مهاجمة مسيحيين القرية وكنيستها، فضلا عن مقاطع فيديو أخرى، تستغيث بالأجهزة الأمنية وضرورة تدخلها لمنع تفاقم الاعتداءات3. تدخلت قوات الشرطة وتم احتواء الموقف، بعدها عقدت جَلسة عرفية، في 24 أكتوبر، بمنزل عمدة القرية، وبحضور عدد من القيادات الأمنية، والمحكمين، وكاهن كنيسة القرية، وأهالي قرية نزلة جلف. وقد قرر مجلس التحكيم العرفي، تهجير الشاب من القرية “على الفور” وإمهال أسرته خمس سنوات للمغادرة، مع تغريمها مليون جنيه4. ردود الفعل الرسمية على الحدث وتطوراته:جاءت ردود الفعل على الواقعة من القاهرة، حسبما جاء في الإعلام، كلها غاضبة ومنددة باللجوء إلى الجلسات العرفية5، بوصفها لجأت إلى عقوبة جماعية على أسرة الشاب المسيحي، في حين من المفترض أن تكون العقوبة فردية، كذلك فقد استخدمت التهجير كعقوبة وهو ما يحظره الدستور، وفي النهاية بدت مخرجات الجَلسة مجحفة بحق الأسرة المسيحية؛ إذ لا يستدعي ما حدث كل هذا التنكيل، وفي النهاية يعد اللجوء للجلسات العرفية خروج على مبدأ اللجوء للقضاء العادي بوصفه معبر عن سلطة الدولة وسيادة القانون. فقد أدان «الديمقراطي الاجتماعي»6، و«العيش والحرية»7، وحزب التحالف الشعبي الاشتراكي8، العنف الطائفي الذي وقع وما أسفر عنه من جلَسة عرفية وأحكام مجحفة بحق الشاب المسيحي وأسرته، كما أدانت البرلمانية مها عبد الناصر ما وقع، ودعت إلى “تحقيق عاجل وشفاف في تفاصيل ما جرى، وإعلان نتائجه للرأي العام”، ورفض اللجوء إلى الجلسات العرفية كآلية لتسوية الخلاف9. وقد أصدرت وزارة الداخلية، بيانًا، تعليقًا على الحادثة، قالت فيه “أن المشاجرة نشبت لخلاف بين عائلتين نتيجة إرتباط فتاة بأحد أبناء العائلة الأخرى”، وأنه “تم إتخاذ الإجراءات القانونية فى حينه، وبالعرض على النيابة العامة قررت حبس الشاب على ذمة القضية”، وقد أعقب ذلك “تصالح العائلتين خلال جلسة صلح عرفية وفقاً للعادات والتقاليد السائدة بالقرية”، وأن ذلك لا يتعارض مع الإجراءات القانونية المتخذة10. وعن تفاعل الرأي العام مع الحادثة، قال البيان، أن البعض حاول إضفاء أبعاد طائفية حيال الواقعة لاختلاف الديانة، وحذر مما أسماه “محاولات البعض استغلال الواقعة للنيل من حالة الترابط الأخوى بين عنصرى الأمة، وسيتم إتخاذ الإجراءات القانونية بشكل حاسم حيالهم”. الطائفية في الصعيد… محاولة للفهم: المقاربة الامبريالية المتعالية: كانت أكثر التعليقات انتشارًا، اعتبار المسألة الطائفية في الصعيد، هي نتاج الفكر المتطرف وانتشاره بين أهالي الصعيد، واعتبار لجوء الدولة للأحكام العرفية، كدليل على وجود نفس الأفكار المتطرفة، أو على الأقل المحافظة، لدى أجهزة الدولة وعند المسؤولين. وأن هناك “مزاج عام، عقيدة راسخة يتم إعادة إنتاجها من خلال الثقافة الشعبية، والتعليم، والهيكل البيروقراطي في الدولة والتركيبة المجتمعية وحتى سلوك السلطة تجاه المجتمع ككل والمسيحيين بالأخص، هذه العقيدة تقوم على مبدأ سيادة المسلمين السنة على الآخرين. ومع السيادة لا تستقيم المساواة11. هذه المقاربة الثقافوية، التي ترى أن ثقافة المجتمع رجعية بالضرورة، عنيفة ومتطرفة بالتبعية، عادة ما تتجاهل الأبعاد البنيوية، وعادة ما تتبنى حلول لا تقل عنفًا وتطرفًا، وكان من أكثر الرؤى تطرفا في هذا السياق، ما جاء في أحد التعليقات12 على ما حدث، حيث اعتبر أن (1) الفكر المتطرف يسري في الدولة كما يسري في المجتمع؛ إذ ليست الدولة بنية متعالية عن المجتمع، إنما هي جزء أصيل من المجتمع نفسه بكل أمراضه الموروثة”. (2) انتشار الانتماء العائلي في الدلتا، والقبائلي في الصعيد، والطبقي على المستوى القومي وهو ما يؤثر على التوجهات والسياسات. (3) الإسلام السياسي مشروع ذات محتوى اجتماعي وثقافي طبقي ورجعي ومتآمر مع الاستعمار، وبيمثل خطر داهم على بينة الدولة والمجتمع. هذا المشهد -بحسب هذه الرؤية- هو الذي أنتج مشهد قرية جلف وطريقة التعامل معها، ومن ثم فإن معالجة الحدث الطائفي في المنيا، يستلزم تدخل عميق وممتد، ويتمثل في؛ (أ) على المستوى الاقتصادي: تحويل الملكيات العقارية الزراعية إلى ملكيات عامة؛ تحمي الأرض من التبوير وتنهي حالة سُعار الاستثمار العقاري وتخلق مساحات قابلة لتطويرها وتحديثها زراعياً، ولنزع المرتكز الاقتصادي للقبائلية حامية الطائفية. (بـ) ديمغرافيًا: صهر البنية القبلية، وتجريم التعالي بالدين، واستبدال كل الانتماءات بالانتماء للوطنية المصرية الحديثة. مع إرساء نهائي للعلمانية في بنية الدولة والمجتمع. القراءة التأويلية للحدث: في محاولة لفهم منطقه الداخلي، قبل التسرع في الحكم عليه من الخارج بشكل متعالي. فإن الطائفية في صعيد مصر ليست بقايا جهل أو عادات ريفية كما يروّجون، بقدر ما هي جزء من بنية الدولة البوليسية التي تُغذي الكراَهية لتقسيم المجتمع، وتمنع أي تضامن بين فقرائه ومضطهديه13، وبقدر ما هي نتاج مجتمعات مسكونة بغضب مكتوم لغياب الدولة، إلا في صورتها القمعية، إذ تفتقد كل البنية الخدمية من مدارس ومستشفيات، وبقدر ما هي نتاج ثقافة ذكورية جعلت من جسد المرأة ساحة للصراع ومحاولات السيطرة والإخضاع14. كما أنها نتاج أوضاع اقتصادية وديمغرافية ضاغطة؛ ريف المنيا “صاحب أعلى معدل نمو سكاني في مصر كلها بنسبة تتجاوز 2.5% سنوياً، ويرتفع نسبة الشباب إلى أكثر من 40% من السكان”، مع ارتفاع نسبة الفقر إلى 54% بحسب بيان وزارة التخطيط المصرية، وقد تصل إلى أكثر من 70%، وهو ما يترافق مع انخفاض معدلات التعليم الجامعي في ريف المنيا، حيث يعد ريف المنيا هو الأقل في مصر كلها من حيث نسبة المتعلمين جامعياً بحسب البيانات المتوفرة. كل ما سبق يجعل ريف المنيا تربة خصبة للعنف الاجتماعي، ومع تركز الأقباط بنسبة تزيد عن 15% في ريف المنيا، وهي نسبة مرتفعة للغاية، ومن ثم يسهل أن ينزلق العنف الاجتماعي إلى صراع طائفي15. وفقًا لهذه القراءة، فإن المحاكم العرفية جزء من بنية المجتمع في الصعيد، تستند في أحكامها للعادات والتقاليد، التي تحظى برضا وقبول المجتمع هناك، من ثم فإن ما يصدر عنها يقابل بالإذعان من الناس هناك. خاصة أن القانون أقل حضورًا، ومؤسسات الدولة غائبة، من ثم فإن اللجوء للقضاء والقبول بأحكامه لا يضمن التزام المجتمع به. فالأمر ليس اختيار حر بين مسارين، قضائي وعرفي، إنما بين مسار يضمن المجتمع تحقيق أحكامه، ومسار ليس هناك ضمانة لتحقيقه. وبصيغة أخرى، يمكن أن القول أن الجلسات العرفية جزء من تراث تقليدي وما قبل حداثي لا يزال حيًا يتنفس في الصعيد، فلا تزال بنية المجتمع تختزن أن تراث اقطاع مستمر، وعلاقات قهر مستدامة، وتراث “عبودية” لا يزال قائمًا16. لكن هذا التراث يتغذى على تباين طبقي صارخ،…

تابع القراءة

موقف حماس من خطة ترامب لوقف الحرب في غزة: الدوافع والتحفظات

سلمت حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، في 3 أكتوبر 2025، الوسطاء ردها على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب في قطاع غزة وإحلال ما وصفه الأخير بـ”السلام” في المنطقة. وذكرت الحركة – في بيان لها – أنها أجرت “مشاورات واسعة للتوصل لموقف مسؤول” في التعامل مع خطة ترامب، حرصًا منها على وقف العدوان الإسرائيلي. وأضافت “نعلن موافقتنا على الإفراج عن كل الأسرى أحياء وجثامين، وفق مقترح ترامب بما يحقق وقف الحرب والانسحاب مع توفير الظروف الميدانية للتبادل”، مبدية استعدادها “الفوري” للدخول من خلال الوسطاء في مفاوضات لمناقشة كل التفاصيل. كما جددت الحركة – وفق نص البيان- موافقتها على تسليم إدارة القطاع لهيئة فلسطينية من المستقلين بتوافق وطني واستنادًا لدعم عربي إسلامي. وشددت على أن ما ورد في مقترح ترامب عن مستقبل قطاع غزة وحقوق الشعب الفلسطيني “يرتبط بموقف وطني يناقش في إطار وطني فلسطيني جامع تكون حماس ضمنه وستسهم فيه بكل مسؤولية”1. ثم أعلنت حماس، في 9 أكتوبر 2025، التوصل إلى اتفاق يقضي بوقف الحرب على قطاع غزة، وانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من كامل القطاع، وإدخال المساعدات الإنسانية، بالإضافة إلى تنفيذ عملية تبادل الأسرى بين إسرائيل وفصائل المقاومة. وفي بيان رسمي، وصفت الحركة المفاوضات بأنها جرت “بمسؤولية وجدية”، وأكدت أن وفدها وفصائل المقاومة الفلسطينية شاركوا في المباحثات في المبادرة التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مدينة شرم الشيخ، وذلك بهدف إنهاء “حرب الإبادة” ضد الشعب الفلسطيني. وأعربت حماس عن تقديرها العالي “لجهود الإخوة الوسطاء في قطر ومصر وتركيا”، كما ثمنت “المساعي التي بذلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب نهائيًا وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي بالكامل من قطاع غزة”. ودعت الحركة في بيانها الرئيس ترامب والدول الضامنة للاتفاق، إلى إلزام حكومة الاحتلال بتنفيذ جميع بنود الاتفاق، وعدم السماح لها بالتنصل أو المماطلة في تطبيق التفاهمات التي تم التوصل إليها، كما ناشدت الأطراف العربية والإسلامية والدولية دعم هذا المسار. ووجه البيان تحية للشعب الفلسطيني في غزة، والقدس، والضفة الغربية، وفي داخل الوطن وخارجه، مشيدًا “ببطولاته وصموده في مواجهة مشاريع الاحتلال الفاشية وتشبثه بحقوقه الوطنية”، مؤكدًا أن “هذه التضحيات أفشلت مخططات الاحتلال الرامية إلى الإخضاع والتهجير”. وأكدت الحركة أن “تضحيات شعبنا لن تذهب هباءً، وسنظل أوفياء للعهد ولن نتخلى عن حقوق شعبنا الوطنية حتى تحقيق الحرية والاستقلال وتقرير المصير”2. ثم خرج رئيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطاع غزة خليل الحية ، مؤكدًا علي أن الحركة تعاملت بمسؤولية عالية مع خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أفضت إلى إعلان اتفاق لوقف إطلاق النار في مفاوضات شرم الشيخ، مشيرًا إلى أن الحركة قدمت “ردًا يحقق مصلحة الشعب الفلسطيني ويحقن دماءه”. وذكر الحية – في كلمته – أن الاتفاق الذي جرى التوصل إليه يشمل دخول المساعدات وفتح معبر رفح وتبادل الأسرى، وأنه سيتم بموجبه إطلاق سراح 250 من الأسرى ممن حكم عليهم بالمؤبد و1700 من أسرى قطاع غزة. وقال إن الطرف الفلسطيني المفاوض تسلم ضمانات من الوسطاء ومن الإدارة الأمريكية، وإن جميع هذه الأطراف أكدت أن الحرب انتهت “بشكل تام”. وشدد على أن حماس ستواصل العمل مع جميع القوى الوطنية والإسلامية استكمالًا لباقي الخطوات المدرجة ضمن خطة ترامب. كما أعرب الحية -خلال كلمته- عن “التقدير العميق للإخوة الوسطاء في مصر وقطر وتركيا، ولكل من شاركنا الدم والمعركة من أمتنا في اليمن ولبنان والعراق وإيران.. وكل من تضامن معنا من الأحرار في أنحاء العالم.. خاصة في قوافل الإسناد والحرية برًا وبحرًا”3. أولًا: دوافع حماس للموافقة علي الخطة: تتمثل أبرز دوافع حماس للموافقة علي خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب في غزة فيما يلي: 1- سبق رد حركة حماس في بيانها الرسمي، في 3 أكتوبر 2025، علي خطة ترامب، اجتماع عدد من قادة الدول العربية والإسلامية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 23 سبتمبر 2025، واطلعوا على تفاصيل الخطة، وعبروا عن تأييدهم الكامل لها في بيان مشترك عن وزراء خارجيتها (مصر، والأردن، والإمارات، والسعودية، وقطر، وتركيا، وباكستان، وإندونيسيا)، وهو ما يعني أن رفض حماس للخطة لن يواجه فقط بعزلة دبلوماسية، بل ربما بتخل واضح من حلفائها الإقليميين، لا سيما قطر وتركيا، واحتمال انسحاب مصر من دورها كوسيط رئيس، ما سيغلق أمام الحركة أي أفق تفاوضي للخروج من الحرب في المستقبل، بل وتتحمل نتائجها وتداعياتها، بالإضافة إلى أن التأييد الإقليمي والدولي الواسع للخطة سيقلص من قدرة حماس على المناورة في بنودها، خصوصًا فيما يتعلق بالحصول على ضمانات تتصل بـ “اليوم التالي” لإطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين، في ظل إدراك حماس أن البنود التي تتضمنها الخطة ترتبط معطياتها ميدانيًا بالعمليات العسكرية الإسرائيلية على الأرض، وأن قدرة الحركة على مواجهتها باتت محدودة، وربما معدومة4. 2- الدافع الرئيسي خلف موقف حماس من الخطة تعلق بشعورها بالمسؤولية تجاه أهل قطاع غزة بالعمل على وقف الحرب، الذي أصبح عنوان بيان الرد على الخطة، وإيقاف حملة الإبادة المستمرة طوال عامين. كان وقف الحرب، رغم حجم التنازلات، هو المحرك الرئيسي خلف قبول حماس بأكثر من مشروع سابق لنهاية الحرب، تقدم به الأمريكيون على وجه الخصوص، ونجح نتنياهو في إفشاله. ولا بد أن حماس شعرت هذه المرة – ربما أكثر من أي محاولة سابقة – أن هناك ضمانات أمريكية حقيقة لمنع استئناف إسرائيل للحرب بعد الافراج عن الأسري الإسرائيليين، وأن الوسطاء العرب والإسلاميين يقفون إلى جانبها، وأنهم أكثر استعدادًا لمساندة موقفها خلال مفاوضات تطبيق الخطة المتعددة. 3- أن الخطة رغم غموض العديد من بنودها وميلها الواضح لصالح الأهداف الإسرائيلية؛ تؤكد بوضوح جلي على عدم تهجير قطاع غزة، بل وتشجيعهم على البقاء، ومساعدتهم على استئناف حياة طبيعية داخل القطاع5. وهنا لابد من ملاحظة أن ديباجة بيان موافقة حماس علي الخطة بدأت بتقدير “الجهود العربية والإسلامية والدولية وجهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الداعية إلى وقف الحرب على قطاع غزة وتبادل الأسرى ودخول المساعدات فورًا، ورفض احتلال القطاع، ورفض تهجير الشعب الفلسطيني منه”، وهي ديباجة تبرز نقاط التوافق الأساسية التي تقدم تفسيرًا مسبقًا لأسباب الموافقة علي الخطة (وقف الحرب، وتبادل الأسرى، وألية إدخال المساعدات (عبر الأمم المتحدة وليس عبر مؤسسة غزة الإنسانية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة وإسرائيل)، ورفض الاحتلال العسكري والتهجير)6. 4- أن الخطة تنص على انتشار قوات دولية – يفترض أن يكون جميع أفرادها من دول عربية وإسلامية – في قطاع غزة؛ الأمر الذي سيفرض على هذه القوات حماية وتأمين أهالي القطاع وضمان الوقف النهائي للحرب، حتى إن لم تنص الخطة على أن هذه تقع ضمن واجباتها. 5- أن عددًا من المسؤولين الأمريكيين المقربين من الرئيس ترامب قدموا وعودًا للوسطاء العرب والمسلمين بإعادة النظر في البنود محل الاعتراض، خلال المباحثات التفصيلية حول إجراءات تطبيق الخطة7. ثانيًا: تحفظات حماس علي الخطة: أظهرت البيانات والتصريحات الصادرة عن حماس ومسئوليها، أن الحركة لديها تحفظات علي بعض البنود الواردة في خطة ترامب، حيث…

تابع القراءة

احتجاجات جيل Z في المغرب: الحدث ودلالاته

شهدت المغرب، في الأسبوع الأخير من شهر سبتمبر الماضي 2025، اندلاع احتجاجات في أكثر من 11 مدينة بالبلاد -مثل الرباط والدار البيضاء ومراكش وسلَا وطنجة1– بشكل مفاجئ ودون مقدمات، شارك فيها مئات الشباب. وقد جاءت مناهضة للحكومة، ومطالبة بإقالتها، ومنددة بإخفاقاتها في سياسات الصحة والتعليم، معربين عن استيائهم من انشغالها بالإعداد لاستضافة كأس العالم في 2030 على حساب القضايا الأكثر إلحاحًا2، فهي احتجاجات على أولويات إنفاق نيوليبرالية لا تتفق مع أولويات الإنفاق لدى المجتمع؛ بينما تعتبر الحكومة المغربية أن الاستعداد لكأس العالم هو الأولوية، يرى المحتجين الشباب أن الأولوية ينبغي أن توجه للصحة والتعليم، مع رفض الفساد المنتشر في الجهاز الحكومي3. الدعوة للاحتجاج بدأت مع وفاة ثماني نساء حوامل في قسم الولادة بمستشفى الحسن الثاني بمدينة اغادير، منتصف سبتمبر الماضي، لتظهر الدعوة للتظاهر، على قناة «جيل زد 212» التي تتخذ من منصة التواصل الاجتماعي ديسكورد مساحة للنقاش، وتضم أكثر من 185 ألف عضو على قناتها4. ومع اندلاعها، اتسمت باللامركزية، وقادتها مجموعات شبابية. رد فعل الحكومة على الاحتجاجات: كما هو متوقع كانت ردة الفعل الأمنية هي الاستجابة الأسرع من جانب الحكومة، ما أسفر عن أعمال عنف، ووقوع قتلى ومصابين، وحركة اعتقالات في صفوف المتظاهرين5. لم تقف المقاربة الأمنية للمشهد الاحتجاجي عند الشارع فقط، إنما امتدت إلى الفضاء الافتراضي؛ إذ طورت أساليب للرصد والمراقبة وحجب المحتوى أحياناً، كما حدث مع بعض الصفحات في فترات الحراك6. وإن كانت الحكومة عادت في وقت لاحق، وأكدت أنها “تتفهم المطالب الاجتماعية ومستعدة للتجاوب الإيجابي والمسؤول معها”، وأنها مستعدة للحوار مع الشباب “داخل المؤسسات والفضاءات العمومية وإيجاد حلول واقعية و قابلة للتنزيل للانتصار لقضايا الوطن والمواطن”. وأن “المقاربة المبنية على الحوار والنقاش هي السبيل الوحيد لمعالجة مختلف الإشكالات التي تواجهها بلادنا”7. سر ظهور المتغير الجيلي: قاد الاحتجاجات مجموعات شبابية، تنشط على مواقع التواصل الاجتماعي (TikTok/Instagram/Discord)، دون أجندة سياسية، إنما فقط مطالب تتعلق بالحقوق الأساسية ومستقبل هذا الجيل، فيما لم تشارك في تنظيمها النقابات أو الأحزاب السياسية. خاصة أن قادة الحراك رفضوا مشاركة أي فصيل؛ حيث حالوا دون مشاركة نبيلة منيب، النائبة البرلمانية عن الحزب الاشتراكي الموحد؛ كون الوقفات لا تضم أي حزب سياسي، وترفض أي استغلال لها من قبل أي مكوّن8. وهو ما كان مفهومًا؛ فالدعوة انطلقت من منصة تحظى بشعبية بين الشباب والمراهقين من محبي ألعاب الفيديو وكرة القدم، ما يعني أنهم غير مسيسين؛ لكنهم تأثروا بأمرين؛ الأول: أنهم غضبوا لوفاة النساء الحوامل بمدينة أغادير من جراء انهيار المرفق الصحي هناك. الثاني: اهتمامهم بالرياضة وفر لهم معرفة جيدة عن حجم الاهتمام والإنفاق الحكومي على قطاع كرة القدم. كما يظهر المتغير الجيلي بشكل واضح لو قارنا هذه الاحتجاجات في المغرب باحتجاجات 2011 هناك، ثم باحتجاجات الريف في 2016، التي وقعت كردة فعل على “الموت المفجع لبائع السمك المغربي محسن فكري سحقاً بشاحنة لجمع النفايات في مدينة الحسيمة شمال المغرب بعد مشادة مع عناصر الشرطة9“. فالأولى كانت احتجاجات مسيسة شارك فيها الشارع السياسي المغربي بمختلف مكوناته، أما احتجاجات الريف فقد كانت مناطقية، شارك فيها أفراد من مختلف الأعمار، ولعبت قوى نقابية والمجتمع المدني فيها دورًا واضحًا، أما الأخيرة فهي شبابية بشكل واضح «Genz»، مجموعات غير مسيسة، كما نجحت في تجاوز البعد المناطقي. عن دلالة المكان: لما كانت أغادير نقطة انطلاق الاحتجاجات: أيضا انطلاق الاحتجاجات من مدينة أغادير، ثم انتقاله إلى مدن أخرى يبدو أيضا مفهومًا، فالمدينة هي التي شهدت وفاة النساء الثمانية من جراء انهيار الخدمات الصحية وتقادم الأدوات هناك. ومن ناحية أخرى، فالمدينة رغم أنها سياحية، وتعتبر من الأماكن التي يلجأ إليها المغاربة في الصيف كوجهة للسياحة الداخلية. ورغم تمتعها بنشاط زراعي تصديري تشتهر به مناطقها، حيث تصدر الطماطم والموز والبرتقال، إلا أن المردود الاقتصادي من تلك الأنشطة لا ينعكس على ساكنيها، كون الصادرات معفية من الضرائب، وكون المدينة تعاني من الجفاف بسبب استهلاك الزراعة للمياه، وأخيرًا فقد تعرضت المدينة لزلزال الحوز -منذ عامين- الذي شرد مئات من السكان10. دلالات عامة للمشهد الاحتجاجي في المغرب: احتجاجات المغرب هي جزء من مشهد احتجاجي عالمي، في كينيا ومدغشقر، ومن باراغواي إلى بيرو، وفي نيبال. مشهد تشكله مجموعات شبابية تتراوح أعمارهم بين 13 و28 عاماً، ويكشف عن عدد من السمات؛ منها: الدور الرئيسي الذي لعبته مواقع التواصل الاجتماعي في الحشد والتعبئة والتنظيم، وفي استفادة المحتجين من الخبرات التي راكمتها مجموعات احتجاجية شبابية في بقاع أخرى من العالم، وفي بناء تشكيلات شبكية أكثر مرونة في مواجهة الضربات الأمنية، وفي الوقوف على الفروق الكبيرة في مستويات المعيشة بين غالبية المجتمع ومجموعات نخبوية صغيرة، ما يغذي الغضب ويدفع للتغيير11. كما يكشف عن نجاح النظم الحاكمة، في الدول التي شهدت هذه الاحتجاجات، في ترويض القوى السياسية التقليدية، وعزلها عن الشارع، وتقويض قدراتها السياسية، ما يفتح المجال لظهور التشكيلات الشبكية المبنية عبر مواقع التواصل الاجتماعي. كذلك يكشف عن حالة التكلس السياسي؛ إذ فقدت الكيانات التقليدية قدرتها على استيعاب النشاط السياسي. ويكشف عن غياب الايديولوجيات الجامعة القادرة على استيعاب الغضب الشبابي الصاعد وامداده بالمفردات التي يمكن استخدامها في بلورة مطالبه وبناء خطابه والتعبير عن تطلعاته. الخاتمة: أعلنت حركة “جيل زد 212” الشبابية المغربية، في 11 أكتوبر 2025، تعليق احتجاجاتها مؤقتًا، بهدف “تعزيز التنظيم والتنسيق وضمان أن تكون المرحلة المقبلة أكثر فاعلية وتأثيرًا، بعيدًا عن أي ارتجال أو استغلال خارجي”، وأنها “ستعلن عن دعوة جديدة للتظاهر في وقت لاحق”، مشددة على أن مطالبها ثابتة “وعلى رأسها محاسبة الفاسدين وتحميل الحكومة مسؤولية الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة”12. تعليق الاحتجاجات واكب كلمة الملك المغربي، الجمعة 10 أكتوبر، بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الأخيرة من الولاية الحكومية الحالية أمام البرلمان المغربي بمجلسيه. وأكد فيها على ضرورة التركيز على المناطق الأكثر هشاشة، خاصة الجبال والواحات، مؤكًد على أنه “لا ينبغي أن يكون هناك تناقض أو تنافس بين المشاريع الوطنية الكبرى والبرامج الاجتماعية ما دام الهدف هو تنمية البلاد وتحسين ظروف عيش المواطنين أينما كانوا”13.وأخر التطورات، كان إعلان الحركة، في 13 أكتوبر 2025، استئناف احتجاجاتها وتوسيع أشكالها، كما أعلنت عن “تنظيم وقفات احتجاجية سلمية في أغلب مدن المملكة يوم السبت المقبل”، ودعوة شباب المغرب كافة وعموم المواطنات والمواطنين إلى “الخروج بكثافة لدعم هذه الحركة حتى تحقيق مطالبنا العادلة”. كما أعلنت عن تطوير أشكالها النضالية، وعلى رأسها توسيع حملة مقاطعة المنتجات التي تم إطلاقها سابقا، حيث “سيتم التفصيل في أهدافها وآلياتها تدريجيا، بالإضافة إلى أشكال أخرى تهدف إلى إيصال صوتنا”14. 1 الجزيرة نت، 7 أسئلة تشرح ما يجري في احتجاجات “جيل زد” بالمغرب، 2 أكتوبر 2025، في: https://tinyurl.com/eczpm2zs 2 محمد طارق، احتجاجات المغرب.. جيل يعود للواقع وجرس إنذار لا يتوقف منذ 2011، مدى مصر، 11 أكتوبر 2025، في: https://tinyurl.com/47rfy45b 3 الاشتراكيون الثوريون، احتجاجات جيل…

تابع القراءة

موقف السلطة الفلسطينية من خطة ترامب لوقف الحرب في غزة

في ردها علي خطة ترامب لوقف الحرب في غزة، قالت السلطة الفلسطينية في بيان رسمي :”ترحب دولة فلسطين بجهود الرئيس دونالد ترامب الصادقة والحثيثة لإنهاء الحرب على غزة، وتؤكد ثقتها بقدرته على إيجاد طريق نحو السلام. كما تشدد على أهمية الشراكة مع الولايات المتحدة في تحقيق السلام في المنطقة”. وأضاف البيان أن السلطة “تجدد التزامها المشترك بالعمل مع الولايات المتحدة ودول المنطقة والشركاء لإنهاء الحرب على غزة من خلال اتفاق شامل يضمن إيصال المساعدات الإنسانية الكافية إلى غزة، والإفراج عن الرهائن والأسرى، وإرساء آليات تحمي الشعب الفلسطيني وتكفل احترام وقف إطلاق النار والأمن للطرفين، وتمنع ضم الأرض، وتهجير الفلسطينيين، وتوقف الأعمال الأحادية التي تنتهك القانون الدولي، وتفرج عن أموال الضرائب الفلسطينية، وتقود إلى انسحاب إسرائيلي كامل، وتوحيد الأرض والمؤسسات الفلسطينية، في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وتنهي الاحتلال وتفتح الطريق أمام سلام عادل على أساس حل الدولتين، دولة فلسطين المستقلة وذات السيادة تعيش جنبًا إلى جنب مع دولة إسرائيل في أمن وسلام وحسن جوار، وفق الشرعية الدولية”. وأكد البيان على “الالتزامات التي قطعتها دولة فلسطين أمام المؤتمر الدولي في نيويورك حول استكمال برنامج الإصلاحات الفلسطينية بما يشمل الذهاب إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال عام واحد بعد انتهاء الحرب، والتزام جميع المرشحين للانتخابات بالبرنامج السياسي والالتزامات الدولية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والشرعية الدولية، ومبدأ نظام واحد، وقانون واحد، وقوات أمن فلسطينية شرعية واحدة”.  وشدد على أن السلطة الفلسطينية “تريد دولة فلسطينية ديموقراطية عصرية، غير مسلحة، تلتزم بالتعددية والتداول السلمي للسلطة”. وكذلك “الالتزام بتنفيذ برنامج تطوير المناهج الدراسية وفق معايير اليونسكو خلال عامين، وإلغاء القوانين واللوائح التي يتم بموجبها الدفع لعائلات الأسرى والشهداء وإنشاء نظام رعاية اجتماعية موحد، يخضع للتدقيق الدولي. وتؤكد دولة فلسطين استعدادها للانخراط الإيجابي والبناء مع الولايات المتحدة والأطراف كافة من أجل تحقيق السلام والأمن والاستقرار لشعوب المنطقة”1. وبقراءة هذا البيان، واستنادًا إلي تصريحات مسئولي السلطة الفلسطينية، يمكن الوقوف علي أبعاد موقف السلطة الفلسطينية من خطة ترامب لوقف الحرب في غزة، كما يلي: 1- حكم غزة: قال رئيس وزراء السلطة الفلسطينية محمد مصطفى “لا نطلب ضمانات من أي جهة بشأن حكم غزة، هذه بلدنا وغزة جزء من أرض فلسطين بحسب القانون الدولي وكافة الاتفاقيات، بما فيها اتفاق أوسلو مع إسرائيل في تسعينيات القرن الماضي”. وبالتالي فإن قطاع غزة يجب أن يكون تحت حكم السلطة بالكامل، لكنه أردف “متى يتحقق؟ هذا يعتمد على كثير من العوامل” مضيفًا أن “الشركاء سيدعموننا للوصول إلى الهدف”2. وفي هذا السياق، قالت هيئة البث الإسرائيلية إن مسؤولين فلسطينيين كبار أفادوا بأن السلطة الفلسطينية تلقت تأكيدات بأنها ستكون شريكًا رئيسيًا في اختيار اللجنة التكنوقراطية التي ستدير قطاع غزة، وبمشاركتها أيضًا في إدارة معبر رفح. وتتابع هيئة البث: “في هذا السياق، ألتقي نائب أبو مازن، حسين الشيخ، في الأردن برئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير، الذي من المقرر أن يتولى إدارة قطاع غزة بعد انتهاء الحرب”. وتابع التقرير العبري: “ترغب الدول العربية في نشر قوات شرطة فلسطينية تابعة للسلطة الفلسطينية، تلقت تدريبات في كل من مصر والأردن خلال الأشهر الأخيرة. ويشمل ذلك حوالي خمسة آلاف شرطي للتعامل مع النظام العام. وتتمثل الخطوة المكملة لذلك في نشر قوة دولية وعربية لمساعدة تلك القوة الفلسطينية”3. وفي السياق، قال مصطفى إن حكومته، وبالشراكة مع خبراء عرب ودوليين، أعدوا خطة للتعافي وإعادة إعمار غزة من ثلاث مراحل تستمر 5 سنوات، بتكلفة 67 مليار دولار. وأفاد بأن محادثات جارية مع الشركاء الدوليين لتوفير الموارد الخاصة بإعادة إعمار غزة. يذكر أن إسرائيل ترفض أي دور للسلطة الفلسطينية أو حركة حماس في إدارة قطاع غزة، بعد حرب الإبادة التي بدأها الجيش الإسرائيلي يوم 7 أكتوبر 2023. ولا تنص خطة ترامب على أي دور لسلطة رام الله. ولم يكن لها أي دور في حكم غزة منذ بدء حكم حماس على القطاع الفلسطيني عام 2007، رغم أنها لا تزال تقدم الرواتب والرعاية الصحية والكهرباء وغيرها من الخدمات4. وكانت تقارير إعلامية قد أشارت إلي أن القيادة الفلسطينية تعيش خيبة أمل بعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عن خطته بشأن غزة، التي اعتبرت أنها تمنح واشنطن “وصاية مباشرة” على قطاع غزة، ما دفعها إلى الاكتفاء بالترحيب بالجهود وليس الخطة بحد ذاتها. وبحسب التقارير، فإن القيادة الفلسطينية أبلغت عددًا من الدول العربية المنخرطة في خطة إنهاء الحرب الإسرائيلية حول ثلاثة تعديلات هامة، تبنتها هذه الدول، والتعديلات هي: التدخل الدولي أو القوات الأجنبية تكون استنادًا إلى قرار من مجلس الأمن، وخلال المرحلة الانتقالية يكون هناك ربط محكم بين اللجنة الإدارية والحكومة الفلسطينية، وجدول زمني واضح لانتهاء المرحلة الانتقالية وعودة السلطة لقطاع غزة واستئناف المفاوضات، حيث كان التعديل الذي طرحه الفلسطينيون عبر الشركاء العرب أن تكون الفترة الانتقالية لمدة عام، ثم تم تعديلها من الأمريكيين إلى 18 شهرًا، إلى أن أصبح هناك حديث عن ثلاث سنوات. وتصر خطة ترامب علي أن عودة السلطة الفلسطينية لحكم قطاع غزة لن يتحقق إلا بعد إدخال إصلاحات عليها، ويبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا يكتفيان بكل ما قام به وأعلن عنه الرئيس الفلسطيني محمود عباس من إصلاحات وانتخابات تقصي الفصائل الفلسطينية المقاومة من المشاركة في الانتخابات، ومحاربة المقاومة تحت ما يسمى محاربة الإرهاب، إضافة لوقف لمخصصات الأسرى والشهداء وتعديل على المناهج وغيرها، بل يتمسكان بما طلبه نتنياهو وترامب من الرئيس عباس عام 2020 وهو الاعتراف بيهودية الدولة، وهذا يعني الاعتراف بعدم وجود حق فلسطيني في الأرض الفلسطينية5. جدير بالذكر هنا، عودة اسم ناصر القدوة، وزير الخارجية وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح سابقًا، بشكل مفاجئ ليسيطر على المشهد السياسي الفلسطيني بعد تسريبات فلسطينية متزايدة عن دور قد يضطلع به في غزة، سواء لكونه ابن شقيقة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، أو لأن أصوله تعود إلى غزة، أو لأن محمد دحلان الذي يتهيأ لموقع كبير في الساحة الفلسطينية يعتبر داعمه الأكبر، أو بسبب علاقاته الواسعة مع عدد من الدول العربية والأوروبية مثل فرنسا والإمارات العربية المتحدة، اللتين اختارهما كـ”منفى اختياري” على حد تعبيره. وتتمحور أفكار القدوة حول التزام حركة “حماس” بإنهاء السيطرة الإدارية والأمنية على قطاع غزة، ووضع سلاحها تحت سيطرة هيئة حاكمة جديدة، وإمكانية تحولها إلى حزب سياسي، وعدم تعرضها للملاحقة، دون معارضة الإشراف الدولي عليها. وفي عام 2016، تردد اسم ناصر القدوة لخلافة محمود عباس على رئاسة السلطة الفلسطينية، وفي 2021، أعلن ترشحه مستقلًا في انتخابات المجلس التشريعي في قائمة مشتركة مع الأسير مروان البرغوثي، باسم حزب “الأمل”. ورغم عدم إجراء الانتخابات في حينه، فقد أقالته اللجنة المركزية لحركة فتح بزعم التمرد على قراراتها، مما اضطره للخروج من الضفة الغربية خشية من مضايقات محتملة. بعد أربع سنوات من مكوثه خارج الأراضي الفلسطينية، عاد القدوة…

تابع القراءة

الفاشية… المفهوم وتجسداته الراهنة

بحسب كتاب “مدخل إلى الأيديولوجيات السياسية”1، فإن الفاشية نموذج سياسي يقوم على عدد من الأسس، هي؛ (1) الجماعة القومية: افتراض وجود جماعة توحدها روابط مشتركة، هذه الروابط إما عرقية “أصل مشترك”، وإما ثقافية “معايير، وقيم مشتركة، وتاريخ مشترك”. والجماعة في التصور الفاشي كتلة متجانسة ذات لون واحد. (2) القيادة: الأقلية المتميزة التي تقود جماهير الأمة، وعلى رأس هذه النخبة يتربع القائد الملهم الذي يجسد الإرادة الشعبية، وينطق بصوت الحكمة. هذا فيما يتعلق بسوسيولوجيا الفاشية، أما جهاز الحكم في ظل المنظومة الفاشية، يكون كالتالي:النظام الشمولي: حيث يماهي بين الشعب والدولة، ويصادر التعددية باسم تمثيل الجوهر الحق للشعب2، وفيه يتربع على قمة النظام القائد الملهم، يساعده النخبة المتميزة التي يؤطرها عادة حزب وحيد حاكم، وفي نهاية المنظومة تأتي الجماهير التي لا تنتظم في كيانات سياسية خاصة بها، إنما تكون صلتها بالمجموعة الحاكمة إما عبر الحزب وقنواته، وإما عبر الأجهزة الكوربوراتية التي تحكم الدولة عبرها. عادة لا تعرف الشمولية نظام تعدد الأحزاب، إذ التعددية تعني أن المصالح متنوعة، والتصورات عن الحقيقة والخير العام كثيرة ومتباينة، التعددية عادة ما تستند إلى مبدأ الفردانية الليبرالي. أما المنظومة الفاشية لا تُعنى بالفرد، هناك فقط أمة عضوية، تتجسد إرادتها في قائد ملهم، ونخبة متميزة، تتفاعل عبر حزب وحيد يترجم تصورات وإرادات القائد والنخبة المعاونة له، إلى سياسات واقعة. المجتمع المدني: لا تعرف النظم الشمولية فكرة المجتمع المدني، بوصفه وسيط بين الدولة والمجتمع، وبوصفه إطار تنظيمي يحقق من خلاله المجتمع أهدافه ويدير شؤونه في القضايا الأقل صلة بالسياسة. النظام الشمولي يفترض أن الدولة وأجهزتها هي التجسيد الحي للإرادة العامة، وهي التعبير الحقيقي عن مصالح الجماهير ورغباتهم وتطلعاتهم، وهي الأقدر على إدارة الاجتماع وتحسين جودة الحياة وتحقيق كل الأهداف العمومية. المجال الاقتصادي: إن قلنا أن الرأسمالية هي تعبير عن الفكرة الليبرالية في المجال الاقتصادي، حيث الوحدة الأساسية هي الفرد، وحيث المنافسة هي الحاكمة، والربح هي الغاية. وإن قلنا أن الاشتراكية هي التعبير الاقتصادي عن “مشاركة العمال وأصحاب رأس المال في تملك وسائل الإنتاج، وفي الإدارة التعاونية للاقتصاد”. فإن الاقتصاد الفاشي، تكون الدولة تقريبا هي المالك الحقيقي للثروة والموارد، حتى في ظل وجود رأسماليين وعمال، فهي كونها ممثل للإرادة العامة، توجه الاقتصاد، وتنظم العلاقة بين الرأسماليين والعمال. بالطبع من غير المستبعد أن يكون هناك رأسماليين كبار في ظل منظومة حكم فاشية، ومن غير المستبعد أن تكون هناك عمالة مهمشة وضعيفة ونصيبها من الإنتاج هامشي، لكن يظل المميز بين المنظومة الرأسمالية والمنظومة الفاشية، أن الأخيرة تظل هي الحكم والرقم الأهم في المعادلة، والمالك الحقيقي للثروة، أو الرأسمالي الأكبر. البطل: المثل الأعلى للجماهير في المنظومة الفاشية هو البطل، الذي يحفزه الواجب والشرف للتضحية بالذات في سبيل أمته، فهو يتسم بالولاء والتفاني والطاعة. كما يقال أن الفاشية تأثرت بالداروينية الإجتماعية، فهي تفترض أن الصراع هو جوهر الوجود الاجتماعي، وأن الحرب خير في ذاتها، وقد انعكست هذه الرؤية بطريقتين؛ الأولى: تبني الفاشية -في صيغتها النازية بصورة أساسية- لفكرة هندسة المجتمع الذي تحكمه؛ عبر تحسين النسل أو التناسل الانتقائي، وكذلك عبر التعقيم القسري للعناصر الضعيفة، ولعل أقصى تحقق لهذا المبدأ جاء في صورة إبادة العناصر التي رأت النازية أنها أجنبية وتلطخ الجوهر الصافي للأمة. الثانية: اعتماد الصراع والحرب طريقة أساسية للعلاقة مع الأمم الأخرى. وفي تعاطي الفاشية مع الداخل الذي تحكمه، وفي الخارج مع الآخر الذي تتعامل معه، جاءت ذات طابع عنصري في غالب الأحيان. نشير كذلك إلى أن الفاشية ترفض تعدد الأصوات ووجهات النظر، وترفض التنوع في المجال السياسي، لذلك فهي تعادي النظام الديمقراطي؛ ليس فقط لكونه يدمج التعددية في النظام، لكن لأنه يفرز وجهات نظر مختلفة، وهو ما يتنافى مع جوهر الفاشية القائمة على الصوت الواحد، والتعبئة المستمرة كأننا في حالة حرب دائمة وأبدية. هل انتهت الفاشية بنهاية الحرب العالمية الثانية:كانت الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية هي الشكل النموذجي للنظام الفاشي، فهل انتهت الفاشية بسقوط تلك النظم على وقع الهزيمة؟ لا يبدو أن الفاشية غابت بشكل تام عن المشهد السياسي العالمي، بل يمكن رصد ملامح فاشية في أكثر من نظام، نستعرض هنا نموذجين؛ الأول: الفاشية الصهيونية. الثاني: فاشية النظام في مصر. أولًا… فاشية النظام السياسي المصري: لعل أبرز ملامح فاشية النظام المصري، الحرص على السيطرة على المجال العام وتأميمه، فالدولة الفاشية لا تؤمن بالمجتمع المدني، وترى أن الدولة هو الكيان الوحيد القادر على معالجة كل القضايا، لذلك صدر قانون الجمعيات الأهلية الذي يضمن تحقيق هذه السيطرة3. ونشأت المؤسسات الثلاث “الهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، والمجلس الأعلى للإعلام” التي تضمن رقابة صارمة على ما ينشر أو يبث أو يذاع، حتى على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى الحسابات الشخصية، في حال زادت أعداد المتابعين عن 5 آلاف شخص4. مع الحرص الواضح على منع ظهور تنظيمات نقابية مستقلة، وإخضاع ما ظهر منها، ومن آليات تحقيق ذلك تحويلها “من حركة عمّالية اجتماعية مناهضة إلى منظمات غير حكومية تدافع عن حقوق العمال، ولا فارق يُذكَر بينها وبين المنظمات ذات الطابع الحكومي”5. ومن صور فاشية النظام المصري، حرص الحكومة على لعب دور الوسيط بين العمال وأصحاب رؤوس الأموال، حتى وإن كان هذا الدور لصالح المستثمرين، لكنها في النهاية، وعبر القمع والتعامل السلبي مع صور الاحتجاج العمالي تعمل على التوسط هي بين الطرفين بشكل يحول دون ظهور تكوينات عمالية قوية، تبلور مطالب وتبني خطاب وتعي موقعها الطبقي ودورها النضالي. ومن فصول الفاشية المصرية مجموعات “الكمايتة” ودعوتهم الشوفينية، ومعاركهم الوهمية الآمنة، ضد كل ما هو عروبي وأفريقي، في “انسلاخ كامل عن حقائق التاريخ والجغرافيا، كون مصر تقع في أفريقيا ابتداءً، كما أنها جزء من الأمّة العربية بحكم وقائع التاريخ وحقائق الجغرافيا، وأنّ الصلات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية أكبر من أن يتم تجاهلها أو التقليل منها6“. ثانيًا… الفاشية الصهيونية: العنصرية هي أبرز ملامح الفاشية، وليس هناك أكثر وضوحًا من العنصرية الإسرائيلية، حيث يوضع اليهود مقابل الغوييم، والإسرائيلي المتحضر مقابل العربي القذر. والعنصرية هنا موقف مبدئي لا يتبدل، بمعنى أن الكيان ينظر للعرب بوصفهم جنس أقل “خليط نُقش من الأجناس على درجة واطئة من التطور البشري ويتكلمون بلسان عربي”. بالتالي لا مجال للوصول إلى حالة استقرار، فمع كل تمدد للدولة الصهيونية سيدفع العرب للتنازل عن مزيد من الأرض7. والجدار العازل، والإبادة الدائرة في غزة، وسياسات التطهير في القدس والضفة، كلها نتاج العنصرية الصهيونية؛ فالعنصرية مكون رئيسي في الصهيونية، وهي بدورها (مشروع قوميّ عرقيّ عنصريّ غير مفترق البتّة عن المشروع النازيّ وعرقيته الآرية “المتفوّقة”، ولا عن الفاشية الإيطالية الطامحة إلى استرداد “عظمة روما”!8). الخاتمة:ما أود قوله أن الفاشية ليست مشروع سياسي من الماضي، انتهى بهزيمة الفاشيات في الحرب العالمية الثانية، إنما مشروع سياسي لا يزال يطل برأسه، في أكثر من دولة حول العالم. فيما تعد…

تابع القراءة

سياسات الإفقار والانقسام الطبقي بين مصر و “إيجيبت”

السياسات العامة تتعلق بما تلزم به الحكومة نفسها تجاه المجتمع الذي تحكمه من سياسات، في مجالات الصحة والتعليم والإسكان، وفي سائر الخَدمات التي من المفترض أن توفرها الحكومات لشعوبها. تبني الحكومة لسياسات أقل اهتمامًا بجمهور المواطنين يقود بالضرورة إلى حدوث تململ شعبي يظل يتصاعد وصولا إلى احتجاجات واسعة، أو تفكك اجتماعي واسع تحت ضغط الحاجة وقسوة الأوضاع، هذا المسار يتأكد حدوثه في ظل سيطرة الدولة على كل الموارد واحتكارها كل مصادر السلطة والثروة، بشكل لا يسمح للمجتمع بالبحث عن إشباع احتياجاته خارج المسار الذي تقدمه الدولة. وهو ما ينطبق على الأوضاع في مصر، إذ أن الدولة هي مصدر كل قيمة -دون مبالغة- سواء كانت معنوية أو مادية، وفي الوقت نفسه تتخلى تدريجيا عن التزاماتها تجاه غالبية مواطنيها، مقابل اهتمام واضح بأقلية محظوظة، ففي السنوات الـ 15 الأخيرة تنكص عن كل التزاماتها، في الوقت ذاته تبدي نهم غير مسبوق للسيطرة على كل الموارد وامتصاص كل الثروات التي راكمها المجتمع في العقود السابقة على يناير 2011. سياسة ينجم عنها بالضرورة إعادة توزيع الثروة، وإعادة رسم خريطة الغنى والفقر في المجتمع. فالنظام المصري بحَسَب مراقبين1 يعيد إنتاج أشكال التفاوت الطبقي، ويعيد توزيع الثروة والملكيات، بصورة غير مسبوقة؛ بشكل تختفي فيه التدرجات والألوان ويصبح لدينا لونين فقط؛ الأبيض سكان إيجيبت، والأسود وهم غالبية سكان مصر ممن يعانون الفقر أو يحاولون بيأس الهروب منه. مع سياسات إعادة توزيع الثروة انطلقت عمليات الفرز الدائرة بين سكان مصر وأهل إيجيبت ليس فقط فرزا وفق مستوى الدخل، إنما وفق معايير ثقافية؛ ويكفي أن تتابع الجدالات المتجددة عن منع المحجبات من ارتياد بعض الأماكن الترفيهية، أو التعليقات الطبقية لسكان الكومباوندات عن مشكلات تحدث لمجتمعاتهم المسورة بسبب الزوار من عمال وغرباء، أو مشاجرات طلبة المدارس الدولية وسلوكيات بعضهم المثيرة للجدل. هذه النقاشات تكشف وعي الشارع بما يحدث، وإدراكه التحيزات الطبقية للنظام القائم. وفي الحقيقة فإن المراقب للأوضاع في مصر يدرك ببساطة تحيز النظام المصري لأهل إيجيبت على حساب الغالبية من سكان مصر؛ وهو تحيز لا يبدو مفهومًا، إذا قرأناه من زاوية أن أصحاب رؤوس الأموال في مصر راكمو ثرواتهم بالاعتماد على المحسوبية والمشروعات الخدمية غير المنتجة، بالتالي هم أبناء السلطة ونتاج سياساتها، ويحتاجونها لمواصلة مراكمة الثروة، في حين لا تحتاجهم السلطة. لكن هذا التحيز يبدو مفهومًا، إذا أخذنا في الاعتبار أن سكان مصر وهم الغالبية، هم من يفجرون الثورات ويقودون الاحتجاجات ويحلمون بالتغيير، ويمثلون ضغطًا على النظام القائم. إيجيبت حين تختفي المواطنة ويحضر السوق: ليست الجنسية هي معيار الانتماء إلى ايجيبت إنما حجم الثروة ومستوى الدخل، فالجنسية والولادة في مصر، والتمتع بالانتماء لها، لا يجعل صاحبه من سكان ايجيبت؛ وهذا يحقق أمرين؛ الأول: الشعور بالتميز والاختلاف لمن يملك البقاء في هذه الأماكن، الثاني: يستهدف تحقيق رغبة الدولة في خلق إيرادات أجنبية. نشير هنا إلى إعلان سلفستر ستالون عن مشروع ساوث ميد في الساحل الشمالي، وقد كان الحوار في الإعلان “باللغة الإنجليزية و بلكنة أمريكية خالصة، وتُرجمَ للعربية كأنه إعلان غربية. كما نشير إلى إعلانات “طلعت مصطفى” المتحدثة بالعربية، لكن الخطاب السائد فيها أيضًا هو “العالمية”2. مظهر آخر من مظاهر اعتماد معيار الثروة كمعيار وحيد للانتماء لـ “إيجيبت” نقرأه في الإعلان الترويجي لمشروع رأس الحكمة الذي اشتمل على عبارة “فقط للأجانب وأصحاب الجنسية المزدوجة أو الجنسية الثانية أو جواز السفر الثاني أو الجنسيات المتعددة”، مصحوبة بصورة جوية للمشروع3. ومن أبرز ملامح سكان إيجيبت، الهروب إلى المجتمعات المسورة، نهم الاستحواذ والتملك والاستهلاك، الحرص على الاستعراض، خاصة لدى الصاعدين الجدد إلى الطبقة، الحديث بغير العربية4، الانفصال عن المجتمع من حيث عاداته وتقاليده وربما همومه، “أنماط علاقات غير مألوفة بين من ينتمون ” لـ Egypt ” وبينهم والمجتمع، فهم فيما بينهم يرون أن كل شيء مباح وأن علاقاتهم مبنية على المساواة والندية، ويرون أنهم أفضل حالا من المجتمع الذي يعيشون فيه، فهم صفوة المجتمع، ولا ينبغي عليهم أن يكونوا صداقات مع أي أحد ممن “ينتمون لمصر” بسبب الاختلافات الكبيرة بينهم”5. لكن أبرز ملامح أهل إيجيبت، أن ليس لهم حقوقًا سياسية، بمعنى أن ما اكتسبوه من امتيازات ليس بوصفهم مواطنين، إنما باعتبارهم يملكون ثمن هذه الامتيازات والخدمات؛ ومن ثم يمكن سحب هذه الامتيازات منهم في حال عجزوا عن الوفاء بتكلفتها. ويمكن كذلك أن يطالهم الإقصاء والتهميش في حال حاولوا ترجمة امتيازاتهم الطبقية إلى امتيازات سياسية. وبالتالي فإن علاقتهم هي علاقة زبونية، هم زبائن والدولة مقدم خدمة؛ بالتالي فالدولة في هذه الحال أقرب للشركة. سكان مصر… بلاد الأشياء الأخيرة: يعيش أهل مصر ظروف هي معكوس أوضاع أهل إيجيبت؛ إذ تتبخر كل الضمانات، ويصبح كل شيء عرضة للتغيير، وكل حق عرضة للانتزاع. ومراجعة سريعة لسياسات الحكومة خلال الفترة الأخيرة يكشف ذلك بصورة واضحة. إذ تحولت الخدمات إلى أدوات فرز طبقي، وباتت السياسات الحكومية تتجه بصورة واضحة إلى تقليص الخدمات المقدمة للجمهور، عبر رفع سعر الخدمة، أو حتى خصخصتها بالكامل وإخضاعها لمنطق السوق القائم على تعظيم الربح وتقليل التكلفة. نشير هنا إلى ثلاث أمثلة: الأول… التعليم: هناك مدارس دولية للطبقة الغنية والشرائح الأعلى من الطبقة الوسطى، وهناك عدة شرائح من المدارس الخاصة، يختلف مستوى الخدمات التعليمية التي تقدمها، باختلاف الشرائح التي تستهدفها، وأخيرًا، المدارس التجريبية والحكومية. والجامعات كذلك باتت أداة فرز طبقي. الثاني… الصحة: نجد الأمر نفسه، إذ هناك مستشفيات خاصة، يختلف مستوى الخدمة الطبية التي تقدمها باختلاف الوضع الطبقي للفئات المستهدفة، وفي قاع الهرم المستشفيات الحكومية التي تداعى مستوى الخدمات التي تقدمها بشكل كبير. ليس هذا فقط، إنما هذه المستشفيات باتت عرضة للخصخصة، بعد التصديق على قانون يسمح للقطاع الخاص في استئجار المستشفيات الحكومية6، وهو ما ألقى بظلال كئيبة على المستشفيات التي أدركها قطار الخصخصة، مثل مستشفى أورام دار السلام «هرمل»7. ومع الخصخصة تأتي قرارات إعادة تسعير الخدمات الصحية التي تقدمها المنشآت الصحية الحكومية، إذ أصدر “وزيرا الصحة والتنمية المحلية، لائحة جديدة للمستشفيات ومراكز الخدمات العلاجية والوحدات الصحية ومكاتب الصحة، وتضمنت اللائحة التي أصدرها الوزيران برقم 75 لسنة 2024، ونشرتها جريدة الوقائع المصرية، رفع أسعار تذاكر العيادات الصباحية من جنيه إلى عشرة جنيهات في المستشفيات العامة، وخمسة جنيهات في الوحدات الصحية، على أن يجوز مضاعفة كل منها خمس مرات، بعد موافقة مديرية الصحة المختصة. بالإضافة إلى تقليص نسبة العلاج المجاني بالمستشفيات العامة من 60% في اللائحة القديمة، إلى 25% في اللائحة التي بدأ تطبيقها في الرابع من مارس 20248. الثالث… الإسكان: يكفي أن نعرف أن بيانات “المركزي للإحصاء” تُظهر تراجع نسبة وحدات الإسكان الاقتصادي من إجمالي الوحدات التي نفذتها الحكومة، من 99.3% في 2014/ 2015 إلى 40.6% في 2022/ 20239. وأن محافظتي الجيزة والقاهرة شهدت “هدم ما يعادل 57343 وحدة سكنية، وعليه إخلاء ما يقارب 2867150…

تابع القراءة

الدور المصري في مستقبل غزة بعد وقف الحرب

تعمل المؤسسات الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية في مصر على وضع رؤية شاملة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة، ورسم حدود واضحة للدور المصري فيها بما يشمل ملفات إعادة الإعمار والإشراف عليها، والمشاركة المحتملة في قوات دولية لحفظ السلام داخل قطاع غزة، إلى جانب تنظيم عملية تشغيل معبر رفح، بين القطاع ومصر، وضبط الحدود، وضمان الأمن في المناطق المحاذية لسيناء المصرية1. ويمكن الإشارة إلي الدور المصري المرتقب في مستقبل غزة، كما يلي: 1- تستضيف مصر ثماني فصائل فلسطينية لوضع اللمسات الأخيرة على ملامح إدارة مؤقتة في غزة. وحسب صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، تعقد الفصائل السياسية الفلسطينية مناقشات مغلقة يمكن أن تتيح لحماس لعب دور في تشكيل الإدارة في غزة بعد الحرب، رغم تعهد إسرائيل بالقضاء على النفوذ السياسي للحركة في القطاع والخلاف المستمر منذ عقود بين حماس والسلطة الفلسطينية. وتعمل الفصائل الفلسطينية الثماني المشاركة في المناقشات، بما في ذلك على وجه الخصوص حركتي فتح وحماس، على التوصل إلى إجماع بشأن العناصر الرئيسية لإدارة مؤقتة. ونقلت الصحيفة الأمريكية عن وزير الخارجية بدر عبد العاطي قوله في مقابلة إن الهدف هو إنشاء لجنة إدارية مكونة بالكامل من التكنوقراط من غزة. وأضاف عبد العاطي “الهدف الرئيسي هو تمكين الفلسطينيين، بمن فيهم السلطة الفلسطينية، من إدارة غزة كجزء لا يتجزأ من الضفة الغربية، وكخطوة نحو إنشاء الدولة الفلسطينية”. وأوضح أن أعضاء اللجنة سيتولون إدارة شؤون الحياة اليومية للفلسطينيين، في حين تكلف أجهزة الشرطة بمهام تطبيق القانون والحفاظ على الأمن في غزة. وقال عبد العاطي إن مجلس الأمن الدولي هو من يجب أن يحدد التفويض الدقيق لـ”مجلس السلام” (المزمع إنشائه لتولي إدارة الشئون السياسية والمدنية والاقتصادية في القطاع)، بما في ذلك علاقته باللجنة الفلسطينية، لكنه شدد على أن مصر والفصائل الفلسطينية متفقون على أن الشؤون المدنية في غزة يجب أن تدار من قبل الفلسطينيين أنفسهم2. وسبق أن أوضح عبد العاطي علي أنه تم التفاهم مع “كل الأطراف المعنية على 15 من الشخصيات التكنوقراط البارزة في غزة لإدارة القطاع لمدة 6 أشهر؛ ليكونوا نواة حقيقية لفرض الأمن والقانون في غزة”3. وكانت القمة العربية التي عقدت بالقاهرة في مارس 2025، اعتمدت لجنة إدارية فلسطينية غير فصائلية قادرة على إدارة قطاع غزة مؤقتاً، لحين عودة السلطة الفلسطينية، والتي تعد من مخرجات وساطة مصرية بين الفصائل الفلسطينية، لا سيما بين حركتي “فتح” و”حماس” على مدار أشهر4. وتمثل هذه النقطة خلاف حاد بين القاهرة وتل أبيب، حيث ترفض إسرائيل رفضًا قاطعًا لأي دور لحماس والسلطة الفلسطينية في غزة ما بعد الحرب، كما عبر عنه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. 2- تقوم مصر، بالتنسيق مع الأردن والسلطة الفلسطينية، بتدريب 10 آلاف من أفراد الشرطة التابعة للسلطة الفلسطينية؛ لتقوم بسد الفراغ الأمني في قطاع غزة بعد وقف الحرب5. حيث أن هذه القوات الشرطية ستحل محل القوات التابعة لحركة حماس. 3- أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي علي القبول ودعم قوة الاستقرار الدولية – المقترحة في خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي ستكون مسئولة عن فرض الهدوء والأمن داخل غزة – المتوقع نشرها في يناير 2026، ولم يمانع عبد العاطي إمكانية نشر هذه القوات داخل غزة وليس فقط علي حدودها، ولكنه وضع عدة شروط علي إمكانية المشاركة بها، تتمثل في: ضرورة مشاركة جنود أمريكيين في هذه القوات، وكان نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس قد أكد أن واشنطن لا تخطط لنشر قوات في إسرائيل أو غزة6. كما تصر القاهرة علي ضرورة أن يتم تشكيل هذه القوات بقرار صادر عن مجلس الأمن وبإشراف مباشر من الأمم المتحدة، وليس بتفاهمات ثنائية أو ترتيبات منفردة، ضمانًا للشرعية الدولية وتجنبًا لأي تسييس في عملها، وحتي لا تكون تحت إدارة أو وصاية دولة بعينها. وأن تعمل هذه القوات وفق صلاحيات محددة ومهام زمنية واضحة، لضمان أمن الحدود، ومتابعة تطبيق بنود اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل، والمساعدة في إعادة الإعمار والإغاثة الإنسانية7. وتصر مصر علي أن يكون دور هذه القوات “رقابي”، وأن يقتصر دورها علي حفظ السلام والفصل بين القوات الإسرائيلية وحماس وتأمين الحدود، وترفض القاهرة بشكل قاطع أن يكون دورها تنفيذيًا عبر قيامها بتدمير البنية العسكرية ونزع سلاح حماس والفصائل، وفي هذا السياق، أكد رئيس هيئة الاستعلامات المصرية ضياء رشوان إن تكليف القوة الدولية المزمع تشكيلها في قطاع غزة، بنزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس) قد يؤدي إلى صدامات واشتباكات مسلحة، ولن تقبل أي دولة مشاركة في تلك القوة بالتصدي لهذا الأمر، مؤكدًا في الوقت ذاته علي أن الفلسطينيين لن يقبلوا بقوة أجنبية تتولى أمن غزة أو بوصاية جديدة تحل محل الاحتلال8. وفي سياق متصل، قال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، نقلًا عن مسئولين مصريين، أن القاهرة تريد وقتًا للتفاوض على تسليم الأسلحة الثقيلة مع حماس بطريقة منسقة، ولن تدخل في مواجهة مع الحركة، وأضاف أن مصر ترى أن التركيز في عملية نزع السلاح يجب أن يكون على منح عفو لمقاتلي حماس الذين يسلمون أسلحتهم9. ويمكن تفسير تحفظات مصر من المشاركة في هذه القوة الدولية المعنية بتثبيت الاستقرار في قطاع غزة، رغم ما قد تمنحها من نفوذ دبلوماسي، وتدفق محتمل للمساعدات، بعدة أسباب، أبرزها؛ أن مهمة هذه القوة، قد تتحول من دور مؤقت، إلى تورط طويل الأمد ومكلف، خاصة إذا اضطرت إلى مواجهة حماس والفصائل أو احتواء تدخلات إسرائيلية محتملة. أن المشاركة في هذه القوة التي تصنف بأنها منحازة للغرب، وتعمل على نزع السلاح، سيكون برأي البعض “تعاونًا” مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، ما قد يثير احتجاجات أو اضطرابات، ويزيد من تعقيد المشهد بالنسبة للقاهرة، التي لا تبدي تسامحًا كبيرًا مع المظاهرات أو مع توظيف القضية الفلسطينية، من قبل جماعات مثل جماعة “الإخوان المسلمين”، وقد يعيد ذلك إحياء تحديات أيديولوجية، تهدد استقرار النظام المصري بشكل عام. ولا تزال مصادر تمويل هذه القوة غير واضحة، وإن كان من المتوقع أن تأتي من جهات مانحة إقليمية ودولية. ولكن إذا كان على مصر المساهمة في هذا التمويل، ولو من خلال تغطية نفقات قواتها المشاركة في القوة، فإن ذلك سيزيد من الضغوط على ميزانية الجيش، المثقلة أصلًا بعمليات سيناء، ويحول الموارد عن قطاعات حيوية مثل خدمة الدين والبنية التحتية والتعليم والصحة10. ناهيك عن أن ملف الحدود يظل الأكثر حساسية بالنسبة لمصر، خصوصًا مع استمرار سيطرة الجيش الإسرائيلي على ممر صلاح الدين (فيلادلفي) بطول 14 كيلومترًا على الحدود بين قطاع غزة ومصر، وهو ما تعتبره القاهرة مساسًا مباشرًا باتفاقياتها الأمنية (مع الاحتلال) وبتوازن سيناء الدقيق (الأمني). وأعلنت مصر صراحة أن أي بقاء إسرائيلي دائم على الشريط الحدودي يعد “خطاً أحمر”، وأن إعادة فتح معبر رفح لن تتم إلا بعودة إدارة فلسطينية للمعبر وبخروج كامل للقوات الإسرائيلية من جانب المعبر في الجهة الفلسطينية، وهو ما…

تابع القراءة

رؤية تحليلية للأخبار السياسية والاقتصادية في العالم العربي والإسلامي والعالمي، ودراسات استراتيجية للوضع السياسي المحلي والإقليمي والعالمي

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا لتلقي التحديثات على البريد الإلكتروني الخاص بك

You have been successfully Subscribed! Ops! Something went wrong, please try again.

جميع الحقوق محفوظة لرؤية للتخطيط والدراسات الاستراتيجية ©2022