‫الرئيسية‬ العالم العربي السعودية أبعاد الأزمة القطرية الخليجية
السعودية - يونيو 11, 2017

أبعاد الأزمة القطرية الخليجية

 أعلنت دول خليجية –الإمارات والسعودية- إضافة إلى مصر قطع علاقاتها مع قطر الإثنين 5 يونيو 2017، وذلك في تحرك منسق بعد أن اتهمتها هذه الدول بدعم "جماعات إرهابية وطائفية "وإيران، وآثر ذلك أعلنت دولة المالديف والنظام المأزوم في اليمن وحكومة شرق ليبيا –خليفة حفتر- انضمامها للتحرك الخليجي المصري ضد حكومة الدوحة[1]. وقد أُثار التحرك العنيف الذي قادته هذه الدول ضد قطر إلى تفجر سيل من التساؤلات حول الأسباب الحقيقية الدافعة لهذا التطور السلبي غير المسبوق في العلاقات الخليجية/الخليجية، والتكهنات حول المآلات المتوقعة والمنتظرة لهذا التصعيد، وأيضاً حول الخطوة القادمة التي يمكن أن تلجأ لها هذه الدول في معركة تكسير العظام التي تقودها ضد النظام القطري، أوراق الضغط التي تمتلكها قطر في مواجهة الهجوم غير المسبوق التي تقوده الدول المذكورة عليها، والذي حدا بالبعض القول أن ما يجري حاليا هو عملية محكمة لخنق دولة قطر اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، وعزلها عن العالمين العربي والدولي، وإعلان الحرب الدبلوماسية والاقتصادية عليها كتمهيد للمرحلة الأخيرة وهي الحرب العسكرية[2].

وقد تضمنت قرارات الدول الست التي أعلنت قطع علاقاتها مع قطر، مجموعة من الإجراءات التي توقف كافة التعاملات مع الدوحة، حيث شملت قطع العلاقات مع قطر بما فيها الدبلوماسية، وإمهال البعثة الدبلوماسية القطرية 48 ساعة لمغادرة البلاد، ومنع دخول أو عبور المواطنين القطريين إلى أراضي تلك الدول، وإمهال المقيمين والزائرين منهم مدة 14 يوما للمغادرة، ومنع الرعايا من السفر إلى دولة قطر أو الإقامة فيها أو المرور عبرها، وإغلاق كافة المنافذ البحرية والجوية خلال 24 ساعة أمام الحركة القادمة والمغادرة إلى قطر، ومنع العبور لوسائل النقل القطرية كافة القادمة والمغادرة، واتخاذ الإجراءات القانونية والتفاهم مع الدول الصديقة والشركات الدولية بخصوص عبورها بالأجواء والمياه الإقليمية لتلك الدول من وإلى قطر وذلك لأسباب تتعلق بالأمن الوطني[3].

وفي أول رد فعل قطري على التصعيد ضدها، أعربت وزارة الخارجية بدولة قطر في بيان لها عن بالغ أسفها واستغرابها الشديد من قرار كل من المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة و مملكة البحرين بإغلاق حدودها ومجالها الجوي وقطع علاقاتها الدبلوماسية، وقد وصفت هذه القرارات بأنها غير مبررة وتقوم على مزاعم وادعاءات لا أساس لها من الصحة، مؤكدة أن الهدف الحقيقي لهذه الإجراءات هو فرض الوصاية على الدولة، مشددة على أن هذا بحد ذاته انتهاك لسيادتها كدولة وهو أمر مرفوض قطعيا، مضيفة أن الادعاءات التي وردت في بيانات قطع العلاقات التي اصدرتها الدول الثلاث تمثل سعيا مكشوفا يؤكد التخطيط المسبق للحملات الاعلامية التي تضمنت الكثير من الافتراءات[4]. وتظهر لهجة البيان أن الدوحة لا تنتوي على الأقل في الوقت الراهن الخضوع للضغوط والقبول بالتراجع عن سياساتها التي خلقت كل هذا الرفض والمعارضة. والغريب في البيان أنه لم يشر إلى موقف القاهرة إلا في سطر واحد هامشي من البيان، جاء فيه أنه "لا توجد مبررات شرعية لهذه الاجراءات التي اتخذت بالتنسيق مع مصر والهدف منها واضح وهو فرض الوصاية على الدوحة"[5].

 

محددات الموقف الخليجي المصري من الدوحة:

البحث في الأسباب التي دعت هذه الدول للجوء لهذه الإجراءات التصعيدية مع قطر يكشف عن عدد من المحددات القوية التي بالفعل تجعل من المنطقي وغير المستبعد أن تتزايد الضغوط الخليجية/المصرية بهذا الشكل غير المسبوق على قطر. أولاً: الموقف من الربيع العربي. بينما عرفت الدول الخليجية برفضها للربيع العربي، بل ومعاداتها له، أو على الأقل تخوفها منه ورفضها له، عرفت قطر بدعمها للتحركات الشعبية المناهضة للأنظمة التسلطية القائمة في بلادهم، ووقوفها إلى جانب هذه التحركات، وما لعبته مجموعة الجزيرة الإعلامية وغيرها من المؤسسات الإعلامية التي تدور في فلكها والمدعومة قطريا في تغطية هذه التحركات الشعبية الغير مسبوقة، وكشفها عن الممارسات الاستبدادية وغير الانسانية التي مارستها النظم الحاكمة في مجابهة هذه المساعي الشعبية للتغيير، وكيف أسهمت تغطيتها لهذه الأحداث في خلق رأي عام داعم لهذه التحركات وناقم على النظم الحاكمة وسياساتها قبل تفجر الاحتجاجات وأثنائه. وحتى مع تعثر التجارب الثورية في الدول التي شهدت اندلاع أحداث الربيع العربي واصلت الدوحة دعمها للحركات الثورية وللاتجاهات الثورية وواصلت الاعلان عن معاداتها للثورات المضادة التي انتعشت محاولِة استعادت زمام السيطرة على الامور، مدعومة مادياً ولوجستياً من أنظمة الحكم في السعودية والإمارات، خلق هذا الموقف القطري تباين واضح في السياسات داخل البيت الخليجي وقد استمر هذا التباين في الترسخ مع مرور الوقت. ثانياً: الموقف من قوى الإسلام السياسي. مواقف الدول الخليجية وعلى رأسها السعودية والإمارات من قوى الإسلام السياسي تتحدد على خلفية ما تركته الثورة الإيرانية في 1979 من انطباعات لدى هذه النظم، والتي يأكلها الخوف من تكرار هذا النموذج في الدول التي شهدت حراك ثوري نجم عنه وصول الإسلاميون إلى سدة الحكم، خوف تغذى على ايمان هذه النظم أن قوى الإسلام السياسي بمجرد ترسخ اقدامها في الحكم لن تتوقف عن تصدير ثورتها للدول الخليجية، وعلى الخوف من أفول نجم النسخة الخليجية/السلفية من الإسلام الذي أسست هذه الدول سلطانها عليه جراء الصعود الكبير لمشروع الإسلام السياسي، وفي النهاية تغذى كذلك على تحسب هذه الدول من انتقال عدوى الثورة -في حال نجاحها في تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي في المنطقة- إلى دول الخليج. خلق هذا التخوف من قوى الاسلام السياسي سياسات عدوانية قادتها بالأساس الرياض وأبو ظبي ضد تجارب الحكم الإسلامية في دول الثورات. على العكس من ذلك عرفت قطر بدعمها للإسلاميين واحتضانها لهم وتعظيمها لحضورهم في المنطقة والعمل على انجاح تجاربهم الوليدة في الحكم في دول الثورات؛ وذلك من خلال تقديم الدعم المادي والمعنوي لهم، حتى مع تعثر تجاربهم في الحكم استمر هذا الدعم، وتعاظم هذا التأييد، ووجدت القوى الإسلامية في قطر ملاذاً أمناً مع اشتداد هجمات قوى الدولة العميقة على التشكيلات الإسلامية الثورية في دول الربيع العربي، وقد جذرت هذه المواقف الفجوة بين الدول الخليجية -السعودية والإمارات- وقطر. ثالثاً: يرى البعض أن ملفات الخلاف بين كل من السعودية والإمارات وقطر ليست وليدة اليوم بل هي قديمة قد تكون سابقة حتى على ثورات الربيع العربي التي أججت هذه الخلافات وسعًرتها، وبالتالي لا يمكن رد هذا التصاعد الرديكالي في المواقف الخليجية –الامارات والسعودية- تجاه قطر إلى هذه القضايا الخلافية العالقة منذ سنوات، وأن ما حدث من تصعيد يقترب من حافة اعلان الحرب بين هذه الدول يرتبط في الحقيقة بزيارة الرئيس ترامب للرياض -القمة الخليجية الأمريكية- في 21 مايو 2017[6]، والتفاهمات التي جرت فيها، فيما عرف إعلامياً بصفقة القرن، وأن الحملة الراهنة ضد النظام القطري يستهدف إرغام الدوحة على القبول بما جرى الاتفاق بشأنه مع واشنطن، فيما يخص الحرب على الإرهاب ومجابهة التطرف على الدوحة تقليص دعمها لقوى الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس باعتبارهم تنظيمات إرهابية –حركة حماس كما جاء على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال قمة الرياض[7]– ومتطرفة –جماعة الوان المسلمون، وحتى لا يقف الدعم القطري لهذه التنظيمات وحلفائهم حجر عثرة أمام الخطة الأمريكية/ الخليجية الطموحة، أما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، على قطر أن تقبل بالتغييرات التي يجري الإعداد لها في الداخل في الفلسطيني –استبعاد قيادات فتح الحالية بقيادات جديدة (محمد دحلان) تتماهى مع الحل النهائي للقضية الذي جرى الاتفاق بشأنه[8]– وأن توقف دعمها لفصائل المقاومة التي لا شك ستمارس مقاومة شرسة لما يجري الاعداد له بشأن إنهاء الصراع على حساب الحقوق التاريخية للفسلطينيين –دولة فلسطينية على حدود 67، وعودة اللاجئين- وأن لا تعرقل نوافذها الإعلامية ما يجري التجهيز له من بناء دولة فلسطينية على قطاع غزة وجزء من أرض سيناء[9]، وإعلان القدس الموحدة عاصمة للدولة اليهودية، ودمج تل أبيب في النظام العربي –الناتو العربي- لمجابهة المخاطر المشتركة، إيران والإرهاب والتطرف الإسلامي[10].

 

الانعكاسات السلبية للقرارات الخليجية:

الاجراءات الخليجية ضد الدوحة لا شك سيكون لها تأثيرات كبيرة على الاقتصاد القطري، وستسهم بشكل كبير في تكبيد القطاعات الاقتصادية القطرية خسائر فادحة، فيما يخص قطاع الطاقة؛ والذي يعد من أكبر القطاعات الاقتصادية بالبلاد، إذ أن الدوحة هي أكبر مصدر للغاز الطبيعي في العالم، ومع إغلاق كافة المنافذ البرية والبحرية من ناحية الدول التي قطعت العلاقات مع قطر، من المتوقع أن تتضرر إمدادات الغاز، إذ يتوقع أن ترتفع تكلفة تصديره، بحسب خبراء، إلا أن شركة جيرا اليابانية أكبر مشترٍ للغاز الطبيعي المسال، قالت إن قطر غاز أبلغتها بأنه لن يكون هناك تأثير على إمدادات الغاز المسال بعد قطع دول عربية علاقاتها مع قطر[11]، في ذات السياق تراجعت أسعار النفط؛ إذ تراجع خام القياس العالمي 30 سنتاً للبرميل إلى 49.65 دولار للبرميل بحلول الساعة 10:46 بتوقيت جرينتش، كذلك هبط خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي في العقود الآجلة 26 سنتًا إلى 47.40 دولار للبرميل، بينما ارتفع مزيج برنت نحو 1% ليصل إلى أكثر من 50 دولارا للبرميل؛ بسبب المخاوف من اتساع الخلاف في العالم العربي[12]، وهو ما سيكون له تأثيرات سلبية على قطر والتي تعد قطر فاعلًا في "أوبك" إذ تبلغ الطاقة الإنتاجية لقطر نحو 600 ألف برميل يوميًّا. أما قطاع التجارة الخارجية،تشير بيانات وزارة التخطيط التنموي والإحصاء القطرية إلى أن 80% من صادرات قطر إلى الدول العربية خلال عام 2016، موجهة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، إذ تبلغ قيمة هذه الصادرات 19.1 مليار ريال قطري، في حين وارداتها من الدول العربية تبلغ 23.9 مليار ريال، فيما يذهب 82% من الصادرات القطرية إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، كما أنهما تستحوذان أيضًا على 65% من إجمالي صادراتها للدول العربية، فيما تمثل صادرات قطر إلى البحرين نحو 4%، من إجمالي الصادرات القطرية لدول الخليج[13]، كما تكشف البيانات عن مدى عمق العلاقات التجارية القطرية مع هذه الدول، إذ إن البلاد استوردت عام 2016 ما قيمته 19 مليار ريال قطري من البضائع الخليجية، لا سيما من السعودية والإمارات التي شكلت صادراتها إلى قطر 83% من واردات قطر الخليجية، يضاف إليها 6% من البحرين، لتشكل صادرات الدول الثلاث إلى قطر 89% من إجمالي واردات قطر من الدول الخليجية، بحسب وزارة التخطيط التنموي والإحصاء[14]بينما في قطاع الطيران، يعتبر الخليج من أهم أسواق شركة الطيران الوطنية في البلاد، التي تتخذ من مطار حمد الدولي مركزًا لعملياتها، وتقدم خدماتها لأكثر من 150 وجهة في الشرق الأوسط، وآسيا، وإفريقيا، وأوروبا، وأمريكا الشمالية، وأستراليا، إذ تخرج 19 رحلة يوميًّا من مطار دبي الدولي، و6 من مطار أبوظبي، ومثلها من مطار الكويت، و5 من المنامة، و3 أو 5 من جدة و4 من الرياض للدوحة، فيما استقبل مطار الدوحة 37.3 مليون مسافر عام 2016، بزيادة نحو 7 ملايين مسافر عن عام 2015[15]وأخيراً في القطاع المالي فقد كان لبورصة قطر اليوم نصيب الأسد من الخسائر، إذ أغلق المؤشر على تراجع حاد بنسبة 7.27%، أو 720 نقطة، إلى مستوى 9202 نقطة، وبذلك تصبح بورصة قطر صاحبة أسوأ أداء بين أسواق الأسهم العالمية للعام الحالي، ويعد هذا الهبوط الأكبر للبورصة القطرية منذ سبع سنوات، فيما ارتفع معدل التداول اليومي للأسهم إلى 4 أضعاف، نظرًا للقلق الشديد لدى المتداولين[16].

ورغم كل هذه الخسائر الكبيرة التي مُني بها الاقتصاد القطري جراء الخلافات الخليجية/الخليجية المستعرة -التي سيكون لها انعكاساتها السلبية على طرفي الأزمة وليست حكراً على الدوحة- إلا أنه من المتوقع أن لا يكون لهذه الخسائر آثار اجتماعية خطيرة؛ وذلك لما يتمتع به الاقتصاد القطري من عوامل قوة، أبرزها: صندوق الثروة السيادي الضخم الذي تمتلكه الدوحة، والذي يقدر بنحو 335 مليار دولار؛ ما يجعلها قادرة على تفادي الأزمة اقتصادية التي قد تنجم بسبب مقاطعتها من قبل عدد من الدول الخليجية، واتهامها بدعم "الإرهاب" وزعزعة الاستقرار الداخلي لدول المنطقة[17]. وبفضل مرافق موانئها الموسعة حديثا تستطيع الدوحة مواصلة تصدير الغاز الطبيعي المسال الذي حقق له فائضا تجاريا بلغ 2.7 مليار دولار في أبريل 2017، واستيراد السلع التي كانت تأتيها برا عبر الحدود السعودية، المغلقة حاليا، عن طريق البحر[18].

كذلك لن يكون للأثار الاقتصادية للمقاطعة التي أعلنتها دول خليجية –الامارات والسعودية- بالتنسيق مع مصر أثار اجتماعية خطيرة لما للمؤسسات الإعلامية القطرية من نفوذ واسع يسهم في شرعنة سياساتها وتبريرها داخلياً وخارجياً بما يساعد على امتصاص الصدمات الناجمة عن الأزمة الدائرة ويقلل من احتمالات تفاقمها، كذلك تلعب الثورة الاتصالية والعولمة دوراً هاماً في تشكيل رأي عام خليجي ليس بالضرورة متماهياً مع مواقف الحكومات الخليجية المتصادمة مع الدوحة، بل من الممكن أن يتشكل داخل دول الأزمة رأي عام داعم لقطر رافض للسياسات المناهضة لها.

من جهة أخرى، من غير المتوقع أن يفاقم الحصار الخليجي –الامارات والسعودية- المصري من عزلة قطر على الصعيد الإقليمي، خاصة أن شبكات النفوذ القطري تمتد في دول الثورات التي لا تزال تتمتع فيها القوى الثورية والإسلامية بحضور قوي؛ ولذلك من غير المعقول أن يسهم حصار الدول المعادية للثورات العربية في تقليص الحضور القطري في الدول التي لا زال للثورة فيها مكان، فمن الممكن القول أنه لازال لقطر حضور قوي ومؤثر في سوريا وفي العراق وفي اليمن وفي ليبيا وفي تونس، ويمكن القول أيضاً أن قطر ستظل تحتفظ بعلاقات جيدة مع هذه القوى، ومع الدول التي يتمتع فيها الإسلاميين بحضور كبير، مثل: تونس، المغرب، السودان.

 

أوراق الضغط القطرية:

في مواجهة التحديات التي فرضها التصعيد الخليجي المصري ضد قطر، يصبح التساؤل الأهم بعد تناول محددات الأزمة وتداعياتها، حول أوراق القوة التي تمتلكها الدوحة في مواجهة التصعيد الكبير الذي أعلنته القوى المذكورة، ومما يزيد من شرعية هذا التساؤل أن الدقيق في تطور الأحداث يكشف عن إصرار الجبهة الخليجية/ المصرية على مواصلة حصارها ضد قطر مع اغلاق أية مساحات أمام الدوحة للعودة والتراجع، مما يجعل من التصعيد هو السيناريو الأبرز، ومما يدعم هذا الأمر أن ردود الافعال القطرية وبيانات المسئولين في الدوحة لا تظهر اي تراجع أو تهدئة في مواجهة الأزمة الراهنة، وهو ما ظهر بداية من بيان الخارجية الذي اعتبر الاجراءات الخليجية بمثابة فرض وصايا على السيادة القطرية والقرار القطري المستقل. وإن كانت احتمالات احتواء الأزمة لا زالت قائمة مع محاولات الوساطة التي تحاول الكويت القيام بها[19].

وبصورة عامة يمكن القول أن قطر لديها بعض أوراق القوة التي يمكن ان تستخدمها في صراعها الراهن مع الرياض وأبو ظبي والقاهرة، نذكر منها دعم القوى الإسلامية المناهضة للمحور الإماراتي السعودي المصري في كل من اليمن وليبيا، وبخاصة في اليمن لما يمثله الملف اليمني من أهمية للرياض، أيضاً من أوراق القوة التي تمتلكها الدوحة قدرتها على تعزيز تعاونها مع طهران وتركيا والسعي إلى تشكيل تحالف موازي للتحالف القائم برعاية أمريكية، مستفيدة من التناقضات الكبيرة بين مصالح القوى الكبرى في الإقليم، ويمكن للدوحة كذلك بناء علاقات أقوى مع الأطراف التي تقع خارج التحالف الخليجي/المصري مثل السودان والعراق، لكن يظل التصعيد القطري في النهاية محكوم بالتداعيات الخطيرة التي يمكن أن تنجم عنه، كذلك محكوم بالمحددات الرئيسية للسياسات القطرية الداعمة للربيع العربي والرافضة لاستمرار الرئيس السوري والمناهضة للهيمنة الشيعية في العراق وكلها قضايا خلافية تجعل من التقارب مع هذه الأطراف مهمة في غاية الصعوبة، وفي النهاية تظل الحلول التفاوضية والدبلوماسية هي الأكثر جاذبية لدى صانع القرار القطري الذي لا يريد بالضرورة أن يصل بالصدام الراهن إلى حدوده القصوى لما في هذا من خطورة كبيرة على استقرار الاوضاع في منطقة الخليج، وبما يتناسب مع حدود القوة التي تتمتع بها قطر.

 

السيناريوهات المحتملة:

ثمة سيناريوهات أربعة تتأرجح الأزمة الخليجية/ الخليجية بينهم على الأقل في الوقت الراهن، أولى هذه السيناريوهات: التصعيد المتبادل من طرفي الصراع وصولاً إلى تشكُل محورين متقابلين في المنطقة، الأول: المحور السعودي الإماراتي المصري، الساعي إلى وأد محاولات التغيير التي انطلقت في المنطقة مع بدء شرارة الربيع العربي، وإلى محاربة القوى العنيفة -داعش والقاعدة- ومجابهة قوى الاسلام السياسي واستبداله بالجماعات الصوفية. الثاني: المحور القطري التركي، الداعم لحركات التغيير والمحتضن لقوى الاسلام السياسي، والمتبني لسياسات تصالحية وتحاورية مع إيران. يظل هذا السيناريو مستبعداً في الوقت الراهن؛ وذلك بسبب التباعد الكبير بين مصالح الدول التي يتوقع لها أن تصبح أطرافاً في هذه التحالفات، سواء التحالف السعودي الاماراتي المصري، أو حتى التحالف القطري التركي، وكذلك بسبب التشابك والتعقد الكطبير الذي تتسم به قضايا المنطقة. سيناريو التهدئة بين طرفي الأزمة وقبولهم بالتفاوض والوصول إلى حلول وسط في القضايا الخلافية بين الطرفين، خاصة مع رغبة الطرفان في وضع كوابح للأزمة المستعرة، ومع وجود أوراق ضغط لدى طرفي الأزمة مما يجعل من الحلول الصفرية غاية مستبعدة. احتمالات تحقق هذا السيناريو لا تزال قائمة وبقوة، وان كانت تعتمد بالاساس على مدى كفاءة الأطراف الوسيطة. مع الاخذ في الاعتبار أن تهدئة الخلاف بين الطرفين لن يمهد أبداً لعودة العلاقات إلى شكلها السابق بين طرفي الأزمة وذلك بسبب سقوط جسور الثقة بين الجانبين. سيناريو الحرب على قطر حيث تتدخل الدول الخليجية –السعودية والامارات- بالتنسيق مع مصر عسكرياً في قطر بغرض تغيير نظام الحكم هناك. يظل هذا السيناريو مستبعداً وضعيف التحقق في ظل التعقد الشديد الذي تتسم به الأوضاع في المنطقة بصفة عامة والخليج خاصة. سيناريو الإنقلاب الداخلي حددوث انقلاب داخلي في قطر مدعوم من الطرف السعودي الإماراتي تظل قائمة وإن كانت احتمالات تحققه تزداد خفوتاً كلما طال الوقت وأمتد أمد الأزمة. سيناريو بقاء الأوضاع كما هي يمكن أن يتوقف تصاعد الأزمة عند هذا الحد، مع استمرار الوضع الراهن على الأقل في المدى المنظور؛ وذلك بسبب عجز طرفي الأزمة على حسم الصراع بشكل كامل لصالحه، وامتلاك كل طرف منهما أوراق ضغط تمكنه من الصمود وتحافظ على قدرته على المواجهة والاستمرار حتى النهاية في معركة عض الأصابع القائمة.

في النهاية يمكن القول أن سيناريو التهدئة وسيناريو بقاء الأوضاع على ما هي عليه دون تهدئة أو تصعيد تظل هي السيناريوهات الأقرب للتحقق في ظل المعطيات الراهنة، أو في ظل المعطيات الظاهرة، وذلك حتى تظهر متغيرات جديدة تسهم في حدوث تحول كبير في الوضع الراهن.

[1] تصعيد غير مسبوق تقوده السعودية والإمارات ومصر ضد قطر، فيما تحاول الكويت لعب دور الوسيط، قنطرة، 6 يونيه 2017، الرابط: https://is.gd/rupbzi

[2] عبدالباري عطوان، قطر على حافة غزو عسكري لتغيير النظام فيها.. والبداية قطع علاقات.. وفرض “الوصاية”.. والخنق السياسي والاقتصادي.. ورد فعل وزير الخارجية الأمريكي ضوء اخضر يذكرنا بالسفيرة ابريل غلاسبي ولقاءها “المريب” مع صدام حسين قبل غزو الكويت، رأي اليوم، الرابط: http://www.raialyoum.com/?p=687097

[3] إجراءات صارمة للدول التي قطعت علاقاتها مع قطر!، روسيا اليوم، 5 يونيه 2017، الرابط: https://is.gd/CkO8ZE

[4] قطر تعرب عن اسفها لقرار السعودية والامارات والبحرين قطع العلاقات، وزارة الخارجية القطرية، 5 يونيو 2017، الرابط: https://is.gd/8niK9h

[5] المرجع السابق: قطر تعرب عن اسفها لقرار السعودية والامارات والبحرين قطع العلاقات، وزارة الخارجية القطرية.

[6] انطلاق أشغال القمة الخليجية الأمريكية في الرياض، دويتش فيله، 21 مايو 2017، الرابط: https://is.gd/UIH1hq

[7] حماس ترد بشدة على وصف ترامب لها بـ"الإرهابية"، روسيا اليوم، 21 مايو 2017، الرابط: https://is.gd/FOmLJy

[8] خطة إماراتية مصرية أردنية لإسقاط عباس وتعيين محمد دحلان الخائن بديلا عنه، إعلاميون حول العالم، الرابط: http://www.journalists.at/?p=34238

[9] مشروع توطين الفلسطينيين في سيناء.. إلى أين؟، مركز الزيتونة للدراسات، مارس 2017، الرابط: https://is.gd/ta9gbe

[10] وليد عبدالحي، جولة دونالد ترامب في المنطقة العربية وانعكاساتها المستقبلية، مركز الزيتونة للدراسات، الرابط: https://is.gd/Be42oO

[11] قطر غاز تبلغ جيرا اليابانية أنه لا تأثير على إمدادات الغاز المسال، رويترز، 5 يونيو 2017، الرابط:http://ara.reuters.com/article/businessNews/idARAKBN18W0ZL

[12] قطر.. مستقبل غامض للطيران والريال والغاز، الحرة، 5 يونيو 2017، الرابط: https://www.alhurra.com/a/gulf-tension-economy/368687.html

[13] 69 % من صادرات قطر الخليجية مهددة بالشلل التام، العربية، 5 يونيو 2017، الرابط: https://is.gd/6u59BS

[14] أحمد طلب، الاقتصاد القطري أمام الاختبار الأصعب.. هل يصمد أمام المقاطعة؟، ساسة بوست، 5 يونيو 2017، الرابط: https://www.sasapost.com/qatar-saudi-arabia-economy/

[15] المرجع السابق: أحمد طلب، الاقتصاد القطري أمام الاختبار الأصعب.. هل يصمد أمام المقاطعة؟، ساسة بوست.

[16] Qatari Markets Rocked as Four Arab Nations Cut Diplomatic Ties, Bloomberg, 5 June 2017, link: https://is.gd/YJXiIt

[17] تكلفة الأزمة الخليجية القطرية، روسيا اليوم، 5 يونيو 2017، الرابط: https://is.gd/xyQHVN

[18] قطر وجيرانها قد يخسرون المليارات بسبب القطيعة الدبلوماسية، رويترز، 5 يونيو 2017، الرابط: https://is.gd/DSbjQP

[19] قطر تبدي استعدادا للحوار لحل الأزمة مع جاراتها، بي بي سي، 6 يونيو 2017، الرابط: http://www.bbc.com/arabic/middleeast-40173477

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

هجوم “كباء علماء السعودية” على الإخوان .. قراءة في الأهداف ومغزى التوقيت

فاجأت ما تسمى بهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية المسلمين والعالم بهجوم مفاجئ عل…