‫الرئيسية‬ بحوث ودراسات إسرائيل والنظام المصري قراءة في أبعاد العلاقة بعد قمة العقبة السرية
بحوث ودراسات - يونيو 27, 2017

إسرائيل والنظام المصري قراءة في أبعاد العلاقة بعد قمة العقبة السرية

تستهدف هذه الورقة تحليل التصريحات الإسرائيلية عن النظام المصري خلال عام 2016 وبداية 2017. تقوم الدراسة علي قراءة في سياق ظهور التصريحات الرسمية أو الصحفية الإسرائيلية حول الوضع في مصر وسيناء علي وجه التحديد.

إن قراءة في مضمون التصريحات والسياق الذي يجري إعلانها فيه يكشف عن طبيعة السياسة الإسرائيلية الفعلية تجاه مصر، ويكشف بعض جوانب الغموض التي اكتنفت هذه العلاقة خلال الفترة الماضية. فقد أصبحت وسائل الإعلام الإسرائيلية مصدراً هاماً للمعلومات عن العلاقة المصرية الإسرائيلية المتنامية في الفترة الماضية، ولكنها استكشاف مراميها وأهدافها الكامنة من خلف هذه التصريحات يحتاج إلي تحليل التوقيت والسياق الدولي والإقليمي الذي تظهر فيه من أجل إدراك أبعاد الصورة الكلية دون تحيزات عاطفية أوسياسية. ففي حين تظهر تلك التصريحات عمق العلاقات بين الطرفين فإنها لا تخفي مطامعها الواضحة في سيناء ومحاولة الاستفادة من السياق الحالي المرتبط بالأزمة في سيناء وتولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقاليد السلطة للدفع بأطروحة الوطن البديل أو تبادل الأراضي حيث تكون سيناء جزء من لعبة التوزانات الدولية والإقليمية وتدخل في مسار تسوية القضية الفلسطينية وفقاً لحسابات نتانياهو وترامب.

 

أولاً- تسليح الجيش المصري والوضع في سيناء:

هناك ازدواجية في الموقف الإسرائيلي في سيناء فهي سعيدة بالمواجهة الدموية في سيناء مما يتيح لها فرصة التأثير والاستفادة من النزاع، كما أنها سعيدة باحكام الجيش لإغلاق غزة وهدم الأنفاق وتهجير السكان، ولكن تظهر بين آونة وأخري اشارات متوجسة من تزايد نفوذ الجيش المصري في سيناء. وقد أشار المحلل الإسرائيلي للشئون العربية “درور مانور” لوجود مخاوف إسرائيلية من تزايد وتيرة تسلح الجيش المصري، إذ تقوم مصر بشراء أسلحة متطورة باهظة الثمن وبكميات كبيرة (حاملات طائرات وغواصات وأنظمة مضادة للطائرات)، في الوقت الذي تعاني من أزمة اقتصادية خانقة قد تؤدي لعدم استقرار سياسي، ودعا القادة الإسرائيليين لضرورة الاستعداد لفرضية حدوث تغير سياسي كبير في مصر خلال عام 2017 أو 2018، ما قد يجعل أمر التسلح مصر يخلق مشكلة لإسرائيل بغض النظر عن الحديث في الآونة الأخيرة حول تحسن في العلاقات، فهي دائما بالنسبة لإسرائيل عدو مفترض، وأشار إلى أنه منذ اندلاع القتال بسيناء، تخلت إسرائيل عمليا عن الملحق الخاص بنزع السلاح هناك الذي وقع في معاهدة السلام بين الدولتين،[1] وإدخال –للمرة الأولى منذ حرب أكتوبر ١٩٧٣- آلاف الجنود والدبابات والأسلحة الثقيلة إلى سيناء، تمركزت على المنطقة الحدودية مع إسرائيل، لأول مرة منذ توقيع معاهدة السلام، وعدم الاكتفاء بقوات حرس الحدود أو الشرطة، وأن الجيش المصري يشيد المواقع الجديدة، ويكثف من الأنظمة الدفاعية بالمواقع الموجودة ويمد خطوط الكهرباء.[2]

من ناحية ثانية، هناك قلق إسرائيلي من احتمال حدوث تحوّل في موقف الإدارة الأمريكية تجاه النظام المصري، وذلك إثر اعتزام الولايات المتحدة سحب قواتها التابعة لقوات حفظ السلام في شبه جزيرة سيناء جزئيًّا، بما قد يشير لتخلي الولايات المتحدة عن دعمها للنظام المصري.[3]

بالرغم من هذه المخاوف، إلا أن المخاوف الحالية والخاصة بما سبق ذكره عن الوضع في سيناء والتنظيمات الإرهابية والقلق من حماس، دفعت لنظرة إيجابية تشير إلى أن تحرك السيسي ضد حركة حماس والجماعات المسلحة والأسلحة المنقولة بين سيناء وقطاع غزة بسياسة معاكسة لأسلافه، يعني وجود نقطة انطلاقة جيدة بين الجانبين، وذلك وفقا لما أصدره نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي “يائير جولان”، يضاف إلى ذلك أن هناك ما يشير إلى وجود تعاون أمني استخباراتي بين الجانبين المصري والإسرائيلي بخصوص سيناء، إذ نفذت إسرائيل غارات بواسطة طائرات دون طيار ضد المسلحين في شبه جزيرة سيناء.[4]

وقد أعلن موقع الجيش الإسرائيلي على الإنترنت إن فرقة إسرائيلية تعمل على تأمين الحدود مع صحراء سيناء، وتتولى تسيير دوريات الحراسة والاشتباك وزرع ألغام على امتداد الحدود، وخاصة بعد إسقاط الطائرة الروسية بسيناء والذي لفت الانتباه إلى قرب الخطر من إسرائيل،[5] إذ أفادت صحيفة “إسرائيل اليوم” بأن تنظيم الدولة أشار في عدد من بياناته الأخيرة إلى أن التطورات في سيناء ستتسبب في توترات أمنية في الدول المجاورة وتؤثر على علاقات مصر وإسرائيل من خلال القضاء على اتفاقية كامب ديفد، والعمل على فتح جبهة ضد إسرائيل.[6]

وفي بداية الأسبوع الثاني من شهر فبراير قام تنظيم داعش في سيناء بإطلاق ثلاثة صواريخ على منطقة إيلات ولكن اعترضتهم القبة الحديدية، وفي سبيل الرد على ذلك أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية على لسان الوزير “أفيغدور ليبرلمان” أن “الجيش الإسرائيلي لا يترك أمرا دون رد” وقال أن “داعش في سيناء لا يعتبر تهديدا جديا للأمن الإسرائيلي… ولا يمكن مقارنته بحماس أو حزب الله”.[7] وبأيام قامت طائرة إسرائيلية بدون طيار بقصف سيارة تابعة للتنظيم في قرية شيبانة قرب مدينة رفح وقتلت أربع عناصر من التنظيم.[8]

وفي إطار ما أشير له بشأن التعاون الأمني بين الجانبين المصري والإسرائيلي، يجدر الانتباه إلى التصريح الذي أدلى به مكرم محمد أحمد نقيب الصحفيين المصري الأسبق، والذي أوضح في حديث تليفزيوني له بخصوص جزيرتي تيران وصنافير، أن مصر ليست متأخرة في تسليم الجزيرتين، وإنما هناك إجراءات دستورية وقانونية، وهناك طرف ثالث الذي هو إسرائيل، التي ستتسلم المهام الأمنية التي كانت موكلة لمصر إزاء الجزيرتين، وهذا التسلم والتسليم يجب أن يتم بموافقة السعودية ومصر وإسرائيل.[9]

وظهرت بعض الآراء الإسرائيلية التي تدعم توجهات السيسي الأمنية في العديد من المناطق، فأوضح محلل شئون الشرق الأوسط في مركز القدس للشئون العامة “جاك نيرياه” أن الجيش المصرى أثبت مدى تماسكه وقوته، وأن السيسي منذ 30يونيو وهو يعمل على جبهتين في وقت واحد، الأولى في سيناء وما تمثله حركة حماس والجماعات الإرهابية التي بايعت تنظيم داعش، والجبهة الثانية تمثلت في الوضع الفوضوي في ليبيا وانتشار التنظيمات المسلحة والجماعات الإرهابية، ما دفع الجيش المصري بعدم الاكتفاء بنشر قواته على الحدود، بل تحركت البحرية المصرية لمراقبة السفن في البحر الأحمر والبحر المتوسط، إضافة إلى اتخاذ إجراءات لمنع تدفق الأسلحة إلى مصر، وذلك رغم الغضب الإسرائيلي فيما بعد من موقف السيسي المعترض على الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة، ودعمه للوصول لتهدئة وهدنة لإنهاء الحرب. [10]

ثانياً: زيارة شكري لتل أبيب وعلاقتها بزيارة نتنياهو لأفريقيا:

بعد الحديث في العناصر السابقة عن مظاهر الدعم والتعاون بين الجانبين في المجال الاقتصادي والأمني والاستخباراتي، يتناول هذا العنصر المنحى الدبلوماسي، فقد ظهر التطور العلني للعلاقات المصرية- الإسرائيلية من خلال لقاء وزير الخارجية الأسبق “نبيل فهمي” بقيادات المنظمات الصهيونية العالمية في 30 أبريل 2014 خلال زيارته للولايات المتحدة، وهو ما بررته وزارة الخارجية المصرية أنه لمناقشة قضايا “التحول الديمقراطي” في مصر والأوضاع في القارة الإفريقية وسبل التصدي لظاهرة الإرهاب، والعلاقات مع روسيا، لكنه في الواقع عَكَس رغبة الطرفين في المضي قدمًا نحو تنسيق أكثر عمقًا في الملفات المشتركة.[11]

وكذلك من خلال مشاركة السفير المصري حازم خيرت في مؤتمر “هرتسيليا” السادس عشر في إسرائيل (يونيو 2016)، وعنوانه “أمل إسرائيلي، رؤيا أم حلم؟”، وتعتبر تلك المرةُ الأولى التي تشارك مصر بصفة رسمية في مؤتمر “هرتسيليا” المتخصص في مراجعة السياسات الأمنية والدفاعية للدولة العبرية.[12]

وظهر أيضا وخلال حفل أقيم بمناسبة العيد الوطني المصري (يوليو 2016) قرب تل ابيب باستضافة السفير “حازم خيرت”، جدد نتنياهو دعمه جهود مصر للتوسط في عملية السلام مع الفلسطينيين، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات مع القاهرة.[13]

وكانت زيارة وزير الخارجية “سامح شكري” لتل أبيب في يوليو 2016 فرصة كبيرة للجانب الإسرائيلي لاعتبارها خطوة جديدة في إطار التعاون بين الجانبين، وهذا ما أكده “نتنياهو” في اجتماع لمجلس الوزراء، خاصة وأن مثل هذه الزيارة لم تحدث منذ 9 سنوات في عهد الرئيس الأسبق “حسني مبارك”، والذي كان يقوم بإرسال مدير المخابرات عمر سليمان لإسرائيل أو مساعديه لبحث التعاون العسكري والاستخباري على وجه الخصوص.

ومن التطورات الإقليمية والتي ربما دفعت بزيارة شكري لإسرائيل هي التقارب التركي الإسرائيلي واتفاق تطبيع العلاقات بينهما بعد تدهورها إثر استهداف سفينة الإغاثة التركية “مرمرة”، والحديث عن السماح لتركيا بأن تكون المورد الرئيس للسلع الرئيسية ومواد البناء إلى غزة، والخوف المصري من فقدان دورها المحوري في الملف الفلسطيني، يضاف إلى ذلك القلق المصري من السد الذي أقامته إثيوبيا على نهر النيل، واستهداف الاستفادة من الدور الإسرائيلي وتأثيره على المسألة خاصة في ظل الزيارة التي قام بها نتياهو لعدد من دول حوض النيل، والاستعداد لمؤتمر وزراء خارجية دول حوض النيل بأوغندا، بالإضافة لحاجة مصر لدعم إسرائيل ضد السعي الأمريكي لإخراج القوات الدولية التابعة للأمم المتحدة من سيناء. [14]

البعض يرى أن تلك الزيارة تشير لاحتمالية أن يفتح السيسي قناة سياسية علنية مع إسرائيل من خلال دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي لزيارة مصر، استنادا للعديد من القضايا التي نالت اهتماما من الجانبين في السنوات الأخيرة أهمها الحرب على الإرهاب،[15] بالإضافة إلى أنه خلال الزيارة تم بحث اقتراحا مصريا باستضافة مفاوضات فلسطينية إسرائيلية مباشرة برعاية مصرية أردنية، لبلورة حزمة من إجراءات لبناء ثقة، من شأنها تهدئة الأراضي الفلسطينية وتحسين الأجواء بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.[16]

أثير مؤخرا عدد من التصريحات والأخبار التي تخص العلاقات المصرية الإسرائيلية والفلسطينية، يتناول هذا التقرير ما يخص القمة السرية التي عقدت في مدينة العقبة الأردنية وجمعت بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وملك الأردن عبد الله الثاني ووزير الخراجية السابق جون كيري ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وخبر آخر يخص مغادرة السفير الإسرائيلي في القاهرة، وخبر يتناول الرد الإسرائيلي على داعش في سيناء، ثم الحديث عما إذا كانت هناك علاقة بين ما ظهر من أخبار وبين تحسن العلاقات المصرية بحركة حماس، ثم إعطاء ملاحظات ختامية بشأن هذه التطورات.

ثالثا: – قمة العقبة السرية وترويج إسرائيلي لخطة مصرية بوطن بديل للفلسطينيين في سيناء:

نشرت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية تقريرا أشرات فيه إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي شارك في لقاء في 21 فبراير 2016 مع كل من جون كيري وزير الخارجية السابق، والملك عبد الله الثاني ملك الأردن وبنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي في مدينة العقبة الأردنية، وذلك بمبادرة من كيري، وشهد اللقاء عرض كيري مبادرة سلام إقليمية تتضمن الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية واستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين بدعم دول عربية، وكان من المفترض أن يظل اللقاء سريا، ولكنه خرج للعلن بعد أن سربته الصحيفة وأكده نتنياهو خلال اجتماع اعتيادي للحكومة، قائلا “أفعل الكثير من أجل عملية السلام، لكنني لا أستطيع أن أكشف كل شئ”، لكنها كانت محاولة فاشلة من إدارة أوباما لعقد قمة إقليمية أوسع نطاقا بشأن عملية السلام.[17]

رفض نتنياهو الاقتراح ومبادرة السلام التي طرحت من قبل كيري في لقاء العقبة، وأبدى الكثير من التحفظات وأنه سيجد صعوبة في حشد الدعم السياسي داخل الائتلاف اليميني، لكنه طالب باستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين وعقد قمة سلام إقليمية بحضور ممثلين عن السعودية والإمارات وعدد من الدول السنية.[18]

تباينت المواقف بالساحة السياسية الإسرائيلية حيال الكشف عن انعقاد القمة السرية والتحفظات التي أبداها نتنياهو، حيث وجه رئيس المعارضة “يتسحاق هرتزوغ” انتقادات شديدة اللهجة لرئيس الحكومة لتحفظه ورفضه التعامل مع مقترح مبادرة السلام الإقليمية، بينما وزير الأمن الداخلي “جلعاد إردان” أشاد بموقف وقرار رئيس الحكومة برفضه التعامل مع مبادرة السلام في عهد إدارة أوباما وكيري.[19]

من ناحية أخرى، أشار تصريح أدلى به أحد الوزراء الإسرائيليين “أيوب قرا” عبر موقع تويتر أن السيسي تقدم باقتراح لإقامة دولة فلسطينية في غزة وسيناء بدلا من الضفة الغربية، إذ كان من المفترض أن يتم مناقشتها في اللقاء الذي جمع نتنياهو وترامب مؤخرا، لكن خرجت الخارجية المصرية ونفت هذا نفيا قاطعا مؤكده أنه مجرد شائعات.

وخرج الجنرال الإسرائيلي “آرييه إلداد” وأكد أن “السيسي اقترح منح الفلسطينين مساحة من سيناء لإقامة دولتهم، واعتبر أن الدولة الفلسطينية المفترضة في قطاع غزة وسيناء تصلح لتكون “أفضل ضيغة للتسوية الإقليمية”، أو أن يتم الضغط على الأردن لتتحول بدورها إلى الدولة الفلسطينية المأمولة.[20]

ووفقا لتقرير أذاعته إذاعة “جالي تساهال” الإسرائيلية، فإنه في 2014، قام السيسي بتقديم مقترحا للرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال لقاء لهما في القاهرة يقضي بمضاعفة مساحة قطاع غزة 5 مرات داخل سيناء، وقالت الإذاعة أن هذه الخطة صيغت بدعم أمريكي، لكن رفضها عباس لأنها تقضي بالتنازل الفلسطيني عن الطلب بالعودة لحدود ما قبل 5 يونيو 1967، لكن الرئيس السيسي نفى الأمر وأكد أن “أحدا لا يملك أن يفعل ذلك”.[21]

ونفى أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير “صائب عريقات” مؤكدا التمسك بحدود 67 وأن “إن الاقتراح بإقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة وسيناء، لا يمكن حتى مجرد التفكير فيه تحت أي ظرف من الظروف” وأن “سيناء أرض مصرية وللمصريين، كما القدس الشرقية لفلسطين والفلسطينيين”،[22] وأكد هذا النفي “نبيل أبو ردينة” الناطق بلسان رئاسة السلطة الفلسطينية.

أما الرد المصري الرسمي على ما أثير بشأن القمة السرية، والذي كان عبر بيان الرئاسة الذي قدمه السفير “علاء يوسف” المتحدث باسم الرئاسة، فقد جاء غامضا لا يوضح نفيا أو إثباتا بشأن مشاركة السيسي في تلك القمة السرية، وذهب للتأكيد على ما تسعى مصر له من تقريب وجهات النظر ودعم أية مبادرات تهدف لإحياء عملية السلام، وأنها لا تدخر جهدا في التوصل لحل عادل ودائم للقضية الفلسطينية استناداً إلى حل الدولتين وحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة على أساس حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، دون أية مواءمات أو مزايدات. مؤكدا أن حل القضية “سيعطى الأمل لكافة شعوب المنطقة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تتطلع إليها، فضلاً عن القضاء على إحدى أهم الذرائع التي تستند إليها التنظيمات الإرهابية والمتطرفة لتبرير أفعالها”.[23]

ربما للأمر علاقة بما صرح به الرئيس مسبقا في مارس من العام الماضي بشأن “السلام الدافئ” مع إسرائيل، أي كان بعد أقل من شهر من هذا اللقاء السري الذي كشفت عنه إسرائيل.

من ناحية أخرى، تأكيد نتنياهو في اجتماع الحكومة التالي لإذاعة الخبر وتأكيده على هذا اللقاء يوحي بأنه وراء تسريب هذا الخبر، وربما من الأسباب الداعية لهذا أنه يريد التملص من أي وعود قطعها خلال هذه القمة بعد لقائه الأخير مع ترامب، خاصة أنه قدم خطة بديلة لما قدمها كيري خلال القمة، وبالتالي تخلصه من أي أمر يتعلق بفكرة الدولتين أو العودة لحدود 1967، مما فرض الفوضى في الأجواء العربية، ومن جانب آخر يريد أن يفرض فكرة الحل الإقليمي للقضية من خلال التنويه بوجود أطراف عربية متحالفة مع إسرائيل، ولكن لديهم إحراج في إعلان هذا التحالف، وكذلك هناك دافع داخلي، فهو ربما يريد صرف نظر الرأي العام الداخلي عن اتهامه بالفساد والمطالبة بمحاكمته.[24]

وتضمنت الخطة التي اقترحها نتنياهو خلال تلك القمة السرية خمسة بنود:[25]

أولا: منح التراخيص للبناء على نطاق واسع للفلسطينيين والدفع بمبادرات اقتصادية في مناطق C في الضفة الغربية حيث المسؤولية الإدارية والأمنية بيد اسرائيل، الدفع بمشاريع بنى تحتية في قطاع غزة وتعزيز التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية بما في ذلك تصاريح لإدخال وسائل قتالية أخرى ضرورية لأجهزة الامن الفلسطينية.

ثانيا: الحكومة الإسرائيلية تعلن تعاملها الإيجابي مع مبادرة السلام العربية من عام 2002، مع ابداء الاستعداد لخوض مفاوضات مع الدول العربية حول عناصر هذه المبادرة.

ثالثا: دعم ومشاركة نشطة للدول العربية في مبادرة السلام الإقليمي بما في ذلك وصول مندوبين رفيعي المستوى من السعودية واتحاد الامارات العربية ودول سنية أخرى في قمة علنية بمشاركة نتنياهو.

رابعا: اقرار أمريكي بالبناء في التجمعات الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية، دون ان يشير نتنياهو اليها بالاسم، مقابل تجميد البناء الاستيطاني في المستوطنات النائية الواقعة على الجانب الشرقي من الجدار الفاصل. وتحدث نتنياهو عن التوصل الى تفاهم خفي عن الاضواء وغير رسمي حول الإقرار بالبناء في التجمعات الاستيطانية الكبرى وتجميد البناء خارجها.

خامسا: الحصول على ضمانات من إدارة أوباما في التصدي للإجراءات ضد إسرائيل في مؤسسات الأمم المتحدة واستخدام الفيتو ضد كل قرار يتعلق بالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني في مجلس الامن التابع للأمم المتحدة.

رابعاً: مغادرة السفير الإسرائيلي في القاهرة:

كان ضمن ما أُثير مؤخرا خبر سحب السفير الإسرائيلي بالقاهرة “ديفيد جوفرين” وإعلان جهاز الأمن العام الإسرائيلي عن هذا الأمر على أنه لاعتبارات أمنية، وليس عبر وزارة الخارجية الإسرائيلية التي التزمت الصمت، وأن هذا الأمر تم منذ أسابيع في أواخر 2016، وليس في إطار الأخبار التي يتم تداولها مؤخرا بشأن العلاقات المصرية الإسرائيلية، وأعلنت الخارجية المصرية أنها لا تملك أية معلومات بشأن سحب السفير أو ما إذا كان سيعود مرة أخرى أم لا.

ويرى “إيهود يعاري” محلل الشئون العربية بالقناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي إن السبب وراء المغادرة يرجع لتزايد قوة العمليات الإرهابية في مصر، والصعوبة التي تواجهها أجهزة الأمن المصرية في وقف الهجمات.[26]

البعض يرى أن هذه الخطوة تمت بتنسيق متبادل بين الجانبين المصري والإسرائيلي، فقد رأى الدبلوماسي المصري السابق “بلال المصري” أن الأمر ربما جاء باقتراح مصري رفضا لتحركات معينة يقوم بها السفير واتصالاته ببعض قادة الجيش المصري، أو بسبب التحركات الأمنية في سيناء وممارسة ابتزاز إسرائيلي لمصر، أو بسبب توقف مشروعات تنمية سيناء والتي كان من المتوقع أن تخدم الجانب الإسرائيلي مثل مشروعات توصيل المياه لسيناء، لكن هناك من يرى أن طبيعة المهام التي يقوم بها السفير في القاهرة لا تستدعي وجوده بشكل دائم بمصر، مضيفا أن أغلب العلاقات بين البلدين هي أمنية، بينما أنشطة السفير الدبلوماسية يمكن القيام بها أثناء تواجده في بلده، أي أن الأمر لا علاقة له بتدهور حاصل بين الجانبين لأن العلاقات بينهما تعتبر ثابتة على المستوى الأمني والاستراتيجي.[27]

خامساً: هل للتصريحات الإسرائيلية علاقة بتحسن العلاقات المصرية بحماس؟

كان قد غلب التوتر على العلاقات المصرية بحماس منذ الإطاحة بالرئيس “محمد مرسي” نظرا للروابط التي تجمع بين الحركة وجماعة الإخوان وأُغلق معبر رفح ولا يتم فتح إلا نادرا، لكن مؤخرا بدأ يظهر في الأفق بوادر تحسن في تلك العلاقة وتم عرض تناولات تخص التجارة وحرية التنقل مقابل اتخذا إجراءات لتأمين الحدود مع متشددين موالين لتنظيم داعش، وجاء هذا التحسن في العلاقات عقب زيارة قام بها بعض المسئولين بحركة حماس للقاهرة في الأيام القليلة الماضية.[28]

وسبق أن قام “إسماعيل هنية” نائب رئيس المكتب السياسي لحماس بزيارة للقاهرة في يناير الماضي للقاء مسئولين بالمخابرات المصرية، وهذا ما أدى بالتدريج للتحسن الذي تم ذكره، بهدف ألا تكون الحركة بوابة أخرى لتهديد الأمن الوطني المصري.

ورغم التحسن الملحوظ في علاقة القاهرة بحركة حماس، طرح الباحث اليهودي الأمريكي المعروف بانحيازه لإسرائيل “دانيال يايبس” بـ “أراد المصريون تصعيب الأمور على حماس في غزة لكن إسرائيل هي التي كانت لينة للغاية مع التنظيم الإرهابي.. ليس لدى إسرائيل إستراتيجية واضحة بشكل كافي تجاه حماس، فهي في الحقيقة من أنقذت حماس من يد مصر”،[29] ومن ناحية أخرى لم تعبر إسرائيل عن امتعاضها من التقارب المصري مع حماس بل أيدت أي خطوة تهدف لتحقيق مزيد من الاستقرار في شمال غزة وسيناء، إلا أن هذا لا ينفي أن حماس لا تزال العدو الأول لنتنياهو وكل علاقة إقليمية بها تمنحها مزيد من الشرعية والقوة، خاصة في ظل صعود العسكريين للمناصب القيادية في حماس.

[1] ” خبير إسرائيلي: تسلح الجيش المصري يثير الذعر في تل أبيب”، مصر العربية، 29/10/2016، متاح على الرابط: http://cutt.us/mmoER

[2] “محلل إسرائيلي: مواقع جديدة للجيش المصري بسيناء لمواجهة الإرهابيين”، مصر العربية، 29/10/2016، متاح على الرابط: http://cutt.us/IvgJ2

[3] “كيف تعمل إسرائيل على منع سقوط نظام السيسي؟”، ساسة بوست، 21/10/2016، متاح على الرابط: http://www.sasapost.com/israel-and-the-egyptian/

[4] “بلومبرج تكشف تفاصيل تحول العلاقات بين مصر وإسرائيل من «البرود» للتحالف”، البداية، 11/7/2016، متاح على الرابط: http://albedaiah.com/news/2016/07/11/116434

 

[5] “فرقة إسرائيلية تؤمن الحدود مع سيناء”، الجزيرة.نت، 25/5/2016، متاح على الرابط: http://cutt.us/XPFZO

[6] “دعم أمني إسرائيلي لمصر والأردن لمواجهة تنظيم الدولة”، الجزيرة.نت، 21/4/2016، متاح على الرابط: http://cutt.us/ULlNN

[7] “ليبرمان: إسرائيل قصفت داعش في سيناء”، وكالة سما الإخبارية، 21/2/2017، متاح على الرابط: http://cutt.us/NQUTb

[8] “طائرة إسرائيلية بدون طيار قصفت سيارة لداعش بسيناء”، عرب 48، 19/2/2017، متاح على الرابط: http://cutt.us/puzr9

[9] “مكرم أحمد: مصر لم تخطئ في حق السعودية.. وإسرائيل ستتسلم مهام تيران وصنافير الأمنية”، CNN بالعربية، 19/10/2016، متاح على الرابط: http://arabic.cnn.com/middleeast/2016/10/19/makram-ahmed-egypt-saudi-tiran-sanafir

[10] “ننشر أخطر تقرير إسرائيلي عن الجيش المصري”، البوابة نيوز، 20/6/2015، متاح على الرابط: http://www.albawabhnews.com/1357297

[11] “مؤشرات للتقارب في العلاقات المصرية الإسرائيلية بعد الانتخابات الرئاسية”، ساسة بوست، 12/5/2014، متاح على الرابط: http://www.sasapost.com/egyptian-israeli-post-presidental-relations/

[12] محمد سليمان، “توجه السيسي الجديد نحو العلاقات المصرية الإسرائيلية”، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، متاح على الرابط: http://www.washingtoninstitute.org/ar/fikraforum/view/sisis-new-approach-to-egypt-israel-relations

[13] “نتنياهو يدعم تحرك مصر في عملية السلام”، القدس العربي، 28/7/2016، متاح على الرابط: http://www.alquds.co.uk/?p=572966

[14] معتز بالله محمد، “هآرتس: نتنياهو يحمل لمصر بشرة خير عن سد النهضة”، مصر العربية، 11/7/2016، متاح على الرابط: http://cutt.us/h0Ut

[15] “مصر وإسرائيل.. مصالح مشتركة والقضية الفلسطينية آخر الهموم”، قدس، 12/7/2016، متاح على الرابط: http://www.qudsn.ps/article/96411

[16] “تقرير إسرائيلي: زيارة مرتقبة لنتنياهو إلى مصر”، الجزيرة.نت، 11/7/2016، متاح على الرابط: http://cutt.us/fsFAo

[17] “نتنياهو يؤكد عقد لقاء سري قبل عام مع زعيمي مصر والأردن”، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 21/2/2017، متاح على الرابط: http://www.alzaytouna.net/%D9%86%D8%B4%D8%B1%D8%A9-%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%85/

[18] “هأرتس تكشف تفاصيل قمة سرية جمعت السيسي ونتنياهو وعبد الله الثاني”، مصر العربية، 19/2/2017، متاح على الرابط: http://cutt.us/yJa53

[19] “نتنياهو للوزراء: أنا بادرت للقمة السرية”، وكالة سما الإخبارية، 19/2/2017، متاح على الرابط: http://cutt.us/0nSTR

[20] “السلطة ترفض توطين الفلسطينيين في سيناء.. وجنرال إسرائيلي مجددا: هذه خطة السيسي”، وكالة سما الإخبارية، 23/2/2017، متاح على الرابط: http://cutt.us/9HqBL

[21] “وزير إسرائيلي: نتنياهو وترامب يتبنيان اقتراح السيسي بضم سيناء لغزة”، مصر العربية، 14/2/2017، متاح على الرابط: http://cutt.us/cD692

[22] “«دولة فلسطينية في سيناء».. المخطط الإسرائيلي الذي يطارد مصر منذ 64 عامًا”، اليوم الجديد، 15/2/2017، متاح على الرابط: http://www.elyomnew.com/news/inside/2017/02/15/63546

[23] “الرئاسة المصرية ترد على تقرير “اللقاء السري” بين نتنياهو والسيسي والملك عبد الله”، CNN بالعربية، 19/2/2017، متاح على الرابط: http://arabic.cnn.com/middleeast/2017/02/19/egypt-sisi-netanyahu-meeting

[24] فهمي هويدي، “فوجئنا وارتبكنا”، الشروق، 21/2/2017، متاح على الرابط: https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=21022017&id=78c8aefa-9734-40fc-9e9b-7a9b7c608985

[25] “ماذا عرض نتنياهو في قمة العقبة السرية ولماذا فشلت القمة؟”، وكالة سما الإخبارية، 20/2/2017، متاح على الرابط: http://cutt.us/cwfwh

[26] “سحب السفير وتغريدة الوزير.. ماذا يريد ترامب ونتياهو للفلسطينيين؟”، مصر العربية، 16/2/2017، متاح على الرابط: http://cutt.us/vMX1m

[27] “سحب السفير الإسرائيلي من القاهرة.. ابتزاز أم تنسيق؟”، الجزيرة. نت، 17/2/2017، متاح على الرابط: http://cutt.us/HeeLZ

[28] “مصر توثق علاقاتها مع حماس بهدف تأمين سيناء”، الحياة، 22/2/2017، متاح على الرابط: http://cutt.us/P0VgP

[29] معتز بالله محمد، “باحث أمريكي: أخشى تخلي الجيش عن السيسي وعودة الإخوان للحكم”، مصر العربية، 20/2/2017، متاح على الرابط: http://cutt.us/RuoQQ

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

اليمن: حرب السنوات الخمس أعادت البلاد إلى الوراء 20 عاما

ملفات ساخنة مصرع أكثر من  250 ألف شخص ونسبة الفقر والبطالة 83% الجوع والمرض يقفزان بالوفيا…