‫الرئيسية‬ بحوث ودراسات كیف تحكمُ الإماراتُ مصر.. قصة “النفوذ العمیق”
بحوث ودراسات - يونيو 27, 2017

كیف تحكمُ الإماراتُ مصر.. قصة “النفوذ العمیق”

 دولةٌ صغیرة نفوذها أكبر من تاریخها، وتوغلها أوسع امتدادًا من ضیق أراضیها، واقتصادها متغللٌ من نیویورك شمالا إلى إفریقیا جنوبًا؛ تمتلكُ جیشًا من رجال الأعمال، وعددًا من رؤساء الدول المُخلصین؛ نجحت في أن تجعل عُملتها هى الأقوى عربیًا، ولازالت تحتفظ باحتیاطي هائل من الذهب في بنكها المركزي؛ واستطاعت تلك الدولة المكونة من سبع إمارات ذاتیة الحُكم أن تصنع لنفسها قوة على الرغم أنها تعلمُ أن نفطها لن یكون له وجودًا بعد أقل من خمسین عامًا؛ لذلك فهى تخوض إلى الآن حربًا ناجحة؛ قوامها المال یصنعُ للسیاسة كل شيء.

 

الدور التاریخي

في مصر تحدیدًا التاریخ یعیدُ نفسه مرتین؛ واحدة عندما تولى الرئیس مبارك حُكم مصر بدون مقعد في جامعة الدول العربیة، وكانت القاهرة تعاني غضبًا عربیًا وحصارًا اقتصادیًا مؤلم عقب توقیع السادات معاهدة السلام مع إسرائیل في عام 1979، وأدى قطع العلاقات الدبلوماسیة إلى أزمة كارثیة بدأ بها مبارك حكمة.

وكانت الإمارات وحدها هى الدولة الوحیدة التي نادت بعودة العلاقات مرة أخرى مع مصر ولم تحفل بغضب الملوك؛ وتحدث ​مبارك خلال لقاءات تلفزیونیة سابقة، أكد فیها أن الشیخ الراحل زاید بن سلطان آل نهیان قام بعدة اتصالات وزیارات رسمیة إلى قادة العرب، انتهت بإعادة العلاقات مرة أخرى في عام 1987، وكان ذلك فضلا لم ینسه الرئیس المخلوع طیلة حُكمه.

لم یتوقف دور ​ الإمارات حینها على تلك الخطوة التي لم یحلم بها مبارك؛ بل قررت تشكیل

لجنة اقتصادیة لانقاذ الاقتصاد المصري المُنهك، وبلغ حجم الواردات في البدایة إلى ما قیمته ملیار دولار في هیئة صادرات، كما قامت الإمارات ببناء مدینة الشیخ زاید في الجیزة على مساحة 9500 فدان بمنحة من صندوق أبوظبي للتنمیة، كما تم بناء مدینة خلفیة السكنیة بتكلفة بلغت 100 ملیون دولار؛ وتوغلت الإمارات في السوق المصري فأنشأت فرع شركة اتصالات بمصر، وبلغت حجم استثمارات الشركة وحدها في عام 2015 فقط بنحو 36 ملیار دولار؛ ومن هنا أصبحت الإمارات أكبر المستفیدین من السوق المصري وصولا إلى احتكار مجالات بعینها كما سیأتي شرحه.

والإمارات كان لها دور كبیر في إجهاض ثورات الربیع العربي، كما دعمت ​الثورات المضادة بالدعم المالي والعسكري، وكان لها دورًا رائدًا في إیواء المعارضة الهاربین؛ والمرة الثانیة التي كرر التاریخ فیها نفسه، عندما قام الجیش بحركة 3 یولیو لعزل أول رئیس مدني منتخب، وباركت السعودیة والكویت والإمارات ما وصفته بالثورة الشعبیة التي أزاحت حكم الإخوان المسلمین، وبادروا بتقدیم مساعدات النفطیة، وضخ ملیارات الدولارات؛ لإنقاذ العملة المصریة من الانخفاض أمام الدولار، وفي ​لقاء تلفزیوني للرئیس السیسي أثناء حملته الانتخابیة وجه رسالة لحكام الإمارات مفادها “الشیخ زاید لم یمت” في إشارة إلى الدور التاریخي مع الرئیس مبارك.

 

الأرقام تتحدث

بالرغم من أن مصر تلقت منذ عام 2013 ملیارات الدولارات من عدة دول عربیة منها الإمارات والكویت والسعودیة إضافة إلى دول غربیة أخرى، إلا أن حجم الدعم الإماراتي هو الأكبر حجمًا والأكثر توغلا على الأرض؛ ومنذ عزل الرئیس السابق محمد مرسي وصل مجموع المساعدات المباشرة المُعلن عنها في العام نفسه نحو 4.9 ملیار دولار؛ في صورة منح وقروض ومشتقات بترولیة، وفي نهایة عام 2014 قدمت كلا من السعودیة والكویت نحو 18.5 ملیار دولار كان نصیب ​الإمارات منها 7.4 ملیار دولار؛ وعلى الرغم

من الأرقام المُعلنة إلا أن الرئیس السیسي أكد في تصریحات سابقة خلال حملته الانتخابیة أن قیمة المساعدات الخلیجیة تجاوزت 20 ملیار دولار.

و نقلت جریدة ​ الحیاة اللندنیة تصریحات عن مسئول كبیر في وزارة المالیة، رفض ذكر اسمه، زعم أن الأرقام المُعلن عنها هى أقل بكثیر من المساعدات الحقیقیة؛ حیث أوضح أن مصر تلقت نحو 10.93​ ملیون دولار من السعودیة والإمارات والكویت خلال النصف

الأخیر من عام ​2013، وفسر المصدر أن 7.4​ ملیار دولار التي حصلت علیهم مصر من الإمارات جاءوا في صور منتجات بترولیة بقیمة 3.93​ ملیون دولار، إضافة إلى ملیون دولار منحة مع خطط مشاریع تنمویة بنحو 2.9​ ملیار دولار .

وبعدما قامت دولة ​ قطر بسحب ​6 ملیارات دولار من أصل 7.4​ ملیار دولار كانت قد منحتم للرئیس المعزول محمد مرسي، تعهدت السعودیة والكویت والإمارات بسد العجز

بضخ مزید من الأموال؛ وقام الشیخ زاید، حاكم الإمارات بإطلاق حملة “مصر في قلوبنا” لجمع المساعدات، وأرسلت ​الإمارات بالفعل في نهایة عام 2013​، ودیعة بنحو 3​ ملیار دولار، على هیئة ​2 ملیار في صورة قرض، وملیار دولار منحة لا تُرد.

جدیر بالذكر، أن ​ المساعدات الأمریكیة التي حصلت علیها مصر خلال الفترة من العام ​2001 إلى العام ​2013 بلغت نحو 21.3​ ملیون دولار، منها 15.57ملیون دولار

مساعدات عسكریة، و ​5.714 مساعدات اقتصادیة، وفق تقاریر صادرة عن مركز أبحاث الكونغرس الأمیركي؛ أي أن المساعدات المالیة الخلیجیة لمصر في عام تساوي مساعدات أمیركا في 13​ عام.

 

ویجب التوضیح أن المساعدات الرسمیة هى أقل بكثیر من المشروعات الاقتصادیة على الأرض؛ ففي عام 2014 قامت الإمارات بتمویل عدة مشروعات قومیة أبرزها تنفیذ مشروع بناء 25 صومعة قمح في بسعة تخزینیة تصل إلى 1.5 ملیون طن، للمساعدة في وقف خسائر بملیارات الدولارات من القمح كل عام، وهو المشروع الذي تم إسناده إلى الهیئة الهندسیة للقوات المسلحة وانتهى في عام. 2015

كما قامت شركة ” جلف كابیتال ” الإماراتیة باستثمار 25 ملیون دولار في مجموعة

“أعماق” بمصر، وهى شركة متخصصة في خدمات التنقیب والحفر والخدمات البترولیة، كما دخلت شركة “إمارات مصر” للمنتجات البترولیة في شراكة مع شركة مصر للبترول لانشاء محطة لتموین الطائرات بمطار برج العرب، وقامت الشركة بالشروع في إنشاء 70 محطة بنزین جدیدة بتكلفة استثماریة بلغت 20 ملیون جنیه للمحطة الواحدة.

وفي قطاع الإسكان مشروعات تم بناء 50 ألف وحدة سكنیة منها 13 ألف وحدة في حي 6 أكتوبر، كما قامت بإسناد مشروع “الملیون وحدة سكنیة”، و”العاصمة الجدیدة” لشركة

“ارابتیك” بتكلفة بلغت 40 ملیون دولار، قبل أن ​تتراجع الشركة في عام 2105.

في المجال الزراعي، حصلت شركة “الظاهر” الإماراتیة على استثمارات في مشروع توشكى، وحصلت الشركة على نحو مائة ألف فدان تصل إلیهم المیاه من خزان خلف السد العالي في أسوان، وبحسب ملف” نون بوست ” الاقتصادي الاستقصائي، فإن الإمارات استغلت تلك الشركة في الضغط على مصر لصالح روسیا من جهة، ولعبت دور رئیسي آخر في تسهیل تصدیر القمح لروسیا.

كما قامت الإمارات تمویل المشاریع الصغیرة عن طریق بنك “الإمارات دبي الوطني”،كما دشنت برامج تأهیل وتدریب 100 ألف شاب وفتاة كعمالة، وتوفیر 100 ألف فرصة عمل.

وفي ​ المجال الصحي ، استحوذت الشركات الإماراتیة على قطاع كبیر من المجال الطبي وصولا إلى الاحتكار؛ فخلال عامي 2015 و2016 قامت شركة “أبراج الإماراتیة” بإتمام أكبر صفقة استحواذ ناجحة شملت شراء 12 مستشفى خاص، أبرزها مستشفى “القاهرة التخصصي”، و”بدراوي”، و”القاهرة”، و”كلیوباترا”، و”النیل”، بجانب معامل التحالیل الأشهر: “المختبر” و”البرج”، كما خاضت محاولات لشراء شركة “آمون” للأدویة.

وتحصل الإمارات في مقابل هذه الاستثمارات الكبیرة، على ضمان دعم مصر في الأحداث الدولیة، إضافة ​امتیازات خاصة یحصل علیها المستثمرون الإماراتیون، وشملت عقود الإسناد المباشر، إضافة إلى تسویة المشاكل العالقة منذ ثورة ینایر، حیث صدرت أحكام قضائیة بحق مستثمرین خلیجیین برد الأصول التي حصلوا علیها من الدولة المصریة بأسعار بخسة.

 

غضب إماراتي

نشر موقع “میدل إیست آي” البریطاني ​وثیقة مُسربة شدیدة الخصوصیة، أعدّها حاكم أبو ظبي، الأمیر محمد بن زاید آل نهیان، ویظهر الخطاب الذي كتبه الأمیر في أكتوبر

(تشرین الثاني) من عام 2015، غضبًا وإحباطًا وعدم رضا تجاه الرئیس المصري عبد

الفتاح السیسي، بعدما أنفقت الإمارات ما یقرب من 25 ملیار دولار لدعم النظام الحالي.

وبحسب الوثیقة، فإن الإمارات فقدت الأمل في السیسي لعدة أسباب أهمها، مهاجمة الإعلام المصري للسعودیة، وعدم وفاء مصر بوعودها بإرسال قوات عسكریة على الأرض

للمشاركة في التحالف الذي تقوده السعودیة ضد الحوثیین في الیمن، إضافة إلى عدم تبني

استراتیجیة حقیقیة وإدارة رشیدة لإصلاح اقتصادها؛ لذلك كتب الأمیر في خطابه: »یجب أن یعلم هذا الرجل بأنني لست ماكینة صرّاف آلي«.

ونشرت صحیفة “الإیكونومیست” البریطانیة تقریرًا عن الأوضاع الاقتصادیة للنظام

الحالي، حیث نصحت السیسي بعدم الترشح للانتخابات مرة أخرى؛ مبررة أنه أشد قمعًا من حسني مبارك، وأقل كفاءة من الرئیس محمد مرسي، كما وصفته بأنه “یعیش فقط على

المنح النقدیة السخیة من دول الخلیج ، وبدرجة أقل على المعونات العسكریة من أمیركا ، ورأت الصحیفة أن تعنت النظام الحالي وعدم تبنیه سیاسة اقتصادیة جدیّة هو الذي دفع المستشاریین الإماراتیین إلى العودة مرة أخرى إلى بلادهم .

ویبدو أن الإمارات قد وجدت في “الإیكونومیست” فرصة سانحة لتوصل رسالة عاجلة إلى

القاهرة، فكتب الأكادیمي الإماراتي عبدالخالق عبداﷲ، ومستشار ولي عهد أبوظبي محمد بن زاید، عبر حسابه الشخصي بموقع “تویتر”: “الإیكونومیست تدعو الرئیس السیسي لعدم الترشح للرئاسة 2018 ، وربما حان الوقت أن یسمع هذه النصیحة الحریصة من عواصم خلیجیة معنیة بمستقبل الاستقرار في مصر.”

 

وربما یظهرُ دورًا جدیدًا للإمارات في الانتخابات الرئاسیة القادمة؛ لیتحكم آل زاید في عملیة اختیار الرئیس القادم لمصر، وتلك هى إحدى صفحات قصة “النفوذ العمیق.”

 

المصادر

 

مبارك یتحدث عن الشیخ زاید بن آل نهیان https://www.youtube.com/watch?v=-7sBIdjtEJw&t=691s

تقریر من التلیفزیون أبو ظبي الرسمي عن حجم الاستثمارات الإماراتیة بمصر https://www.youtube.com/watch?v=aGFrsu9qD2k كیف أجهضت الإمارات ثورات الربیع العربي

/http://www.sasapost.com/why-emirates-against-the-arabic-spring حدیث السیسي عن الإمارات خلال حملته الانتخابیة https://www.youtube.com/watch?v=sVMoleYX1pY

مخاوف مصریة من توقف الدعم الإماراتي

http://www.aljazeera.net/news/ebusiness/2013/11/6/%D9%85%D8%AE%D8%A7%D9%88% D9%81-%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%AA%D9

%88%D9%82%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85-%D8%A7%D9%84

%D8%A5%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A

المساعدات المالیة الخلیجیة لمصر في عام تساوي مساعدات أمیركا في 13 عاما

http://www.alhayat.com/Articles/2227764/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D

8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A

E%D9%84%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D

8%B9%D8%A7%D9%85-%D8%AA%D8%B3%D8%A7%D9%88%D9%8A-%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B

9%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D8%A7-%D9%81%D9%8A-13-

%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A7

​مصر تستلم 3 ملیار دولار من الإمارات

https://www.alarabiya.net/ar/aswaq/banks/2013/07/19/3-%D9%85%D9%84%D9%8A

%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

اليمن: حرب السنوات الخمس أعادت البلاد إلى الوراء 20 عاما

ملفات ساخنة مصرع أكثر من  250 ألف شخص ونسبة الفقر والبطالة 83% الجوع والمرض يقفزان بالوفيا…