‫الرئيسية‬ قراءات ومقالات العلاقات المصرية الأوربية … عوامل الانتعاش والتقارب
قراءات ومقالات - يوليو 3, 2017

العلاقات المصرية الأوربية … عوامل الانتعاش والتقارب

 نلاحظ في الآونة الأخيرة تطور كبير في العلاقات بين مصر ودول الإتحاد الأوربي بشكل مثير للانتباه، ويدفعنا ذلك للتساؤل عن حقيقة هذا التطور في العلاقات ودلالاته ومدى قدرته على الإستمرار؟

وكان النظام المصري في أواخر عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد بدأ يتبنى سياسة خارجية تبتعد نسبيا عن الغرب الأمريكي والأوربي في مقابل تدعيم العلاقات مع روسيا ومن وراءها إيران، وهو ما تسبب في خلافات مصرية سعودية عميقة أنهت حالة الوئام التي غلبت على طابع علاقات الدولتين منذ يونيو2013.

وقد تطوّرت العلاقات المصرية الروسية ربما بشكل أثار المخاوف الأوربية خاصة بعد نشر وكالة رويترز أنباء حول تواجد عسكري روسي في قاعدة سيدي براني البحرية على الحدود الغربية لمصر، وهو ما قد يعني سهولة تنفيذ الروس لمهام عسكرية ضد المصالح الأوربية في ليبيا، خاصة في ظل دعم مصر الكامل في هذا التوقيت لخليفة حفتر في ليبيا، وهو التوجه الغير مرغوب غربيّا.

وفي الآونة الأخيرة، خاصة بعد تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحكم نلحظ تغييرا للسياسة الخارجية المصرية يتمثل في تقليل التعاون مع الجانب الروسي وإختفاء أي حديث عن التقارب مع إيران في مقابل رواج كبير للغاية في العلاقة مع دول الاتحاد الأوربي، ويمكننا تفسير ذلك بالتفسيرات التالية:

1)      توجه ترامب الرافض للتعاون مع إيران والراغب في إلغاء المعاهدة النووية معها دفع مصر للتراجع عن أي مشاريع للتقارب مع إيران، ويظهر ذلك فيما يتعلق بالملف السوري الذي كان السبب في تدهور العلاقات المصرية السعودية، هذا بالإضافة إلى توقعات النظام المصري فيما يتعلق بسهولة تعزيز التعاون مع إدارة ترامب التي لن تهتم كثيرا بقضايا حقوق الإنسان كما كان الأمر بالنسبة لإدارة أوباما، وهو ما يدفع النظام المصري لتقليل التعاون مع روسيا في مقابل الرغبة في العودة لعصمة الولايات المتحدة.

2)      الأزمة التي يعاني منها الإتحاد الأوربي والتي تتمثل في رواج الفكر الشعبوي وأحزابه والتي تهدد بتقسيم الاتحاد الأوربي، وهي الحركات التي تجد دعما روسيا، وبالتالي فإن الإتحاد الأوربي يسعى للضغط على روسيا عن طريق سلب حلفاءها وإفشال تحركاتها الرامية إلى توسيع نفوذها في الشرق الأوسط.

3)      تهديد الوجود الروسي بالمنطقة للمصالح الأوربية خاصة فيما يتعلق بالتخوّف الأوربي من الوجود الروسي في قاعدة سيدي البراني البحرية على الحدود المصرية الليبية، ومن ثم أسرعت أوربا لتوطيد علاقتها بمصر بهدف قطع الطريق على روسيا.

4)      تتوقع بعض التحليلات أن تسعى الدول الأوربية لجعل مصر قوة عظمى في المنطقة عن طريق ضخ الإستثمارات في إقتصادها وتدعيمها عسكريا بعتاد عسكري حديث وتدريبات عسكرية مشتركة، وذلك بهدف استخدامها كمحطة هامة لضبط الأمور في المنطقة ومنع تدفق اللاجئين إلى أوربا خاصة في ظل الجار الليبي المتهالك، والبديل التركي الذي تزداد علاقاته بأروبا تدهورا، ومن ثم فإن مصر بديل مناسب ترى أوربا دعمه وتقويته عسكريا وإقتصاديا بغض النظر عن أوضاع السياسة وحقوق الإنسان فيه.

5)      لعل ما أعلن بشأن تعاقد السلطات المصرية مع شركة أجنبية لتجميل صورة مصر غربيا مقابل مبالغ مادية طائلة له علاقة بالرواج الكبير في العلاقات الأوربية المصرية في الآونة الأخيرة، خاصة في ظل تواتر الأخبار بشأن إشادة الصحف الأوربية بالإصلاحات الاقتصادية في مصر، وإشادة الوفود الأوربية التي تأتي لزيارة مصر بجهود النظام الإصلاحية.

تشهد العلاقات الأوربية المصرية في الآونة الأخيرة رواجا كبيرا يتمثل في تواتر زيارات الوفود الأوربية لمصر وإشادتها بإجراءات الإصلاح الاقتصادي، إضافة إلى تطوير العلاقات الثنائية مع عدد من الدول الأوربية العامة مثل فرنسا وألمانيا في الفترة الأخيرة.

قضايا التقارب والتعاون المصري الأوربي:

 ويمكن تفسير عوامل هذا التحوّل الإيجابي في العلاقات المصرية الأوربية ومدى قدرته على الإستمرار.

أولا: قضية الهجرة واللاجئين:

تعتبر أزمة اللاجئين والهجرة الغير شرعية التي تعاني منها دول الإتحاد الأوربي إحدى أهم محاور السياسة الخارجية لدول الاتحاد وعلى رأسها ألمانيا، حيث تسعى هذه الدول لإيجاد حلول لوقف تدفق اللاجئين إلى أراضيها وتهجير أعداد كبيرة من اللاجئين الموجودين لديها فعلا.

وفي إطار السعي للحد من تدفقات اللاجئين إلى أوربا يقوم المسئولون الأوربيون بجولات أفريقية وزيارات للدول التي تنطلق منها هذه الهجرات أو التي تعتبر ممرات لهؤلاء المهاجرين مثل أثيوبيا ومالي والنيجر بالإضافة إلى مصر لمناقشة قضايا الهجرة الغير شرعية إلى أوربا سعيا لوقف تدفقها، كما سعت ألمانيا إلى عقد إتفاق بخصوص اللاجئين مع مصر يشبه ذلك الإتفاق الذي وقعته مع تركيا والذي قضى بتقديم مساعدات مالية لتركيا مقابل إيوائها للاجئين ومنعهم من الوصول إلى أوربا[1].

وبشكل عام فإن مجرّد ضمان الإستقرار في مصر وماتبقى من إستقرار في دول المنطقة يعد أمرا بالغ الأهمية بالنسبة لأوربا التي تعاني من تدفق اللاجئين بسبب الحروب والدمار في كثير من دول المنطقة، وبالتالي فإن أوربا ستسعى لحفظ إستقرار بقية البلدان العربية وتعزيز التعاون معها وخاصة في قضايا اللاجئين ومكافحة الإرهاب[2].

ومما يعزّز الإهتمام الأوربي بمنع تدفق اللاجئين التصاعد الشعبوي الذي تشهده أوربا والذي يضغط على الحكومات للحد من تدفق اللاجئين حفاظا على هوية المجتمعات الأوربية ونمط حياتها[3]، وهو ما يشكّل عاملا ضاغطا على الحكومات الأوربية بهذا الصدد، كما أن التصاعد الشعبوي والدعم الروسي المقدم للأحزاب الشعبوية تدفع حكومات أوربا إلى السعي لمحاصرة روسيا في المجالات الحيوية التي تنشط فيها مثل مصر، وبالتالي تحويل التوجه المصري تجاه روسيا إلى أوربا.

ثانيا: قرض صندوق النقد الدولي:

 يعد إقراض صندوق النقد الدولي لمصر 12مليار دولار أحد أهم شواهد التقارب بين مصر وأوربا، وكذلك أحد أهم عوامل هذا التقارب، إذ تتزايد المحادثات بين دول الإتحاد الأوربي ومصر بخصوص تنفيذ شروط القرض وبخصوص ضخ الإستثمارات الأجنبية في الإقتصاد المصري.

ثالثا: حفظ الاستقرار في المنطقة ومواجهة الإرهاب:

يعتبر كثير من القادة الأوربيين مصر ركيزة مهمة لحفظ الإستقرار في المنطقة ومواجهة الإرهاب، خاصة في ظل وجود جارة ليبية ضعيفة ومفككة باتت تصدر المهاجرين واللاجئين والإرهابيين، ومن ثم باتت مصر وإستقرارها عاملا مهما من عوامل حفظ المصالح الأوربية في المنطقة، وهو سبب الدعم العسكري الفرنسي والألماني لمصر خاصة فيما يتعلق بحفظ التجارة الأوربية البحرية، وهو ما يفسّر أيضا تركز الدعم العسكري على المعدات البحرية وتقوية القوات البحرية المصرية[4].

رابعا: توتر العلاقات الأوربية التركية:

ربما كان الرهان الغربي على تركيا في لعب دور قيادي في المنطقة يحفظ قدرا من الإستقرار الذي يضمن المصالح الغربية، وقد دفعت الأزمة السياسية الأخيرة بين تركيا وأوربا الغرب إلى البحث عن بدائل لتركيا من أجل تعزيز التعاون معهم وتقوية دورهم لتحقيق وحفظ المصالح الغربية، إضافة إلى مزيد من تقويض الدور التركي في المنطقة ومحاصرته، ومن هنا كانت مصر بديلا مناسبا لوجود عوامل كثيرة تؤهلها للعب هذا الدور مثل وجود الجيش المتماسك وتحكمها في ممرات بحرية تجارية هامة إضافة إلى خلاف كبير بين القيادتين المصرية والتركية وهو الذي سيسهّل مهمة أوربا في محاصرة الدور التركي في المنطقة.

وقد قدمت مصر نفسها كبديل لتركيا في ظل اشتعال أزمة اللاجئين، عندما صرّح السيسي بأن مصر تستقبل اللاجئين من دون معسكرات عازلة لهم[5]، وهو التصريح الذي فسّره البعض تفسيرا دبلوماسيا كونه تصريحا مرنا يحتمل قبول العروض الألمانية حول إستقبال اللاجئين في مصر ويحتمل رفضها[6]، ولعل في هذا التصريح إشارة إلى تركيا التي تتلقى مساعدات لإقامة معسكرات اللاجئين في حين تستقبلهم مصر دون معسكرات، وهو ما يرجّح مصر لإستقبال المساعدات بدلا من تركيا لفتح الأبواب لمزيد من اللاجئين.

مستقبل العلاقات:

ثمة وجهة نظر ترى بأن القوى الكبرى في تعاملها مع نموذج الشرطي الإقليمي (كما في حالة أوربا ومصر حاليا) تعتمد سياسة العصا والجزرة، حيث المنافع الإقتصادية في مقابل الخدمات الأمنية، وفي حال الإخلال بالإتفاق يتم إستخدام الملف الحقوقي للضغط على النظام، ومن عناصر قوة النظام في هذه العلاقة هو غياب المعارضة القوية وتفكك قوى المعارضة وتشرذمها، وهو ما يعكس غياب بديل ديموقراطي مدني يمكن للأوربيين إستخدامه كورقة ضغط في مواجهة النظام، وعلى العكس من ذلك يضغط النظام دائما بورقة التطرف والإرهاب والإسلام السياسي.

ولعل توحّد وإصطفاف المعارضة المدنية المصرية يمثّل عامل ضغط كبير على النظام المصري في علاقاته تلك مع القوى الكبرى.



[3] ستيفان ليهني،جذور أزمة اللاجئين في أوربا،مركز كارنيجي،أكتوبر2015. http://carnegie-mec.org/2015/10/01/ar-pub-61585

[5] السيسي: مصر تتحمل أعباء استضافة 5 ملايين لاجئ،اليوم السابع،19سبتمبر2016.

[6] شريف الدسوقي ، ميركل إلى مصر:هل سينهي السيسي مسألة إستقبال اللاجئين في مصر.. والمقابل؟،موقع القصة،27فبراير2017. http://alkessa.com/artical-11527

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

تركيا وروسيا في مرحلة ما بعد حرب قره باغ

أعلن رئيس أذربيجان إلهام علييف استعادة كامل المناطق التي كانت أرمينيا تحتلها في منطقة آغدا…