‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر الورّاق .. جزيرة في مواجهة دولة
مصر - يوليو 27, 2017

الورّاق .. جزيرة في مواجهة دولة

الورّاق .. جزيرة في مواجهة دولة

تعد الأحداث القائمة حالياً في جزيرة الوراق -بسبب محاولات الدولة طرد السكان منها من أجل تطويرها وإقامة مشروعات سياحية عليها في مقابل رفض الأهالي التام واستعدادهم للدخول في مواجهة مفتوحة مع الأجهزة الأمنية نظير عدم التخلي عن أرضهم- نموذجاً مصغّراً يمكّننا من دراسة تأثير تمادي النظام في فرض سياساته المرفوضة شعبياً في حركة الاحتجاج الشعبي وقدرة النظام على حفظ استقراره، إلى جانب تأثّر الموقف الدولي من نظام السيسي بهذه الأحداث المرشحة للتزايد مستقبلاً.

وتكمن أهمية دراسة الحالة التي نحن بصدد القيام بها لأحداث جزيرة الوراق في الكشف عن مدى قدرة النظام على حفظ استقراره محلياً ودولياً في ظل سياساته المرفوضة شعبيا ووجود استعداد كامن لدى الجماهير للانفجار في وجه النظام.

وسنتناول هذه القضية عبر المحاور الآتية:

·        التوصيف الجغرافي والديموجرافي للجزيرة، والجزر المماثلة ( دهب والقرصاية).

·        مراحل تطوّر خطة تطوير الجزر القائمة منذ عهد مبارك.

·        دلالات وتداعيات مواجهة الأهالي للدولة.

·        سيناريوهات تطور الأحداث.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جزيرة الورّاق .. الجنّة المهملة

تعد جزيرة الوراق أكبر الجزر المصرية على النيل البالغ عددها 255 جزيرة، حيث تبلغ مساحتها 1600 فدان، كما يبلغ عدد سكانها 60 ألف نسمة، ويحدها محافظة القليوبية من الشمال والقاهرة من الشرق والجيزة من الجنوب، ويعتمد سكان الجزيرة على حرفتي الزراعة والصيد كمصدر دخل رئيسي، وأهم محاصيلها البطاطس والذرة والخضراوات المختلفة[1]، وعلى حد قول أهالي الجزيرة فإنها تعتبر من المصادر الرئيسية لإنتاج محصول البطاطس في مصر.

وتتمتع الجزيرة بطبيعتها بمناظر خلابة حيث الأراضي المزروعة على ضفاف النيل المحيط بها من كل الاتجاهات، وهي الطبيعة التي كانت تؤهّل الجزيرة لأن تكون من أرقى المناطق في مصر، وعلى الرغم من ذلك فإن الإهمال الحكومي كان هو النمط السائد في تعامل الدولة مع المنطقة خاصة في ظل فقر الأهالي واعتمادهم على الأعمال الأولية مثل الزراعة والصيد، وهو ما جعل الجزيرة تعاني من غياب شبه كامل للخدمات.

وتنتمي جزيرة الوراق إلى حي الوراق الذي يعتبر أحد مراكز محافظة الجيزة والبالغ عدد سكانه حوالي مليون نسمة، وبالتالي فإن احتمال شمول معركة الدولة للحي بأكمله  في الوقت الحالي غير وارد، كما أن انضمام أهالي حي الوراق لأهالي الجزيرة في هذه المعركة غير وارد كذلك نظرا لكون القضية تخص أهالي الجزيرة فقط والتي لايكاد عدد سكانها يبلغ نسبة تذكر من بين سكان حي الوراق بأكمله.

وعلى الرغم من ذلك، فإن المشروع الرأسمالي المزمع إقامته في الجزيرة والذي سنتحدث عنه تفصيليا لاحقا، لايستبعد أن يسعى -هذا المشروع- لإجراء تغييرات معينة بمحيط الجزيرة المتمثل في بعض أماكن حي الوراق الملاصقة للنيل وتطويرها عن طريق تهجير سكانها كذلك وبناء أبراج لأصحاب الأعمال، وإذا ثبت ذلك ووعي به الأهالي فإن توسع المعركة لتشمل باقي أهالي حي الوراق ليس مستبعدا على الإطلاق.

 

مشروعات تطوير جزيرة الورّاق

منذ بدايات العقد الماضي تسعى الحكومة المصرية لتطوير جزيرة الوراق وإقامة مشروعات استثمارية كبيرة عليها، وهو التطوير الذي يقضي بتهجير مواطني الجزيرة البسطاء واستبدالهم برجال أعمال ومستثمرين عرب وأجانب، حيث يتم بناء أبراج ومنتجعات سياحية يستفيد منها السياح والأغنياء فقط، بينما يتم إبعاد أهالي الجزيرة إلى أحياء أخرى نائية وعشوائية.

بدأ الصراع حول الجزيرة عام 1997 في عهد حكومة الجنزوري حين تم إصدار قرار باعتبار الجزيرة محمية طبيعية، وفي عام 2000 إبان وزارة عاطف عبيد تم إصدار قرار باعتبار الجزيرة منفعة عامة، وقد أثارت هذه القرارات والحديث حول نية الدولة للاستيلاء على الجزيرة غضب السكان حيث قاموا بمقاضاة الدولة أمام المحكمة الإدارية العليا التي حكمت في عام 2002 بأحقية السكان في ملكية الأرض.

ولم تتوقف محاولات الحكومة للاستيلاء على الأرض خاصة في ظل تصاعد نفوذ رجال الأعمال المرتبطين بجمال مبارك وأصحاب التوجهات النيوليبرالية، حيث حاولت حكومة أحمد نظيف تغيير أوضاع الجزيرة بقرارات توقيع حدود إدارية جاء ضمنها جزيرة الوراق حيث وضعت الحكومة خطة لتطويرها دون البت في ملكية الأهالي من عدمها[2]، وقد توقفت هذه المشروعات بعد ثورة يناير وبسبب خوف الأنظمة اللاحقة على الثورة من تنفيذ هذه المشروعات تجنباً لغضب الأهالي.

·        أطماع دولية في الجزر المصرية:

الأمر المؤكد أن القضية لاتقتصر على توجه رأسمالي محلي خالص، وإنما أجندات دولية وإقليمية تستهدف إستثمار القاهرة بشكل معين لخدمة المشروعات الرأسمالية الكبيرة حيث يتم بناء مشروعات عملاقة ومنتجعات سياحية وأبراج عالية على غرار دبي، وسيتطلب ذلك استبدال سكان القاهرة الفقراء بآخرين من أصحاب الأموال والأعمال، وتهجير الأهالي من مساكنهم الأصلية وترحيلهم إلى مناطق أخرى هامشية بدلا من قلب القاهرة الذي يعيشون فيه.

وقد دفعت أحداث الوراق الأخيرة المهتمين إلى البحث عن تلك المشروعات وأصولها، حيث وجد مشروع للبنك الدولي يحمل عنوان القاهرة 2050، وهو يتحدث عن تطوير القاهرة لتصبح مدينة رأسمالية على غرار دبي وما يتضمنه ذلك من تطوير الأماكن الحيوية بالقاهرة والتي منها جزيرة الوراق ذات الطبيعة الخلابة التي سيتم استثمارها كمنتجع سياحي كبير، ويقضي ذلك المشروع بتفريغ العاصمة عن طريق نقل الوزارات ومؤسسات الدولة إلى عاصمة جديدة بعيداً عن قلب القاهرة إلى جانب تهجير سكان قلب القاهرة، وذلك لكي يتم استثمار قلب القاهرة في مشروعات سياحية واستثمارية كبيرة[3].

ومن جانب آخر تتحدث بعض المصادر عن توجه خليجي إماراتي بالتحديد للاستيلاء على جزيرة الوراق وإقامة مشروعات وأبراج سياحية عليها مقابل ضخ الأموال في الاقتصاد المصري، لذلك يتم الربط بين مايحدث في الوراق وما حدث في جزيرتي تيران وصنافير، وقد أكد ذلك ما نشره موقع مكتب هندسي إمارتي من صور قيل أنها لجزيرة الوراق بعد تطويرها وتحويلها لمنتجع سياحي كبير[4].

وربما يسهل علينا تفسير إقدام نظام السيسي على تنفيذ هذه المشروعات التي تورّع عن تنفيذها حتى نظام مبارك، حيث أن رغبة السيسي في توطيد أركان حكمه بتقديم المزيد من الخدمات للقوى الاقليمية والدولية الداعمة له إلى جانب غرور النظام الناتج عن انتصاراته الداخلية في المعارك التي خاضها في مواجهة القوى السياسية والثورية المختلفة تدفع النظام للاعتقاد بأنه بات قادراً على تنفيذ كافة السياسات التي يرغب فيها دون رقيب أو حسيب.

·        مخطط تفريغ المناطق المركزية تجنباً لتكرار سيناريو الثورة:

ثمة رؤية أخرى لتفسير إقدام السيسي على إخلاء قلب القاهرة من السكان المنتمين للطبقات الوسطى والدنيا، حيث يهدف من ذلك إلى إبعاد المواطنين -القابلين للانفجار الثوري لاحقاً بسبب الضغوط الاقتصادية الكبيرة- عن قلب العاصمة حيث تأمن الدولة جانب إحتجاجتهم وتتأكد من قدرتها على تهميشهم بحيث يصبح تكرار سيناريو سقوط القاهرة في 2011 ضرباً من الخيال، إذ سيتغير شكل القاهرة بالكامل تقريبا عندما تنتقل أجهزة الدولة الحيوية لعاصمة إدارية جديدة ونائية ومؤمنة بشكل جيد، وسيتم تفريغ قلب القاهرة لصالح المشروعات الرأسمالية الكبيرة ذات الحماية الاقليمية والدولية بدعم عسكري وأمني مصري، بيما يبتعد المصريين من أبناء الطبقة المتوسطة والدنيا عن هذه المناطق متمركزين في مناطق أخرى هامشية ونائية .

وعلى الرغم من ذلك، فإن أحداث الورّاق أظهرت أن الأمر لن يتم بسهولة، بل إنه قد يتسبب في إشعال الاحتجاجات مجدداً وإقناع الجماهير بجدواها لتحقيق مصالحهم وحمايتها في مواجهة توحش الدولة، أي أن النظام في سعيه لتهجير سكان قلب العاصمة منعاً لحدوث انفجار ثوري مستقبلاً فإنه قد يتسبب في حدوث الانفجار بشكل مبكر بسبب إصرار المواطنين على عدم ترك منازلهم للدولة التي لاتعوضهم شيئا، خاصة في ظل وجود وعي شعبي واضح بمخططات بناء الأبراج السياحية التي سيستفيد منها فقط أصحاب الأموال، وهو ما يزيد من غضب الجماهير خاصة في ظل ربط هذه القرارات بقضايا أخرى مثل تيران وصنافير وبيع الجزر المصرية بأموال الخليج.

والجدير بالذكر، أن  الأمر لايقتصر على جزيرة الوراق فقط، ولكن من المرجح تكراره في مناطق أخرى مثل جزيرة الذهب ومثلث ماسبيرو والحزام الأخضر ببرج العرب وغيرها من الأماكن التي تعتبر تحت مجهر النظام بهدف إخلائها من السكان وبيعها لرجال الأعمال والمستثمرين الأجانب، وربما تدخل منطقة "وسط البلد" بالكامل في هذا المشروع، ولعل من دلائل ذلك ما تردد عن شراء رجال أعمال مثل نجيب ساويرس لعدد كبير من عمارات وسط البلد، إلى جانب سلسلة الحرائق التي شهدتها العتبة وبعض الأماكن في وسط البلد والتي فسرها البعض بتمهيد النظام الحاكم لإخلاء هذه الأماكن وتهجير سكانها المنتمين بالكامل للطبقات المتوسطة القابلة للثورة والانفجار، بغية استقطاب رجال الأعمال والمستثمرين وتسكينهم فيها بحيث يحمي النظام استقراره داخليا ودولياً ويبعد الجماهير من المركز إلى الهامش فيتجنب خطرهم وغضبهم جراء السياسات الاقتصادية التي ستزداد قسوة في المستقبل.

دلالات وتداعيات مواجهة الأهالي للدولة

كان تساؤلنا مشروعاً إلى حد كبير حين طرحنا قضية قدرة النظام على حفظ استقراره وضمان تجنب الغضب والانفجار الشعبي اعتماداً على الآلة الأمنية والخوف الشعبي من سيناريوهات الحرب الأهلية ومواجهة الجيش المباشرة، وذلك في ظل استمرار النظام في تحدي رغبات الجماهير وتنفيذ سياسات تواجه برفض شعبي كبير.

وكنّا قد توقعنا أن العوامل التي يعتمد عليها النظام في حفظ استقراره ستضمن له منع أو على الأقل تأخير اندلاع انفجار ثوري كبير، لكنها لايمكن أن تمنع الاحتجاجات الشعبية المتفرقة العفوية أو المنظمة جرّاء السياسات المرفوضة التي يمعن النظام في تنفيذها غير عابئ بردود أفعال الجماهير.

والواقع، أن أحداث الورّاق تمثل نموذجا مثاليّا للسياسات المرفوضة التي تمعن الدولة في تنفيذها دون اهتماما بردود أفعال الجماهير ودون أدنى مشاركة منهم في اتخاذها وتنفيذها، كما أن الاحتجاجات الشعبية ومواجهات أهالي الجزيرة للأجهزة الأمنية لايمكننا اعتبارها مجرد احتجاج فئوي عفوي عابر، ولكنه بالفعل نموذج واضح لمواجهة شعبية صريحة مع الدولة بأجهزتها المختلفة تمكنت فيها الجماهير من فرض إرداتها مرحليّا، كما تمكنت من الانتصار في المعركة الإعلامية وكسب تعاطف جماهير الشعب بشكل عام، وهو ما نتج عنه إدانة واسعة محلياً ودولياً لما قامت به أجهزة الدولة في ذلك اليوم.

وقد أثار تصرف الدولة إزء هذه القضية استياء الكثيرين من الدوائر التي تعتبر مساندة للنظام بشكل أو بآخر، بحجة كون مثل تلك الأزمات يجب أن تدار بعقل سياسي رشيد وليس باستخدام القوة والضغط الذي قد يؤدي للانفجار في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة ودون توفير بدائل حقيقية يمكن اقناع الأهالي بها[5].

·        تفسير تفضيل الدولة خيار القوة على الخيار السياسي:

بلاشك، يحتاج موقف الدولة -الذي اعتمد على استخدام القوة لطرد الأهالي من منازلهم مفضلا إياه على المسار التفاوضي الاقناعي الذي يستطيع توفير بديل مقبول للأهالي- إلى تفسير وتحليل دقيق، حيث يبدو للوهلة الأولى أن الدولة تعمل في عكس مصالحها وتدفع بالأمور عمداً ناحية الانفجار الشعبي في مواجهتها.

بينما يرى البعض أن الدولة تعمدت البدء بالتهديد المبالغ فيه من أجل إرهاب الأهالي وإجبارهم لاحقا على القبول بتسويات للتخلي عن أراضيهم مقابل تعويضات قليلة لم يكن ليقبل بها الأهالي دون استشعار خطر أمني كبير.

 ويبدو أن الدولة لم تكن تتوقع إطلاقاً أن يتبنى الأهالي رد فعل عنيف إلى هذه الدرجة التي بلغت حد الاستعداد للموت دفاعاً عن منازلهم، كما أثبت الأهالي استعدادهم لخوض معركة عنيفة في مواجهة الدولة إذا ما أصرت على سياساتها القمعية تجاههم، حيث أثبت كثير من الصحفيين المستقلين أن الأهالي بالفعل استخدموا سلاح الخرطوش لمواجهة قوات الأمن وأنهم على استعداد لاستخدام الذخيرة الحية دفاعاً عن أرضهم.

وقد اعترف محافظ الجيزة في مكالمة تليفزيونية أن الحكومة اتخذت هذا الإجراء دون الرجوع للأهالي أو إجراء حوار جاد معهم حيث اكتفت الحكومة بمعرفة الأهالي القائمة منذ شهور عن نية الحكومة الجادة في تنفيذ الإزالات، كما أقر المحافظ وجوب فتح حوارات كثيرة مع الأهالي لحل هذه الأزمة بشكل سلمي[6].

كما صدرت تصريحات حكومية كثيرة بعد انتهاء الأحداث تؤكد أن الحكومة لم تكن تنتوي هدم كافة المنازل أو طرد المواطنين من منازلهم، وأنها كانت فقط تسعى لهدم 700 مبنى مخالف غير مأهولين بالسكان، وعلى الرغم من ذلك فإن تصريحات السيسي منذ فترة قصيرة حول الجزر النيلية المأهولة بالعشوائيات والتي يجب أن يتم إخلائها تماماً يعتبر أصدق عند الجماهير وأكبر دلالة من تصريحات المسئولين الحكوميين التي تسعى لتهدئة الموقف وحسب.

والخلاصة أن توجه الدولة الفعلي لإخلاء الجزيرة بالكامل واضح وجلي والدليل الأكبر تصريحات السيسي الواضحة في هذا الشأن، كما يبدو أن خطوة الأحد الماضي كانت تهدف بشكل مباشر لإخلاء الجزيرة بالكامل وطرد الأهالي وليس تنفيذ إزالات محدودة فقط والدليل على ذلك وقوف الأهالي بشكل كامل في مواجهة الحملة الأمنية والاشتباك معها على الرغم من عدم حدوث ذلك في المرات السابقة والتي تم فيها بالفعل تنفيذ إزالات محدودة في الجزيرة وفقا لتصريحات المحافظ[7].

ويعني ذلك أن الدولة اتخذت قراراً عنجهياً غير مدروس بتنفيذ الإزالات يوم الأحد الماضي، وأن السلطات فوجئت برد فعل الأهالي الذي لم يكن متوقعاً، ومن هنا ستجبر الدولة لاحقاً على ممارسة أساليب أكثر هدوءاً وتتبع الوسائل التفاوضية والتعويضية إلى حد ما إلى جانب القمع والإرهاب غير المعلن والذي يهدف لإجبار الأهالي على تخفيض سقف مطالبهم التعويضية.

ولعل مظاهر الإرهاب الخفي الذي ستمارسه الدولة على الأهالي بدأت تحدث منذ تراجع قوات الأمن وخروجها من الجزيرة، حيث تم اعتقال عدد من الأهالي وتجديد حبسهم، إلى جانب تضييق الخناق وتنفيذ حصار جزئي على الجزيرة بمنع عمل المعديات في بعض الأوقات إضافة إلى التحريض الإعلامي ضد أهالي الجزيرة واتهامهم بمخالفة القانون والارهاب، وهي كلها وسائل ستستخدمها الدولة لإجبار المواطنين على القبول بمستوى تعويضات منخفض خلال الحوارات التي ستجريها معهم الدولة، أما عن قرار إخلاء الجزيرة فمن الواضح أنه صدر ولا رجعة فيه.

وإذا استمر عصيان الأهالي وصعبت محاولات إقناعهم وإرهابهم، فإن خيار العنف الكامل يكون مرجحاً إلى حد كبير عن طريق اختلاق حوادث إرهابية بالجزيرة أو إندلاع حرائق هائلة بها تحدث بفعل فاعل وتهدف لتدمير الجزيرة بالكامل تنفيذاً لقرار إخلائها، أما تراجع الدولة عن خطتها لإخلاء الجزيرة فغير مرجح على الإطلاق ليس فقط بسبب إصرار الدولة على تنفيذ مشروعها وصفقاتها مع المستثمرين، وإنما لأن ذلك من شأنه تحقيق هزيمة فعلية للنظام وإنتصار شعبي حقيقي عليه مما يكسب المجتمع بشكل عام الجرأة في مواجهة سياسات النظام.

الخاتمة

حاولنا في هذه الورقة الوصول لفهم أكبر حول دوافع إقدام النظام على تهجير أهالي جزيرة الورّاق وأسباب وجود رد فعل عنيف من قبل الأهالي سبب صدمة حقيقية للدولة وأجهزتها، ودلالات ذلك وتداعياته المتوقعة في المستقبل.

وقد خلصت الدراسة إلى أن الجزيرة النيلية الكبيرة ذات الطبيعة الخلابة والموجودة بالقرب من وسط القاهرة يسكنها أبناء الطبقات الوسطى والفقيرة التي تعاني من الأوضاع الاقتصادية الصعبة والتهميش الحكومي كذلك، وبالتالي فإن قابلية هذه الطبقة للانفجار الثوري تعد كبيرة في ظل السياسات الاقتصادية القاسية التي تتبعها الحكومة، ومن ثم فإن مخطط الحكومة هو إخلاء منطقة قلب القاهرة  وأكنافها من أبناء الطبقات الفقيرة وطردهم إلى أماكن بعيدة يمثل إجراءاً أمنياً هاماً تحمي الدولة به نفسها من غضب الجماهير.

وعلى الجانب الآخر، فإن مثل هذه الجزيرة تعد مطمعاً لأصحاب الأموال المحليين والدوليين الراغبين في بناء أبراج سياحية عليها يستفيد منها أصحاب الأعمال، وقد جاء ذلك في رؤية البنك الدولي عن القاهرة 2050، أي أن نظام السيسي يقوم حالياً بإحياء المشروعات التي تم إعدادها قبل ثورة يناير وكان ينتوي جمال مبارك تنفيذها، وتتمثل دوافعه في ذلك كسب ثقة رأس المال الدولي والاقليمي والحفاظ على استقرار نظامه والدعم الخارجي له، خاصة في ظل الحديث عن كون تطوير الجزيرة والاستثمار فيها هو رغبة إماراتية بالأساس.

أما عن تنفيذ عمليات الإزلة يوم الأحد الماضي وتداعيات ذلك، فإن المرجح لدينا أن قوات الأمن كانت تنتوي بالفعل تهجير أهالي الجزيرة بالكامل وليس تنفيذ إزالات محدودة كما صرح بعض المسئولين، ولقد علم الأهالي بنية الأجهزة الأمنية بسبب الحجم الهائل من القوات الذي باغتهم صباحاً والذي لايمكن أن يكون هادفاً فقط لتنفيذ إزالات محدودة، خاصة وأنه وفقاً لتصريحات المحافظ فإن الدولة نفذت سابقاً بالفعل إزالات محدودة بالجزيرة في المساحات التابعة لها دون وجود اعتراض من الأهالي، ونخلص من ذلك إلى  أن الدولة اتخذت قراراً عنجيهاً وغير مدروس بمباغتة الجزيرة صباحاً وتنفيذ الإزالات وتهجير السكان دون إخبارهم مسبقاً ودون إجراء حوار معهم، وهو ما أنتج ردة فعل عنيفة غير متوقعة من قبل الأهالي.

أماأماأما عن سيناريوهات تطور الأوضاع في جزيرة الوراق، فالمقرر أن الدولة اتخذت قراراها الجاد بإخلاء الجزيرة ولن تتراجع عنه، وسيبقى الاختلاف في طريقة تنفيذ هذه الإزالات خاصة أن التراجع الكامل يعتبر هزيمة للدولة وتشجيعاً للآخرين على التمرد والمواجهة، ومن ثم تحولت قضية نجاح الدولة في إخلاء الجزيرة قضية محورية بالنسبة للنظام الحاكم وهيبته واستبداده وفرض سياساته على الجميع.

وتستخدم الدولة حالياً سلاين متوازيين، أحدها العنف والضغط غير المباشر على الأهالي لإجبارهم على ترك الجزيرة، والثاني هو التفاوض والتعويض البسيط الذي سيجبر الأهالي على القبول به كنتيجة للضغط الذي تمارسه الدولة.

ويتمثل الضغط في محاكمة أبناء الجزيرة وبالأخص المحرّضين منهم على مواجهة الدولة، واتهامهم بالإرهاب وغير ذلك إلى جانب المضايقات المتكرر بإغلاق المعديات وقطع الكهرباء وفرض الحصار الجزئي من وقت لآخر بحيث يضيق على الناس عيشهم وتصبح بالفعل الجزيرة الصغيرة في مواجهة دولة كاملة.

ومن المتوقع أن ينجح ذلك الضغط في إجبار الأهالي على التسليم لشروط الحكومة وقبول التعويضات القليلة التي ستعطيها لهم بعد تأكدهم من أن حياتهم على الجزيرة صارت مستحيلة وأن مثل هذه المناطق ذات الطبيعة الخلابة مخصصة للأغنياء وأصحاب النفوذ فقط.

أما في حالة تمسك أهالي الجزيرة بموقفهم ورفضهم الكامل للتفاوض والتعويض على الرغم من استمرار الضغط الحكومي، فإن الضغط سيتحول إلى حرب شاملة على الجزيرة ستستخدم فيها كافة الأدوات العسكرية والمخابراتية لإجبار الأهالي على الخروج، وقد يتم تدبير حرائق بالجزيرة أو أعمال عنف واسعة أو اكتشاف خلايا إرهابية داخل الجزيرة، بحيث تبرر هذه الحوادث للحكومة التدخل وإخلاء المنازل من سكانها وتهجيرهم ربما بدون تعويض يذكر.



[1] تعرف على "جزيرة الوراق" المتنازع عليها بين الأهالي والحكومة، الوطن. http://www.elwatannews.com/news/details/2327534

 

[2] المرجع السابق.

[5] محمد علي ابراهيم، حرب تحرير الوراق، المصري اليوم، 19 يوليو2017. http://www.almasryalyoum.com/news/details/1164341

 

[6] محافظ الجيزة: كان يجب إجراء حوار مع أهالي «الوراق» قبل إزالة التعديات.. فيديو، صدى البلد،16 يوليو2017. http://www.elbalad.news/2848983

 

[7] المرجع السابق.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لقاء “نيوم” بين نتنياهو وابن سلمان.. تحولات استراتيجية نحو تصفية القضية الفلسطينية مقابل كرسي الملك

ضمن التطبيع الخفي منذ سنوات بين السعودية وإسرائيل، جاء لقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلما…