‫الرئيسية‬ العالم العربي المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط والآثار المترتبة على الجيش
العالم العربي - يناير 9, 2018

المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط والآثار المترتبة على الجيش

    المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط والآثار المترتبة على الجيش[1]

 

نبذة عن الدراسة:

في ضوء الحديث عن المصالح الأمريكية في العديد من مناطق العالم، والتحولات التي قد تشهدها تلك المصالح ومدى تمركزها وأهميتها، نشرت مؤسسة راند للأبحاث بحثاً شديد الأهمية عن هذا الأمر،[2] مقتصرا على الشرق الأوسط، إذ أشار إلى الترابط بين التدخل العسكري للجيش الأمريكي في المنطقة وإلى أي مدى دعمت هذه التدخلات المصالح الأمريكية فيها. وفيما يلي ترجمة لهذه الدراسة الرصينة.

مقدمة:

حاولت العديد من الإدارات الأمريكية أن تحد من المشاركة في الشرق الأوسط، بسبب التكاليف الهائلة التي لحقت بها إثر التدخلات السابقة في الصراعات العديدة بالمنطقة، ويدور نفس هذا النقاش داخل الجيش الأمريكي، حيث القيادة الأمريكية الأوروبية the U.S. European Command (EUCOM) والقيادة الأمريكية في الباسيفيك the U.S. Pacific Command (PACOM) والقيادة الأمريكية للباسيفيك بية الأمريكي ركة في الشرق الأوسط، بسبب التكاليف الهائلة التي لحقت بها إثر التدخلات السابقة في الصر، فيرى المحللين أن الجيش يجب أن يركز عملياته حاليا على التعامل مع كوريا الشمالية وروسيا، وينبع هذا التفكير من الإرهاق التي عانت منه القوات في عملية الحرية العراقية Operation Iraqi Freedom (OIF) وعملية الحرية الدائمة Operation Enduring Freedom (OEF) (الجيش الأمريكي يحرص علي اختيار اسماء دعائية لعلمياته الدموية- المترجم)، لأنها أبعدت الجيش عن مهمته الأساسية مثل عمليات الأسلحة المشتركة والردع البري.

وهناك ثلاثة أماكن محل انتشار قوات القيادة المركزية الأمريكية في المنطقة the U.S. Central Command (CENTCOM) وهي العراق وسوريا، حيث تشتمل المنطقة على التطرف العنيف والنفوذ الإيراني والأنظمة المتداعية، وهي منطقة تتطلب تواجد الجيش الأمريكي، ويتوقع أن يستمر تواجدها لسنوات قادمة، حتى لو لم يتخذ شكل تدخلها عمليات عسكرية واسعة مثل العمليتين السابق ذكرهما، إذ أن هناك احتمال ضئيل بأن تقدم العمليات العسكرية الأمريكية حلاً للقضايا الأساسية المعقدة في الشرق الأوسط بعد تدمير داعش، خاصة مع عدم الاستقرار الإقليمي الأوسع نطاقا الذي يخطط له تنظيمي داعش والقاعدة تجاه الشركاء في المنطقة كإسرائيل وتركيا والسعودية والإمارات، بما يمكن أن يجبر الرئيس الأمريكي على النظر في خيارات أخرى للتدخل الأمريكي.

إدراك وحماية المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط:

يركز التعريف التقليدي للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط على ضمان تدفق الموارد الطبيعية والحفاظ على العلاقات بالحلفاء الرئيسيين في المنطقة وحمايتهم من التهديدات الخارجية، ولا تزال تلك المصالح قائمة رغم التحول الذي شهدته البيئة الإقليمية وهويات الشركاء الإقليميين منذ الحرب الباردة، فقد كانت إيران (حتي ثورة 1979) والسعودية تعملان ضد النفوذ السوفيتي في المنطقة، وتعملان كركن أساسي في الجهود الأمريكية لتعزيز الاستقرار الإقليمي، وتغيرت أيضا علاقة إيران والعراق اللتين كانتا متصارعتين في الثمانينيات، وأصبحتا الآن متناغمتان، وتتزايد هشاشة دول الخليج، مما يعرقل الجهود الأمريكية للحفاظ على الاستقرار.

ورغم انخفاض اعتماد الولايات المتحدة على النفط الشرق أوسطي، فإنها تسعى لحماية تدفقات الطاقة التي لا تزال حيوية للاقتصاد العالمي. فالتهديدات التي يتعرض لها شركاء الولايات المتحدة مثل الصراعات الداخلية والتطرف العنيف قد خففت من خطر نشوب نزاعات بين الدول، لكن لا يزال عدم الاستقرار الذي تشكله هذه التهديدات له آثار ضارة على الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا، فعلى سبيل المثال أدت الحرب الأهلية في سوريا (يتم وصف الثورة السورية بالحرب الأهلية في الكتابات الاستراتيجية- المترجم) وصعود تنظيم داعش إلى تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين لأوروبا، مما أدى لتفاقم القضايا الاقتصادية والسياسية والأمنية في الداخل الأوروبي، بالإضافة لصعود ظاهرة الذئاب المنفردة من تنظيم داعش، والتي زادت من خطر الإرهاب.

وقد ظهرت في نفس الوقت تهديدات لم تكن متوقعة في المفهوم التقليدي للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط الكبير، فرضتها صعود تنظيم داعش وتوسع النفوذ الكردي من حيث الالتزام الأمريكي بالحفاظ على هيكل الدولة في المنطقة كما تمثله الحدود المرسومة منذ قرن مضى، بالإضافة إلى مواجهتها لتوجه دول الخليج بنشر القوة العسكرية بشكل لا يتناسق مع الضامن التقليدي لأمنها، بعد دبلوماسيتها المالية "دبلوماسية دفتر الشيكات".

داعش والتطرف العنيف:

أعلن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة عن سيطرته على الأراضي التي استولى عليها داعش من قبل، وكانت من بين القوات المشاركة (قوات رينجرز للجيش الأمريكي). ومع تضاؤل المساحات التي كان يسيطر عليها التنظيم، فإن على الولايات المتحدة أن تستعد لما بعد هذه المرحلة، سواء من داعش كحركة حرب عصابات، أو من الجماعات المتطرفة العنيفة الأخرى التي قد تظهر في الفراغ التي ستتركه داعش. إذ سيكون هناك دور متعدد الجوانب من الجيش، بدءاً من عمليات الانتشار الصغيرة، إلى تدريب قوات الجيوش المشاركة على عمليات فعالة مثل قوات التحرير والاستقرار.

وقد فقد تنظيم داعش سيطرته على معظم أراضيه في العام الماضي، ويبدو أن كيان الخلافة في حالة انهيار، إذ قدّر المبعوث الأمريكي الخاص لهذه الحملة في نهاية نوفمبر 2016 أنه قد تم تحرير أكثر من نصف الأراضي المأهولة بالسكان التي كان يحتلها داعش في العراق، وما يقارب ربع أراضيه في سوريا، وأن العمليات لا تزال مستمرة لطرد التنظيم من أكبر المدن الواقعة تحت سيطرته في البلدين، وقد تم الإعلان عن "تحرير الموصل" بفضل القوات العراقية المدعومة من المخابرات والقوات الجوية الأمريكية وشركائها، ودخول مدينة الرقة لمرحلة عزل التنظيم بمساعدة قوات كردية.

لذلك يجب على الولايات المتحدة أن تعمل على التخطيط لاستراتيجية لمكافحة الإرهاب في العالم بعد زوال تنظيم داعش، وذلك لسببين: الأول تهديد داعش بوجوده في الأراضي التي توفر فرصة أكبر للتجنيد والتدريب والتآمر الخارجي، الثاني أنه حتى لو تضاءل تنظيم داعش، فإنه ستنتج تنظيمات أخرى لم تكن معلومة.

إيران:

تعد إيران التهديد الرئيس المحتمل لحرية اللاحة وتدفق الموارد في الخليج، إذ تتركز قدرات طهران في القوارب السريعة التي تتحرش بالسفن الكبرى في الولايات المتحدة وأنشطة التعدين والتنقيب، والتي يمكن أن تتوقف في حالة إغلاق مضيق هرمز.

تدل الاستفزازات العدائية للمدمرة الأمريكية بالقرب من باب المندب على أهمية الخطر الذي تشكله إيران والجماعات التي تدعمها إيران على حرية الملاحة.

حاولت خطة العمل المشتركة خفض مخاوف واشنطن من حصول إيران على سلاح نووي، وتهدئة الحوادث في البحر بفضل الاتصال الدبلوماسي رفيع المستوى. ورغم بعض الانفراج المحدود بين البلدين، لا يزال العديد من صانعي السياسة الأمريكية يختلفون حول هذا النهج التوفيقي، ويضعون مسئولية هذه الحوادث على إيران نظرا لتدريباتها العدوانية ومضايقتها للسفن الحربية الأمريكية واحتجاز أفراد من البحرية الأمريكية.

لكن ردع الأعمال الإيرانية من خلال ردود أكثر قوة يمكن أن يؤدي إلى التصعيد، بما في ذلك استخدام القوات البرية.

وقد تكون سوريا أيضا ساحة للخلافات بين إيران والولايات المتحدة، إذ ساعد التواجد الإيراني على الأرض في تعقيد الصراع المعقد أصلا، ومع تصعيد دور الجيش الأمريكي في الحرب ضد داعش، فمن المتوقع أن يكون هناك مسارا تصادميا بين البلدين عبر وكلاء.

من الممكن أيضا أن تهدد طهران القوات الأمريكية الموجودة بالمنطقة والتي تصل حاليا لأكثر من 15 ألف من أفراد الجيش، تشمل موقع القيادة التنفيذية للجيش في معسكر أريفجان (Arifjan) في الكويت والوحدات الموجودة في العراق، بالإضافة لأكثر من 18 ألف من أفراد القوات الاحتياطية والموظفين المدنيين.

وقد سعت إيران تقليديا لزيادة قدراتها من الصورايخ الباليستية المتوسطة وطويلة المدى من خلال تطوير الصاروخ الباليستي متوسط المدى من طراز شهاب 3 والحصول على صاروخ أرض- جو البعيد المدى من طراز إس 300 (سا 20).

كما تشكل إيران تهديدا أيدولوجيا لجيرانها العرب السنة، فهي كجمهورية تمثل تحديا للنظام الملكي الخليجي، وكدولة ثورية تتحدى جيرانها، وكمدافعة عن الشيعة في دول الخليج، وأصبحت دول الخليج تتخذ إيران مبرراً عندما تواجه أية اضطرابات داخلية، فمنذ سقوط النظام السني في العراق، تحرص دول الخليج على التحقق من أي تقدم شيعي في محيطها.

نظام أمني إقليمي تقوده الولايات المتحدة لكن لا تهيمن عليه:

لا تزال الولايات المتحدة أهم قوة خارجية في الشرق الأوسط، ولكنها أصبحت تواجه فاعلين محليين، كما أن شركائها الفعليين يقومون بتحديد مصالحهم الوطنية والاقتصادية بطرق تختلف في كثير من الأحيان عن مصالح الولايات المتحدة، خاصة مع توجه دول المنطقة لتنويع علاقاتها بعيداً عن الولايات المتحدة، وهذا يعد نمطاً مقلقاً يشبه المشهد الأمني الإقليمي الذي برز بعد انسحاب بريطانيا من شرق السويس ونمو الدور السوفيتي في الشرق الأوسط إلى أن تآكل واختفى، مما مهد الطريق لتولي الولايات المتحدة بشكل تدريجي لدور احتكاري كضامن للأمن الخارجي للمنطقة. فقد أصبح شركائها حاليا أكثر قدرة وحزما من حيث تقرير مصالحهم واختيار أفضل وجهة لتحقيقها، وأنواع العلاقات التي يرغبون في إقامتها مع الجهات الفاعلة الأخرى.

ومما يزيد من إرباك النظام الإقليمي، تناقض أولويات هذه الجهات الفاعلة، للدرجة التي تجعل تهديدات مشتركة مثل داعش غير قادرة على حشد ردود موحدة، وحتى مشاركتها في قوات محاربة داعش كانت قد تراجعت.

فعلى الرغم من اعتماد دول المنطقة على الولايات المتحدة لضمان أمنها، إلا أن الفجوة بين قدرة واشنطن على التأثير على الفاعلين الإقليمنيين خلال حرب الخليج 1990- 1991 وقدرتها على القيام بذلك اليوم أصبحت كبيرة.

فالتدخل المستمر في اليمن بقيادة السعودية والإمارات يقدم مثالاً واضحاً على التحدي الأساسي الذي تشكله مثل تلك التحركات على الولايات المتحدة، ورغم الدعم الذي قدمته الولايات المتحدة سواء عبر الاستخبارات والوقود والاستطلاع والمراقبة، إلا أن التطورات أصبحت قادرة على تقويض الاستقرار الإقليمي ومن ثم المصالح الأمريكية، فقد أصبح من الصعب على الولايات المتحدة ضمان أن تكون إجراءات شركائها متماشية مع أهداف السياسة الأمريكية.

وينعكس هذا الاتجاه نفسه على تطور العلاقات الأمريكية مع إسرائيل وتركيا، وكما أن هناك حملة خليجية في اليمن، فمن السهل تخيل قيام إسرائيل أو تركيا بتجاهل مشورة الولايات المتحدة، لتقوم بعمليات ضد خصومها ذوي الأولوية إيران أو قوات حماية الشعب YPG، ولا يكمن الخطر في ضربة توجهها إسرائيل ضد إيران أو أن تقوم تركيا بزيادة نطاق عملياتها عبر الحدود ضد المسلحين الأكراد في سوريا والعراق، لكن الخطر يكمن في أنه سيتم اجتذاب الولايات المتحدة للدفاع عن حلفائها، ومن غير المستبعد أن تتم دعوة الولايات المتحدة لحماية القوات الكردية في العراق وسوريا، لأنها كانت أقوى حلفاء الولايات المتحدة في الحرب ضد داعش، مما يضع الولايات المتحدة في مواجهة مع تركيا ذات الجيش الأكثر قدرة بكثير من تلك التي واجهتها في الصراعات السابقة في الشرق الأوسط.

ومن ناحية روسيا، ففي حال استمرار توسع مشاركة القوات الروسية في المنطقة نظرا لتصاعد المخاطر وخاصة في سوريا، فإنه على الولايات المتحدة أن تعجّل بتوضيح مصالحها وأهدافها لروسيا.

إدارة التحالفات:

لقد اختلفت الترتيبات السياسية في الشرق الأوسط في الوقت الحالي عما كانت عليه عندما تولى أوباما مهام منصبه، وأدت الانتفاضات الشعبية في تونس ومصر وليبيا وسوريا والبحرين واليمن، التي تطورت ثلاثة منها إلى حروب أهلية، إلى تغيير المشهد وتوتر العلاقات بين الولايات المتحدة وشركائها، بسبب انخفاض ثقة الحلفاء في الالتزام الأمني الأمريكي.

وقد توترت العلاقات الأمريكية مع أنقرة والقدس والرياض في الفترة الثانية من إدارة أوباما، فقد زعمت تركيا تورط الولايات المتحدة في الانقلاب ضد الحكومة، وشعرت بالخيانة إثر الدعم الأمريكي للقوات الكردية في سوريا، وتعمل حاليا على التنسيق مع روسيا في العمليات الحدودية. وعارضت إسرائيل الاتفاق مع إيران، وقامت بحملة لم تحدث من قبل في الكونجرس. شنت الرياض حملة عسكرية في اليمن ضد رغبة الولايات المتحدة. واتهمت مصر الإدارة الأمريكية بدعمها لجماعة الإخوان عندما لم تعترف بشرعية "الثورة التصحيحية" في يونيو 2013 (تستخدم الدراسة مفهوم الثورة التصحيحة الذي يستخدمه النظام المصري لتبرير تدخل الجيش في 3 يوليو 2013- المترجم).

وعليه، لم يعد الدعم غير المشروط خيارا للإدارة الأمريكية عند تشكيل تحالفاتها، فلم يعد مقبولا أن تضع هذه الشراكات على قدم المساواة، إذ يعمل هؤلاء الشركاء في الغالب ضد المصالح الأمريكية، فعلى سبيل المثال حرضت تركيا على نمو المتطرفين في سوريا ضمن مساعيها المبكرة لإسقاط الأسد في عامي 2012 و2013. كما تواصل إسرائيل اتخاذ إجراءات أحادية الجانب في الأراضي الفلسطينية. كما يقوم النظام المصري بتنفيذ حملة ضد المعارضة، والتي وصفها البعض بأنها أكثر قمعية حتي من نظام مبارك. وتعمل السعودية على إثارة الطائفية لمواجهة النفوذ الإيراني.

من جانب آخر، أصبح من الضروري الحفاظ على علاقات أمنية قوية مع دول مثل الأردن وتونس والإمارات.

حدود تأثير الولايات المتحدة:

تتمتع الولايات المتحدة بالقدرة على حماية مصالحها الأساسية في الشرق الأوسط والنهوض به، وذلك عندما يقوم صناع السياسات بصياغة واضحة ومتناسقة لطبيعة هذه المصالح، وذلك يتطلب إدراك طبيعة التحولات التي يمكن أن تحدث مثل تحفيز الديمقراطية ووقف الصراعات الداخلية، فهذه أهداف أصبحت صعبة في منطقة تعاني من إرث استبدادي وصراع مزمن.

ومن الأمور الهامة التي يجب أخذها في الاعتبار قدرة الولايات المتحدة على تحديد التغيرات التي يمكن إحداثها في الشرق الأوسط، ففي وقت ما كانت قوة الولايات المتحدة صاعدة في المنطقة ودعمتها الظروف في ذلك الصعود مثل لحظة حرب الخليج الثانية (يقصد الحرب ضد العراق في عام 1991- المترجم)، فكانت أمريكا قد خرجت منتصرة في الحرب الباردة.

لكن الوضع يختلف في عام 2017 عن عام 1990، ليس فقط من الناحية الزمنية، ولكن أيضا من حيث أنواع التهديدات والفرص التي توفرها المنطقة، فأصبحت المنطقة متعددة الأقطاب، غارقة في الحروب الأهلية والعنف الطائفي، والمنافسات بين الدول، والتطرف العنيف في المناطق غير الخاضغة للرقابة. وهذا يجعل هناك قدرة محدودة للولايات المتحدة على إحداث تغيير أو إعادة ترتيب الأوضاع، حيث ستكون نتائج مشاركة القوات الأمريكية في عمليات الصراع أو في وقت السلم ذات نتائج متواضغة للغاية.

الجيش والتدخلات العسكرية المحدودة:

شكّل صعود تنظيم داعش في سوريا والعراق، ثم لاحقا في ليبيا وأفغانستان وأماكن أخرى، تحديا جديدا لسياسة الدفاع الأمريكية، فبعد خروج الولايات المتحدة من العراق في 2011، ومع تحديد مسار واضح للانسحاب من أفغانستان، سعى الكثيرون لوضع نهاية لعقد قامت فيه الولايات المتحدة بحرب لمكافحة التمرد. وقد شكل تنظيم داعش تهديدا إرهابيا مباشرا على للولايات المتحدة وحلفائها الرئيسيين، وهدد بزعزعة الاستقرار، وأتاح ذلك الفرصة لإيران لتوسيع نفوذها، وتعطيل تدفق النفط والغاز من المنطقة.

ومن هنا، ظهر سؤال كيف يمكن للولايات المتحدة أن تكافح المتطرفين المتدينين والقوي الناشئة بتكلفة معقولة؟

واستنادا للسجل التاريخي للتدخلات العسكرية الأمريكية، من الواضح أن الخيارات العسكرية يمكن أن تساعد الولايات المتحدة فقط على تفادي النتائج الأسوأ، وفي بعض الحالات قد تقوم بتحسينها تدريجيا، لتضع الشركاء في بعض الأحيان على طريق سلام مستدام. لكن في الوقت الراهن أصبحت الانتصارات المتواضعة تأتي بتكلفة كبيرة، ولم يصبح التدخل العسكري هو الحل لكل صراع ينشأ في الشرق الأوسط، لذلك من الضروري ادراك كيف شارك الجيش في تدخلات محدودة في الشرق الأوسط في الماضي، من أجل فهم أفضل السبل لاستخدام القوة العسكرية في حالات الطوارئ الإقليمية في المستقبل.

خيارات التدخل العسكري:      

تحاول الولايات المتحدة عند مواجهتها لتهديد غير منتظم مثل داعش أن تحقق واحد أو أكثر من ثلاثة أهداف، الأول هزيمة المسلحين، الثاني المساعدة في الحفاظ -إذا اقتضت الضرورة- على الحكومات الشريكة التي تكون مستعدة وقادرة على الاستقرار دون مشاركة أمريكية واسعة النطاق، الثالث أن الولايات المتحدة إذا لم تستطع حل الصراع بطريقة مقبولة وفقا لها، فإنها ستحاول على الأقل ألا يطول التطرف والعنف دولا أخرى، مثلما عملت على تعزيز جهود الأردن وتونس ضد الصراعات الدائرة في سوريا وليبيا.

وتمتلك الولايات المتحدة أدوات أخرى لتحقيق هذه الأهداف ، مثل إطلاق عمليات لمكافحة التمرد مثلما فعلت في فيتنام والعراق وأفغانستان، ويمكن أن تتخذ شكل هذه التدخلات شكل إجراءات مباشرة مثل القتال البري والضربات الجوية، وعمليات الغارات الخاصة، أو تبادل المعلومات الاستخباراتية.

ومن الانتقادات التي تم توجيهها للتدخلات الأمريكية في العراق وفي أماكن أخرى، أنها كانت طموحة جدا بسعيها لتعزيز الديمقراطية، بدلا من مجرد السعي لتأمين مصالح الولايات المتحدة بأقل تكلفة ممكنة.

وبالنظر إلى سجل أكثر من أربعة عشر تدخلا منذ 1946، فلا يوجد دليل على أن أياً منها  حقق انتصارا عسكريا صريحا، وحتى هذا الانتصار الجزئي يأتي بتكلفة مثل إبرام تسوية تفاوضية لا تؤدي لنتيجة محددة، مثل التقسيم بحكم الأمر الواقع، بالإضافة إلى أن الحرب التي تنتهي من خلال التدخل العسكري الأجنبي من المرجح أن تتكرر مرة أخري، فعلى سبيل المثال فإن الصراع في العراق لم يستأنف إلا بعد ظهور داعش.

ومع عدم وجود نتائج غير مؤكدة للتدخلات البرية، فإن هناك بدائل للولايات المتحدة، فيمكن أن تؤدي الضربات الجوية إلى تعطيل المسلحين، مما يقلل قدرتهم على شن هجمات، لكن هذا لا يمكن تحقيقه إلا في حالات الحملات المكثفة، أو أن تقوم الولايات المتحدة بتعزيز القطاعات الأمنية للدول المحيطة بالمنطقة المتضررة من النزاع، وهناك بعض الأدلة على أن مساعدة قطاع الأمن تعزز الاستقرار، ولكن هذا يأتي بشكل تدريجي يتم على مدى عقود من الجهود المتواصلة.

اعتبارات التدخلات العسكرية الأمريكية:

استنادا للتحليل السابق، هناك عدد من الدروس، أولا: أهمية مشورة رجال الدولة والاستراتيجيين وتوقعاتهم حول كيفية تحقيق النجاح، فوفقا للعديد من المراقبين، هناك من يصف التدخل الأمريكي في العراق بالفاشل، لكن بمقارنته مع النتائج في سياقات مماثلة، يمكن اعتبار النتائج جيدة.

ثانيا: أهمية العناية في اختيار الشركاء، فالولايات المتحدة ليس لها دائما ترف اختيار حلفائها، فالتطورات السياسية والتهديدات الأمنية مثل الإرهاب، والشواغل الإنسانية، تشكل غالبا اعتبارات في اختيار الشركاء.

عادة ما تستخدم التدخلات الكبيرة في الحالات الأكثر تحدياً وخطورة، وبعد محاولات كثيرة صغيرة فاشلة. وفي مثل هذه الحالات قد يحول التدخل دون انهيار حكومة أحد الشركاء، مثلما فعل التدخل السوري في لبنان مع اتفاق الطائف الذي حقق نجاحا نسبيا. لكن من الصعب القيام بتدخلات كبيرة لفترات طويلة من الزمن، لذا تكون التدخلات الصغيرة أكثر استدامة، فعلى سبيل المثال هناك القوات الأمريكية في أفغانستان والموجودة لمدة 16 عاما.

الجيش والشرق الأوسط:

في كثير من الأحيان، قلل عدم الاستقرار والنزاع الإقليمي من تطلعات القادة الأمريكيين الخاصة بالتدخل العسكري في الشرق الأوسط، لكن من المتوقع أن يكون للجيش تواجد عبر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المستقبل، فمن الممكن أن يقوم بإرسال قوات لليبيا أو اليمن أو مكان آخر في البلاد العربية، ورغم أن التجربة تشير إلى أن التدخل على نطاق واسع في مثل هذه الصراعات من المرجح أن تنتج عنه نتائج مخيبة للآمال، لكن قد يزداد دور الجيش لقيادة الجهود من أجل هزيمة بقايا داعش في العراق وسوريا.

كما سيتواصل نشر الجيش في معسكر أريفجان في الكويت من أجل ردع أي جهود تبذلها إيران لإستهداف جيرانها في دول الخليج، وكان تطوير إمكانيات الدول النامية الشريكة للولايات المتحدة أحد الأولويات الأمريكية لعقود، مثل بعثات التدريب لمصر والسعودية.

ويجب الأخذ في الاعتبار أن هناك احتمالية بأن قيام أحد الشركاء (مثل إسرائيل أو تركيا أو السعودية) بشن عملية عسكرية سيؤدي لآثار هامة على الولايات المتحدة، والتي قد يكون من بينها هجوما إرهابيا، وبما أن الولايات المتحدة تعمل على زيادة وجودها العسكري في أوروبا لتعزيز الردع ضد روسيا، فعليها أن تضع في الاعتبار احتمالية الحاجة لدعم هذه القوات لعمليات في الشرق الأوسط.

بالنظر لهذا، يجب أن تلتزم الاستراتيجية الأمريكية بعدد من المبادئ التوجيهية:

        التعامل مع إيران على مستويين، ردع الإجراءات الإيرانية، والاستعداد للرد العسكري إذا فشل الردع. والإجراءات المقصودة هنا تشمل تطوير القدرات النووية، تعطيل الشحن في مضيق هرمز وباب المندب، مهاجمة سيادة دول مجلس التعاون الخليجي، أو ارتكاب عدوان ضد القوات الأمريكية المتمركزة بالمنطقة.

أما المستوى الآخر، فيحدده استراتيجية طويلة المدى عبر الإشراف على التغيير الإيراني من الداخل، وتحويلها من نظام الملالي، وإن لم تنجح الولايات المتحدة في هذا، يمكنها لعب دور في تشكيل ظروف لخلق بيئة إقليمية مرحبة، إذ يمكن استخدام الجهود الدبلوماسية الأمريكية للحد من التوترات بين السعودية وإيران، والتي أدت لزعزعة الاستقرار بالمنطقة، فيجب على الولايات المتحدة أن تضمن استمرار إيران في الامتثال لخطة العمل الشاملة لضمان عدم انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط.

        يجب الاستعداد لما بعد القضاء على داعش، إذ من المتوقع أن تفرخ خلفاء سيحاولون استغلال الأماكن غير الخاضغة لسيطرة الحكومات من أجل زعزعة استقرار شركاء الولايات المتحدة بالمنطقة، لهذا سيكون هناك دور للجيش في بناء قدرات الشركاء، من أجل التأكيد على أن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بأمنهم، وفي عدم حدوث ذلك (مثل القوات السعودية في اليمن، والإماراتية في ليبيا، والتركية في سوريا) يعني أن الشركاء المحليين سيقومون بأدوار قد تهدد المصالح الأمريكية بالمنطقة.

هناك دور هام للجيش في تصميم الاستراتيجيات والتخطيط لها وتنفيذها، خاصة بعد تحميل الجيش العبء الأكبر من التدخلات السابقة بالمنطقة، فيجب معرفة سبب عدم القيام بإجراءات عسكرية في المنطقة مهما كانت جذابة، فالجدل بين الخبرة السابقة والتغيرات الجارية في المشهد الاسترتيجي للمنطقة، سيجعل نتائج التدخلات العسرية متواضعة.  


 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مشاورات جنيف والمغرب حول ليبيا..بين فرص السلام وعراقيل حفتر وداعميه

    الأحد الماضي، بدأت الجلسات التمهيدية لطاولة الحوار السياسي الليبي بين ممثلي …