‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر تسريبات “نيويورك تايمز” و”مكملين” .. التوقيت والدلالات
مصر - يناير 17, 2018

تسريبات “نيويورك تايمز” و”مكملين” .. التوقيت والدلالات

 تسريبات "نيويورك تايمز" و"مكملين" ..  التوقيت والدلالات

 

خمسة ملاحظات هامة يجب تداركها قبل أي تحليل وتفسير لدلالات تسريبات "نيويورك تايمز" وقناة "مكملين" وتوقيتها:

(أولها): أن من بدأ التسريب سربه الي صحيفة أمريكية كبري يقرأها كبار السياسة ورجال الكونجرس والسياسيين في العالم، ثم سربه لاحقا الي قناة "مكملين" التي سبق ان بثت عدة تسريبات من مكتب السيسي ومسئولين أخرين، ما يؤكد أن "مصدر" التسريب في كل الحالات واحد.

(ثانيا): أن التسريبات جاءت قبل ساعات من إعلان سامي عنان رئيس الاركان السابق نيته الترشح للرئاسة، وهو الذي يتردد أن انصاره وراء بعض هذه التسريبات، ربما لكشف وتوجيه رسالة للأذرع الاعلامية للسيسي كي توقف عن الهجوم عليه بعدما ظلت منذ مايو الماضي تزعم أنه ينسق مع الاخوان وأيمن نور.

وبدأت تلك التسريبات مبكرا منذ انقلاب 3 يوليو 2013 واعتبرت مؤشرا على احتدام الصراع داخل الأجهزة السيادية للسيطرة على المشهد المصري سياسيا وأمنيا واقتصاديا، وارتبط معظمها بالسيسي ومدير مكتبه عباس كامل، وأعضاء بالمجلس العسكري وأخيرا بضباط من داخل تلك الأجهزة.

(ثالثا): أن التسريبات لم تختلف عن موقف نظام السيسي من قضية فلسطين والقدس وأنها "حقيقية" بصرف النظر عن صحة التسريبات او فبركتها كما سعت لذلك أذرع السيسي، وكثيرا مما ورد فيها حول الموقف الرسمي للسيسي من (اسرائيل) قريب جدا من الحقيقة، وعلى الأخص فيما هو منسوب الى الضابط المُلَقِن من ان "الصراع مع اسرائيل ليس من مصلحة مصر الوطنية"، وأن الفلسفة الرئيسية التي تقوم عليها شرعية نظام السيسي هي ان وجوده وبقاءه ومصالحه هو مع امريكا و(اسرائيل) وليس مع فلسطين ولو ضاعت كل الارض وأُبيد كل الشعب واغتُصبت كل المقدسات وذهبت القدس عاصمة لإسرائيل.

(رابعا): أن التسريبات تزامنت مع قيام الاحتلال وأمريكا بإصدار قرارات وتشريعات تتخطي كل ما قيل عن "صفقة القرن"، سواء فيما يخص اعتبار القدس عاصمة للدولة الصهيونية، وتصديق حزب نتنياهو (الليكود) على قانون يفرض السيادة الإسرائيلية على مناطق المستوطنات الإسرائيلية، وهو ما يعني فرض السيادة "الإسرائيلية" على الضفة الغربية المحتلة، وإنهاء السلطة الفلسطينية، وبهذا تكون فكرة حل الدولتين نُفذت مع انطباع عالمي بأن بعض العرب وافقوا، وجاءت التسريبات لتقر موقف سلطة الانقلاب الحقيقي بصرف النظر عن الموقف الروتيني المعلن في بيانات الخارجية.

(خامسا): أن التسريبات فيما يخص دول الخليج ظلت تسب  في دول الخليج خصوصا الكويت هذه المرة، إضافة الي قطر، والحديث عن أن دولة الكويت ستكون في مرمى نيران الإعلام المصري إذا لم تتراجع عن موقفها، الذي قال إنه مؤيد لقطر، دون أن تتحرك دول الخليج للاحتجاج منذ تسريب "الرز" الشهير، ورغم وضوح السب لهم من ضابط مخابرات حربية لا يتحرك إلا بأوامر عليا.

من هذه النقاط الخمسة يمكن فهم "توقيت" التسريبات فيما يخص الحديث عن "القدس" تحديدا كعاصمة للدولة الفلسطينية بعد قرار ترامب وانهيار المصالحة الفلسطينية، وكذا توقيتها فيما يخص أحمد شفيق، بعدما كشفت أن شفيق انسحب بعد تهديده بفتح ملفات فساد وحبسه بعد يوم واحد من اعلانه سحب ترشحه، إضافة لتوقيتها فيما يخص حبيب العادلي.

وتوقيتها أيضا فيما يخص الكشف عن المصريين ليسوا بحاجة إلى تسريبات تبثها صحف أو قنوات من الخارج ليدركوا أن الإعلام المصري "موجه"، فكل شيء واضح كشمس الظهيرة ولكن شاءت المقادير أن يذق أصحاب "الصندوق الأسود" من الكأس نفسها، وأن يشمت فيهم من ظنوا بالأمس أنهم قد ردموهم تحت ركام هائل من الافتراءات والاختلاقات والأكاذيب.

دلالات التسريبات

ويمكن إجمال أبرز دلالات التسريبات فيما يلي:

1-   فيما يخص تسريب أحمد شفيق، أظهرت التسريبات أن اساليب الضغط والنشوية لأي مرشح في مواجهة السيسي جاهزة ويشارك فيها القضاء الذي أصبح مجرد أداة من ادوات السلطة يؤمر بالتحقيق في شئ ويتغاضى عن شيء أخر، وأن تشويه شفيق وتهديده بهذه الطريقة يظهر ان المجلس العسكري لم يوافق على ترشيح شفيق.

2-   تسريب القدس كشف حقيقة الموقف الرسمي المصري من (اسرائيل) والقائم على تفضيل مصلحة تل ابيب على الفلسطينيين، وأن هذا الموقف لا ينفصل عن موقف السلطة العسكرية من القضية الفلسطينية، منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، التي بموجبها انسحبت مصر من الصراع ضد (اسرائيل) واعترفت بشرعيتها وبحقها ان تعيش على ارض فلسطين التاريخية ما عدا الضفة الغربية وغزة، مقابل استرداد سيناء مقيدة السلاح والقوات، وعلى حساب الامن القومي المصري والعربي وحقوق الشعب الفلسطيني.

والاخطر أنه كشف وفسر لماذا تعتبر اسرائيل عصر السيسي هو العصر الذهبي لها مع مصر، بعدما لبى طلبها القديم الذي رفضه مبارك بإخلاء رفح والحدود الدولية من السكان وإقامة منطقة عازلة، ودعم عدوانها على غزة عام 2014، وسمح لطائراتها بقصف سيناء، وسحب قرار ادانة مصري للمستوطنات الاسرائيلية من مجلس الامن بعد مكالمة تليفونية من ترامب، وأجري لقاءات سرية ثم علنية مع نتنياهو، وشجع الخليج علي التطبيع معها.

3-   فيما يخص حبيب العادلي كشفت التسريبات أن الغاء محكمة النقض حكم سجن حبيب العادلي وزير داخلية مبارك 7 سنوات، جاء بأوامر للقضاء بعدما أصبح السيسي هو الذي يعين قضاة المحكمة النقض عقب قرار تعيين رؤساء الهيئات القضائية، وأن حبيب العادلي سلم نفسه "عشان الموضوع يخلص بشياكة"، كما قال ضابط المخابرات لعزمي مجاهد، رغم أنه ختم حديثه معه بقوله "احنا دولة قانون"!

4-   ومن أخطر دلالات التسريبات هي الكشف أن العسكر يديرون الملفات الخارجية بدون خبره، وأنهم يورطون مصر في مشكلات سيستغرق حلها عشرات السنين بعد انتهاء هذا النظام لأنها مشاكل تمس صميم الامن القومي خاصة ملف المياه وفلسطين والسودان.

حيث كشفت العقلية التي تدار بها ملفات الامن القومي المصري الحيوية وحجم التنازلات فيها، وهو ما ظهر أيضا في حديث السيسي عن أن حل مشكلة الامن المائي الخطيرة، وتجنيب مصر العطش تتلخص في بناء أكبر محطة لمعالجة مياه الصرف وتحليتها مياه البحر ليشرب منها الشعب المصري.

5-   التسريب الاخير أكد ان كل التسريبات السابقة صحيحة ودحض الأقاويل التي تدّعي أن التسريبات لا تنتسب لضباط حقيقيين في أجهزة أمن مصرية، بعد أن تم الحوار فيه بين النقيب أشرف الخولي والمقدم إمام من أمن الدولة، ويظهر في التسريب التنسيق بين المخابرات الحربية وأمن الدولة ورئيس قناة العاصمة.

حيث يكشف التسجيل اجتماع رئيس قناة العاصمة وليد حسني مع ضابط في جهاز أمن الدولة، يدعى "المقدم إمام"، في الوقت الذي كان يتحدث فيه النقيب أشرف الخولي مع حسني، ما أكد أن شخصية الضباط أشرف الخولي حقيقية.

والملفت أيضا هو ظهور فيديو من العام الماضي للميس الحديدي مع "أبلة فاهيتا" يؤكد أن شخصية ضابط المخابرات أشرف الخولى الذي ظهر في التسريبات وهو يعطي التعليمات للإعلاميين والممثلين هي شخصية حقيقية لا مفبركة.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لقاء “نيوم” بين نتنياهو وابن سلمان.. تحولات استراتيجية نحو تصفية القضية الفلسطينية مقابل كرسي الملك

ضمن التطبيع الخفي منذ سنوات بين السعودية وإسرائيل، جاء لقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلما…