‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر تنافس “الجنرالات” و”الخارجية” علي ادارة ملفات السياسة الخارجية .. كيف أضر بمصر؟
مصر - يناير 17, 2018

تنافس “الجنرالات” و”الخارجية” علي ادارة ملفات السياسة الخارجية .. كيف أضر بمصر؟

  تنافس "الجنرالات" و"الخارجية"

علي ادارة ملفات السياسة الخارجية .. كيف أضر بمصر؟

جاء التسريب الاخير الذي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" ثم قناة "مكملين"، بشأن تلقين ضابط مخابرات حربية (الجيش) لمذيعين مصريين كيفية التعامل مع قضية "القدس" وأنها عاصمة للاحتلال الاسرائيلي، ليقدم دليلا جديدا على الصراع بين "الجنرالات" و"الخارجية" على ادارة ملفات السياسة الخارجية.

إضافة الي حجم الضرر الواقع علي الدولة المصرية جراء هذا التغول العسكري علي ملفات تخص الامن القومي مثل المياه وفلسطين والسودان وغيرها، والتعامل معها دون خبرة سياسية بما يضر بأمن مصر مستقبلا.

ومنذ حكم الرئيس السابق مبارك، كانت هناك منافسه واضحة بين "المخابرات العامة" و"وزارة الخارجية" حول تولي ملفات خارجية، انتهت بحسم الامر لرجل المخابرات القوي الراحل عمر سليمان الذي تولي الملفات الهامة مثل مياه النيل وسد النهضة وفلسطين وحماس، إضافة الي السودان، والتعامل مع أمريكا.

وظل هذا الامر ساريا حتى وفاة عمر سليمان وتدول هذه الملفات بين الخارجية والمخابرات بشقيها (العامة والحربية) حتى حُسم امرها، ضمن سياسة توغل المخابرات الحربية والجيش في كافة شئون السياسة الداخلية والخارجية، لصالح "الحربية".

وظل الوجود الهامشي للمخابرات العامة في هذه الملفات "شكلي" بحيث تظهر هي في الصورة بينما تحرك هذه الملفات فعليا، المخابرات الحربية أو الجنرالات بصورة أكبر، وساعد على ذلك حملة الاقالات التي قام بها السيسي لكبار رؤوس المخابرات العامة منذ انقلاب 3 يوليه 2013.

"عسكرة" المخابرات العامة والخارجية

وأصدر عبد الفتاح السيسي، ثمانية قرارات متتالية منذ 3 يوليه 2013، وحتى يوليه 2017، ابعد بموجبها 114 من وكلاء جهاز المخابرات العامة (ضباط جيش بالأساس) الي المعاش للتخلص من العمود الفقري للجهاز وتيسير تولية انصاره قبل أن يقوم بتحجيم الجهاز وابعاده عن الملفات المهمة التي تولاها جهاز المخابرات الحربية التابع للجيش.

كما ابعد 30 دبلوماسي، ثم 15 أخرين على مدار العام الماضي في سياق تحجيم و"عسكرة" الخارجية، ووصل الامر لفرض تدريب على الدبلوماسيين في الاكاديميات العسكرية والكلية الحربية مده ستة أشهر.

الفارق بين تعامل "الحربية" و"الخارجية"

رغم تغول المخابرات العامة على عدة ملفات في عهد حسني مبارك، إلا أنها لم تستبعد الخارجية، حيث كان عمر سليمان يضع الخطوط العريضة بالتعاون مع مبارك لهذه الملفات ويعهد بالتفاصيل لوزارة الخارجية، بيد أن السيسي قلب هذه المعادلة تماما بنقل هذه الملفات الي "الحربية"، ولم يكتف برسمها السياسات الخارجية ولكن تلقين الاعلام المصري "رؤية" العسكر لحل هذه القضايا بصورة أظهرت ضعفا شديدا وعدم خبره في التناول العسكري لقضايا حساسة تمس الامن القومي.

وكان أخطر ما في التسريبات الاخيرة هو إظهار خطورة ضعف خبرة المخابرات الحربية وترهل ادواتها في التعامل مع القضايا الحيوية لمصر بطريقة لا تنم عن أي خبرة استراتيجية او دراسة لمواقفها المتسرعة والمتصادمة مع الثوابت التاريخية المصرية والعربية في قضايا مثل القدس.

واظهرت التسريبات كيفية إدارة الدولة بشكل عام، وكيفية إدارة السياسة الخارجية على وجه الخصوص، وكيفية تناول ملف فلسطين بشكل أكثر دقة، من قبل جهاز المخابرات الحربية، وسيادة الأجهزة السيادية العسكرية على السياسة الخارجية.

وعلق السفير إبراهيم يسري مدير ادارة فلسطين السابق بالخارجية المصرية على التسريب الخاص بالقدس قائلا إنه "كشف الفرق الشاسع بين التناول العسكري غير المهني للقضايا السياسية وبين التناول السياسي المحترف، والفرق الخطير بين التعليمات التي تصدر من مسئول عسكري في موضوعات سياسية للأذرع الإعلامية، والتعامل السياسي الدبلوماسي المستند لخبرة ودراسة".

وقال في تعليق على حسابه علي فيس بوك أن التناول السياسي للقضية الفلسطينية يستشرف كافة الجوانب التاريخية والقانونية وإدارة العلاقات الدولية واستخلاص تسويات صالحة للبقاء، بينما التناول العسكري، الذي ظهر في التسريبات، يبين أن الامر يجري فرضا وتسلطا وتجاهلا لكافة المعطيات".

وبرغم عدم وجود تسريبات حول كيفية تعامل "الحربية" مع ملفات أخطر مثل مياه النيل، أو السودان، يكشف التعامل الرسمي وتصريحات السيسي والخارجية استمرار نفس التعامل عديم الخبرة في التعامل مع هذه الملفات الخطيرة، وقصر تناولها على تلافي "الاثار الجانبية" لسد النهضة دون التعامل مع "الخطر الاصلي الحقيقي"، ما ينبئ عن غياب أي استراتيجية واضحة للتعامل مع هذه الملفات ومن ثم تضييع حقوق مصر التاريخية.

فمنذ تولي الجنرال السيسي لقضية مياه النيل، قدم أخطر تنازل لأثيوبيا بتوقيع اتفاقية سد النهضة عام 2014، ليهدم ثلاثة ثوابت مصرية رئيسية واستراتيجية في هذه القضية هي: حق مصر في الفيتو على أي انشاءات او سدود على النيل – حق مصر في 55.5 مليار متر مكعب من المياه سنويا – التهديد العسكري المباشر بهدم أي سدود تبني دون موافقة مصر.

وحين تناول السيسي في اخر لقاء له يناير الجاري مشكلة سد النهضة وتحدث عن حلول لمنع العطش عن المصريين لم يتطرق لكيفية تعامله مع ازمة سد النهضة، وأكدت تصريحاته انه ليس لديه حل للمشكلة ويتعامل معه كأمر واقع وشدد على ان الحل هو ان يشرب الشعب من البحر مياه معاجلة في محطة التحلية وأن الجيش يبني أكبر محطة تحلية في العالم.

حيث قال السيسي إنه "لن يسمح بوجود مشكلة مياه في مصر وإحنا واخدين بالنا، وجاهزين" ثم فاجئ الجميع بان الحل هو: «إحنا بنعمل أكبر محطة لمعالجة مياه الصرف والتحلية"، وتابع: "بنعمل اللي علينا، عشان نحلّ مسألة محتملة"!.

عسكرة" الخارجية

وضمن هذه المنافسة بين المخابرات الحربية والخارجية ونقل الملفات الحيوية الي الحربية وجعل "الخارجية" فرعا للمخابرات الحربية، سعي السيسي لإصدار عدة قرارات تصب في خانة ما يمكن ان نطلق عليه "عسكرة الخارجية" أبرزها:

(أولا): قرار بإرسال الملحقين الدبلوماسيين الجدد للتدرب ستة أشهر في "الكلية الحربية" بالنسبة لشباب الدبلوماسيين، ومثلها في المخابرات الحربية، والتدريب في "معهد التمريض" العسكري بالنسبة للفتيات، ما دفع بعضهم للابتعاد عن العمل الدبلوماسي.

وجاء هذا في اعقاب عقد سامح شكري اتفاقًا مع الجيش يتم بموجبه ابتعاث الملحقين الدبلوماسيين فور التحاقهم بالسلك الدبلوماسي لقضاء ستة أشهر في الكلية الحربية، بالإضافة إلى مدة شهر تقريبًا يقضونها في المخابرات العامة، "لحرص الرئاسة على اتسام العاملين بصفات عسكرية"، وفي إطار تقارب يربطه ببعض الشخصيات في القوات المسلحة.

(ثانيا): ابعاد دبلوماسيين مخضرمين الي وزارات اخري واعمال ادارية بدعاوي انهم متعاطفين مع الاخوان وثوار يناير وهذا تكرر عدة مرات

فقد شهدت أول حركة تغيير دبلوماسية عقب الانقلاب في 26 يوليه 2014، تغيير 30 سفيرا، طالت السفراء الذين اتهمتهم اجهزة امن السيسي بالتعاطف فكريا مع الاخوان أو الانتماء لهم.

وكان من المستبعدين حينئذ أيضا: سفير مصر في لندن أشرف الخولى، وسفير مصر في فرنسا محمد مصطفى كمال، ومندوب مصر في جنيف السفير وليد عبد الناصر، وسفير مصير في كندا وائل أبو المجد نجل المفكر السياسي البارز أحمد كمال أبو المجد، الذي أثار بعض الانتقادات أيضاً.

لاحقا وفي 18 مايو 2017 تم نقل 5 دبلوماسيين اعترفتوزارة الخارجية حينها بصدور قرار جمهوري بنقلهم الي جهات حكومية (وزارتي الزراعة والتنمية الإدارية وديواني اثنتين من المحافظات).

وأكدت مصادر دبلوماسية وتحقيق استقصائي نشره موقع "مدي مصر" أن الإطاحة بالدبلوماسيين جاء على خلفية اتهامات بالتعاطف مع جماعة الإخوان المسلمين، أو شباب ثورة يناير 2011 ومجموعة 6 أبريل، أو رفض التحولات السياسية التي أعقبت الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي يوليه 2013، أو التقصير في الترويج لهذه الانقلاب علي مرسي أثناء عملهم في الخارج.

ونفت الخارجية ما قيل عن الضغط عليها من قبل جهات أمنية لإبعاد هؤلاء الدبلوماسيين لأسباب تتعلق بالتنصت عليهم وتسجيل أحاديث لهم تشير لأنهم من المتعاطفين مع الثورة أو الاخوان.

وللمرة الثانية خلال شهرين فقط، نقل السيسي في 24 يوليه 2017 رسميا 7 من كبار الدبلوماسيين المخضرمين (من 30 تم ابعادهم في الحركة الدبلوماسية لعام 2014) إلى وظائف بوزارات متدنية مثل النقل والتنمية المحلية، بعدما ظلوا بلا عمل منذ عودتهم من وظائفهم عقب انقلاب السيسي

واستند السيسي لقانون السلك الدبلوماسي الذي يمنح الحق للرئيس في نقل الدبلوماسيين للعمل بوظيفة أخرى في الجهاز الإداري للدولة بدعوي مقتضيات "الصالح العام".

ومن أشهر هؤلاء الذين تم عقابهم السفير معتز أحمدين، الذي كان يتولى منصب مندوب مصر الدائم في الامم المتحدة خلال تولي الرئيس محمد مرسي الحكم، والذي نقله السيسي إلى وزارة النقل، وكان بلا عمل منذ إنهاء ابتعاثه لمقر المنظمة اﻷممية في نيويورك في يوليو 2014.

والسفير أشرف حمدي الذي كان سفيرا لمصر في لبنان وهاجمته صحف الانقلاب بعد حوار له مع جريدة لبنانية نسبت له تصريحات عن المصالحة مع الإخوان، ونفتها السفارة، وقيل أيضا أنه بسبب خلافه مع أجهزة السيسي السيادية حول إدارة ملف العلاقات الخارجية مع الطوائف السياسية في لبنان.

ويمكن حصر بعض الاضرار التي تسببت عن إمساك المخابرات الحربية بأبرز ملفات الامن القومي فيما يلي:

1-   نجحت اثيوبيا في بناء 67% من سد النهضة وتوشك ان تنهي العمل به العام المقبل، كما بدأت تشغيل توربيات الكهرباء، بينما لا تزال مصر تتحدث عن "دراسات فنية" لإنشاء السد، عفا عليها الزمن بعدما أصبح امرا واقعا، وعن تدخل البنك الدولي في المفاوضات وهو صاحب مصلحة في بناء السد، وعن التفاوض على فترات ملء السد فقط لا بناؤه او مخاطره.

2-   تسبب التعامل العسكري الخاطئ مع السودان، والتصعيد ضده، وإطلاق الاعلام الموجه من المخابرات الحربية في سب الرئيس السوداني والسودانيين في انحياز الخرطوم نحو مصالحها مع اثيوبيا ودعمها سد النهضة وموقف اثيوبيا منه في مواجهة مصر، ما أضعف اهم اوراق الضغط في يد مصر.

3-   لم تعد تل ابيب في حاجة لصفقة قرن للاستيلاء على الضفة الغربية نفسها أو ترحيل الفلسطينيين بعدما اظهر اعلام المخابرات الحربية الموقف المصري من "القدس" وأنها عاصمة لإسرائيل ومن ثم شجع الاستيطان وطرد الفلسطينيين من القدس ووضع يدهم علي الضفة الغربية بالمستوطنات، وتحول رام لله الي عاصمة للفلسطينيين تتعاون مع اسرائيل امنيا، فضلا عن فتح الباب امام فكرة دولة فلسطينية في غزة وأجزاء من سيناء بسبب عمليات التفجير والتهجير التي وصلت لرابع مرحلة في رفح سيناء.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مصر في أسبوع

مصر في أسبوع تقرير تحليلي لأهم الاتجاهات والمضامين لما جاء في الملفات المصرية في الأسبوع ا…