‫الرئيسية‬ العالم العربي التدخل العسكري التركي في سوريا ومستقبل مؤتمر “سوتشي”؟
العالم العربي - فبراير 4, 2018

التدخل العسكري التركي في سوريا ومستقبل مؤتمر “سوتشي”؟

 التدخل العسكري التركي في سوريا ومستقبل مؤتمر "سوتشي"؟

تطورات متلاحقة في الملف السوري، تقودها تركيا، التي بدأت السبت الماضي، تدخلا عسكريا في منطقة الحدود مع شمال سوريا (قرية عفرين الواقعة تحت سيطرة مقاتلين أكراد)، قد تعيد خلط الاوراق مرة أخرى بعد تفاهمات امريكية روسية على تقسيم مناطق النفوذ هناك.

التطور الابرز هو اطاحة تركيا بالموقفين الامريكي والروسي، وبدء قواتها شن عملية جوية وبرية، أطلقت عليها اسم "غصن الزيتون"، تستهدف قوات وحدات حماية الشعب الكردية المدعومة أمريكيا، إضافة الي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بما يتعارض مع الموقفين الروسي والامريكي في سوريا.

الهدف التركي المعلن هو ضرب وابعاد "وحدات حماية الشعب الكردية" ومنعها من السيطرة على الحدود التركية مع شمال سوريا، خشية أن تتحول الي "جيش إرهابي" مدعوم من حزب العمال الكردستاني لتهديد الامن التركي، بيد أن التدخل العسكري التركي قد تكون له أهداف أخرى تتعلق بدعم المعارضة السورية في وقت تحاول روسيا افساد مؤتمر الحوار السوري على ارضها (سوتشي) برفض تنحي بشار الأسد ورفض مشاركة المعارضة السورية القوية فيه.

وجاء إسراع الجيش التركي في تنفيذ خططه لشن عمليته العسكرية بعدما أعلنت الولايات المتحدة أنها ستساعد تحالف قوات سوريا الديمقراطية في إنشاء "قوة أمنية حدودية" بدعوى منع عودة تنظيم الدولة الإسلامية.

وكان المتحدث باسم "التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش" العقيد ريان ديلور، أعلن في توقيت مفاجئ ولافت عزم التحالف إنشاء وحدة عسكرية قوامها ثلاثون ألف جندي، هدفها حماية الحدود السورية التركية، وذلك بالعمل مع ما يسمى "قوات سوريا الديمقراطية" الذراع العسكري لـ "ب ي د" الذي يعد الفرع السوري لمنظمة "بي كاكا" الإرهابية.

وأثار القرار الذي يقف ورائه البنتاجون تساؤلات حول لماذا اختيار هذا التوقيت بالضبط؟ ولماذا حماية الحدود السورية التركية بالرغم من خلوها من تنظيم داعش، لا التركيز على حماية الحدود السورية العراقية التي ما يزال تنظيم داعش يسيطر على مناطق منها؟

وقال محللون أتراك أن التحرك الامريكي بدعم القوة الحدودية الكردية ربما يرجع إلى الرغبة الأمريكية في العودة إلى الساحة السورية بقوة من خلال مشروع يربك جميع الأطراف، وأرجعوا الهجوم الغامض على قاعدة حميميم الروسية مؤخرا بطائرات "الدرونز" من غير طيار للطرف الأمريكي تحديدا.

واعتبروا أن التحرك الامريكي على الحدود التركية السورية مشبوها وله أهداف أخرى منها الضغط علي أنقره لهذا بدأ الجيش السوري الحر الذي تدعمه القوات التركية عملية برية السبت الماضي، داخل منطقة عفرين بريف حلب الشمالي، ضد عناصر وحدات حماية الشعب الكردية، المدعومة امريكيا داخل مدينة عفرين بريف محافظة حلب (شمال).

وقالت وزارة الدفاع الروسية إن "الاستفزازات الأميركية" من العوامل الرئيسية التي أزّمت الوضع شمالي غربي سوريا ودفعت تركيا لشن عملية عسكرية في عفرين ضد مسلحي وحدات حماية الشعب الكردية.

واضطرت وزارة الدفاع الأمريكية للرضوخ والتراجع عن فكرة انشاء جيش كردي قوامه 30 ألف فرد، على حدود تركيا، بعدما اعتبرت انقره قرار أمريكا تشكيل قوة حدودية بسوريا "لعبا بالنار"، وقال مجلس الأمن القومي التركي: "لن نسمح بتشكيل ممر إرهابي على حدودنا كما لن نسمح بتشكيل جيش إرهابي هناك"، منتقدا دعم حليفته (واشنطن) لجيش كردي (إرهابي).

وجاء التراجع في صورة بيان رسمي من وزارة الدفاع الأمريكي، ينفي "وجود أي نية لديها في إنشاء "جيش" كردي في سوريا"، وأكدت أنها تقوم فقط بتدريب المقاتلين الأكراد لمواجهة الفارين من تنظيم "الدولة الإسلامية" ومنع عودتهم للأراضي التي كانوا يسيطرون عليها.

واعترف البنتاغون بمشروعية المخاوف التركية من الوجود العسكري الكردي على الحدود مع سوريا وطمأن أنقرة بالتزام واشنطن بالشراكة الاستراتيجية معها.

وقال البنتاغون في البيان إن "الولايات المتحدة تواصل تدريب قوات أمن محلية في سوريا" لكن "الأمر لا يتعلق بجيش جديد أو بقوة حرس حدود"، وزعم أن "هذه القوات الأمنية تركز على مسائل الأمن الداخلي من أجل منع مقاتلي الدولة الإسلامية من مغادرة سوريا ومن أجل تحسين الأمن في المناطق المحررة".

بيد أن انقرة لم تعر البيان الامريكي ولا التحفظ الروسي اهتماما وبدأت حملتها العسكرية المدعومة ايضا من قوات المعارضة السورية التي تحارب جيش بشار الاسد، فيما يعتقد أنه تحرك تركي ذي هدفين: (الاول): ابعاد أي قوات كردية عن الحدود، و(الثاني) توفير منطقة أمنة للمعارضة السورية وممر لتوصيل السلاح لقوات المقاومة السورية بعدما بدأت أمريكا وروسيا تقبلان ضمنا ببقاء بشار الاسد بعد الدعم الروسي والايراني الكبير له واستعادته اراضي من المعارضة.

فشل مؤتمر الحوار السوري

وبات مؤتمر "الحوار السوري" المزمع عقده في مدينة سوتشي الروسية أواخر يناير، يوجه احتمال التأجيل، مع عودة التصعيد إلى الميدان السوري، واشتراط تركيا "وقف انتهاك دمشق لنظام وقف إطلاق النار في محافظة إدلب"، قبل انعقاد المؤتمر.

وكانت قوات الاسد مدعومة من روسيا قد شنت حملة جديدة ادت لمقتل مدنيين وابرياء في أدلب وردت المعارضة السورية المدعومة من تركيا بعملية عسكرية ناجحة انتهت تكبيد ميليشيا الأسد خسائر موثقة في معارك إدلب وحماة بلغت ٩٧٥ قتيلاً، منهم ٣٩ ضابطاً، ١١ برتبة عقيد، ٢ برتبة رائد، ٦ برتبة نقيب، ٢٠ ملازم وملازم أول، إضافة لـ ٧٨٥ جريحا و٦٢ أسيراً.

وحصلت روسيا التي ظهرت باعتبارها الطرف المهيمن في سوريا بعد تدخل عسكري كبير قبل نحو عامين على دعم من تركيا وإيران لعقد مؤتمر للحوار الوطني السوري في مدينة سوتشي الروسية يومي 29 و30 يناير الجاري.

ورفضت المعارضة السورية، المؤتمر الذي تنوي روسيا استضافته في سوتشي بشأن سوريا قائلة إن موسكو تسعى للالتفاف على عملية السلام التي تجرى في جنيف برعاية الأمم المتحدة واتهمت روسيا بارتكاب جرائم حرب في سوريا.

وجاء في بيان لنحو 40 جماعة بينها بعض الفصائل العسكرية التي شاركت في جولات سابقة من محادثات السلام في جنيف إن موسكو لا تمارس ضغوطا على الحكومة السورية للتوصل إلى تسوية سياسية.

وقال البيان إن روسيا لم تسهم ولو بخطوة واحدة في تخفيف معاناة السوريين ولم تضغط على النظام وهي تزعم أنها ضامنة بالتحرك في أي مسار حقيقي نحو إيجاد حل.

ووصف البيان روسيا بأنها دولة معادية ارتكبت جرائم حرب ضد السوريين وساندت النظام عسكريا ودافعت عن سياساته وظلت على مدى سبع سنوات تحول دون إدانة الأمم المتحدة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد.

وضمن التحرك التركي السابق الساعي لتفكيك جبهة بشار الاسد ودعم المعارضة السورية وتلافي التدخل العسكري في سوريا، دعت أنقرة القيادي الكردي "صالح مسلم" في أكتوبر عام 2014، وعرضت عليه تقديم الدعم له ضد تنظيم "داعش" لكن بشروط ثلاثة، الأول: أن يتخلى عن فكرة إقامة كيان كردي منفصل، والثاني: أن يفك ارتباطه بالنظام السوري، أما الثالث فأن يعمل من خلال الجيش السوري الحر.

وبعد أن أجرى مباحثاته مع أعلى المستويات في أنقرة، لم يوافق صالح مسلم على الاقتراح التركي، وفضّل إبقاء علاقاته مع نظام الأسد، والعمل تحت قيادة الأمريكيين ليؤكد المخاوف التركية من أطماعه الانفصالية، وبدل أن يقف مع الشعب السوري في ثورته ويبتعد عن نظام بشار الأسد، ذهب لجهة عقد صفقات تعاون عسكري وتبادل المواقع في مناطق شمال وشرق سوريا.

حيث قام النظام السوري بتسليم حقل رميلان النفطي بمحافظة الحسكة (شمال شرق)، وهو من أكبر الحقول في سوريا لمليشيات صالح مسلم دون قتال أو أي اشتباكات بين الطرفين.

الاهداف الامريكية في سوريا

ولا يزال الغموض سيد الموقف بالنسبة إلى التحركات الأمريكية في سوريا، بعد طرح مشروع تشكيل "قوة أمنية حدودية" الذي يشكل عودة قوية لواشنطن الي سوريا، عبر محاولة لتأسيس "كيان سيكون نموذجا جديدا في سوريا".

ويبدو أن الاهداف الامريكية من وراء تشكيل هذه القوة الكردية تدور حول:

1-   السعي لإنهاء حالة تفرد الروس بالحل في سوريا، بالإضافة إلى إعادة هيكلة "قوات سوريا الديمقراطية"، بحيث تتحول إلى قوة عسكرية موسعة تضم إلى جانب عناصر "ي ب ك" مكونات أخرى بقيادة أمريكية، داخل إحدى القواعد العسكرية الأمريكية في سوريا.

2-   محاولة تخفيف الضغط على حليفتها اسرائيل بعدما ادي الدعم الروسي والايراني لانتصارات لقوات الاسد ومن ثم مزيد من التوغل والرسوخ الايراني في سوريا بما يوفر لطهران مركز قوة متقدم ضد الدولة الصهيونية وامكانية إطلاق الصواريخ الايرانية من سوريا على اسرائيل حال قيام تل ابيب بتهديد طهران باي عمل عسكري.

3-   السعي لتقديم "مقابل خدمة" للأكراد الذين دعموا الغزو الامريكي للعراق ويفتحون بلادهم لقواعد عسكرية أمريكية ويوفرون النفط لواشنطن.

4-   ضمان وجود أمريكي في المنطقة يواجه النفوذ العسكري الروسي المتزايد بعدما حصل الروس علي عدة قواعد في سوريا أبرزها قاعدة حميميم الجوية وميناء طرطوس البحري.

 

 

مستقبل الصراع في سوريا

سيظل مستقبل الصراع في سوريا مرتبط بالتالي بمصالح وأهداف كل الأطراف الاقليمية والدولية المتداخلة في الصراع وهي للمفارقة أطراف غير عربية، وهي روسيا وإيران وتركيا وامريكا.

لهذا يمكن رسم سيناريوهات مختلفة لمستقبل الصراع وفقا لخطط وتحركات الاطراف المختلفة وأخرها التحرك العسكري التركي علي النحو التالي:

1-   أن يبقي الوضع على ما هو عليه من حيث تقسيم مناطق النفوذ بين شمال سوري تسيطر عليه تركيا وجنوب هادئ تسيطر عليه قوات الاسد، وشرق تفرض أمريكا وإيران سيطرتها عليه عبر العراق، وغرب تحاول اسرائيل أن تبقيه بعيدا عن الصراع وعن ايدي الايرانيين، وسيطرة روسية علي اغلب الوسط.

2-   أن تنجح انقره عبر عمليتها العسكرية الأخيرة في فرض منطقة نفوذ عسكرية لها وأجواء جوية تحمي بواسطتها المعارضة السورية في ادلب وغيرها بما يجبر روسيا على تخفيف شروطها والقبول بمشاركة المعارضة السورية في السلطة والعودة لمناقشة أفكار قديمة جري بشأن تنحي بشار الاسد.

3-   أن تنجح امريكا ومعها اسرائيل في توسيع واعادة نفوذها في سوريا عبر دعم قوي كردية وسورية معارضة تناوش بها الروس والاتراك معا.

4-   ان يعقد مؤتمر سوتشي للحوار السوري في روسيا وينجح في توفير فرص سلمية للصراع ويوفر الحد الادني من السلام الذي ينهي جانبا كبيرا من الحرب في سوريا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

اختتام ملتقى الحوار السياسي الليبي في تونس وسط مجموعة من التوافقات والاختلافات

أعلنت رئيسة البعثة الأممية إلى ليبيا بالإنابة ستيفاني وليامز، في 15 نوفمبر 2020، انتهاء مل…