‫الرئيسية‬ العالم العربي العملية التركية العسكرية في عفرين وحسابات العلاقة المعقدة مع روسيا وأمريكيا
العالم العربي - فبراير 5, 2018

العملية التركية العسكرية في عفرين وحسابات العلاقة المعقدة مع روسيا وأمريكيا

 العملية التركية العسكرية في عفرين وحسابات العلاقة المعقدة مع روسيا وأمريكيا

عادت تركيا مجددا إلى مشهد التدخل العسكري العلني على سوريا، ولكن هذه المرة تحت مسمي "عملية غصن الزيتون"، بهدف تطهير منطقة عفرين شمال غربي سوريا من وحدات حماية الشعب الكردية، الامتداد العسكري السوري لحزب العمال الكردستاني التركي. كما أعلن رئيس الوزراء التركي عن بدء التحرك البري من العملية التي يفترض أن تتكون من أربع مراحل وتهدف إلى “تنظيف” منطقة عفرين من وحدات الحماية وإنشاء منطقة آمنة بعمق 30 كلم.[1]

لم تتحدد المرحلة الزمنية لهذه العملية العسكرية، لاسيما مع تلويح أردوغان أنه يستهدف تحرير كافة المناطق الخاضعة للأكراد، حتى تلك الخاضعة لنفوذ أمريكي عسكري مباشر، وهي منبج وشرق الفرات، وهو ما ردت عليه واشنطن بطرحها «قوة أمن الحدود» في مناطق «قوات سوريا الديموقراطية».[2] رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت أن منطقة غرب الفرات – أي عفرين – لا تقع ضمن نطاق عملياتهم ونفوذهم، بهدف عدم تصعيد التوتر أكثر ضد أنقرة.[3]

لا يمكن أن تهمل أنقرة التوافق السياسي حول التدخل العسكري في دولة مأزومة مثل سوريا، دون أن يكون هناك تفاهمات ما، يمكن أن تندرج تحت عنوان صفقة، في حالة صحت وجود تلك التفاهمات بداية، وماذا ستقدم أنقرة في مقابل ما ستأخذه من عفرين ثانيا، لاسيما أن العملية العسكرية تواجه رفضا شديدا من واشنطن وطهران ودمشق فضلا عن باريس، وهى أطراف المعادلة التي لا يمكن التحرك مفردً دون النظر إلى مصالحهم في سوريا، ولذا تتوجه الأنظار نحو موسكو التي لم تبدي رفضًا قاطعا للعملية، فضلا عن علاقاتها الطيبة مع أنقرة، ودخولهم في مرحلة تقترب من التحالف الإستراتيجي.

قالت أنقرة إنها أبلغت النظام السوري بالعملية كتابياً وبشكل غير مباشر عن طريق الروس (النظام نفى ذلك)، وذكر قائد القيادة المركزية الأمريكية جوزيف فوتيل إنها أبلغتهم بالعملية قبل إطلاقها، وزار رئيسا أركان الجيش وجهاز الاستخبارات التركيين موسكو قبل العملية بساعات. أكثر من ذلك، فقد استدعت الخارجية التركية ممثلي دول جوار سوريا والاتحاد الأوروبي والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن لإطلاعهم على العملية وشرح موقف تركيا.[4]

أولاً: تفاهمات تركية روسية: هل يمكنها الصمود؟

في هذا الجزء من التقرير نبحث طبيعة التفاهمات الروسية –التركية حول ملف الأكراد ولاسيما منطقة عفرين، وبحث الأبعاد المختلفة وراء التحرك التركي والقبول الروسي، مرورا بالإجراءات التي إتخذتها أنقرة في طريق تعبيد الطريق لغصن الزيتون، وأثر ذلك على نتائج مؤتمر سوتشي المقبل، ومآلات الأزمة السورية على ضوء تلك التفاهمات.

صمت روسي على عملية عفرين:

تقع منطقة عفرين ضمن النفوذ الميداني لموسكو، لذا يصعب تفهم الموقف الروسي بعيدا عن وجود رضى كامل عنها، لاسيما أنها قامت بسحب قواتها قبل بدأ العملية، فضلا عن قيام وزير خارجيتها بتحميل واشنطن مسئولية التصعيد بدلا أنقرة.

وجاء حيثيات الإنسحاب الروسي في بيان أعلنته وزارة الدفاع جاء فيه أن الانسحاب لضمان سلامة عناصر تلك القوات، خلال العمليات التي تنفذها تركيا في عفرين ومحيطها. وجاء الانسحاب بعد رفض «الوحدات» الكردية لمقترح روسي بعودة سلطة الدولة السورية إلى المناطق التي تسيطر عليها «الوحدات» غرب الفرات، عفرين ومنبج، كخطوة لتجنّب أي عمل عسكري تركي، إلا أن الرفض الكردي الذي صاحبها إطمئنان بالحماية الأمريكية قد دفع روسيا لاعطاء الضوء الأخضر للحملة العسكرية التركية.

 فقد "قامت «الوحدات» الكردية ومناصريها بحملة شرسة في عفرين ضد الدور الروسي، إذ رأت عدة شخصيات قيادية وعسكرية أن تصرف موسكو يوازي الاعتداء التركي نفسه. وأشار القيادي في «حركة المجتمع الديمقراطي»، ألدار خليل، إلى أن «الوحدات رفضت طلباً روسياً بتسليم عفرين للنظام السوري»، محمّلاً «الجانب الروسي مسؤولية الهجوم على عفرين".[5]

وحتى يفهم الموقف الروسي بالتحديد، لابد أن نشير الي الدور الأمريكي الداعم للأكراد وحيثيات النفوذ الكردي-الأمريكي. وهو ما سنتحدث عنه لاحقا تواً.

الدولة الكردية والنفوذ الأمريكي: مدخل لفهم الموقف الروسي:

كان من الممكن تجنيب عفرين مصائر الميادين السورية الأخرى. كان الأمر يتوقف إلى حد كبير على «وحدات حماية الشعب» الكردية التي فوّتت على نفسها، وعلى مئات الآلاف من السوريين في أكثر من ٣٠٠ قرية في ريف المدينة، فرصة النجاة من العملية التركية الواسعة التي تبدو قدراً لا بد منه، على ضوء تمسك الأكراد بخيار الذهاب نحو كيان بدأت ملامحه تتبلور تدريجياً، في الأشهر الستة الأخيرة، وبناء مؤسسات الأمر الواقع.[6]

تحاول واشنطن تحت مظلة التحالف الدولي رسم مساحات نفوذها في شمال وشرق سوريا بالإعتماد على قوات سوريا الديمقراطية، لاسيما بعد أن أعلن قائد المنطقة الوسطي المركزية الأمريكية في شهر ديسمبر 2017، إعتزام التحالف الدولي تدريب قوات أمن حدود في المناطق الخاضعة لنفوذ التحالف، والفكرة هنا هي سعي الولايات المتحدة لتقنين أوضاعها في مرحلة ما بعد داعش، وهو الأمر الذي ترفضه موسكو وانقرة ودمشق وطهران. ولذا فقد أصبحت حدود الدولة الكردية واضحة وجلية على أرض الواقع. وحتى تؤكد واشنطن على وصول رسالتها جيدا لموسكو، استيقظ الروس بعد أيام من إعلان بوتين انتصاره العسكري في سوريا، على قصف بقذائف الهاون، استهدف قاعدته الجوية في حميميم. قالت صحيفة «كوميرسانت» إنه دمر 4 قاذفات طراز سوخوي-24 ومقاتلتين من طراز سوخوي-35 إس، وطائرة نقل من طراز إن-72، ومستودع ذخيرة، بجانب إصابة ومقتل عشرات العسكريين الروس. من جانبها، نفت وزارة الدفاع الروسية حصيلة الضحايا، وأكدت صحة الهجوم، زاعمةً مقتل اثنين فقط، دون ذكر أية خسائر أخرى، زاعمة أن مقاتلين تابعين لتنظيم القاعدة هم من نفذوا الهجوم.

ولم تكد روسيا تفيق من هذا الهجوم المفاجئ لتحتفل بأول يوم في العام الجديد على وقع قنابل ألقتها طائرات بدون طيار «درون» مجهولة على القاعدة نفسها. أسفر الهجوم عن إصابة طائرات روسية بقنابل صغيرة، وبينما تبحث عمن يقف وراء الهجوم فوجئت يوم السادس من يناير/كانون الثاني الجاري بهجوم منظم شنته 13 طائرة بدون طيار تحمل قنابل على قاعدتي طرطوس وحميميم في التوقيت عينه. قالت روسيا إنها نجحت هذه المرة في إسقاطها، بدون أي خسائر مادية أو بشرية.

ثلاث عمليات متزامنة ومنظمة ضد أكثر الأماكن الروسية تحصينًا، لا تقف وراءه جماعة مسلحة، وهو ما أعلنه «بوتين» ليقول إن روسيا تعرف «المحرض» على الهجوم، وينفي التهمة عن شركائه، ويؤكد أن الهجوم استهدف ضرب العلاقات بين بلاده وتركيا، وسط اتهامات من وزارة الدفاع الروسية لواشنطن بالضلوع في الهجمات المنظمة، حيث أكدت قيام طائرة تجسس أمريكية من طراز «بوسيدون» بالتحليق فوق البحر المتوسط وعمل دوريات بين طرطوس وحميميم، بالتزامن مع الهجوم.

تدرك واشنطن أن موسكو ستعرف من يقف وراء الهجوم، وهي تريدها أن تعرف، لتقول لروسيا إنه لا تثبيت للأقدام دون التوصل لاتفاق، وهو ما تحاول روسيا عمله بالشراكة مع تركيا وإيران إلى جانب النظام السوري.

والحقيقة أنه من الصعب الحديث عن صفقة فعلية تمت بين موسكو وأنقرة، وتوخيا للدقة، يمكننا القول بأن الواقع الذي فرضه التحالف الدولي بقيادة واشنطن هو ما أجبر موسكو على إطلاق يد أنقرة في عفرين. لذا يبدو أن هناك توافق روسي تركي ايراني شبه متكامل يلوح في الأفق يستهدف ترسيخ أركان مصالح تلك الدول الثلاثة حول التعامل مع ملف الأزمة القائمة لاسيما أنها وصلت لنقطة صفرية مع مصالح واشنطن.

لا يستبعد أن تحاول موسكو اقناع انقرة بالسير بعيدا نحو استهداف منبج، لتقليل النفوذ الفعلي لامريكا في شرق سوريا، ففي زيارته الطارئة إلى بغداد حمل "جاويش أوغلو إلى العبادي «عرضاً» يرتكز على دخول العراق في «تحالف في صدد التشكيل يجمع أنقرة وطهران ودمشق لمواجهة التحديات الراهنة». ورأى مصدر قيادي في العدالة والتنمية أن «ثمة مؤشرات على تشكل تحالف مضاد للتحالف القائم بين واشنطن والرياض وأبو ظبي، إلى جانب قوى أخرى في المنطقة، لمواجهة التمرد الكردي»[7]. وهو ما سيضع أنقرة في تحديات كبيرة مباشرة مع القطب الاكبر في العالم.

من ناحية اخرى، قد تحاول موسكو اقناع حليفها الايراني والسوري بتحقيق نتائج ايجابية في مؤتمر سوتشي المقبل، بهدف تقويض النفوذ الأمريكي، ومحاولة الطرف الروسي كسب قوات المعارضة لصفها، من أجل التكتل جميعا ضد المشروع الكردي-الأمريكي في المنطقة، وحينها من الممكن ألا نرى بشار الأسد في المستقبل، والدخول في عملية تسوية سياسية شاملة تستهدف إستئصال الوجود الأمريكي من ناحية المصالح الروسية والإيرانية، وتستهدف تطهير الشمال السوري من الخطر الكردي من جهة الأمن القومي التركي، وحينها قد أمريكا نفسها وحيدة.

ثانياً: ملامح توافق تركي أمريكي في سوريا: هل هو قادر علي الاستمرار

تميزت العلاقات التركية الأمريكية بالتقلب والتبدل المستمر صعودا وهبوطا، لكن جميع الصعوبات والعقبات والمشاكل لم تخرج تلك العلاقات عن دائرة التحالف الاستراتيجي، حيث لم تصل الخلافات بين البلدين إلى درجة القطيعة منذ تأسيس الجمهورية التركية إلى يومنا هذا.

وهذا نتيجة إدراك كل طرف لأهمية الطرف الأخر في حماية مصالحه، لاسيما مع تزايد تيار التصعيد مع روسيا داخل الإدارة الأمريكية، وحينها يتجلي أهمية إستمرار التحالف التركي-الأمريكي.

حقيقة الخلاف بالأساس تعود إلى رغبة أمريكية بالقضاء على تنظيم داعش من خلال أحد حلفائها، ومن هنا كان الضغط على الأتراك، وحينما رفض الأتراك الإنغماس في الوحل السوري، قررت أمريكا الاعتماد على الوحدات الكردية من القضاء على داعش وضمان موطئ قدم لها في سوريا من ناحيتها الشمالية والشرقية، ومن هنا كان دعمها لوجود كيان كردي يمثل نقطة إنطلاق عملياتها ضد النفوذ الإيراني والروسي، ولذلك إستنكرت الإدارة الأمريكية من دخول الجيش التركي في حرب ضد الأكراد بينما لم يفعل الأمر مثله عندما كان الدواعش موجودون؛ على ضوء ما سبق يمكن قراءة تقدير الموقف الحالي للتوافق الأمريكي – التركي الحادث مؤخرا حول أزمة الكيان الكردي.

عملية غصن الزيتون تتويج لشهور من الخلاف:

في البداية، تأزمت العلاقات الأمريكية-التركية أكثر، بعد شعور أنقرة بغدر حليفها في المحاولة الإنقلابية الفاشلة، ودخول محاكمات في نيويورك تطاول مقربين في مجال الأعمال من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والتهديدات القنصلية، فضلا عن سياسة المحاور بين إيران وروسيا من جهة، وأمريكا وحركة كولن والأكراد من جهة مضادة.

خرجت إعلانات أميركية عن بقاء قواتها في سورية وعن عزمها على نشر ثلاثين ألف مقاتل معظمهم من الوحدات الكردية على طول شريط حدودي مع تركيا لإنشاء منطقة آمنة. وردت تركيا بأنها هي الأخرى تريد إنشاء منطقة آمنة وتريد أيضاً إرجاع ثلاثة ملايين ونصف من اللاجئين السوريين إلى مساكنهم.

أخيرا أعلنت الإدارة التركية بدأ عملية غصن الزيتون من أجل تطهير حدودها الجنوبية من الإرهاب الكردي، لحماية أمنها التركي، بل طالب أردوغان من الأمريكان سحب قواتهم من منبج لأن عملية غصن الزيتون تستهدف تحرير 100 كم داخل عمق شرق عفرين، لتوفير منطقة أمنة على حدوده حتى منبج.

كان جليًا أن الرغبة التركية التي حذرت منذ شهور منها حاسمة هذه المرة في عدم التراجع حتى التخلص من خطر الكيان الكردي الذي أضحى واقعا بعد شروع قوات سوريا الديمقراطية في تشييد مؤسساته، إلا أن النقلة النوعية التي مثلها إعلان تشكيل قوات حدود كردية وعربية لتأمين الدولة الكردية مثل نهاية لتحمّل قدرة أنقرة على التريث والصبر.

تداخلت التحليلات التي حاولت تفسير الموقف الأمريكي الأخير، بما دفع بعضهم للتطرف في التفسير بما جاء به من تأويل القرار الأمريكي بأنه بهدف إستدراج أنقرة إلى معمعة اشتباك مباشر مع الوحدات الكردية التي تعتبرها الحكومة التركية امتداداً «إرهابياً» لحزب العمال الكردستاني. يندرج الاستفزاز المذكور في سياق التموضع المستجد للإدارة الأميركية ومحاولتها خلط الأوراق في سورية لإرباك اللعبة الروسية وتحجيم النفوذ الإيراني.[8] من خلال إسقاط أهم ورقة في تحالف الضمان الثلاثي.

المشكلة الفعلية التي تواجه الإدارة الأمريكية حاليا هي تهدد نفوذها في سوريا، لاسيما وضعية القوة الكردية الصاعدة وكيفية ترجمتها إلى دور سياسي في الخريطة السورية المنهكة والمتشظّية.

تسعى واشنطن لحماية نفوذها في سوريا من خلال ورقة الأكراد التي تمثل فرصتها الذهبية في التواجد الميداني لعدم إستفراد موسكو وطهران بالنفوذ، ولذا لا يعتقد هذا التقرير أن دعم الأمريكان للأكراد يستهدف النيل من الأمن القومي التركي، أو نكاية بها.

التوافق بين أنقرة وواشنطن ضرورة وليس خيارًا:

في حقيقة الأمر، تواجه أمريكا اليوم تحديات كبيرة في نفوذها السوري خاصة والإقليم عامة، فهناك إصرار تركي على السير قدما في إستئصال الوجود الكردي من حدودها الشمالية، وعليه قد يكون ذلك مقدمة لخسارتها النهائية للتحالف الإستراتيجي مع القوة الأقليمية الأكبر في الشرق الأوسط، فضلا عن فقدانها لنفوذها في سوريا، ولذا كان لزاما على أمريكا مسك العصا من المنتصف إذا أرادت الا تخسر كل شىء، وحينها قد تضطر لتدخل عسكري مباشر ضد الأتراك، وهو أمر يستبعد حدوثه.

التصريحات العلنية «المتفهمة لقلق تركيا الأمني» التي شدد عليها وزيرا الدفاع والخارجية الأميركية جايمس ماتيس وريكس تيلرسون حاولت التمهيد لنهدئة التوتر في العلاقات بين البلدين، لمحاولة إستيعاب الأزمات التي يمكن أن تنتج من غصن الزيتون.

وجاءت محاولة ماتيس بالتأكيد أن أنقرة أبلغت واشنطن على العملية، لاحتواء الخلاف وفتح قنوات الاتصال بدل مفاقمة الأزمة.[9]

تأتي ضرورة وحاجة واشنطن للتوافق مع أنقرة، لمنع إمكانية انتقال القوات الكردية التي تحارب «داعش» من تلك المناطق في شرق سورية إلى الشمال للتصدي لتركيا، بالتالي إمكانية عودة «داعش» وخلاياه المنسحبة للسيطرة على هذه المناطق.

هذا السيناريو هو خط أحمر لواشنطن، وهناك ضغوط أميركية جارية على تركيا لعدم التوغل عميقاً في الشمال السوري أو حتى التفكير في دخول منبج، حيث هناك قوات أميركية قد تدخل المعركة إلى جانب الأكراد في حال الشعور بتهديد عسكري.

وهنا يسعى الجانب الأميركي إلى حل وسط يتعاطى مع مخاوف تركيا الأمنية وحيال حزب العمال الكردستاني الذي وصفه ترامب «بالإرهابي»[10] وفِي الوقت ذاته يراعي أولويات واشنطن في سورية على رأسها هزيمة «داعش». ومن المقترحات منطقة آمنة مصغرة أو شريط حدودي لتركيا في الشمال، يضمن أمنها ويتفادى توغلاً عميقاً في عفرين أو غيرها. شكل هذه المنطقة وجغرافيتها ما زال قيد الدرس إنما تحقيقها بات ضرورة أمنية لتركيا واستراتيجية لواشنطن لحماية مصالحها.[11]

حملت لغة وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو أصرار تركي على الإستمرار فقد أعلن أنه طالب الولايات المتحدة بالانسحاب من منطقة منبج في شمال سورية فوراً. فيما قالت الرئاسة التركية إن واشنطن أبلغت أنقرة بأنها لن تزود "وحدات حماية الشعب" الكردية أي أسلحة أخرى.

وقالت الرئاسة التركية إن كالين ومكماستر اتفقا في إتصال هاتفي، على أن تحافظ تركيا والولايات المتحدة على تنسيق وثيق "لتفادي سوء الفهم".[12]

من جانبها، حذرت «قوات سورية الديموقراطية» تركيا أنها ستواجه «ردا مناسبا» في حال نفذت تهديدها بتوسيع هجومها ضد فصائل كردية مسلحة في شمال سورية حتى حدود العراق.

وأضاف خليل أنه «يثق في أن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد (داعش) الذي دعم قواته في معركتها ضد المتشددين يحاول ممارسة ضغوط على تركيا للحد من هجومها».[13]

واشنطن تقدم مقترح لتهدئة مخاوف أنقرة:

كشف وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن نظيره الأمريكي ريكس تيلرسون طرح اقتراحا بإقامة خط أمني بعمق 30 كم في سوريا، بما يلبي المخاوف الأمنية لأنقرة.[14]

ووفقًا لقناة "NTV" التركية قال تيلرسون: "نتوقع أن يكون التوغل بمسافة 30 كم، ولكنها مسألة تخص أمنكم وافعلوا ما يلزم لإنشاء خط آمن للحماية من الهجمات الإرهابية".[15]

من ناحيتها، حذرت وزارة الدفاع الأميركية في وقت سابق الفصائل الكردية في شمال سوريا من استخدام الدعم العسكري الذي تقدمه لها لأهداف غير محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، وذلك في تنبيه ضمني لتلك الفصائل بعدم توجيه ذلك الدعم ضد القوات التركية.[16]

تطورات العملية العسكرية:

تواصل المدفعية والسلاح الجوي التركيين في عملية "غصن الزيتون"، قصف أهداف عسكرية لتنظيم "ب ي د" الإرهابي في منطقة عفرين شمال غربي سوريا. فقد سيطر الجيش السوري الحر، بدعم من الجيش التركي على جبل برصايا الاستراتيجي شرق عفرين، بعد معارك عنيفة مع التنظيم الإرهابي[17]

وقال الوزير أحمد دميرغان للصحافيين بعد زيارة الجنود المصابين في المستشفيات، إن ثلاثة جنود أتراك و11 مقاتلاً من الجيش السوري الحر الذي تدعمه تركيا قتلوا حتى الآن في الاشتباكات الدائرة في شمال سورية.

وأضاف أن 130 شخصاً نقلوا إلى مستشفيات تركيا، مشيراً إلى أن 82 منهم خرجوا بالفعل بعد تلقي العلاج.  وأوضح أنه لا يوجد أي مصاب في حال حرجة، لافتاً إلى أنه جرى إرسال المزيد من المسعفين إلى المنطقة.

كما أعلن الجيش التركي تحييد 597 إرهابيا في إطار عمليات "غصن الزيتون" المتواصلة لتطهير منطقة عفرين السورية من العناصر الإرهابية.

وأفادت رئاسة الأركان في بيان، أن المقاتلات التركية دمرت خلال غاراتها الليلة الماضية، 44 هدفا عسكريا شملت أوكار ومخابئ ومستودعات ذخيرة ومرابض أسلحة، لتنظيمات "ب ي د/ي ب ك" و"بي كا كا" و "داعش" الإرهابية في إطار عملية "غصن الزيتون.

ولفت البيان إلى تحييد 40 إرهابيا الليلة الماضية وفق المعلومات الواردة من المنطقة، ليرتفع بذلك اجمالي الإرهابيين الذين تم تحييدهم منذ انطلاق العملية بالتعاون مع الجيش السوري الحر إلى 597 إرهابيا.[18]

خاتمة:

كما أشرنا في التقرير تمثل العلاقات الإستراتيجية بين واشنطن وأنقرة حالة فريدة في حاجة كلً منهما للأخر، وعليه من المستبعد أن يدوم التوتر بينهما، أو أن يخرج بعيدا عن مساحة المقبول، هذا فضلا عن أن هناك خلافات كبيرة بين رؤية موسكو وأنقرة لاسيما في الملف السوري، ولذلك من الصعب أن تذهب أنقرة بعيدا في علاقتها مع موسكو، هذا فضلا عن أن أكثر من 65% من نسبة الإستثمار الخارجي من نصيب الغرب حيث الولايات المتحدة ودول الإتحاد الإوروبي.

ستحاول أمريكا طمأنة أنقرة من خلال منطقة أمنة مصغرة على حدودها تضمن لها إزالة خطر التواصل بين أكراد سوريا وأكراد تركيا.

إلا أن مستقبل هذا التوافق لا يمكن أن يكون إستراتيجي أو طويل الأمد نظرا لحجم التعقد السائد في المشهد السوري، لذا من الصعب وصف ما حدث بأنه صفقة بقدر كونه أقرب لتفاهم مرحلي حول طرق التعامل مع الواقع الحالي، وليس تطوير لرؤية شمولية لحل الحرب الأهلية القائمة منذ سبع سنوات.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الاستفتاء على الدستور الجديد..اختيار صعب يضع الجزائر أمام مخاطر العسكرة أو الثورة المضادة!!

  على حد السيف ، تقف الجزائر ، بين آمال استكمال مسار التغيير ، الذي بدأه الثوار في فب…