‫الرئيسية‬ العالم العربي كيفية تعامل باكستان مع الاستراتيجية الأمريكية
العالم العربي - فبراير 13, 2018

كيفية تعامل باكستان مع الاستراتيجية الأمريكية

 كيفية تعامل باكستان مع الاستراتيجية الأمريكية

مقدمة

تعود العلاقات الباكستانية الأميركية إلى الأربعينيات عندما اختارت باكستان عند تأسيسها التحالف مع الولايات المتحدة، وتنامت هذه العلاقات على أساس تبادل المصالح بين البلدين، لكنها ظلت محكومة بالمتغيرات الدولية والإقليمية، خاصة في أفغانستان، إذ تتقوى تارة وتتوتر تارة أخرى. وفى أثناء الحرب الباردة أعطت باكستان الولايات المتحدة قاعدةً عسكريةً قرب بيشاور، كما منحتها مركزاً للبث الإذاعي ضد السوفيت؛ وكان هناك تحالف كبير بينهما من أجل دعم المجاهدين الأفغان ضد السوفيت الذين انطلقوا من باكستان برعاية من المخابرات الأمريكية والباكستانية. وبعد أحداث سبتمبر 2001 تعاونت باكستان مع أمريكا تعاوناً كبيراً فى حرب أفغانستان، ولم يكن ممكناً لأمريكا الحرب دون باكستان. إلى أن ساءت العلاقات بين البلدين مع مطلع عام 2011 خاصة بعد قيام الولايات المتحدة بغارات بطائرات بدون طيار على الحدود الأفغانية وداخل الأراضي الباكستانية دون التنسيق مع باكستان، حيث ترى أمريكا بأن باكستان تقوم بتمرير المعلومات لحركة طالبان، وهناك أيضاً إتهامات أمريكية لباكستان بتوفير ملاذ آمن لمقاتلي القاعدة وطالبان وشبكة حقانى، وهي التهم التي نفتها السلطات الباكستانية مرارا[1]. وعليه سيتم التركيز فى هذه الدراسة على: أسباب توتر العلاقات بين البلدين؟ واستراتيجية باكستان للتعامل مع هذا التوتر فى علاقاتها مع أمريكا؟

مظاهر التوتر

 أصبحت العلاقات بين واشنطن وإسلام آباد مع مجئ الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أكثر توتراً على خلفية المواقف التي اتخذها ترمب إزاء باكستان "الحليف الآسيوي خارج الناتو"، حيث اتهم ترامب أثناء طرحه إستراتيجيته الجديدة الخاصة بأفغانستان في أغسطس 2017 باكستان بإيواء الإرهابيين، وفي نفس الشهر قال وزير خارجيته ريكس تيلرسون إن باكستان قد تفقد وضعها كحليف رئيسي للولايات المتحدة، إذا لم تعمل على تغيير سياستها إزاء حركة طالبان أفغانستان.

وفي نوفمبر 2017 حذرت واشنطن من تأثر العلاقات مع باكستان بسبب إفراجها عن القيادي الإسلامي حافظ سعيد المشتبه فيه بتدبير هجمات مومباي في الهند عام 2008، والذي اعتبرته وزارة الخزانة الأميركية “إرهابيا دوليا”.

وفي 1 يناير 2018 انتقد الرئيس الأميركي الدعم الذي قدمته بلاده لباكستان على مدى 15 عاما مضت، وكتب تغريدة في حسابه على موقع تويتر "الولايات المتحدة منحت باكستان أكثر من 33 مليار دولار على شكل مساعدات على مدار الـ 15 عاما الماضية، وفي المقابل لم تقدم باكستان سوى الأكاذيب والخدع معتقدة أن القادة الأميركيين أغبياء".

كما قرر ترمب -وفق ما أعلنت السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة نكي هيلي – تعليق مساعدات بقيمة 255 مليون دولار لباكستان لما وصفته بإخفاق إسلام آباد في محاربة الإرهاب، كما قامت أمريكا أيضاً بتعليق المساعدات الأمنية للجيش الباكستاني والتى تصل إلى أكثر من 900 مليون دولار سنويا، وقالت هيذر نويرت، المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية إن إدارة ترامب ستستمر في تعليق المساعدات، إلى أن يقوم جيش إسلام أباد، بـتحرك حازم ضد حركة طالبان وشبكة حقاني الأفغانيتين اللتين تستهدفان جنودا أمريكيين[2].

من جهتها، قامت باكستان باستدعاء السفير الأميركي في إسلام آباد ديفد هيل وسلمته رسالة احتجاج شديدة اللهجة على تصريحات ترامب. كما اعتبر مجلس الأمن الباكستاني في بيان في 2 يناير 2018 أن الموقف الأميركي يشكل تهديدا للثقة بين الجانبين، في حين استخدم وزير الخارجية خواجه آصف منصة تويتر نفسها للرد على ادعاء ترمب، قائلا إن بلاده مستعدة لأن تمول مؤسسة أميركية موثوقة لتدقيق الحسابات المالية لتحقق في رقم 33 مليار دولار "ليظهر من هو الذي يكذب".[3] كما أعلنت وزارة الداخلية الباكستانية، إغلاق إذاعة "ماشال" المموّلة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، بتهمة نشر أخبار تتعارض مع مصالح إسلام أباد[4].

أسباب التوتر

يمكن القول أن أهم أسباب التوتر بين الولايات المتحدة وباكستان يتمثل فى:

·         الإتهامات التى توجهها أمريكا وأفغانستان إلى باكستان بدعم حركة طالبان وشبكة حقانى وتوفير ملاذات أمنة لهم، وهى الحركات التى تراها واشنطن وكابول المسئول الأول عن عدم الإستقرار فى أفغانستان. وفى المقابل فإن باكستان تنفى دعمها لهذه الحركات، وتتهم أفغانستان بدعم وإيواء متمردين مسئولين عن إعتداءات دامية فى باكستان.

·         إمتلاك باكستان قدرات نووية تخشى الولايات المتحدة من إستخدامها ضد الهند، او وقوعها فى ايدى المتطرفين.

·         مواجهة روسيا والصين، حيث تسعى أمريكا إلى مواجهة النفوذ الصينى المتزايد فى أسيا ومواجهة التقارب المتزايد بين باكستان والصين خصوصاً مع بدء مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، وهو مشروع تبلغ كلفته 54 مليار دولار، تم إطلاقه في عام 2013 لربط غرب الصين بالمحيط الهندي، ولذلك تسعى أمريكا إلى مواجهة ذلك التقارب من خلال زيادة تقاربها مع الهند "العدو التقليدى لباكستان"، وتحاول الهند أن تستغل ذلك من أجل أن تحل محل باكستان في أفغانستان، فرفعت نيودلهي استثماراتها في كابُل إلى 3 مليارات دولار، وتريد أن تتبع استراتيجية لتطويق باكستان مستفيدة من الدعم الأمريكي.. كذلك جاء انقلاب ترامب على باكستان نتيجةً للتعاون المتصاعد مع روسيا، فموسكو تريد تقويض الوجود الأمريكي في جنوب آسيا القريب منها، بالتعاون مع الصين وإيران وباكستان وتركيا. وتريد موسكو توظيف الأداة التي سقط بها اتحادها على يد الأمريكيين، فقد نالها نصيبها أيضًا من الاتهامات الأمريكية بتوجيه الدعم لحركة طالبان عسكريًا وماليًا، ولن يمكن لها تحقيق ذلك بفعالية دون التعاون مع باكستان[5].

إستراتيجية باكستان لمواجهة أمريكا

يمكن القول أن أبرز ملامح الإستراتيجية التى تتبناها باكستان لمواجهة الإستراتيجية الأمريكية تتمثل فى الأتى:

×      توثيق العلاقات مع الدول الكبرى المنافسة لأمريكا وعلى رأسها الصين وروسيا. حيث تتهم أمريكا روسيا بدعم حركة طالبان، وتتهم روسيا أمريكا بدعم تنظيم داعش، وتقول أمريكا إن صلات طالبان مع روسيا قوية، وهناك سلاح يأتيها من موسكو، وتقول روسيا إن استراتيجية ترامب تحدثت عن نهاية طالبان فى أفغانستان ولم تذكر نهائياً اسم داعش، وأن داعش هى وكيل أمريكى جديد فى أفغانستان، يستهدف فى نهاية المطاف روسيا والجمهوريات السوفيتية السابقة[6]، ولذلك فهناك تنسيق استخباراتى بين روسيا وباكستان لدعم حركة طالبان فى أفغانستان. وبالنسبة للصين فقد اعلنت إسلام آباد استخدام اليوان الصيني في المعاملات المرتبطة بالاستيراد والتصدير والأنشطة الاستثمارية، ويأتى ذلك لدعم الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، وهو مشروع تبلغ كلفته 54 مليار دولار، تم إطلاقه في عام 2013 لربط غرب الصين بالمحيط الهندي، حيث سيمر الطريق من منطقة «شين جيانغ» الأيغورية في الصين إلى ميناء غوادر الباكستاني، ما يتيح للصين الولوج بسهولة إلى دول منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، وذلك ضمن مبادرة «الحزام والطريق»، التي تخشاها الولايات المتحدة، وتريد عرقلتها[7].

×      قيام باكستان بالتنسيق مع طالبان لضرب المصالح الأمريكية فى أفغانستان، فقد قامت طالبان باستهداف فندق "إنتركونتيننتال" في كابول، وهو الفندق الذي كان يتواجد فيه بعض الأجانب، ولا سيما الأمريكيين، حيث أسفر الهجوم عن مقتل 22 شخصًا منهم 14 أجنبيًا كان من بينهم 4 أمريكيين[8]. وذكرت الاستخبارات الأفغانية أن "المهاجمين كانوا على تواصل دائم عبر الهاتف مع قيادي في الحركة في باكستان"[9]. وكما أعلنت حركة طالبان أن "وفداً من قيادييها، وهم أعضاء مكتب الدوحة، زاروا باكستان مؤخراً، للنقاش مع القيادة الباكستانية في أبعاد المصالحة الأفغانية وقضايا محط اهتمام الطرفين". وبذلك تكون العلاقة بين البلدين تحولت إلى علاقات رسمية وعلانية.

×      كما تلعب باكستان دوراً كبيراً فى الأزمة المتواجدة بين الحكومة الأفغانية وبين الجمعية الإسلامية بعد أن رفض الأمين العام للجمعية، عطاء محمد نور، وهو حاكم إقليم بلخ، التنحي عن منصبه رغم إقالته من قبل الحكومة. كما أن هناك حراكاً ضد الحكومة في البرلمان بسبب بطاقات الهوية وهو أيضاً الحراك الذي تلعب فيه باكستان دوراً كبيراً[10].

×      الضغط على أمريكا بورقة قيادات حركة طالبان المعتقلين فى السجون الباكستانية، فقد قررت باكستان الإفراج عن زعيم روحي لطالبان باكستان، هو المولوي صوفي محمد، صهر زعيم الحركة المولوي فضل الله، وكان المولوى صفى أباً للحراك الديني في شمال غربي باكستان، والذي نجمت عنه حركة طالبان باكستان[11].

خاتمة

تسير العلاقات بين باكستان والولايات المتحدة في أحد اتجاهين: الاتجاه الأول، يتمثل فى زيادة التوتر بين البلدين، وهو ما قد يدفع باكستان إلى إتخاذ إجراءات إنتقامية بحق واشنطن مثل إغلاق الحدود ومرفأ كراتشي، وهو ما سيشكل خطورة على القوات الأمريكية في أفغانستان عبر منع تزويد القوات الأمريكية بالمواد الغذائية والسلع والمعدات على غرار ما حدث عام 2011 بعد العملية السرية التي اغتيل فيها زعيم تنظيم القاعدة أسامه بن لادن[12].

الإتجاه الثانى، العمل على تهدئة هذه التوترات نظراً لحاجة أمريكا لباكستان، والتى تعتبر المعبر الرئيسى لدعم القوات الامريكىة فى أفغانستان، وكذلك حاجة أمريكا إلى الضغط على حركة طالبان عن طريق باكستان من أجل الجلوس إلى طاولة المفاوضات، إذا ما قررت أمريكا السير فى طريق المصالحة. وربما تقوم السعودية بدور الوسيط بين امريكا وباكستان، حتى لا يدفع التشدد الأمريكى باكستان إلى تدعيم علاقاتها مع إيران. فقد أعلنت البحرية الباكستانية، فى 6/2/2018، بدء مناورات عسكرية مشتركة مع السعودية، بهدف "مكافحة الإرهاب وتبادل الخبرات والقدرات العسكرية" وسوف تستمر هذه المناورات حتى 16 فبراير[13]. حيث قد يمثل التعاون بين السعودية وباكستان مدخل لحل الخلافات بين أمريكا وباكستان.



[1] مركز الروابط للبحوث والدراسات الإستراتيجية، " العلاقات الباكستانية الأميركية.. تحالف يفتقد للثقة"، 3/1/2018، الرابط       http://rawabetcenter.com/archives/59078

[2] عربى21، "إسلام أباد تصعد وتوقف التعاون العسكري والأمني مع واشنطن"، 10/1/2018، الرابط

[3] مركز الروابط للبحوث والدراسات الإستراتيجية، مرجع سابق.

[4] عربى21، "قرار الإغلاق اتخذته وكالة الاستخبارات الباكستانية، باكستان تغلق إذاعة أمريكية بتهمة نشر أخبار تتعارض مع مصالحها"، 20/1/2018، الرابط

[5]  محمد عمر، "لهذا السبب انقلبت أمريكا على باكستان وحرمتها المساعدات"، إضاءات، 7/1/2018، الرابط التالى:     https://www.ida2at.com/that-is-why-america-turned-against-pakistan/ 

[6] أحمد المسلمانى، مرجع سابق.

[7]   محمد عمر، "لهذا السبب انقلبت أمريكا على باكستان وحرمتها المساعدات"، إضاءات، 7/1/2018، الرابط التالى: https://www.ida2at.com/that-is-why-america-turned-against-pakistan/

[8] مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، " لماذا صعّدت "طالبان" هجماتها في أفغانستان؟"، 30/1/2018، الرابط التالى:    https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/3669/تداعيات-التراجع-لماذا-صعّدت-طالبان-هجماتها-في-أفغانستان

[9] صبغة الله صابر، " باكستان وطالبان في مواجهة أميركا وأفغانستان"، العربى الجديد، 26/1/2018، الرابط التالى:    https://www.alaraby.co.uk/politics/2018/1/25/باكستان-وطالبان-في-مواجهة-أميركا-وأفغانستان

[10] صبغة الله صابر، المرجع السابق.

[11] صبغة الله صابر، المرجع السابق.

[12] عربى21، "البنتاغون يدرس بدائله في حال اتخذت باكستان إجراءات انتقامية"، 7/1/2018، الرابط.

[13] عربى21، "للمرة الرابعة.. السعودية تجري مناورات عسكرية مع باكستان"، 6/2/2018، الرابط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مشاورات جنيف والمغرب حول ليبيا..بين فرص السلام وعراقيل حفتر وداعميه

    الأحد الماضي، بدأت الجلسات التمهيدية لطاولة الحوار السياسي الليبي بين ممثلي …