‫الرئيسية‬ عالمي اثيوبيا استقالة ديسالين
اثيوبيا - فبراير 25, 2018

استقالة ديسالين

 استقالة ديسالين

شهدت إثيوبيا خلال العامين الماضيين، العديد من الاحتجاجات كانت الأعنف منذ ما يقرب من ربع قرن، والتي عمَّت مناطق متفرقة من البلاد، خاصةً تلك الواقعة على الحدود بين إقليم الصومال الإثيوبي – أوجادين – وإقليم أرومو، وتسببت في سقوط ما يقرب من ألف قتيل ونزوح عشرات الآلاف، وفي هذا الإطار قدّم رئيس وزراء إثيوبيا هايلي مريم ديسالين، استقالته الخميس 15 فبراير، على خلفية تلك الاضطرابات التي شهدتها بلاده والتي تصاعدت منذ عدة أيام وسقط فيها الكثير من الضحايا، فماذا كان سبب هذه الاستقالة؟ وماهي تداعياتها على الواقع الإثيوبي الداخلي؟ وكيف ستؤثر على موقف المفاوض الإثيوبي في قضية سد النهضة وتأثيره على مصر؟ ستحاول تلك الورقة الإجابة على هذه الأسئلة من خلال النقاط التالية:

أسباب الاحتجاجات واستقالة ديسالين

الاستقالة التي تعد الأولى من نوعها في تاريخ إثيوبيا، وصفها بعض المحللين بأنها محاولة لتسهيل إجراء حزمة من الإصلاحات في محاولة لترميم الشروخات التي أحدثتها موجات الفوضى العنيفة التي هددت سيطرة الائتلاف الحاكم (الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية) على البلاد.

إثيوبيا التي أصبحت دولة فيدرالية تحت حكم الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية التي استطاعت السيطرة على الحكم عام 1991 بعد أن طردت النظام العسكري، وأعطت الحكم الذاتي لعدد من الأقليات الموجودة بها، وخلال السنوات الأخيرة تصاعدت وتيرة الخلافات العرقية والقبلية بداخلها، حيث طالبت بعض العرقيات على رأسها شعب الأورومو الذي يمثل قرابة 40% من عدد السكان بإعادة نظر في توجهات النظام حياله، خاصةً أنه يُعد أحد أفقر الطوائف مقارنةً ببعض القبائل الأخرى كالتيجراي وغيرها؛ وهو ما دفع إقليمي أروميا والأمهرا إلى أن يتصدرا  المشهد الاحتجاجي داخل إثيوبيا، مما أدى إلى تعطيل الحياة العامة وإصابتها بحالة من الشلل التام أُجبر على إثرها رئيس الوزراء الإثيوبي هيلا ميريام ديسالين على تقديم استقالته من الحكومة ورئاسة الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية الحاكمة، وأعلن المتحدث باسم الحكومة الإثيوبية نيقيري لينشو أن رئيس الوزراء "قدم استقالته لرغبته في أن يكون جزءاً من الحلول للتحديات الراهنة التي تواجهها البلاد"، وأن "الائتلاف الحاكم سينتخب رئيساً جديداً له، وأن البرلمان سيصادق على رئيس الوزراء الذي يتم انتخابه من اللجنة المركزية للائتلاف"، كاشفاً أن هذه الخطوة تعد رسالة للشعب بأن الائتلاف الحاكم يتجاوب مع مطالب الشعب، ويرغب في توسيع المشاركة الديمقراطية، فيما سيبقى في منصبه حتى يتم نقل السلطة إلى رئيس وزراء جديد حسبما أشارت الإذاعية الحكومية الإثيوبية.[1]

تداعيات استقالة ديسالين على الداخل الإثيوبي

في إطار تهدئة الأوضاع الاحتجاجية في الداخل الإثيوبي، أفرجت حكومة أديس أبابا، الأربعاء الماضي، عن 746 معتقلاً سياسياً، منهم معارضون بارزون وإسلاميون من قومية الأورومو، بينما طالبت السلطات المحتجين الغاضبين بإقليم أوروميا بالتهدئة بعد سقوط عدد من القتلى جراء العنف، وشملت عمليات الإفراج الأمين العام لحزب "مؤتمر أورومو الاتحادي"، بيكيلي جيربا، الذي تحدث أمام آلاف من مؤيديه في مدينة "أداما"، وحثهم على مواصلة احتجاجاتهم السلمية حتى يتم إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين.

فمن ناحية تلقّت المعارضة استقالة ديسالين بحذر، فقد علّق مولاتو جيميتشو نائب الأمين العام لحزب مؤتمر أورومو الاتحادي المعارض بأن إثيوبيا تحتاج نظاماً سياسياً جديداً بالكامل، وأن الإثيوبيين يحتاجون الآن لحكومة تحترم حقوقهم وليس حكومة تواصل ضربهم وقتلهم، ومن ناحية أخرى فإن جبهة تحرير تيجراي تتحمل العبء الأكبر الآن بصفتها المكون الأكثر تأثيراً في الائتلاف الحاكم وهو السبب الأول لاندلاع الأحداث، فمعظم المعارضين يرون أن إثيوبيا تهيمن عليها إثنية التيجراي التي تُشكل حوالي 7% من السكان، في حين تصل نسبة أبناء الأورومو والأمهرا نحو 60%. لذلك فعلى الجبهة تقديم المزيد من التنازلات خلال المراحل القادمة لصالح القوميات الأخرى خاصةً أوروميا وأمهرا من أجل تصحيح الأوضاع ومجابهة التحديات، وربما تقوم بتصفية الائتلاف القائم وتكوين ائتلاف آخر يضم عدداً من الأحزاب الأخرى التي كانت خارج التشكيلة الحكومية الحالية، أو ربما تنفرد بتحمل مسئولية الحكم في البلاد، وهو احتمال مُستبعد في ظل الأوضاع الحالية. [2]

ماذا بعد استقالة ديسالين؟

تبرز على الساحة الإثيوبية ثلاث شخصيات ربما تكون الأقرب لخلافة ديسالين في منصب رئيس الوزراء، وجدير بالذكر أن الرجل سيبقى في منصبه إلى أن يقرر مجلس النواب قبول الاستقالة، ومن ثم يختار خليفة له، وهذه الشخصيات هي:

·         ديميك ميكونن: يشغل حالياً منصب نائب رئيس الوزراء، من رموز الائتلاف الحاكم، وهو أقوى المرشحين لخلافة هايلي ماريام

·         ليما مقرسا: حاكم إقليم أوروميا، ويعد ثاني أوفر المرشحين حظاً بتولي حقيبة مجلس الوزراء، إذ يحظى بقبولٍ واسع وسط جيل الشباب الذين يرونه صاحب شخصية قوية وحازم سياسياً.

·         ورقنيه قبيو: وزير الخارجية الحالي، دبلوماسي محنك من جيل الشباب، تولى حقيبة الخارجية خلفاً لتيدروس أدهانوم في 2016.

وقد تلجأ الأحزاب الـ 4 الأساسية في الائتلاف الحاكم إلى انتخاب رئيس جديد للائتلاف من خارج الترشيحات أعلاه ليشغل منصب رئيس الوزراء في الوقت ذاته، وهكذا يواجه الائتلاف الحاكم في إثيوبيا الآن خيارات صعبة، فإما أن يختار طريق التشدد والمواجهة، أو أن يسلك طريق التفاوض والحوار مع الأحزاب الأخرى والمعارضين وهو الاحتمال الأبرز في ظل الوضع الراهن، حيث لن يغامر الائتلاف بقيام حرب أهلية بالبلاد، وهو ما يؤكده الإفراج عن آلاف المعتقلين السياسيين على دفعات خلال الأيام الماضية بينهم زعيم حزب مؤتمر الأورومو الفيدرالي المعارض ميريدا غودينا – كما سبق وذكرنا.

وقد تكون حالة الطوارئ التي تم إقرارها بعد اجتماع لمجلس الوزراء يوم الجمعة الماضي لمدة 6 أشهر محاولة لضبط الأوضاع الأمنية وحماية الاستثمارات الخارجية حتى لا تتأثر صورة البلاد ومكانتها في هذا المجال، حيث يمنح الدستور الإثيوبي في ظل إعلان حالة الطوارئ صلاحيات استثنائية للجيش والأجهزة الأمنية لاتخاذ التدابير المناسبة، وقد كشف وزير الدفاع الإثيوبي سراج فقيسا السبت أن حالة الطوارئ ستستمر لستة أشهر، وذلك بعد يومين من استقالة رئيس الوزراء هايلي مريام ديسالين كما رفض الوزير مبدأ تشكيل حكومة انتقالية جديدة.[3]

تأثير استقالة ديسالين على مفاوضات سد النهضة

تداعيات الاضطرابات التي تواجهها إثيوبيا واستقالة ديسالين الذي كان في زيارة للقاهرة مؤخراً أعقبها لقاء على هامش القمة الإفريقية التي احتضنتها أديس أبابا قبل أيام، لا شك أنها ستنعكس على ملف سد النهضة ومسار العملية التفاوضية به، وهناك اتجاهان للتوقعات بشأن هذا التأثير، حيث يذهب البعض إلى أن استقالة رئيس الوزراء الإثيوبي ربما تعطي مرونة في عملية التفاوض بملف سد النهضة، لأن هذه الفترة ستشهد في إثيوبيا تركيزاً على الداخل وتثبيت السلطة الجديدة التي تخلف ديسالين، ويرى آخرون أنه لا يُتوقع أن يتأثر سير المفاوضات أو الإنشاءات في سد النهضة بصورة مباشرة ما لم تتفاقم التطورات، فهو يعتبر مشروعاً قومياً لا خلاف حوله في الداخل الإثيوبي، ولكن ربما تتأخر الاجتماعات الخاصة بجولات التفاوض بين الدول الثلاث إثيوبيا والسودان ومصر إذا لم يحدث انتقال سلس للسلطة بأديس أبابا.

الخُلاصة …

القرار الذي تتخذه إثيوبيا خلال المرحلة الحالية سوف يحدد مصير أحد أسرع الاقتصادات نمواً في إفريقيا، وما إذا كان سيبلغ مرحلة الاستقرار والتوازن أو التدهور الذي قد يصل حال تطور الأحداث إلى حرب أهلية خاصةً في الأقاليم التي تعاني من تمييز مجتمعي وفقر مُدقع، ومن المسائل التي تزيد الوضع تأزماً وتضع النظام الحاكم في موقف حرج ما يواجهه حزب "الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية" من انقسامات داخلية وتشتت بين أطيافه على خلفية المظاهرات العنيفة في أنحاء البلاد منذ 2015، خاصةً بعد فشل حالة الطوارئ المفروضة حينها في إنهاء موجات العنف المتتالية.

ومع ذلك فمن غير المُتوقع أن يحدث تغيُّراً كبيراً في السياسة الخارجية التي تنتهجها إثيوبيا والتي تقوم على الانفتاح والدبلوماسية الهادئة ولا تورط نفسها في صراعات خارجية، فالحزب الحاكم لديه تجربة طويلة يستند فيها إلى إرث زعيمه التاريخي ميلس زيناوي في مجال إدارة الدولة والسياسة الخارجية والالتزام بالاتفاقيات والمعاهدات، كما أن إثوبيا دولة مؤسسات بها أربعة أحزاب حاكمة و9 ولايات تتمتع بحكم ذاتي، مما يجعل استقالة أحد قياداتها أمر غير مزلزل لسياساتها الخارجية، وهو ما ينسحب في رأينا لسد النهضة المشروع التنموي الأكبر للمواطن الإثيوبي والذي لن يؤثر على إتمامه استقالة ديسالين أو غيره من قيادات الدولة فالتنمية قضية وجودية وفقاً للدستور الإثيوبي.



[1] عماد عنان، "بعد استقالة ديسالين: هل تتأثر مفاوضات سد النهضة بالحراك الإثيوبي؟"، نون بوست، 17/2/2018.  https://www.noonpost.org/content/22088

[2] "رويترز: المعارضة الإثيوبية تعبر عن احتياجها لحكومة تحترم حقوق الشعب"، اليوم السابع، 16/2/2018.     http://www.youm7.com/story/2018/2/16/3652303

[3] محمد مصطفى جامع، "إثيوبيا ما بعد استقالة ديسالين: مشكلات اثنية.. وسد النهضة ابرز التحديات"، رأي اليوم، 18/2/2018.         https://www.raialyoum.com/index.php

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *