‫الرئيسية‬ العالم العربي قراءة في التوتر حول الغاز في شرق البحر المتوسط
العالم العربي - فبراير 25, 2018

قراءة في التوتر حول الغاز في شرق البحر المتوسط

 قراءة في التوتر حول الغاز في شرق البحر المتوسط

في وقت يتزامن مع افتتاح مصر لحقل "ظهر" للغاز الطبيعي، الذي اكتشفته شركة "إيني" الإيطالية، ويحتوي على مخزون يقدر بنحو 30 تريليون قدم مكعب[1]، تبادر في الأجواء توتر – ليس جديدا – بين كل من تركيا وقبرص واليونان حول التنقيب عن الغاز الطبيعي والنفط في شرق البحر المتوسط، بالإضافة لدخول مصر على خط هذا التوتر.

فقد لوح الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" باستخدام القوة العسكرية حيال الأنشطة التي تقوم بها قبرص في شرق المتوسط، وحذر اليونان من انتهاك المياه الإقليمية والمجال الجوي التركي، بعدها خرج الرئيس القبرصي "نيكوس اناستاسيادس" في لهجة مطمئنة لتركيا، وحضها على عدم القلق.

الأزمة بين قبرص واليونان وتركيا لم تكن وليدة الأيام الماضية، ففي منتصف عام 2017، أرسل الجيش التركي فرقاطة حربية لمتابعة أعمال مراقبة سفينة الحفر "ويست كايبلا" في شرق البحر المتوسط قبالة ساحل قبرص، وذلك بعد تصريحات رسمية تركية رافضة لتحركات وصفتها بأنها أحادية الجانب للتنقيب عن الغاز الطبيعي في تلك المنطقة، وعبرت عن دعمها لحقوق القبارصة الأتراك في الثروات الطبيعية.

فقد اكتشف احتياطي من الغاز يقدر بـ 127.4 مليار مكعب عام 2011 قبالة ساحل قبرص في حقل "أفروديت"، لكن استثمار هذا الحقل لم يبدأ بعد، وتأمل قبرص في العثور على كميات تمكنها من بناء محطة لتسييل الغاز وتصديره إلى أوروبا وآسيا بحلول 2022.

لكن كانت اليونان داعمة لقبرص ولحقوقها السيادية بالتنقيب عن الغاز، وجاءت هذه المشاحنات بعد فشل جولة محادثات السلام بشأن توحيد الجزيرة القبرصية بوساطة الأمم المتحدة، وانسحاب القوات التركية من شمال الجزيرة، فقد انقسمت قبرص منذ اجتياح تركيا للشطر الشمالي من الجزيرة في 1974، وأدى دعم تركيا لمطالب "جمهورية قبرص التركية" في شمال الجزيرة غير المعترف بها دوليا إلى نشوب خلاف حول مصادر الطاقة بين أنقرة وقبرص ذات الغالبية اليونانية.

بعد ذلك، طالب رئيس الوزراء التركي "بن علي يلدرم" من نظيره اليوناني "ألكسيس تسيبراس" باتخاذ التدابير اللازمة لخفض التوتر بين البلدين في بحر إيجه، واتفقا على أن عقد لقاءات بين المسئولين العسكريين رفيعي المستوى بالبلدين إذا اقتضت الحاجة.

جاء هذا الاتصال بينهما إثر اصطدام سفينتين تركية ويونانية قرب جزيرة "إيميا" المتنازع عليها شرق بحر إيجه، مما دفع برئيس الوزراء اليوناني لتوجيه تحذير إلى أنقرة.

واعتبرت قبرص والاتحاد الأوروبي أن اعتراض سفن حربية تركية سفينة تابعة لشركة "ايني" الإيطالية كانت تستكشف حقول الغاز في البحر المتوسط، بأنه انتهاكا للقانون الدولي، واعتبرت المفوضية الأوروبية أن تركيا بحاجة للالتزام بعلاقات الجوار وتجنب أي مصدر للخلاف أو للتهديد أو للدعاوي.

تركيا وقبرص ليستا الدولتين الوحيدتين على خلاف حول الغاز في شرق المتوسط، إذ أن إسرائيل ولبنان أيضا يتنازعان ملكية الحقوق في إحدى المناطق البحرية بينهما، فقد شهدت الفترة الأخيرة تحذيرا إسرائيليا للبنان من التنقيب عن النفط في بلوك 9، والذي يعتبره لبنان ضمن مياهه الإقليمية.

ويعود تاريخ "البلوك 9" إلى العام 2009، وهي تترامى في منطقة المياه الإقليمية لكل من سورية ولبنان وقبرص وإسرائيل، إذ تم تقسيم المساحة المتنازع عليها إلى عشرة مناطق أو بلوكات يمثل البلوك 9 أحد تلك المناطق.

وحين أعلنت الحكومة اللبنانية فتح مناطق كان من بينها بلوك 9 أمام المستثمرين لتقديم عروضهم، غضبت إسرائيل بسبب حساسية موقع هذا البلوك الذي يحاذي حدود المياه الإقليمية لها، واعتبرته أمرا استفزازيا، وكان الرد اللبناني بأن هذه التصريحات تمثل تهديداً للسيادة اللبنانية.

وتقوم إسرائيل أيضا بالتنقيب عن النفط في هضبة الجولان السورية، وأوضحت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن مجلس النفط العامل تحت وصاية وزارة الطاقة الإسرائيلية سمح بإعادة تنفيذ أعمال التنقيب عن النفط في الجولان.

وفيما يخص وضع مصر في تلك الأزمة، فبعد اجتماع بين رئيس مجلس النواب "علي عبد العال" ورئيس الجمعية البرلمانية للبحر المتوسط "بدرو روكو"، خرج بيان رسمي ينتقد سياسات تركيا العدائية تجاه دول الجوار، وتدخلاتها غير المبررة في أزمات المنطقة كالأزمة السورية، وتصريحاتها غير المقبولة بشأن حقوق مصر وقبرص واليونان في مياه البحر المتوسط، لأن تركيا سبق ولم تأخذ بعين الاعتبار اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي تمت بين مصر وقبرص في 2013.

وكان من ضمن الرد المصري أيضا هو التحذير بالمساس بالسيادة المصرية فيما يتعلق بالمنطقة الاقتصادية الخاصة بها في شرق المتوسط، وأكدت أن ذلك محاولة مرفوضة سيتم التصدي لها، وأثير بالفعل أن مصر حركت حاملة طائرات من طراز "ميسترال" باتجاه حقول الغاز شرق البحر المتوسط.

اعتبر البعض أن ما تقوم به تركيا من تصعيد يهدف لتعطيل الجهود المصرية اليونانية لإبرام اتفاقية ترسيم الحدود البحرية وتحديد المناطق الاقتصادية بينهما، والتي من المتوقع إبرامها العام المقبل 2019.

ربما وجدت مصر نفسها مضطرة للتدخل في الأزمة بين قبرص وتركيا لأسباب سياسية تتعلق بالدعم التركي لجماعة الإخوان، لذا قدمت مصر دعمها لقبرص، ودافع وزير الخارجية "سامح شكري" عن حقوق قبرص في الغاز وحقها في التنقيب والاكتشاف، واعتبار أن أي اعتداء على قبرص هو اعتداء على مصر.

وتتجه تركيا لاتخاذ خطوات قانونية دولية لإبطال تلك الاتفاقية، بدعوى انتهاكها للجرف القاري والمياه الإقليمية التركية عند خطي طول محددين، وهي جزء من المناطق المتداخلة بينها وبين اليونان.

وقد نشر معهد ستراتفور الأمريكي تقريرا عن الغاز الطبيعي في البحر المتوسط، وأوضح أن مصر وقعت في أغسطس 2016 عقد إنشاء خط أنابيب للغاز مع قبرص، لربط حقل الغاز البحري القبرصي "أفروديت" مع السواحل المصرية، على أن يتم البدء في هذا الخط خلال 10 سنوات.

ورأى التقرير أن هذا الاتفاق يأتي ضمن الاستراتيجية المصرية لجذب الاستثمارات الأجنبية لقطاع الطاقة في شرق المتوسط، وذلك لتحقيق هدف مصر لتصبح كمركز للغاز الطبيعي، لكن هذا يتطلب ترتيب توافق بين هذه الرغبة وبين الاستهلاك المحلي المتزايد للغاز.

تبدو مصر متمسكة بالمضي في إبرام اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية كحافز للاستثمارات الأجنبية، وحتى لا يتكرر ما حدث عام 2011، عندما انسحبت شركة "شل" الهولندية من حقل "نيميد" المصري، الذي منحتها حكومة كمال الجنزوري حق امتيازه في عام 1999، والذي يتداخل مع حقل غاز "أفروديت" القبرصي، الذي تنشط فيه عمليات التنقيب والاستخراج.

أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن صفقة بمليارات الدولارات لتصدير الغاز الطبيعي لمصر عبر شركة دولفينوس، إذ أعلنت شركة "ديليك دريلينغ" الإسرائيلية عن توقيع عقد لمدة عشر سنوات، بقيمة 15 مليار دولار.

واعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي أن الاتفاقية لن تعزز المكانة الاقتصادية لإسرائيل فحسب، بل علاقاتها الإقليمية أيضا، واعتبرها اتفاقية تاريخية ستدخل المليارات لها للإنفاق على التعليم والخدمات الصحية والرفاهية الاجتماعية.

لكن كان التعليق الرسمي المصري، بأن وزارة البترول لا تتدخل في أي مفاوضات أو اتفاقيات تخص شركات القطاع الخاص بشأن استيراد أو بيع الغاز الطبيعي، وأوضحت أن الحكومة اتخذت خطوات لتحرير سوق الغاز بمصر ووضع إطار تنظيمي يسمح لشركات القطاع الخاص بتداول وتجارة الغاز، وتخضع للاشتراطات والموافقات من قبل الجهاز التنظيمي لأنشطة سوق الغاز.

وفيما يخص الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط، فقد أشارت التقديرات بأن المنطقة تعوم فوق بحيرة من الغاز يقدر مخزونها بنحو 122 تريليون قدم، تكفي لسد حاجة الأسواق الأوروبية لمدة 30 عاما، والعالم لمدة عام واحد على الأقل، وقدرت احتياطي النفط فيها بـ 7.1 مليار برميل، وتقع هذه المنطقة داخل الحدود البحرية الإٌليمية لست دول هي تركيا وسوريا وقبرص واليونان ومصر وفلسطين.

ختاما:

على الرغم من وجود تحليلات تتوقع عدم تطور الوضع في بحر إيجه والبحر الأبيض المتوسط، وأنه لا يشكل خطرا بما قد يؤدي إلى عداء صريح، لكنه سيؤثر في إجراء المصالحة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا.

ومن الاحتمالات التي أشيرت بشأن علاقة مصر وتركيا في ظل ما يحدث، أنه من غير المتوقع حدوث تحسن خاصة في ظل إدانة مصر للعملية التركية في عفرين السورية، ومن ثم زيادة احتمال التصعيد، لكن هناك توقع بأن ضغوط مجموعات كرجال الأعمال والمعارضة التركية قد تؤدي إلى التهدئة مع القاهرة ولو بشكل محدود.

أما فيما يخص الصفقة التي تمت بين مصر وإسرائيل، فهذا يناقض بشكل واضح وصريح ما تم الحديث عنه عند اكتشاف وافتتاح حقل ظهر للغاز الطبيعي، فمن غير المنطقي أن يوفر مثل هذا الحقل هذه المكانة لمصر من الطاقة، ثم يتم السعي لاستيراده في نفس الوقت.

هذا إن كان يعبر عن شئ، فإنه يعبر عن الدور المخول للنظام المصري القيام به من أجل إدماج الكيان المحتل في المنطقة وإضفاء مزيد من الشرعية عليه ضمن تخطيطات صفقة القرن، ويؤكد فكرة التطبيع الشعبي، والذي هو أخطر مراحل التطبيع، أو أن مصر ستصبح معبرا للغاز الإسرائيلي لأوروبا.

كذلك، هناك الموقف الخاص بالإعلان عن الصفقة، ففي الوقت الذي تحتفل فيه الحكومة الإسرائيلية ووسائل إعلامها بها وتعتبرها صفقة تاريخية ويرى رئيس وزرائها يوم توقيعها بيوم العيد، اكتفت الحكومة بعدم التعليق عليها واعتبارها صفقة تخص القطاع الخاص، من المنتظر أن يتم فتح باب التفاوض على ترسيم الحدود البحرية بين الجانبين المصري والإسرائيلي، مثلما فعلت مصر مع قبرص والسعودية.



[1] بحسب ترسيم الحدود للمنطقة الاقتصادية لقبرص وإسرائيل، فإن الجزء الجنوبي منها يخص مصر، حيث يوجد حقل ظهر غرب نقطة التقاء الحددود البحرية بين مصر وإسرائيل وقبرص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

المناورات المصرية السودانية – هل تضرب مصر سد النهضة؟

تُعد المياه من العناصر التي قد تفجر حروبًا في المستقبل؛ فقد تجمعت عوامل متعددة تجعل قيمة ا…