‫الرئيسية‬ العالم العربي العراق مستقبل العراق فى ضوء تقاطع المصالح والتنافس الدولى على المنطقة
العراق - مارس 5, 2018

مستقبل العراق فى ضوء تقاطع المصالح والتنافس الدولى على المنطقة

 مستقبل العراق في ضوء تقاطع المصالح والتنافس الدولي على المنطقة

 
رغم مرور 15 عاما على الغزو الامريكي واحتلال العراق (من 19 مارس إلى 1 مايو 2003)، والذي كان نقطة التحول والتغيير في فسيفساء العراق السياسية والاثنية والدينية، وكذا كل معادلات التوازن في الإقليم، ما انعكس على تفاصيل الصراعات الجارية حاليا، فلا تزال تداعيات هذا الغزو تؤثر على العراق والمنطقة المحيطة والصراع الدولي على المصالح في المنطقة علي أشده.
على المستوي الداخلي لا يزال العراقيون يتخبطون بعد 3 انتخابات برلمانية بسبب تداخل العوامل الاثنية والدينية ومقاطعة أهل السنة بعد بذر الاحتلال بذور الشقاق بين السنة والشيعة والعرب والاكراد، وغيرها من الصراعات، ولا يزالون يبحثون عن حياة كريمة وديمقراطية بلا جدوى، وانتخابات بلا تغيير.
أما على المستوي الدولي، فقد فتح الغزو الباب لتنافس القوي الاقليمية والدولية على النفوذ في العراق، ولا تزال المصالح الدولية بعد 15 عاما تتجاذب اتجاهات العراق السياسية وتضع أمنه القومي في مهب الريح.
فقد أدخل الغزاة ومن شارك في كعكة اقتسام ارض العراق والنفوذ داخله، خاصة إيران وروسيا واسرائيل (التي لعبت دورا في قتل علماء العراق والتطبيع مع الاكراد وتشجيعهم على الانفصال)، العراق، في صراعات اخري تارة مع داعش وتارة مع السنة بينما كان هدف هذه المخططات الكبرى استعماري ويركز على أمن اسرائيل والحفاظ على مصالح الدول العظمى في العالم من خلال السيطرة على الشرق الاوسط النابض الحيوي بالثروة والطاقة البشرية الهائلة.
وبرغم أن طبيعة الصراع الدائر في العراق والشرق الاوسط قد أخذ شكلا طائفياً أو دينياً، إلا أنه في الواقع أبعد ما يكون عن حقيقة هذه المسميات التي غرقت في وحلها دول وشعوب المنطقة، إذ حرص الغزاة وأصحاب المصالح من وراء إضعاف العراق على الترويج لهذه المعادلة، بينما الهدف الاهم لهم في المخطط الاستراتيجي الأمريكي هو نشر النفوذ عبر الوجود والاحتلال العسكري من أفغانستان وحتى أوكرانيا، وجرى استخدام العراق وأفغانستان كنقاط ارتكاز لتحقيق الأهداف الإقليمية والدولية.
ودفع هذا التنافس الدولي على العراق، البلاد إلى تقاطع اتجاهين سياسيين متناقضين الى حد كبير: (الاول) تتبناه إسرائيل والسعودية واليمين المتطرف الحاكم للكونغرس الامريكي، ويرى في ضعف العراق وتقسيمه قوة لبعض الدول التي ترعى هذا الاتجاه وتغذيه.
و(الثاني): تتبناه تركيا والصين وروسيا وتري أن قوة العراق ووحدته وأمنه واستقراره عنصر قوة لبلدانهم ولاستقرار وتوازن المنطقة ولبعض الدول الصغيرة التي تهددت من جراء ضعف العراق، وهو موقف يحقق مصالحهم في مواجهة التمدد الأمريكي في الشرق الأوسط،  بجانب إيران التي تستهدف السيطرة على المفاصل العراقية واستمرار سيطرتها على مراكز القوة في البلد المجاور والذي تعتبره الفناء الخلفي لها، عقب تنسيقها مع الأمريكان منذ الاحتلال وبعد تعميق سيطرة القوى الشيعية على مفاصل العراق…
 
تداعيات الصراع الامريكي الايراني
وأسفر تغلغل النفوذ الايراني في العراق عبر القوي والميليشيات الشيعية القريبة منهم، عن صراعات بين الاحتلال الامريكي والدور الإيراني ما أدي لخلخلة الأوضاع وإثارة الاضطراب والتفكيك في العراق وسوريا ودول الخليج.
حيث تقوم الاستراتيجية الامريكية على إنهاك القوة الإيرانية وجعل الوضع الداخلي للنظام الإيراني في وضعية صراع بهدف شغل طهران بأوضاعها الداخلية وابعادها عن المسرح العراقي والسوري واليمني.
ولكن إيران نجحت في اوقات كثير من ركوب ظهر القوة الأمريكية لتحقيق الأهداف الخاصة بإيران ومد ذراعها ودورها وتوسيع وتوطين نفوذها، ما أغضب الولايات المتحدة التي تري أن هذا خروج على النص الموثق تاريخيا للدور الوظيفي لإيران، كدولة منضبطة بأهداف الاستراتيجيات الغربية وتحديد أهدافها من داخل المصالح الغربية وليس على حسابها.
ولأن الصراع الامريكي الايراني الاصلي بدأ في العراق فقد انعكس ذلك على تشكيل مجموعات موالية لكليهما في الداخل العراقي، ظهرت بوضوح في الصراعات المسلحة وفي الانتخابات، وأسفر صراعها ونزاعاتها عن تأخر الاستقرار في العراق.
وترتب على هذا أيضا أن أصبحت أوضاع الإقليم والوضع الدولي مرتبطة بتغيير التوازنات داخل العراق بين القوى العراقية المختلفة، وهي التوازنات التي تنعكس ايجابيا على العراق حال انشغال إيران باضطراباتها الداخلية وانشغال امريكا بمناطق الصراع الأخرى.
لذلك يمكن القول إن انكسار إيران في كل من اليمن وسوريا هو لمصلحة العراقيين، وكذا ضعف الولايات المتحدة وشدة التنافس الدولي معها، وعلى العكس يشكل صعود تركيا عامل قوة لتلك القوى الوطنية العراقية التي تسعي لإخراج بلادها من تداعيات 15 عاما من الغزو الامريكي، وتعيد بناؤه برغم أن هذا لا يرضي الاحتلال الصهيوني.
فقد أدي سقوط بغداد لسقوط العمق الاستراتيجي لمواجهة اسرائيل وتوسع تركيا، ودعم تل ابيب لقيام دولة كردية تستقطع جزءاً من الاراضي العراقية والتركية والايرانية، ولذلك تخشي تل ابيب استقرار العراق وعودته كعمق استراتيجي عربي لمواجهة اسرائيل وتسعي لتفتيته ونشر ثقافة التطبيع.
فالولايات المتحدة اشعلت بالغزو صراعاً طائفياً ولم تنجح في مساعدة الحكم العراقي بوضع دستور يخلص البلاد من الطائفية ولم تردع اليمين المتطرف الامريكي من دعم المشروع التقسيمي للعراق، واهتمت فقط بجني الارباح لشركات النفط والسلاح الكبرى من الصراع في العراق والمنطقة.
أما إيران فقد عززت التشدد الشيعي في العراق وعززت ميليشيات "الحشد الشعبي" الطائفية، التي قتلت الاف المسلمين السنة في المدن العراقية السنية التي تمت تحريرها من تنظيم داعش بدعوي ان السنة يدعمون داعش.
ولدى إيران وفقا للأرقام الرسمية، بحسب صحيفة "إيكونومست" البريطانية، 95 مستشارا عسكريا فقط بالعراق، وأميركا حوالي 8500 جندي وعدد من القواعد العسكرية الكبيرة والهيمنة على أجواء البلاد، ولكن الواقع يقول إن القوات الإيرانية هناك تساوي خمسة أضعاف القوات الأميركية.
وأوضحت أن يد إيران الخفية موجودة في كل مكان بالعراق، وأن إحدى المسؤولات بالأمم المتحدة أعربت عن دهشتها عقب زيارة لها لإحدى المحافظات العراقية المتاخمة لإيران عندما علمت أن قائد لواء القدس التابع لقوات حرس الثورة الإيرانية الجنرال قاسم سليماني كان موجودا في نفس المكان الذي زارته والوقت نفسه.
ونسبت إيكونومست إلى المحلل الأمني العراقي الموجود ببغداد هاشم الهاشمي قوله إن الأميركيين أقوياء لكن الإيرانيين أكثر خطورة "فقد اخترقوا كل أجزاء الدولة".
لهذا يبدو الحل لإخراج النفوذ الاجنبي من العراق في يد القوي الوطنية العراقية والانتخابات التي تجري وتحدد القوي الفائزة والتي لا تزال اداة غير فاعلة بسبب مقاطعة العديد من القوي لها.
تجربة الانتخابات البرلمانية العراقية
 
 مر العراق بثلاث تجارب انتخابية منذ الغزو وهناك انتخابات رابعة قادمة ما زالت تتمخض في غرف مظلمة من دهاليز الأجندة والمصالح الفئوية والإرادة الحزبية؛ ولكن يخشى السياسيين العراقيين أن تنتج مولود مثل أخواتها السابقات في صورة برلمان معاق غير قادر علي التغيير وبلا قوة حقيقية.
ويزيد من عزوف قوى عراقية عن المشاركة فيها أن المواطن العراقي لا يزال يري أن طموحاته في حياة كريمة تعمّها الرفاهية والاطمئنان، امر بعيد المنال والبرلمان غير قادر علي تحقيقه، ما أدى إلى ظهور نزعة التمرد على العملية السياسية برمتها، وتعالي أصوات المنادين المقاطعين للانتخابات القادمة أيضا.
وتحدد هيئة علماء العراق اسباب ضعف البرلمان ومن ثم القوي الوطنية العراقية في امرين:
(الأول): هشاشة المنظومة القيمية للمتصدين للعملية السياسية وغياب الروح الوطنية، وتغليب المصالح الشخصية حتى قبل الحزبية منها، مما ترك انطباعاً سيئاً لدى المواطن تجاه الطبقة السياسية المتصدية، وهو ما انعكس أيضاً على سلوكيات الساسة داخل قبّة البرلمان نفسه، لتكون المناكفات السياسية والمزايدات الحزبية قبال المصلحة العامة هي الصفة السائدة، والشغل الشاغل لمعظم البرلمانيين، فهي ليست في حقيقتها اختلافاً على منهاج أو أيديولوجيا معينة بقدر ما هي اختلاف من أجل الحصول على مكاسب، أو لقطع الطريق أمام الطرف الآخر من أجل عدم حصوله على مكاسب، سواء أكانت سياسية أو جماهيرية.
(الثاني): يتعلق بالآلية والبنية البرلمانية نفسها، فمن أجل الخروج من هذه الهاوية، هاوية النزاعات والمصالح الشخصية، ليس أمام العراق سوي خيار واحد فقط، وهو الاتجاه نحو حكومة الأغلبية، أو حكومة منبثقة من كتل منسجمة برؤية موحدة.
فلا يمكن أن يكون البرلمان فاعلاً بقراراته، قوياً بإجراءاته دون وجود أحزاب قوية منسجمة، في إطار الشعور العالي بالمواطنة وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، من خلال طرح المشاريع والبرامج التنموية التي هي على تماسّ مباشر مع المواطن وطموحاته التي طالما كان يحلم بتحقيقها.
لذلك يخشى العراقيون أن يكون ما يجري من استعدادات للانتخابات العراقية بين المرشحين وحملات الصخب الحالية ما هو سوي صراع محتدم بين الأطراف السياسية وقواها المشاركة، يصل لحد كسر العظم، دون النظر الي مصالح المواطن العراقي نفسه ومطالبه وحاجة العراق للاستقلال عن النفوذ الامريكي والايراني وأي نفوذ أخر.
ويقولون إن مصلحة العراق والعراقيين والتفكير ببناء أسس ومعالم لدولة "لا يأتي في أولويات ولا اهتمامات الساسة الحاليين الذين لا يهمهم سوى فوز شخصياتهم وقواهم"، ما يجعل العراق هو الخاسر الوحيد من كل ما يجري من تطاحن واحتراب لفترة طويلة، لأن نفس الوجوه هي التي تفوز في كل انتخابات.
عودة الاستبداد والصراع الطائفي إلى المنطقة 
وتقول صحيفة "وول ستريت جورنال"، في عدد الخميس 1 مارس 2018، أن قليلين فقط هم من يكترثون بنتيجة هذه الانتخابات في العراق أو مصر أو الدول العربية الأخرى، بسبب عودة الاستبداد والصراع الطائفي إلى تحويل المنطقة، بعدما أجج الربيع العربي في عام 2011 الآمال الديمقراطية لشعوب الشرق الأوسط لفترة وجيزة.
وتقول الصحيفة إنه رغم أن العراقيين سيذهبون إلى صناديق الاقتراع للمرة الأولى منذ هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وهملا يزالون يرون أنها "انتخابات لا معنى لها".
وتشير الصحيفة الأميركية إلى أنه لا يُرجّح في أي من هذه الحالات أن يتغير اتجاه البلدان التي ستشهد الانتخابات على نحو كبير، إمّا لأنّ الانتخابات نفسها تحولت إلى مراسم لا معنى لها (كما في مصر)، أو لأنّ الطبيعة المُمزقة للمجتمعات وسلطة الميليشيات المسلحة تجعل نتائج الانتخابات أمراً ثانوياً مقارنة بعملية عقد الصفقات بين الفصائل الطائفية والسياسية (كما في لبنان والعراق).
وتشير "وول ستريت جورنال"، لأن ما يعيق الانتخابات العراقية أن الميليشيات الشيعية الموالية لإيران على غرار "حزب الله" هي أحزاب سياسية تستمد قدراتها على ممارسة النفوذ السياسي داخل وخارج حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي من أسلحتهم.
وأن تعدُّد القوى السياسية، ونفوذ إيران، وتفتت النظام البرلماني العراقي يعني أن مساومات ما بعد الانتخابات لا الانتخابات نفسها هي ما ستُحدد مسار البلاد.
 
مستقبل العراق في ضوء تقاطع المصالح والتنافس الدولي على المنطقة
 
رغم مرور 15 عاما على الغزو الامريكي واحتلال العراق (من 19 مارس إلى 1 مايو 2003)، والذي كان نقطة التحول والتغيير في فسيفساء العراق السياسية والاثنية والدينية، وكذا كل معادلات التوازن في الإقليم، ما انعكس على تفاصيل الصراعات الجارية حاليا، فلا تزال تداعيات هذا الغزو تؤثر على العراق والمنطقة المحيطة والصراع الدولي على المصالح في المنطقة علي أشده.
على المستوي الداخلي لا يزال العراقيون يتخبطون بعد 3 انتخابات برلمانية بسبب تداخل العوامل الاثنية والدينية ومقاطعة أهل السنة بعد بذر الاحتلال بذور الشقاق بين السنة والشيعة والعرب والاكراد، وغيرها من الصراعات، ولا يزالون يبحثون عن حياة كريمة وديمقراطية بلا جدوى، وانتخابات بلا تغيير.
أما على المستوي الدولي، فقد فتح الغزو الباب لتنافس القوي الاقليمية والدولية على النفوذ في العراق، ولا تزال المصالح الدولية بعد 15 عاما تتجاذب اتجاهات العراق السياسية وتضع أمنه القومي في مهب الريح.
فقد أدخل الغزاة ومن شارك في كعكة اقتسام ارض العراق والنفوذ داخله، خاصة إيران وروسيا واسرائيل (التي لعبت دورا في قتل علماء العراق والتطبيع مع الاكراد وتشجيعهم على الانفصال)، العراق، في صراعات اخري تارة مع داعش وتارة مع السنة بينما كان هدف هذه المخططات الكبرى استعماري ويركز على أمن اسرائيل والحفاظ على مصالح الدول العظمى في العالم من خلال السيطرة على الشرق الاوسط النابض الحيوي بالثروة والطاقة البشرية الهائلة.
وبرغم أن طبيعة الصراع الدائر في العراق والشرق الاوسط قد أخذ شكلا طائفياً أو دينياً، إلا أنه في الواقع أبعد ما يكون عن حقيقة هذه المسميات التي غرقت في وحلها دول وشعوب المنطقة، إذ حرص الغزاة وأصحاب المصالح من وراء إضعاف العراق على الترويج لهذه المعادلة، بينما الهدف الاهم لهم في المخطط الاستراتيجي الأمريكي هو نشر النفوذ عبر الوجود والاحتلال العسكري من أفغانستان وحتى أوكرانيا، وجرى استخدام العراق وأفغانستان كنقاط ارتكاز لتحقيق الأهداف الإقليمية والدولية.
ودفع هذا التنافس الدولي على العراق، البلاد إلى تقاطع اتجاهين سياسيين متناقضين الى حد كبير: (الاول) تتبناه إسرائيل والسعودية واليمين المتطرف الحاكم للكونغرس الامريكي، ويرى في ضعف العراق وتقسيمه قوة لبعض الدول التي ترعى هذا الاتجاه وتغذيه.
و(الثاني): تتبناه تركيا والصين وروسيا وتري أن قوة العراق ووحدته وأمنه واستقراره عنصر قوة لبلدانهم ولاستقرار وتوازن المنطقة ولبعض الدول الصغيرة التي تهددت من جراء ضعف العراق، وهو موقف يحقق مصالحهم في مواجهة التمدد الأمريكي في الشرق الأوسط،  بجانب إيران التي تستهدف السيطرة على المفاصل العراقية واستمرار سيطرتها على مراكز القوة في البلد المجاور والذي تعتبره الفناء الخلفي لها، عقب تنسيقها مع الأمريكان منذ الاحتلال وبعد تعميق سيطرة القوى الشيعية على مفاصل العراق…
 
تداعيات الصراع الامريكي الايراني
وأسفر تغلغل النفوذ الايراني في العراق عبر القوي والميليشيات الشيعية القريبة منهم، عن صراعات بين الاحتلال الامريكي والدور الإيراني ما أدي لخلخلة الأوضاع وإثارة الاضطراب والتفكيك في العراق وسوريا ودول الخليج.
حيث تقوم الاستراتيجية الامريكية على إنهاك القوة الإيرانية وجعل الوضع الداخلي للنظام الإيراني في وضعية صراع بهدف شغل طهران بأوضاعها الداخلية وابعادها عن المسرح العراقي والسوري واليمني.
ولكن إيران نجحت في اوقات كثير من ركوب ظهر القوة الأمريكية لتحقيق الأهداف الخاصة بإيران ومد ذراعها ودورها وتوسيع وتوطين نفوذها، ما أغضب الولايات المتحدة التي تري أن هذا خروج على النص الموثق تاريخيا للدور الوظيفي لإيران، كدولة منضبطة بأهداف الاستراتيجيات الغربية وتحديد أهدافها من داخل المصالح الغربية وليس على حسابها.
ولأن الصراع الامريكي الايراني الاصلي بدأ في العراق فقد انعكس ذلك على تشكيل مجموعات موالية لكليهما في الداخل العراقي، ظهرت بوضوح في الصراعات المسلحة وفي الانتخابات، وأسفر صراعها ونزاعاتها عن تأخر الاستقرار في العراق.
وترتب على هذا أيضا أن أصبحت أوضاع الإقليم والوضع الدولي مرتبطة بتغيير التوازنات داخل العراق بين القوى العراقية المختلفة، وهي التوازنات التي تنعكس ايجابيا على العراق حال انشغال إيران باضطراباتها الداخلية وانشغال امريكا بمناطق الصراع الأخرى.
لذلك يمكن القول إن انكسار إيران في كل من اليمن وسوريا هو لمصلحة العراقيين، وكذا ضعف الولايات المتحدة وشدة التنافس الدولي معها، وعلى العكس يشكل صعود تركيا عامل قوة لتلك القوى الوطنية العراقية التي تسعي لإخراج بلادها من تداعيات 15 عاما من الغزو الامريكي، وتعيد بناؤه برغم أن هذا لا يرضي الاحتلال الصهيوني.
فقد أدي سقوط بغداد لسقوط العمق الاستراتيجي لمواجهة اسرائيل وتوسع تركيا، ودعم تل ابيب لقيام دولة كردية تستقطع جزءاً من الاراضي العراقية والتركية والايرانية، ولذلك تخشي تل ابيب استقرار العراق وعودته كعمق استراتيجي عربي لمواجهة اسرائيل وتسعي لتفتيته ونشر ثقافة التطبيع.
فالولايات المتحدة اشعلت بالغزو صراعاً طائفياً ولم تنجح في مساعدة الحكم العراقي بوضع دستور يخلص البلاد من الطائفية ولم تردع اليمين المتطرف الامريكي من دعم المشروع التقسيمي للعراق، واهتمت فقط بجني الارباح لشركات النفط والسلاح الكبرى من الصراع في العراق والمنطقة.
أما إيران فقد عززت التشدد الشيعي في العراق وعززت ميليشيات "الحشد الشعبي" الطائفية، التي قتلت الاف المسلمين السنة في المدن العراقية السنية التي تمت تحريرها من تنظيم داعش بدعوي ان السنة يدعمون داعش.
ولدى إيران وفقا للأرقام الرسمية، بحسب صحيفة "إيكونومست" البريطانية، 95 مستشارا عسكريا فقط بالعراق، وأميركا حوالي 8500 جندي وعدد من القواعد العسكرية الكبيرة والهيمنة على أجواء البلاد، ولكن الواقع يقول إن القوات الإيرانية هناك تساوي خمسة أضعاف القوات الأميركية.
وأوضحت أن يد إيران الخفية موجودة في كل مكان بالعراق، وأن إحدى المسؤولات بالأمم المتحدة أعربت عن دهشتها عقب زيارة لها لإحدى المحافظات العراقية المتاخمة لإيران عندما علمت أن قائد لواء القدس التابع لقوات حرس الثورة الإيرانية الجنرال قاسم سليماني كان موجودا في نفس المكان الذي زارته والوقت نفسه.
ونسبت إيكونومست إلى المحلل الأمني العراقي الموجود ببغداد هاشم الهاشمي قوله إن الأميركيين أقوياء لكن الإيرانيين أكثر خطورة "فقد اخترقوا كل أجزاء الدولة".
لهذا يبدو الحل لإخراج النفوذ الاجنبي من العراق في يد القوي الوطنية العراقية والانتخابات التي تجري وتحدد القوي الفائزة والتي لا تزال اداة غير فاعلة بسبب مقاطعة العديد من القوي لها.
تجربة الانتخابات البرلمانية العراقية
 
 مر العراق بثلاث تجارب انتخابية منذ الغزو وهناك انتخابات رابعة قادمة ما زالت تتمخض في غرف مظلمة من دهاليز الأجندة والمصالح الفئوية والإرادة الحزبية؛ ولكن يخشى السياسيين العراقيين أن تنتج مولود مثل أخواتها السابقات في صورة برلمان معاق غير قادر علي التغيير وبلا قوة حقيقية.
ويزيد من عزوف قوى عراقية عن المشاركة فيها أن المواطن العراقي لا يزال يري أن طموحاته في حياة كريمة تعمّها الرفاهية والاطمئنان، امر بعيد المنال والبرلمان غير قادر علي تحقيقه، ما أدى إلى ظهور نزعة التمرد على العملية السياسية برمتها، وتعالي أصوات المنادين المقاطعين للانتخابات القادمة أيضا.
وتحدد هيئة علماء العراق اسباب ضعف البرلمان ومن ثم القوي الوطنية العراقية في امرين:
(الأول): هشاشة المنظومة القيمية للمتصدين للعملية السياسية وغياب الروح الوطنية، وتغليب المصالح الشخصية حتى قبل الحزبية منها، مما ترك انطباعاً سيئاً لدى المواطن تجاه الطبقة السياسية المتصدية، وهو ما انعكس أيضاً على سلوكيات الساسة داخل قبّة البرلمان نفسه، لتكون المناكفات السياسية والمزايدات الحزبية قبال المصلحة العامة هي الصفة السائدة، والشغل الشاغل لمعظم البرلمانيين، فهي ليست في حقيقتها اختلافاً على منهاج أو أيديولوجيا معينة بقدر ما هي اختلاف من أجل الحصول على مكاسب، أو لقطع الطريق أمام الطرف الآخر من أجل عدم حصوله على مكاسب، سواء أكانت سياسية أو جماهيرية.
(الثاني): يتعلق بالآلية والبنية البرلمانية نفسها، فمن أجل الخروج من هذه الهاوية، هاوية النزاعات والمصالح الشخصية، ليس أمام العراق سوي خيار واحد فقط، وهو الاتجاه نحو حكومة الأغلبية، أو حكومة منبثقة من كتل منسجمة برؤية موحدة.
فلا يمكن أن يكون البرلمان فاعلاً بقراراته، قوياً بإجراءاته دون وجود أحزاب قوية منسجمة، في إطار الشعور العالي بالمواطنة وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، من خلال طرح المشاريع والبرامج التنموية التي هي على تماسّ مباشر مع المواطن وطموحاته التي طالما كان يحلم بتحقيقها.
لذلك يخشى العراقيون أن يكون ما يجري من استعدادات للانتخابات العراقية بين المرشحين وحملات الصخب الحالية ما هو سوي صراع محتدم بين الأطراف السياسية وقواها المشاركة، يصل لحد كسر العظم، دون النظر الي مصالح المواطن العراقي نفسه ومطالبه وحاجة العراق للاستقلال عن النفوذ الامريكي والايراني وأي نفوذ أخر.
ويقولون إن مصلحة العراق والعراقيين والتفكير ببناء أسس ومعالم لدولة "لا يأتي في أولويات ولا اهتمامات الساسة الحاليين الذين لا يهمهم سوى فوز شخصياتهم وقواهم"، ما يجعل العراق هو الخاسر الوحيد من كل ما يجري من تطاحن واحتراب لفترة طويلة، لأن نفس الوجوه هي التي تفوز في كل انتخابات.
عودة الاستبداد والصراع الطائفي إلى المنطقة 
وتقول صحيفة "وول ستريت جورنال"، في عدد الخميس 1 مارس 2018، أن قليلين فقط هم من يكترثون بنتيجة هذه الانتخابات في العراق أو مصر أو الدول العربية الأخرى، بسبب عودة الاستبداد والصراع الطائفي إلى تحويل المنطقة، بعدما أجج الربيع العربي في عام 2011 الآمال الديمقراطية لشعوب الشرق الأوسط لفترة وجيزة.
وتقول الصحيفة إنه رغم أن العراقيين سيذهبون إلى صناديق الاقتراع للمرة الأولى منذ هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وهملا يزالون يرون أنها "انتخابات لا معنى لها".
وتشير الصحيفة الأميركية إلى أنه لا يُرجّح في أي من هذه الحالات أن يتغير اتجاه البلدان التي ستشهد الانتخابات على نحو كبير، إمّا لأنّ الانتخابات نفسها تحولت إلى مراسم لا معنى لها (كما في مصر)، أو لأنّ الطبيعة المُمزقة للمجتمعات وسلطة الميليشيات المسلحة تجعل نتائج الانتخابات أمراً ثانوياً مقارنة بعملية عقد الصفقات بين الفصائل الطائفية والسياسية (كما في لبنان والعراق).
وتشير "وول ستريت جورنال"، لأن ما يعيق الانتخابات العراقية أن الميليشيات الشيعية الموالية لإيران على غرار "حزب الله" هي أحزاب سياسية تستمد قدراتها على ممارسة النفوذ السياسي داخل وخارج حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي من أسلحتهم.
وأن تعدُّد القوى السياسية، ونفوذ إيران، وتفتت النظام البرلماني العراقي يعني أن مساومات ما بعد الانتخابات لا الانتخابات نفسها هي ما ستُحدد مسار البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

العراق المرتبك : عودة داعش والتظاهرات

شن تنظيم داعش هجومًا على حاجز لميلشيا الحشد الشعبي في محافظة ديالي، والقتيل هو قائد المدفع…