‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر تقرير ال BBC ظل يغطي مصر
مصر - مارس 16, 2018

تقرير ال BBC ظل يغطي مصر

 
تقرير الـ (BBC) ظل يغطي مصر
قراءة في دلالة التوقيت
باتت الانتخابات الرئاسية منا قاب قوسين أو أدنى، في ظل مساعي لاهثة للنظام ومتلهفة أن يخرجها في صورة مشرقة، تخفي تشوهات المجتمع والدولة في مصر بعد يوليو 2013، وحركة محمومة تستهدف إخفاء كل ما قد يعكر صفو المشهد الانتخابي الذي يعد له النظام على قدم وساق. في ظل هذه الأجواء الدقيقة ظهر تقرير الـ (BBC) وفيلمها الوثائقي، عن تعذيب المعارضة والأجواء القاتمة التي تظلل البلاد في ظل حكم السيسي المنتهية ولايته.
حملة شرسة قادتها النوافذ الإعلامية المحسوبة على النظام، والهيئة العامة للإستعلامات، ضد BBC وتغطيتها للشأن المصري، ونقداً للفيلم المشار إليه والتقرير، وإلصاق إتهامات التحيز وعدم الموضوعية، والتواطؤ مع قوى الإرهاب وقوى دولية مناوئة للدولة المصرية، بالتقرير والوثائقي.
 بعيداً عن الخوض في تقييم تغطية القناة، أو في تناول الوثائقي المذكور والتقرير، ومدى صدقية وواقعية ما ورد فيهما، نحاول في هذه السطور، أن نتلمس الدوافع والمحددات التي قادت BBC لإصدار مادتها الإعلامية المذكورة في هذا التوقيت الحرج في حياة النظام، والذي يعد نفسه للاستمرار في الحكم سنوات أربعة أخرى إن لم تزيد.
هيئة الاستعلامات أداة النظام في مهاجمة الإعلام المارق:
طلبت الهيئة العامة للاستعلامات –كما جاء على لسان رئيسها ضياء رشوان في لقاء تلفزيوني- "اعتذار فوري من قبل الـ بي بي سي منشور بنفس الطريقة وبعدد مرات بث الفيديو الخاصة بزبيدة. إلى جانب أن تأخذ هيئة الإذاعة البريطانية كل الملاحظات والانتقادات الواردة في بيان هيئة الاستعلامات في الاعتبار وتتخذ كل اللازم من إجراءات مهنية وإدارية لتصحيح ما ورد في موضوعهم". كما قررت "الاستعلامات" استدعاء مديرة مكتب (BBC) بالقاهرة لتسليمها خطاب رسمي لمطالبة هيئة الاذاعة البريطانية باتخاذ موقف لتصحيح ما أقدمت عليه مراسلتها من مخالفات مهنية في هذا التقرير. جاء ذلك عقب نشر الهيئة البريطانية (BBC) تقريراً عن الأوضاع السياسية في ختام المدة الرئاسية الأولى للرئيس عبدالفتاح السيسي تحت عنوان "ظل يغطي مصر"، وفيلمًا وثائقيًا تضمن سرد لحالات الاختفاء القسري في مصر، تحت عنوان "سحق المعارضة في مصر". ورداً على طلب الهيئة العامة للإستعلامات، قال المتحدث باسم الـ (BBC) "نحن على علم بالتقارير عن بي بي سي في التلفزيونات المصرية، وتعليقات رئيس الهيئة العامة للاستعلامات. لكننا واثقون في نزاهة مراسلينا".
في هذا السياق، كلف النائب العام المستشار نبيل صادق، المحامين العامين ورؤساء النيابة العامة، بالاستمرار في متابعة وسائل الإعلام التي تحركها ما وصفها بـ "قوى الشر"، وضبط ما يُبث منها، وما يصدر عنها عمدًا من أخبار وبيانات وشائعات كاذبة من شأنها تكدير الأمن العام، أو إلقاء الرعب في نفوس أفراد المجتمع، وما يترتب عليه من إلحاق الضرر بالمصلحة العامة للدولة المصرية، واتخاذ الإجراءات الجنائية اللازمة. كما دعا في بيانه المسؤولين عن وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي إخطار النيابة بما يمثل خروجًا عن مواثيق الإعلام والنشر. وقد جاء البيان بعد ساعات من دعوة الهيئة العامة للاستعلامات لمقاطعة هيئة الإذاعة البريطانية BBC. ورأى مراقبون أن بيان النائب العام في حقيقته هو منشور يطالب فيه أعضاء النيابة بالتفرغ لضبط الإعلاميين، وأنه يمثل استبدالًا لوزارة الداخلية بالنيابة العامة، ويظهر أن هناك شعور بأن الداخلية لا تؤدي واجبها، أو أن هناك قضية كبيرة يجهز لها، وتريد الدولة تحريكها من قبل النيابة العامة، وإسنادها إلى قاضي تحقيق.
لا تعد هذه المرة الأولى التي تنتقد فيها الاستعلامات التغطية الإعلامية للنظام الحاكم في مصر وسياساته، وتتهمها بالإنحياز وغياب المصداقية؛ فقد انتقدت الهيئة، في يناير 2018، تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، تحدث عن تسريبات مكالمات هاتفية من المفترض أنها تخص ظابط مصري وهو يملي على شخصيات إعلامية معروفة ما تقوله عن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وهو ما ردت عليه هيئة الاستعلامات مؤكدة أن مواقف مصر الدولية لا يتم معرفتها من تسريبات صادرة عن شخص مجهول. كما سبق واتهمت الهيئة وكالة رويترز و (BBC) بـ "التغطية الغير دقيقة"، وذلك في أكتوبر 2017، حين لجأت وسائل إعلام –في تغطيتها لحادث طريق الواحات- إلى مصادر مجهلة لمعرفة عدد القتلى بعدما تأخرت البيانات الرسمية عن تحديد تداعيات الحادث. وعند نشر العدد الرسمي للقتلى الذي كان مختلفًا عن الأعداد المنشورة. بعدها بشهر أدانت الهيئة وسائل إعلام عديدة لعدم استخدامها مصطلح الإرهاب في تغطية أخبار حادث مسجد الروضة الذي لقى مصرعه فيه أكثر من 300 شخص إثر هجوم من مسلحين.
قراءة في دلالة التوقيت:
كثيراً ما تتهم الـ (BBC) في نسختيها العربية والإنجليزية بالتحيز وعدم الموضوعية في تغطيتها للأحداث في المنطقة العربية؛ في الدراسة التي أعدتها
 
 
"منظمة فكر وبناء" التي تعنى بشؤون الجالية السورية في مدينة مانشستر البريطانية، قد أعدت تقريراً بناء على دراسة لتغطية القناة –في نسختها الإنجليزية- لسورية خلال حملة نظام الأسد على مدينة حلب أواخر عام 2016. وخلصت الدراسة التي شملت أكثر من 300 مادة إعلامية إلى أن تغطية "بي بي سي" لا تعكس حجم الجرائم التي يرتكبها نظام الأسد وحلفاؤه ضد المدنيين، بالمقارنة بالجرائم التي ترتكبها الأطراف الأخرى. فقد كشفت الدراسة حينها أن "بي بي سي" ذكرت أن النظام وحلفاءه كمرتكبين للمجازر في أربعة فقط من أصل 38 تقريراً عن مجازر ارتكبها النظام، أي بنسبة 11%. بينما بلغت نسبة تحديد المسؤولية في الهجمات التي اتهمت بها المعارضة إلى 80%، وإلى 100% عندما يتعلق الأمر بتنظيم "داعش" أو الهجمات التي قام بها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. أما القناة في نسختها العربية فقد وصلت الاتهامات بتحيزها وعدم موضوعيتها ذروتها عام 2016، عندما تقدمت المذيعة السورية "ديما عزالدين" باستقالتها من القناة، احتجاجاً على طريقة تغطيتها للملف السوري، واتهمتها حينها بالانحياز لصالح نظام الأسد، لكنّها عادت وقالت في منشور على "فيسبوك" إنّ الاستقالة جاءت لأسباب شخصيّة، مؤكّدةً في الوقت نفسه أنّ "لديها اعتراضاتٍ على تغطية الخبر السوري في القناة". كما سبق ونشرت القناة صوراً لضحايا قصف قوات النظام حلب المحاصرة على أنها من مناطق النظام، مشيرةً إلى أن الضحايا سقطوا نتيجة قصف قوات المعارضة، معيدةً استهلاك رواية محطة (RT) (روسيا اليوم سابقاً) المدعومة من الكرملين والمعروفة بتأييدها لنظام الأسد.
تعرضت القناة كذلك لإنتقادات واتهامات بالتحيز في 2012؛ بسبب تغطيتها غير المتوازنة للثورات في دول الربيع العربي، إلا أن المفارقة تكمن في أن القناة حينها ركزت على رواية الثوار بدلاً من الأنظمة. وقد خلص تقرير أعدته إدارة القناة حينها؛ لتقييم تغطياتها لثورات الربيع العربي، أن القناة تأخرت في تغطية خروقات حقوق الإنسان من قبل الثوار في ليبيا، وتراجعت تغطيتها في مصر بعد تنحي الرئيس مبارك، وعدم تغطية الجانب السعودي، إضافةً إلى استخدام لفظ "النظام" في تغطية التطورات، وأوصى التقرير حينها بإدخال تحديثات على تغطية "بي بي سي" لتوفير صورة أشمل.
وفي مصر، وعقب نشر الهيئة البريطانية (BBC) تقريراً عن الأوضاع السياسية في ختام المدة الرئاسية الأولى للرئيس عبدالفتاح السيسي تحت عنوان "ظل يغطي مصر"، وفيلمًا وثائقيًا تضمن سرد لحالات الاختفاء القسري في مصر، تحت عنوان "سحق المعارضة في مصر". أتهم رئيس لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب "علاء عابد" -ضابط شرطة سابق متهم بالتعذيب في عام 2005- الـ (BBC) بالتحيز في تغطيتها للوضع في مصر، مستعيناً بخطاب المؤامرة، ففي بيان له عن اللجنة البرلمانية، قال فيه "كلما اقترب موعد إجراء الانتخابات الرئاسية المصرية، رأى (الخونة) من التنظيمات والجماعات الإرهابية والتكفيرية، الحب والتقدير الكبيرين من الشعب للزعيم السيسي، وازدادت أيضاً الحملة المسعورة ضد مصر، وقائدها". وأضاف إن "أكبر دليل على أن تقرير هيئة الإذاعة البريطانية (كاذب)، ولا أساس له من الصحة عن الأوضاع في مصر، أن لجنة حقوق الإنسان زارت العديد من السجون، وأقسام الشرطة (معدة سلفاً)، ولم ترصد ولو حالة واحدة لانتهاك حقوق الإنسان، ولو باللفظ، وليس كما جاء في التقرير من سموم وافتراءات"، بحد زعمه.
استنتاج:
يبدو من تتبع التغطيات الإعلامية للأحداث والوقائع والتطورات في بلادنا أن التحيز بات ثمة مقبولة ومعروفة وغير مستقبحة في هذه التغطيات، وبدأت تتشكل قناعة أن التحيز ثمة إنسانية راسخة لا يمكن الفكاك منها؛ ووفق هذا المعطى يمكن قراءة اتهامات التحيز التي ترفع في وجه نوافذ إعلامية لها وزنها ومصداقيتها في الشارع، سواء كانت نوافذ وطنية أو أجنبية. 
غير المقبول حقيقة أن يتم توظيف هذه التحيزات لصالح طرف ضد طرف آخر؛ وأن يتم شراء ولاءات النوافذ الإعلامية لصالح قوى فاعلة في المشهد العربي أو المشهد المصري، أو يتم توظيف النوافذ ال‘لامية في الصراعات الدائرة في بلادنا.
بحسب ما جرى استعراضه من نماذج وأحداث كشفت عن تحيزات الـ BBC في تغطيتها للعديد من الأحداث التي وقعت في المنطقة، وغيرها كثير يكشف عن تحيزات نوافذ إعلامية ذات ثقل وحضور دولي، يدعم فكرة حتمية التحيز في التغطيات الإعلامية، لكن ما يجب أخذه في الاعتبار الأمرين؛ الأول: أن هذه التحيزات لم تخلق الصورة التي روجتها إنما سلطت عليها الضوء، ما يعني أنها لم تنشئ أحداث من فراغ، إنما كشفت ما هو مسكوت عنه، وهو ما يصب – على سبيل المثال – لصالح القوى المقموعة والمعارضة في مصر على حساب النظام المهيمن. الثاني: أن هذه التحيزات أصيلة لدى العاملين في القناة، ناتجة عن رؤيتهم للعالم ونسقهم الأخلاقي، الرافض للإستبداد والمحتفل بالحرية والديمقراطية في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وهي نفس الرؤية التي دفعت هؤلاء للظهور في
 
 
خندق النظام السوري على حساب قوى المعارضة؛ لأنها رأت في ضمن تشكيلة الأخيرة مكون عنيف قد يحول دون تحقيق الديمقراطية التي خرج الناس في سوريا مطالبين بها. 
في النهاية يظل الفيصل في هذا الأمر أن النافذة الإعلامية لم تخلق الصورة ولم تختلقها إنما سلطت عليها الضوء وأوصلتها إلى مشاهد جديد. وفي مصر تؤكد عدة تقارير حقوقية على تزايد أعداد المعتقلين والمختفين قسرياً، وتراكم حالات التعذيب في السجون، وانتهاكات حقوق الإنسان، وقمع المعارضة وسحقها، وهيمنة النظام على الحياة السياسية وعسكرتها وتأميمها لصالح نخبة صغيرة، وتقرير BBC يسلط الضوء على هذا المشهد نتيجة تحيز القائمين عليه للديمقراطية، دون توظيف من جهة ما، وفي الغالب دون تنسيق مع لـ (لندن)، خاصة مع حيز الحرية الواسع ومساحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لقاء “نيوم” بين نتنياهو وابن سلمان.. تحولات استراتيجية نحو تصفية القضية الفلسطينية مقابل كرسي الملك

ضمن التطبيع الخفي منذ سنوات بين السعودية وإسرائيل، جاء لقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلما…