‫الرئيسية‬ العالم العربي جولة اردوغان فى دول الساحلي الأفريقي
العالم العربي - مارس 16, 2018

جولة اردوغان فى دول الساحلي الأفريقي

 

جولة أردوغان في دول الساحل الإفريقي
تنطلق العلاقات التركية الإفريقية من منظور تركي قِيمي ينطلق من تأكيد حرص أنقرة على تعزيز السلم والاستقرار في إفريقيا، من خلال مساعدة الدول الإفريقية على التخلّص من تبعات الاستعمار، وترسيخ صورة الدولة التركية في العقل الجمعي الإفريقي، بأنها دولة كبرى تحترم الإنسان، وتتبنى سياسات أخلاقية قيمية، باعتبارها "شريك الخير" الذي يضطلع بالمهام الإنسانية والإغاثية، ويمد يد العون للأشقاء الأفارقة. وهو ماجاء في تصريح للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال زيارته لشرق إفريقيا العام الماضي، بقوله: "إنّ البعض جاء لإفريقيا من أجل الذهب، لكن تركيا أتت لإفريقيا لكي تضمّد الجراح". إلا أن هذا لايمنع أن وراء الخطاب السياسي النبيل لتركيا تجاه إفريقيا الذي يحمل المساعدات الإنسانية والتنمية الاقتصادية والمبادرات الإنمائية للقارة، توجّه لسياسة تركية- إفريقية مدفوعة باستراتيجية طويلة الأمد في السياسة الدولية، لكي تتبوأ مكانة مركزية على صعيد العلاقات الدولية. وفي هذا الإطار جاءت الزيارات المتكررة للجانب التركي للعديد من الدول الإفريقية، كان آخرها جولة أردوغان لبعض دول الساحل الإفريقي، هي: الجزائر وموريتانيا والسنغال ومالي، وهو ماتدور حوله هذه الورقة في محاولة للإجابة على عدة تساؤلات، يُعد أهمها: ماهي الدوافع التركية الحقيقية في سياساتها نحو القارة الإفريقية بشكلٍ عام، ونحو دول الساحل الإفريقي بشكلٍ خاص؟ وماهي نتائج جولة أردوغان الأخيرة لدول الساحل الإفريقي الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية؟
* الدوافع التركية الحقيقية في سياساتها نحو القارة الإفريقية..
يهدف التوجه التركي نحو القارة الإفريقية بالأساس إلى الدفاع عن بقاء مصالحها في المنطقة، وذلك من خلال فك طوق العزلة الأوروبية المفروضة عليها سياسياً واقتصادياً، وتجاوز المسرح الإقليمي إلى ما ورائه (إفريقيا)، والحصول على أكبر تأييد دولي لوجودها وسياساتها من جانب، فضلاً عن السعي لإيجاد تيار مناهض لمنافسيها في إفريقيا من جانب ثان. وتراهن أنقرة لتحقيق هذه الأهداف على مبدأ (المصالح والمنفعة المتبادلة) في علاقاتها مع الدول الإفريقية؛ بوصفه أحد أهم مبادئ سياستها الخارجية، إلى جانب دورها في المجال الإنساني. حيث تركز تركيا في مساعداتها الإنسانية لإفريقيا بشكلٍ كبيرٍ على البنية التحتية، معتبرةً إياها إحدى العناصر القليلة في مجال المساعدات الخارجية التي يمكن أن يكون لها تأثير دائم ومستدام، أما القطاعات الأساسية بالنسبة للمساعدات التركية في إفريقيا؛ فهي توجّه لقطاعات الصحة والتعليم والزراعة والمياه والصرف الصحّي.
* جولة أردوغان الأخيرة لدول الساحل الإفريقي ونتائجها..
تحظى زيارات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى الدول الإفريقية، باهتمام واسع على الصعيد المحلي والعالمي، وتطرح تساؤلات عديدة حول أسبابها وأهدافها الاستراتيجية. وتُشير تقارير إلى أن رسائل وأهداف زيارات الرئيس أردوغان إلى البلدان الإفريقية، يمكن قراءتها في إطار خاص يشمل الدول المزورة، وآخر أشمل يتعلق بتعاطي تركيا عموماً مع القارة الإفريقية ومساعيها الحثيثة لبناء شبكة تحالفات وعلاقات سياسية واقتصادية مع أهم أقطابها ومكوناتها. وبالرغم من كون الطبيعة الاقتصادية لجولة أردوغان الأخيرة إلى كل من الجزائر وموريتانيا والسنغال ومالي، تبدو واضحة، إلا أنه تبقى الدوافع والمحركات السياسية غير خافية، فالسياسة والاقتصاد توأمان لا ينفصلان كما يقال. فمن ناحية تنظر تركيا إلى الجزائر – وفق التصريحات الرسمية – باعتبارها أكبر شريك تجاري لها في إفريقيا، حيث يبلغ حجم التجارة بين البلدين نحو 3.5 مليارات دولار، وتمثل الزيارة الحالية رابع زيارة يقوم بها أردوغان للجزائر. بينما بدأت العلاقات بين تركيا والسنغال تأخذ مساراً تصاعدياً واضحاً تجارياً وسياسياً تُوّج بزيارات متبادلة بين قادة البلدين، وزيارته الحالية لداكار هي الثالثة له. في المقابل، تستقبل نواكشوط وباماكو الرئيس التركي لأول مرة، ويتطلع الجانبان في كلا البلدين -وفق التصريحات الرسمية- إلى تعزيز وتقوية العلاقات السياسية والاقتصادية وزيادة حجم التبادل التجاري. بيد أن الأهم في الزيارة الحالية لأردوغان ليس الأبعاد الخاصة المتعلقة بها بقدر ما يجب النظر إليها ضمن سياقاتها الأوسع والأشمل والمتعلقة بالوجود التركي في القارة الإفريقية ضمن سياسة الانفتاح وبسط الأشرعة السياسية والاقتصادية التي انتهجتها السلطات التركية خلال السنوات الماضية.
* الأهداف الاقتصادية والثقافية من الزيارة..
تطرق تركيا أبواب القارة من البوابة الاقتصادية لا "السياسية"، وتسعى للتسلل إلى قلوب الأفارقة عبر الخدمات الإنسانية والتنموية، فهي تساهم في مهام قوات حفظ السلام بالقارة، وتقترب مساعداتها الإنسانية للقارة من نحو 2.5 مليار دولار. ويتأطر الاهتمام التركي بالقارة ضمن خطة وضعها حزب العدالة والتنمية الحاكم تحت مسمى "سياسة الانفتاح عل
 
 
ى القارة الإفريقية" التي تترجم سياسة تركيا بالتحول نحو الجنوب العالمي في ظل حالة الفراغ السياسي الكبير التي تشهدها مناطق واسعة منه مع تراجع أدوار القوى الاستعمارية السابقة وبروز قوى إقليمية منافسة وساعية لوضع نفسها على قاطرة التأثير العالمي.
ففي الجزائر: التي بدأ منها أردوغان جولته الشمال إفريقية، وقّع الرئيس التركي الثلاثاء الماضي بحضور الوزير الأول أحمد أويحيى على سبع مذكرات تفاهم واتفاقيات تعاون في مجالات مختلفة. وجري التوقيع على مذكرة تفاهم حول تعاون دبلوماسي بين وزارتي الخارجية في البلدين، ومذكرة تفاهم للتعاون في قطاع الزارعة، إضافة إلى بروتوكول تعاون حكومي من أجل تقييم التراث الثقافي المشترك، كذلك تم توقيع برنامج تعاون في مجال السياحة. في الشان ذاته، وقع القطاع الخاص في البلدين مذكرتين تفاهم بين أربع شركات نفطية للتعاون في مجال النفط والغاز. كما وقع معهد "يونس إمره" التركي لتعليم اللغة التركية وجامعة سطيف، بروتوكول تعاون في مجال "علم التركيات".
وفي موريتانيا: وقع أردوغان، الأربعاء الماضي، مع نظيره محمد ولد عبد العزيز في العاصمة نواكشوط، سبع اتفاقيات ومذكرات تعاون بين البلدين. وشملت اتفاقية للتعاون بقطاع السياحة، واخري في مجال صيد الأسماك والاقتصاد البحري، وثالثة حول تشجيع وحماية الاستثمارات بشكل متبادل، وبالإضافة إلى مذكرة تفاهم للتعاون بمجال الزراعة، ومذكرة تفاهم للتعاون بمجال الهيدروكربون والمناجم والمعادن.
أما في السنغال: أردوغان خلال منتدى العمل التركي السنغالي في العاصمة دكار إن بلاده تطمح إلى رفع حجم التبادل التجاري مع السنغال إلى 400 مليون دولار. ووقع الجانبات التركي والسنغالي على مذكرة تفاهم لتطوير التعاون في مجال السكك الحديدية، وأخرى للتعاون في مجال السياحة، إضافة إلى خطاب نوايا حسنة حول التعاون بمجال الطاقة والهيدروكربونات، وآخر للتعاون بقطاع المناجم والمعادن.
وبالنسبة لمالي: جرى التوقيع على ثمانِ اتفاقيات للتعاون بين تركيا وجمهورية مالي بحضور الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والمالي إبراهيم أبوبكر كيتا، وذلك في مجالات الصحة والعلوم الطبية وتقنيات المعلومات والأرشيف الدبلوماسي والإستثمارات والتعدين والتعليم والرياضة والطاقة والخدمات الدينية. 
ووفقاً لأرقام مجلس المصدرين الأتراك، استحوذت الجزائر، وهي المحطة الأولى في جولة أردوغان، على خمسة ملايين دولار من حجم تجارة الصادرات التركية في يناير، مقارنة بمبلغ قدره 324 ألف دولار لموريتانيا و80 ألف دولار لمالي و855 ألف دولار للسنغال.
* الأهداف السياسية والاستراتيجية من الزيارة..
وتجمع الدوافع التركية للتوجه تحديداً نحو إفريقيا أمور عديدة، بينها إرث التاريخ وإكراهات الحاضر ومطامح المستقبل، فهي اليوم تقف شبه عاجزة عن إقناع الأوروبيين بضمها لنادي القارة العجوز. كما تصطدم باستمرار مساعيها لتعزيز نفوذها شرقاً في مناطق القوقاز وآسيا الوسطى بناءً على أواصر التاريخ والجغرافيا ووشائج اللغة والثقافة بالنفوذ الروسي القوي هناك. ورغم نفوذها المتزايد في منطقة الشرق الأوسط فإن حجم الصراع العالمي وتضارب المصالح حول هذه المنطقة لا يتركان فرصة لها للاستئثار بمنطقة يكثر اللاعبون في فضاءاتها المزدحمة بالمصالح والثروات. وضمن هذه السياقات الجيوسياسية المعقدة عالمياً وإقليمياً اتجهت البوصلة التركية في سنواتها الأخيرة نحو القارة السمراء، والتي تبدو في نظر القوى الكبرى مازالت رغم قرون من النهب والاستعمار محتفظة بالجزء الأكبر من ثرواتها وخيراتها، وفي الوقت ذاته سوقاً مفتوحة قادرة على استيعاب كل جديد، ولأجل ذلك يتزايد الصراع عليها بين مستعمريها السابقين وخطابها الجدد. وبالنسبة لزيارة أردوغان الأخيرة التي شملت بعض دول الساحل فقد جاءت في إطار محاولات أردوغان الأخيرة تعزيز حضور بلاده في المنطقة عبر إنشاء قوة مشتركة لمواجهة ما توصف بالمخاطر الإرهابية، وهي القوة التي نجحت فرنسا في حشد تمويلي من دول خليجية لا يحتفظ بود كبير لتركيا وسياساتها، حيث أعلنت السعودية عن المشاركة في تمويل هذه القوة بمئة مليون دولار، كما أعلنت الإمارات عن مساهمتها بثلاثين مليون دولار، بحسب الجزيرة.
ويرى المراقبون المعنيون بالشأن التركى، أن أردوغان توجه لأربع دول غرب إفريقيا هذه المرة فى هذا التوقيت، وهو يحمل عدة أهداف رئيسية، هي:
–  بناء شراكات تجارية بديلة تمكنه من تعويض الخسائر التي تكبدها القطاع التجاري التركي في الشرق الأوسط جراء الصراعات أو النزاعات السياسية مع العراق وسوريا وليبيا، وكذلك مع دول الخليج وشمال إفريقيا.
–  محاولة إقناع الدول الإفريقية بإغلاق المدارس التي تديرها مؤسسة الداعية التركي فتح الله جولن المقيم في الولايات المتحدة، أو حتى تسليمها إلى الحكومة التركية. 
– دعم القوة الأمنية لدول الساحل من أجل التصدى بمزيد من الفعالية للمجموعات الجهادية التى تنشط عبر الحدود، حيث أنشأت دول المنطقة (مالى وموريتانيا و
 
 
بوركينا فاسو والنيجر وتشاد) برعاية فرنسية قوة مجموعة دول الساحل الخمس التى يفترض أن يبلغ عددها خمسة آلاف جندى حتى منتصف 2018، والمساهمات الإجمالية لهذه القوة التى كانت 414 مليون يورو، ارتفعت إلى 418 مليون يورو مع المساهمة التركية. 
الخُلاصة..
انتهت جولة أردوغان للدول الأربع -الجزائر وموريتانيا والسنغال ومالي- يوم الجمعة الماضية، مُحرزاً خلالاها عدة صفقات واتفاقيات ديبلوماسية وثقافية واقتصادية في قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة والتعدين، بجانب عدة اتفاقات سياسية أخرى تخص محاصرة المؤسسات التعليمية لمجموعة جولن التي تتهمها تركيا بتنفيذ محاولة الانقلاب الأخيرة هناك. إلا أن اللافت للانتباه هو النتائج الاستراتيجية من الزيارة والتي تمثّلت في دعم تركيا للقوة الأمنية التي دشنتها فرنسا في دول الساحل الخمس بأربعة ملايين يورو، وهو الأمر الذي يُرجعه البعض إلى أحد سببين؛ إما محاولة للتقارب التركي الأوروبي عن طريق فرنسا المعنية الأولى بتلك المنطقة تحديداً من إفريقيا وإنشاء القوة الأمنية هناك لما لها من تداعيات على أمن الداخل الفرنسي حيث تُعد مصدر للإرهاب والهجرة غير الشرعية، أما السبب الآخر فهو على النقيض تماماً حيث يراها البعض رسالة للأوروبيين أن تركيا ستسعى إلى مزاحمتهم في معاقل نفوذهم في القارة الأوروبية مستعيضةً بذلك عن العلاقات الأوروبية- التركية المتوترة منذ فترة خاصةً بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا وكذلك تعديلات أردوغان الدستورية الأخيرة. هذا بالإضافة لما يُمكن تسميته بالحلم العثماني لأردوغان بالعودة من جديد لدور محوري لتركيا، والذي برز خلال تصريح أردوغان خلال زيارته لموريتانيا: نسعى بالتعاون مع الدول الإفريقية إلى دعم نظام عالمي جديد أكثر عدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لقاء “نيوم” بين نتنياهو وابن سلمان.. تحولات استراتيجية نحو تصفية القضية الفلسطينية مقابل كرسي الملك

ضمن التطبيع الخفي منذ سنوات بين السعودية وإسرائيل، جاء لقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلما…