‫الرئيسية‬ العالم العربي قراءه فى نفوذ شركات الغاز العالمية فى دول الشرق الاوسط
العالم العربي - مارس 16, 2018

قراءه فى نفوذ شركات الغاز العالمية فى دول الشرق الاوسط

 

قراءة في نفوذ شركات الغاز العالمية في دول شرق المتوسط
ملخص
في ظل التوتر الذي تشهده منطقة شرق المتوسط بسبب اكتشافات الغاز والتي ستجعل المنطقة محط أنظار دول كثيرة لاستيراده، ينبغي النظر إلى الشركات التي تحصل على حقوق الامتياز لاكتشاف والتنقيب عن الغاز، إذ تعمل في هذه المنطقة مجموعة من الشركات الكبرى عالميا، التي تمتلك مصالح مالية ضخمة، بل وتمتلك قدرات كبرى للتأثير على سياسات الدول ومقارباتها النفطية، كي تتواءم وخططها الجيوستراتيجية، على رأس هذه الشركات شركة إيني الإيطالية في مصر وقبرص، وتوتال الفرنسية في قبرص، ونوبل الأمريكية، وديليك الإسرائيلية. 
ستحاول هذه الورقة إلقاء الضوء على استثمارات ونفوذ هذه الشركات وعلاقتها بدولتها وبالدول التي تقوم فيها بأنشطتها، بل وعلاقة تلك الشركات ببعضها البعض، وما إذا كانت صراعية أم تعاونية.
وانقسمت الورقة لخمسة عناصر، الأول يتناول المستفيدون والخاسرون من اكتشافات الغاز في شرق المتوسط، وفي العناصر المتبقية يتناول كل منهم على حدى تواجد شركات الغاز العالمية في كل من مصر وقبرص ولبنان وفلسطين.
وأشارت الورقة في ملاحظات ختامية إلى بعض الأمور التي تؤكد على فكرة صراع المصالح السياسية للدول المطلة على هذه المنطقة، وتوظيفها السياسي لهذا المورد لخدمة هذه المصالح. وفي أي الأحوال يمكن أن تتصالح هذه المصالح، وهل يمكن لمصر أن تصبح حقا بديلا لموارد الغاز الكبرى في العالم، والمصالح التي تحكم الشركات لاستمراراها في التواجد في مصر.
مقدمة
في ظل التوتر الذي تشهده منطقة شرق المتوسط بسبب اكتشافات الغاز والتي ستجعل المنطقة محط أنظار دول كثيرة لاستيراده، ينبغي النظر إلى الشركات التي تحصل على حقوق الامتياز لاكتشاف والتنقيب عن الغاز، إذ تعمل في هذه المنطقة مجموعة من الشركات الكبرى عالميا، التي تمتلك مصالح مالية ضخمة، بل وتمتلك قدرات كبرى للتأثير على سياسات الدول ومقارباتها النفطية، كي تتواءم وخططها الجيوستراتيجية، على رأس هذه الشركات شركة إيني الإيطالية في مصر وقبرص، وتوتال الفرنسية في قبرص، ونوبل الأمريكية، وديليك الإسرائيلية. 
ستحاول هذه الورقة إلقاء الضوء على استثمارات ونفوذ هذه الشركات وعلاقتها بدولتها وبالدول التي تقوم فيها بأنشطتها، بل وعلاقة تلك الشركات ببعضها البعض، وما إذا كانت صراعية أم تعاونية.
أولا- المستفيدون والخاسرون من اكتشافات الغاز بشرق البحر المتوسط:
تحولت منطقة "شروق" حيث تم اكتشاف حقل ظهر في مصر أواخر 2015، والذي يعد الأهم والأكبر في البحر المتوسط بإنتاجه 30 تريليون قدم مربع، إلى وجهة جديدة مهمة لصراع شركات الطاقة العالمية. وترك هذا أثرا مباشرا على خمس دول، فقد انخفضت أسهم شركات الطاقة الإسرائيلية عند إعلان الاكتشاف، وزاد الأمر عندما بدأت مفاوضات مصر مع شركة نوبل إنرجي الأمريكية "المستثمر الوحيد للنفط في فلسطين"، ما قلل من خيار التصدير الإسرائيلي، ودفع للتفكير بشأن مصالحة مع تركيا التي تعد الأكثر احتياجا للغاز. وانعكس سلبا أيضا على كل من روسيا –المصدر الأول للغاز لأوروبا- وإيران –أكبر منتج للغاز في العالم.
وبالنسبة لقبرص، فقد انعكس الاكتشاف عليها إيجابيا، بالإضافة إلى أنها بادرت بالإعلان عن عروض لاستثمار 3 بلوكات جديدة (6-8)، وبلوك 10 المشترك بينها وبين مصر في محيط حقل ظهر.
وعلى مستوى إيطاليا، فأثبتت بعد كشف شركة إيني لحقل ظهر أنها قادرة على تحدي روسيا، لأن منطقة شروق ستشكل بديلا للغاز الروسي لمصر، وستشكل مصدرا إضافيا للغاز بالنسبة لإيطاليا، وسيخفف من اعتمادها على الغاز الروسي القادم من ألمانيا، بما يمهد لإيطاليا القدرة على حشد دول أوروبا لجانبها في صراعها مع ألمانيا على زعامة سوق الطاقة في أوروبا.
قبل انعقاد اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص واليونان في2014، احتفلت إسرائيل بافتتاح حقل "ليفياثان" البحري للغاز الطبيعي، وكان وقتها أهم اكتشافات الغاز في العالم، وأكبرها من حيث حجم الاحتياطي. سبق هذا، ما أعلنته التقارير الدولية التي تشير إلى امتلاك حوض البحر المتوسط لاحتياطي نفط يصل إلى 1.7 مليار برميل، و122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي. مما حمس العديد من الشركات العالمية للبحث عن امتيازات للتنقيب.
وعن تصارع المصالح المتوقع في تلك المنطقة، فلا يمكن النظر للمواءمات التي حدثت بين تركيا وإسرائيل، وبين تركيا وروسيا، بعيدا عن تشابك المصالح النفطية. فتسعى روسيا لشراء حقلي "كاريش" و"تانين" الإسرائيليين المحاذيين للحدود اللبنانية، إذ تملك حقل تانين شركة إنيرجيان اليونانية، ويبلغ احتياطه 22 مليار متر مكعب، وتملك حقل كاريش شركة نوبل إنرجي بحصة 47%، وأفنير الإسرائيلية بحصة 26% وديليك الإسرائيلية 26%. 
بالإضافة لذلك، تسعى روسيا للدخول على خط المفاوضات بين لبنان وإسرائيل حول المنطقة النفطية المتنازع عليها في الجنوب، كي تحصل على امتياز استكشاف النفط في هذه المنطقة، فتريد روسيا بنفوذها على الطاقة
 
 
في لبنان وسابقا في سوريا، التي بدأت أعمال التنقيب في البر، لكن ما تكتنزه من غاز طبيعي على شواطئ طرطوس، يشير لثروة واعدة كفيلة بتحويلها لأكبر مصدّر للغاز في العالم، لذا تقاتل روسيا لحماية قاعدتها العسكرية في طرطوس، ولتأمين مد خطوط الغاز عبر سوريا مستقبلا، لذا تعمل على الصغط على إسرائيل لترسيم الحدود البحرية.
وتتصدر قبرص وإسرائيل مشهد التنقيب عن الغاز في المتوسط، تليهما مصر، وتأمل شركة إيني الإيطالية في حفر أول بئر في لبنان في 2019، وهذا يعني أنه في المستقبل سيزيد المتنافسين أمام روسيا، لأن شركة إيني لها تواجد في أكثر من 80 دولة، من ضمنها دول أوروبا الشرقية وأفريقيا، بالإضافة لوجودها في إيران وكازاخستان والعراق. 
ولا ترغب إسرائيل في ترسيم الحدود البحرية مع لبنان واليونان وقبرص، حيث يقع أحد حقولها المهمة في مياه فلسطين، وجزء آخر منه في المياه الإقليمية اليونانية، وقد لجأت إسرائيل لاستخدام كل طرق التنقيب دون اعتبار لحدود أو ترسيمها، لأن اكتشافها للغاز في هذه المنطقة سيخفف عليها استيراد الغاز الطبيعي واستيراد الفحم الحجري.  
تركيا تسعى من خلال المواءمات التي تحدث بالمنطقة أن تحصل على مصدر جديد للطاقة، كونها الأكثر استيرادا للغاز في المنطقة، وكذلك استفادتها من مرور أنابيب توريد الغاز عبر أراضيها لأوروبا، لأن نقل الغاز بعد تسييله عبر بواخر سيكون مكلفا مقارنة بتوصيل أنابيب تمر من إسرائيل مروراً بقبرص ومنها إلى تركيا وصولاً إلى أوروبا يبقى الأجدى اقتصادياً، وهو أقل كلفة من أنبوب غاز قد يمتدّ من فلسطين المحتلة مروراً بقبرص واليونان، وصولاً إلى أوروبا. وتعمل تركيا على تنفيذ مشروع "الممر الجنوبي"، الذي تريد من خلاله تأمين احتياجاتها الكاملة من الغاز مستقبلا، ولعب دور المصدّر لأوروبا، لذا تقوم بمزاحمة قبرص في مياهها.
ثانيا- تواجد شركات الغاز العالمية في مصر:
تأسست شركة إيني عام 1953 لسد احتياجات إيطاليا من النفط، ووصل رأس مالها إلى 90 مليار دولار، تملك الحكومة الإيطالية 30% من أسهمها، وطالت الشركة مجموعة من الفضائح، كان منها ما ورد في وثائق ويكيليكس بشأن اتهامها بدفع رشاوى لحكومات دول نامية مقابل فوزها باستثمار النفط في بلادهم.
عند افتتاح حقل ظهر، أشار رئيس شركة إيني "كلادوديو ديسكالزي" إلى أن مشاريع الغاز في دول شرق البحر المتوسط، ستصبح مهمة لمساعدة أوروبا في تنويع وارداتها من الغاز، في ظل انخفاض الإنتاج في بحر الشمالي وارتفاع الإمدادات الروسية، وأشار إلى أن مصر قد تلعب دورا هاما في صادرات الغاز بسبب ما تمتلكه من بنية تحتية، لتصبح مركزا لشحن ما يصل إلى 20 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، فقد بدأ الاكتشاف في أغسطس 2015 على أن يتم إنتاج مليار متر مكعب في 2017، وصولا إلى 2.7 مليار متر مكعب في 2019، وأوضح في تصريح آخر له أن الشركة تدير 35% من حقول الغاز في مصر، وأنه تم إنفاق 5 مليارات دولار على مشروع حقل ظهر بشكل مبدئي.
بدأ استثمار شركة إيني في مصر منذ 1954، وتدير حوال 35% من الغاز الطبيعي المصري، وقبل اكتشاف حقل ظهر، اكتشفت الشركة حقلي نورس وبلطيم، عبر وكيلها في مصر شركة "أيوك للنفط" التي تمتلكها بالتشارك مع الهيئة المصرية العامة للبترول. 
وتعمل إيني في ست مناطق امتياز في المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بمصر، من ضمنها سيناء وخليج السويس والدلتا باستثمارات حوالي 2 مليار دولار، وشمال ليل غرب حقل ظهر باستثمارات حدها الأدنى 130 مليون دولار، وكروان غرب حقل ظهر، تشترك فيه معها شركة برتش بتروليم باستثمارات حدها الأدنى 145 مليون دولار، وتضخ إيني استثمارات بنحو 120 مليون دولار في منطقتي امتياز بلطيم والأشرافي. 
وتعمل شركة إدسون الإيطالية في خمس مناطق امتياز، منها "نورس بورفؤاد"، وتعمل شركة برتش بتروليم في سبع مناطق، منها منطقة شمال المكس غرب حقل ظهر، ومنطقة شمال التنين، ومنطقة الطابية جنوب حقل ظهر.
وتمتلك شركة برتش بتروليم سجلا حافلا في مصر منذ 50 عاما، وتنتج الشركة ما يقرب من 15\5 من إجمالي إنتاج مصر من النفط، وما يقرب من 30% من إنتاج مصر من الغاز مع شركائها، وساهمت العلاقات الوطيدة بين الشركة والحكومة المصرية في إنشاء مشروع مشترك في خليج السويس، بالإضافة لمشروع في في الدلتا، ورأس البر.
وتساهم بي بي بنسبة 33% في مصنع الغاز الطبيعي المسال الذي تحصل فيه شركة إيني على نسبة أيضا، وأوضح السفير البريطاني في مصر "جون كاسن" في تصريح سابق له في 2016، أن الشركة ستقوم خلال الأعوام المقبلة باستثمار 21% من استثماراتها فى العالم كله فى مصر، بمبلغ 13 مليار دولار، وأوضحت وكالة بلومبرج في 2016 أن حجم الاستثمارات التي تعتزم شركتا بي بي وإيني ضخها في مصر، يعد الأكبر مقارنة باستثماراتهما في مجال النفط داخل أي دولة أخرى، واستندت في ذلك لتصريح لرئيس شركة إيني أثناء افتتاح معرص إيجبس 2017، واعتزام الشركة ضخ استثمارات في السنوات المقبلة بقيمة 10 مليار دولار.
وفي فبر
 
 
اير 2018، أعلنت بي بي البدء في الإنتاج في حقل الغاز المصري "أتول" قبل الموعد المقرر بسبعة أشهر، وأن المشروع ينتج 350 مليون قدم مكعب من الغاز يوميا، وعشرة آلاف برميل من المكثفات.
وفي منتصف عام 2016، أعلنت بي بي وإيني عن كشف مهم للغاز الطبيعي في منطقة تنمية جنوب بلطيم شرق الدلتا، ويعتبر الكشف، الذي يبعد عن الشاطئ مسافة 12 كيلو مترًا، تجمعًا جديدًا على نفس نمط حقل نورس المكتشف في يوليو 2015، وينتج حاليا 65 ألف برميل معادل من البترول في اليوم.
في 2010، وافق مجلس شعب أحمد عز على اتفاقية عقدت بين شركة بريتش بتروليم والهيئة العامة للبيترول حول منطقة شمال الإسكندرية وغرب المتوسط مياه عميقة، وأسفر هذا الاتفاق عن تنازل مصر عما قيمته أكثر من 15 مليار دولار لصالح شركة بي بي دون مبررات.
وفيما يخص حقل ظهر، فقد اكتشفت إيني الحقل الموجود على مساحة 100 كم مربع، تبلغ حوالي 3% من منطقة امتياز "شروق" الذي حصلت عليه عام 2012 بعد أن كان ممنوحاً قبلها لشركة Shell الهولنديّة منذ عام 1999، التي توقفت عن التنقيب فيه منذ عام 2011 إثر اندلاع "الثورة" في مصر، ويبلغ عدد الآبار فيه حاليا حوالي 5 إلى 6 آبار تزيد تدريجيا حتى تصل إلى نحو 20 بئرا بحلول نهاية 2019.
وفي فبراير 2018، أعلن المدير المالي للشركة عن قيام الشركة باستكمال بيع حصص في حقل ظهر، وأن بيع حصة إضافية نسبتها 10% في الحقل سيكون فرصة لاستبدالها بأصول أخرى.
وكشفت وكالة نوفوستي الروسية للأنباء عن حصول قطر على 19.5% من أسهم شركة "روس نفط" الروسية، قبل دخول الأخيرة فى صفقة مع شركة "إينى" الإيطالية لامتلاك 30% من امتياز حقل ظهر، بما يعني أن قطر لها وجود في هذه الاكتشافات.
يرجع هذا الأمر حين قامت شركة إيني ببيع 40% من الحقل لشركة برتش بتروليم البريطانية، التي باعت بدورها ما نسبته 30% لشركة روس نوفت الروسية، التي تمتلك قطر أسهما فيها، ولم ينشر الجانب المصري أي من تفاصيل هذا الأمر، وأعلن الجانب الروسي قيمة النسب المملوكة لكل طرف في الحقل كالتالي: شركة روس نوفت 30%، وشركة برتش بتروليم 10% وشركة إيني 60%.
إذ أنهت شركة روس نوفت الروسية صفقة استحوازها على 30% من حقوق امتياز تطوير الحقل من شركة إيني في 2017، وقُدرت قيمة الصفقة بنحو 1.125 مليار دولار، بالإضافة إلى منحة تنازل للحكومة المصرية بقيمة حوالي 114 مليون دولار، وهي تعد أكبر منحة تنازل يحصل عليها قطاع البترول المصري، وأوضحت وزارة البترول أن هذه الصفقة هدفها تجاري بحت وليس لها أية أبعاد سياسية، وتستهدف الشركة من هذه الصفقة تعزيز مواقفها في الأسواق الاستراتيجية في أوروبا والشرق الأوسط، وتبادل الخبرات في مجال تطوير الحقول البحرية، وتعزيز موقعها في هذه المنطقة الاستراتيجية في العالم.
وتم تفسير قيام شركة إيني ببيع هذه النسب بأنه يهدف لتوزيع المخاطر، خاصة في ظل انخفاض سعر البترول، وتوفير سيولة لتوظيفها في استثمارات أخرى، وهي جزء من استراتيجية شركة إيني، التي تقوم على على شراء امتيازات للتنقيب عن النفط والغاز حول العالم، وعندما تتحقق من وجود مخزون اقتصادي قابل للاستغلال، فإنها تبيع حصة أقلية للشركات الأخرى، وتحتفظ لنفسها بالحصة الأكبر المسيطرة وباحتكار على عملية التشغيل، وساعدتها تلك الاستراتيجية المعلنة في جمع حوالي 6.3 مليار دولار في الأربع سنوات الماضية، فأعلنت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن شركة إيني وضعت في 2017 هدف زيادة إنتاجها بنسبة 5%، رغم العقبات التي واجهتها بعد إغلاق حقل نفطي في جنوبي إيطاليا. 
بعد حصول شركة إيني على اميتاز حقل ظهر، أصبحت مصر تحتل المرتبة الأولى في استثمارات الشركة، إذ بلغ استثماراتها في 2016 بمصر حوالي 2.7 مليار دولار. ورغم قيام إيني ببيع نحو 40% من حصتها بالحقل، أعلنت توقيعها مع وزارة البترول اتفاقي امتياز جديدين للتنقيب بمنطقتي شمال الحماد وشمال رأس العش البحريتين، إذ ستدير الشركة في المنطقة الأولى حصة قدرها 37.5% مع شركتي برتش بتروليم وتوتال، وفي المنطقة الثانية 50%، وتحصل شركة برتش بتروليم على 50%.
يُذكر أن هناك بروتوكولا حاكما لعملية التنقيب نظرا لارتفاع التكلفة، وهو أنه يتم تجنيب 40% من المنتج الصادر لصالح الشركة المنقبة كمقابل لتكلفة التنقيب والبحث نفسها، ثم يتم اقتسام النسبة الباقية بواقع 30% لكل طرف. وبالتالي فإن نسبة شركة إيني الإيطالية من حقل "ظهر" هي 70%، ونصيب مصر 30%، واستطاعت إيني أن تستفيد من هذا الأمر، لأن الأمر تزامن مع ضغوط اشتراطات صندوق النقد الدولي على الحكومة المصرية بشأن تسديد الديون المتراكمة عليها لشركات البترول قبل الاستمرار في أخذ الدفعات التالية من القرض.
ويخضع مصنع دمياط لإسالة الغاز الطبيعي-أحد مصنعين لإسالة الغاز هو ومصنع إدكو المملوك للشركة المصرية للغاز الطبيعي المسال- لملكية مشتركة بين شركة يونيون فينوسا الإسبانية الإيطالية، وشركة إيني بنسبة 80%، وتخضع باقي الأسهم لملكية الشركة المصرية
 
 
القابضة للغاز الطبيعي "إيجاس" بنسبة 10%، والهيئة المصرية العامة للبترول 10%.
وفيما يخص الحديث عن النفوذ السياسي لهذه الشركات، يأتي على سبيل المثال الحديث عن دور شركة إيني في قضية مقتل الطالب الإيطالي "جوليو ريجيني" في مصر، إذ كانت هناك تكهنات بقيام إيطاليا بسحب استثمارات الشركة من حقل ظهر، إلا أن الاستثمارات استمرت، وظهرت آراء تحليلية حول تأثير المساهمين بالشركة داخل البرلمان الإيطالي وفي الإعلام، ما جعل المصالح الاقتصادية هي المحرك لعودة العلاقات بين البلدين، وعودة السفير الإيطالي لمصر. فأوضحت صحيفة نيويروك تايمز أن إيطاليا من أضعف الدول الأوروبية في مجال الطاقة، وهذا ما يجعل لشركة إيني نفوذا في السياسة الخارجية، نظرا لاستثماراتها الكبيرة في دول العالم، وهو بالفعل ما أقر به رئيس الورزاء الإيطالي في تصريحات له في 2014، بأن الشركة جزء جوهري في سياسة البلاد الخارجية والاستخباراتية. وقالت نيويورك تايمز أيضا أن الشركة رتبت لقاء بين صحيفة "لا ريبوبليكا" الإيطالية وعبد الفتاح السيسي بعد 6 أسابيع من وفاة ريجيني أظهر خلاله تعاطفه مع والدي ريجيني ووصف حادث وفاته بـ "المروعة وغير المقبولة"، كما تعهد بالوصول إلى حقيقة مقتله.  
وفي هذه الأثناء، وفي ظل الحديث عن بيع الشركة لأجزاء من حصتها بالحقل لشركات أخرى، تحدث رئيسها بأن وجود شركاء في الحقل سيرفع عنها جزءا من المخاطر السياسية المرتبطة بالعمل في مصر، التي تواجه عدم استقرار، وكان يقصد بعدم الاستقرار هنا هو الحديث الدائر عن سعي قبرص لمطالبة أحقيتها في الحقل، بسبب وقوعه بالقرب من حدودها.
أما بخصوص صفقة استيراد الغاز من إسرائيل، فتقوم شركتي ديليك الإسرائيلية ونوبل إنيرجي الأمريكية قد بدأتا التفاوض مع المساهمين في شركة "غاز شرق المتوسط" تمهيدًا لشراء حصص المساهمين في الشركة، وذلك حتى تمتلكان الحصة الحاكمة في الشركة لاستخدام خط أنابيب الغاز الواصل بين مصر وإسرائيل في توريد الغاز الإسرائيلي لمصر، وفيما يخص شركة دولفينوس القابضة، التي ستستورد الغاز، فهي شركة قطاع خاص مصرية، مسجلة في سويسرا وليس مصر.   
ومن المقرر البدء في التنفيذ الفني لتعديل خط أنابيب الغاز الذي كانت تستخدمه مصر قبل يناير 2011 لتصدير غازها لإسرائيل، ليستخدم للتوريد بدلا من التصدير، وأن الكميات المتفق على استيرادها من خلال الصفقة تمثل فقط ثلث كمية الغاز المتوقع توريده لمصر من إسرائيل، وسيتم التفاوض على باقي الكمية بنفس الطريقة وبين نفس الأطراف.
ثالثا- تواجد شركات الغاز العالمية في قبرص:
تطمح قبرص لتكون مركزا إقليميا لتسييل الغاز الطبيعي لدول المنطقة وتصديره إلى أوروبا وآسيا بحلول عام 2022، وتتواجد إيني في قبرص في البلوكات (2-3-9)، من خلال ائتلاف إيطالي – كوري جنوبي (ENI-KOGAS)، بحيث تملك الأولى 80% من الحصص والثانية 20%، وتأهلت شركة إيني –في أغسطس 2015- للحصول على تراخيص للاسثتمار في البلوكات (6-8-10)، بمشاركة شركات أخرى.
وتعمل شركة نوبل انرجي في البلوك 12 حيث حقل أفروديت الذي يحوي نحو 5 تريليون قدم مكعب، وشركة توتال الفرنسية في البلوك 11.
وفي فبراير 2018، قامت السفن التركية بمنع سفينة تابعة لشركة إيني الإيطالية من ممارسة أعمال الحفر والتنقيب في حقل "سوبيا" جنوب شرقي قبرص، ما دفع الحكومة الإيطالية لاتخاذ إجراءات لتأمين تنقيب شركاتها بالمنطقة، وأمرت بنقل وحدة عسكرية لشرقي البحر المتوسط.
وأعلن رئيس شركة إيني أنه لن يتخلى عن عمليات التنقيب التي تجريها الشركة قبالة قبرص، وستنتظر التوصل لحل دبلوماسي لبدء عملياتها، فقد حصلت شركات إيني وتوتال وإكسون موبيل على تراخيص لاستكشاف الرواسب الهيدروكربونية في نفس المنطقة البحرية المتنازع عليها بين قبرص وتركيا.
واكتشف احتياطي من الغاز يقدر بـ 127.4 مليار متر مكعب في عام 2011 قبالة ساحل قبرص في حقل أفروديت، والذي تملكه شركة نوبل إنرجي الأمريكية بنسبة 35%، ومجموعة بي جي البريطانية بنسبة 35%، وشركة ديليك الإسرائيلية بنسبة 30%.
وتقوم مجموعة شركات توتال الفرنسية وإيطاليا الإيطالية بالحفر على بعد 167 كيلومترا قبالة الساحل الجنوبي لقبرص بالقرب من حقل ضخم من المياه الدولية يقدر بـ 30 تريليون قدم مكعب من الغاز، واكتشفت مؤخرا حقلا يحتوي على أكثر من 4 تريليونات قدم مكعب من الغاز في أماكن أخرى في المياه القبرصية، وتؤيد اليونان جهود قبرص في استكشاف الموارد النفطية.
رابعا- تواجد شركات الغاز العالمية في فلسطين:
تحتكر شركة نوبل انرجي الأمريكية مع شركة ديليك الإسرائيلية الغاز الفلسطيني، وبعد نزاع بين الحكومة الإسرائيلية وبين جمعيات مكافحة الاحتكار، وتوقيع قانون مكافحة الاحتكار النفطي، تم عرض حقلي "كاريش" و"تانين" للبيع، وإجبار شركة ديليك على بيع حصتها في حقل "تامار"، وخفض حصة نوبل انرجي في الحقل من 37% إلى 25%، مقابل رفع استثماراتها في حقل "ليفياتان" من 1.5 مليار إلى 4 مليار دولار عام 2020.
وكان حقل "تامار
 
 
" الذي تم اكتشافه في 2009 عبر ائتلاف شركات تقوده نوبل إنرجي، يعد أكبر حقل غاز طبيعي يكتشف في المنطقة في ذلك الوقت، وكان من المتوقع أن يحقق تامار للسوق الإسرائيلي اكتفاء ذاتيا.
وحدث اختلاف بين الحكومة الإسرائيلية ونوبل إنرجي التي أصبح لها تواجد في الحقول "أفروديت وتامار وليفياتان"، إذ رغبت الشركة أن تربط الحقول لمصانع إسالة الغاز العائمة والأرضية، من أجل التصدير للأسواق العالمية، وعقد الاتحاد الذي تقوده نوبل إنرجي اتفاقاً أولياً مع خبراء النفط والغاز الطبيعي المُسال بشركة وودسايد بتروليوم الاسترالية لمتابعة المشروع، ولكن لم توافق الشركة ولا إسرائيل على تفاصيل الصفقة، وبهذا تبدد أمل إقامة منشأة تصدير للغاز الطبيعي المسال.
وبعد اكتشافيّ تمار وليفياثان، أصدرت الحكومة الإسرائيلية قانوناً في عام 2013 يقضي بتخصيص 60% من احتياطي الغاز الطبيعي في البلاد للاستهلاك المحلي، وأصبح هناك دوافع لجذب دول لتصدير نسبة الـ40% من الغاز، لكن لم تتحق خطط التصدير بسبب النزاعات داخل اتحاد نوبل إنرجي، ووصل الأمر في النهاية لإبرام قانون مكافحة الاحتكار السابق ذكره، والنتائج المترتبة عليه.
وهناك حقل شمشون المتنازع عليه بين مصر ولبنان وإسرائيل، ويبلغ احتياطه 1-2 مليار متر مكعب، وتستغله شركة ATP الأمريكية وشركة إسرامكو الإسرائيلية.
خامسا- تواجد شركات الغاز العالمية في لبنان:
في 2017، طرح لبنان مناقصة للتنقيب عن النفط والغاز في البلوك رقم4 و9، وتم منح تراخيص فيهما لشركة توتال الفرنسية وإيني الإيطالية ونوفاتك الروسية.
ويشكّل اهتمام الشركات الثلاث مكسباً للبنان، إذ إن لشركة إيني دوراً كبيراً في اكتشافات النفط والغاز في كل من البحر الأبيض المتوسط، أما توتال فهي من كبرى الشركات النفطية العالمية، ولها دور مهم في الاكتشاف والإنتاج البترولي في كل من قطر وإيران فضلاً عن أبو ظبي والجزائر. فيما تُعتبر نوفاتك من الشركات الروسية الضخمة لإنتاج الغاز، بالإضافة إلى أن الشركات الثلاث تستكشف الغاز في المياه القبرصية.
وهو ما دفع إسرائيل لدعوة الشركات الدولية للامتناع عن المشاركة في هذه المناقصة، لأن جزءا من البلوك تابعا لإسرائيل، والذي يقدر بحوالي 854 كم مربع، من إجمالي مساحة تبلغ 83 ألف كم مربع، ووصل الأمر إلى اعتراض البحرية الإسرائيلية لسفن التنقيب عن الغاز في المياه الإقليمية اللبنانية، وهدَّد حزب الله بالهجوم على البنية التحتية الإسرائيلية للنفط والغاز الطبيعي في حال تحرك إسرائيل لمنع الاستكشاف اللبناني.
ويعود تاريخ "البلوك 9" إلى العام 2009 حين اكتشفت الشركة الأميركية نوبل إنرجي كمية من احتياطي النفط والغاز في الحوض الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، تبلغ مساحته 83 ألف كم مربع، وهي واقعة في منطقة المياه الإقليمية لكل من سورية ولبنان وقبرص وإسرائيل، وتقدر حصة لبنان من الغاز الطبيعي الذي يحتضنه هذا الجزء من المتوسط بحوالي 96 تريليون قدم مكعبة. وهي ثروة يمكن أن تساعد لبنان في حل جزء من دينه العام.
إذ أوضح وزير الطاقة اللبناني أنه وفقا للمعلومات المتاحة من الشركات المتعاقد معها، فستكون الحصة المبدئية للبنان من إنتاج الغاز والنفط بعد التنقيب، ستزيد عن 50% في كل رقعة.
ملاحظات ختامية:
قد نستنتج مما سبق أن أطروحة تحول الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط تبدأ في الأفول، لأنه ليس من المنطقي أن تترك الولايات المتحدة هذه المنطقة في ظل ما يمكن اكتشافه من ثروات من الغاز الطبيعي، قد ينافس مصالحها التي تسعى للحفاظ عليها بامتلاكها مصدر الغاز الصخري، خاصة مع المساعي الدولية لزيادة الاعتماد على الغاز الطبيعي لتقليل الانبعاثات الحرارية المؤثرة في تغيير المناخ.
بعض الآراء التحليلية لا ترجح أن تحل مصر ودول شرق البحر المتوسط محل روسيا كأكبر مزود للغاز الطبيعي لأوروبا، لكن يمكنها أن تساعد بشكل كبير فى خفض اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز الروسي، ويمكنها تقليل الأهمية التركية لدى أوروبا، مع حصول القاهرة فى الوقت نفسه على نفوذ أكبر في الأوساط الدبلوماسية الأوروبية.
امتلاك قطر لأسهم في شركات تحصل على امتياز بالتنقيب عن الغاز، يعني أن هناك أمور لا تسيطر عليها الخطابات السياسية المعلنة، ويظل الاقتصاد والمصلحة لهما تأثير كبير على العلاقات بين الدول.  
قد تعمل الشركات التي لها أنشطة مشتركة مع مصر فيما يخص التنقيب عن الغاز في استمرار هذا التعاون لما سيعود عليها بفائدة في حالة توريد الغاز للخارج سواء من مصر، أو أن تكون مصر معبرا –كما يقال في بعض التحليلات- للغاز لأوروبا، لذا من الضروري أن تسعى هذه الشركات أن تحفظ مكانها في المستقبل.
على مصر أن تحتفظ بعلاقتها الطيبة بروسيا، والتنسيق حول هذا الأمر، حتى لا تصطدم المصالح في المستقبل، خاصة وأن شركة روس نوفت تمتلك أسهما في شركات شريكة لشركات لها حقوق امتياز في حقول الغاز المصرية، مثل شركة إيني، بالإضافة إلى أن روسيا تسعى بقوة لبسط نفوذها للحصول على امتيازات
 
 
استكشاف مناطق في لبنان وفلسطين المحتلة، بالإضافة لسوريا. 
الأثر السلبي الذي تركه اكتشاف حقل ظهر على إسرائيل، جعلها تطلق على يوم انعقاد صفقة استيراد الغاز التي أعلن عنها مؤخرا بقيمة 15 مليار دولار بيوم العيد، لأن هذه الصفقة ستساهم في فتح طريق جديد أمام مصادر الطاقة الإسرائيلية.
قد نكتشف مستقبلا قيام إسرائيل بالتوسط في مصالحة بين مصر وتركيا، من أجل ضمان أقل تكلفة لتوريد الغاز عبر أنابيب تمر عبر مصر وتركيا لتصل لأوروبا، لتصبح إسرائيل مستفيدة من الجانبين في تقوية اقتصادها ومركزها الاستراتيجي من الطاقة. 
في ظل رغبة كل بلد في استغلال موارده لتحقيق أهدافه الخاصة، فإن التحديات السياسية التي تواجه شركات الطاقة هي جزء من التعقيدات والتحديات الكامنة في شرق المتوسط، والتي من شأنها أن تعيق تطوير الكثير من إمكانات الهيدروكربونات في هذه المنطقة.
أصبح الغاز يُمثل إحدى أبرز وسائل التوظيف السياسي لتصفية الحسابات السياسية بين القوى الإقليمية، وظهر هذا بين مصر وتركيا على خلفية سقوط حكم الإخوان، وبين قبرص وتركيا إثر الاعتراف التركي بشمال قبرص، وبين تركيا واليونان على خلفية الصراعات التاريخية بشأن القضية القبرصية وبحر إيجه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مشاورات جنيف والمغرب حول ليبيا..بين فرص السلام وعراقيل حفتر وداعميه

    الأحد الماضي، بدأت الجلسات التمهيدية لطاولة الحوار السياسي الليبي بين ممثلي …