‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر صدور احكام ضد المتهمين بالتعذيب فى السجون المصرية
مصر - مارس 19, 2018

صدور احكام ضد المتهمين بالتعذيب فى السجون المصرية

 

صدور أحكام ضد المتهمين بالتعذيب في السجون المصرية
التوقيت.. والدلالات
بالرغم من نفي السيسي المُستمر للاتهامات المُوجهة ضد نظامه بممارسة التعذيب ضد المُحتجزين بأقسام الشرطة ومقرات الأمن الوطني؛ إلا أنه خلال الأشهر القليلة الماضية نظر عدد من المحاكم المصرية في دعاوى قضائية بحق بعض المسئولين الأمنيين بتهمة ممارسة التعذيب وارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان. حتى أنه في 25 أكتوبر الماضي، أيَّدت محكمة النقض – أعلى محكمة جنائية للمدنيين في مصر – حكماً على أحد ضباط الشرطة بالسجن المشدد 7 سنوات، والسجن 3 سنوات لـ5 أمناء شرطة آخرين، لتعذيب مواطن حتى الموت داخل أحد أقسام الشرطة. كما قضت بتغريم وزير الداخلية 1.5 مليون جنيه (85 ألف دولار) تم دفعها غرامة لأسرة الضحية كتعويض عن عدم قيام وزارة الداخلية بمنع هذه الانتهاكات. ويُعَدّ هذا الحكم واحداً من عدة أحكام قضائية نهائية غير قابلة للطعن صدرت مؤخراً ضد ضباط في الشرطة، على خلفية اتهامهم بممارسة التعذيب وغير ذلك من أشكال سوء المعاملة للموقوفين بما يتسبب بإصابتهم بأمراض مزمنة وعاهات مستديمة. كذلك تنظر المحاكم المدنية في آلاف الدعاوى المرفوعة ضد وزير الداخلية للمطالبة بالتعويض لإغفاله عن وقائع التعذيب أو سماحه بحدوثها. فماهي حقيقية تلك الأحكام؟ ومادلالاتها؟ وهل تحمل في طياتها أي مغزىً ذي أهمية أم أنها لاتعدو عن كونها مجرد محاولات لاستيعاب حالة السخط داخل المجتمع للتخفيف من حدة الاحتقان في الشارع المصري؟ تلك هي التساؤلات التي ستُحاول تلك الورقة الإجابة عنها من خلال النقاط التالية..
*خلفيات وقائع التعذيب في السجون المصرية..
منذ انقلاب يوليو 2013 تواصل الشرطة المصرية تعذيب المعتقلين بصورة منهجية دون عقاب، وتزداد وتيرة الانتهاكات ضد السجناء الجنائيين والسياسيين. ففي العام 2016، وثّقت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات 830 حالة تعذيب تضمنت 159 واقعة تعذيب في أقسام الشرطة و101 حالة تعذيب في مقر جهاز أمن الدولة الذي تديره وزارة الداخلية، إضافةً إلى 35 واقعة بمعسكرات قوات الأمن، و6 وقائع في المؤسسات العقابية. ويمثل الطلاب النسبة الأكبر من ضحايا التعذيب، بالإضافة إلى 115 حالة تعذيب كانت من نصيب المهنيين من معلمين ومهندسين وأطباء وإعلاميين ومحامين. ولم تقتصر الانتهاكات على التعذيب فقط، وإنما شملت أيضاً الإهمال الطبي، حيث ترفض إدارات السجون طلبات العلاج الطبي لسجناء يعانون من أمراض السرطان والقلب والسكري، ما أدى إلى وفاة العشرات، وذلك كله في ظل غياب التفتيش القضائي على مراكز الحجز. قد ينجح لجوء السلطات المصرية العشوائي إلى التعذيب والترهيب في تخويف المعارضة على نطاق أوسع، لكنه يزيد من حدّة الإحباط الذي يتنامى من جديد لدى المصريين الغاضبين من إفلات المسؤولين من العقاب وتدهوُر سيادة القانون.
والتعذيب المتزايد لا ينطلق فقط من الدوافع السياسية، فهو أيضاً مؤشّر على الإفلات المتنامي من العقاب في أوساط الأجهزة الأمنية، وغياب المصداقية لدى القضاء، وانهيار سيادة القانون. وهو الأمر الذي وصل بمصر للحد الذي جعل منظمة "هيومان رايتس ووتش" تُصدر تقريراً بحق مصر في يونيو 2017، بعنوان "هنا تُفعل أشياء لا تُصدّق.. التعذيب والأمن الوطني في مصر تحت حكم السيسي"، وكان تقريراً مطولاً رصدت فيه المنظمة الحققية الأشهر الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون السياسيون في مصر، اعتماداً على شهادات 19 محتجز سابق وعائلة معتقل آخر تعرضوا للتعذيب بين عامي 2014 و2016. والتقرير لم يأتِ بجديد، فهو يعيد التأكيد على ما رصدته منظمات حقوقية مصرية خلال السنوات الأربعة الماضية، ورغم ذلك أثار ضجة كبيرة، نظراً للثِقل الدولي الذي تتمتع به المؤسسة التي أصدرته، ولكونه التقرير الدولي الأكثر شمولية عما يتعرض له المعتقلون السياسيون في مصر. وقد ربطت المنظمة في تقريرها بين تولي اللواء مجدي عبد الغفار مسئولية وزارة الداخلية، بعد مارس 2015، وبين تزايد حالات الإخفاء القسري وسوء المعاملة في السجون والتعذيب والقتل خارج القانون بشكل ملحوظ، وأرجعت ذلك إلى كونه من قدامى المسئولين في أمن الدولة والأمن الوطني لثلاثة عقود. وبناءً على ذلك، حثَّت المنظمة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على التحقيق مع عناصر الأمن المصري وغيرهم من المسئولين المتهمين بارتكاب التعذيب أو السماح بحدوثه، وإذا اقتضت الضرورة مقاضاتهم في محاكمها، وفقاً لمبدأ الولاية القضائية العالمية.
* وقائع التحقيق والاتهام في بلاغات التعذيب..
في 19 ديسمبر الماضي، أحالت نيابة حوادث جنوب الجيزة 8 ضباط شرطة إلى محكمة الجنايات بتهمة اغتصاب شاب وتعذيبه حتى الموت، فيما كانوا يمارسون الضغوط عليه للاعتراف بارتكاب جريمة قتل وسرقة. ونسبت النيابة للمتهمين فى القضية حجز الموقوف بطريقة غير قانونية من 13 فبراير إلى 6 مارس 2017، وتعريضه للتعذيب لحمله على الاعتراف بارتكاب الجريمة، حيث قيّدوه وعلّقوه وضربوه باستخدام عصي وصواعق كهر
 
 
بائية، وجرّدوه من ملابسه، وتسببوا له بالإصابات التي أودت بحياته. وكان بين المدّعى عليهم كبير المحققين في شرطة الأهرام، وكبير التحريين، وثلاثة معاوني مباحث، وأمينا شرطة، وقد تم اتهامهم جميعاً باغتصاب الشاب الموقوف وضربه حتى الموت. وبالمثل، في 22 مارس 2017، قضت محكمة جنايات الجيزة، بمعاقبة معاون مباحث بالسجن 5 سنوات ونائب مأمور بالحبس سنة، و4 أمناء شرطة "سابقين" بالحبس لمدة 3 سنوات، بتهمة الاحتجاز غير القانوني للمحاسب سعد سعيد وتعذيبه حتى الموت، داخل قسم شرطة الجيزة. ومن المقرر أن يتم تأييد هذه الأحكام بعد الاستئناف والطعن بها. وفي 23 مايو الماضي، رفضت محكمة النقض الطعن المقدَّم من ضابطين وأميني شرطة أُدينوا بالسجن 3 سنوات، في قضية تعذيب محتجز بقسم السيدة زينب، بعدما تمت إدانتهم بضربه وسحله وتعذيبه حتى فارق الحياة داخل الحجز، وذلك بعد تدخّل الشرطة لفض مشاجرة بالقوة بين المحتجزين. وفي 12 فبراير 2017، رفضت محكمة النقض الطعن المقدَّم من ضابط شرطة، صدر ضده حكم بالسجن 5 سنوات، بتهمة تعذيب مواطن حتى الموت بمركز شرطة رشيد بمحافظة البحيرة. 
وتقوم المحاكم الجنائية أيضاً بالنظر في قضايا تعذيب داخل السجون، كان أبرزها قضية التعذيب الشهيرة بحق سجينين، عندما أصدرت محكمة النقض حكماً في 4 مايو 2015، بحبس عقيد شرطة 3 سنوات، بعدما أصدر أوامر للحرّاس بتعذيب سجينَين حتى الموت، وحبس 13 شرطياً سنة لكل منهم، لمشاركتهم في عملية التعذيب التي أفضت إلى موت السجينين. كما أيّدت حبس طبيب السجن آنذاك سنة، لتورطه في تحرير شهادتين طبيتين مزوّرتين بشأن أسباب وفاة السجينين. 
* حقيقة ودلالات تلك الأحكام..
يغلب على تلك الأحكام سمة مميزة، هي فشلها في محاسبة العناصر الأعلى رتبة في الأجهزة الأمنية على الانتهاكات المرتكبة. فهناك العديد من القضايا التي يتورط فيها مسئولون كبار بالجهاز الأمني، ولا تتم مساءلتهم أو تنفيذ أي عقوبات بشأنهم. فعلى سبيل المثال، أعلنت هيئة تقصي الحقائق برئاسة المستشار عادل قورة، مقتل 846 مدنياً وإصابة 6467 متظاهراً بجروح في الشهر الأول من ثورة 2011، مشيرةً إلى أن جهاز المخابرات العامة ووزارة الداخلية كانا مسئولين عن التخطيط لهجمات القنّاصة على المتظاهرين. ومع ذلك لم تتم محاسبة أي من كبار المسئولين في وزارة الداخلية. وفي 29 نوفمبر 2014، في إطار محاكمة الرئيس المخلوع حسني مبارك، قررت محكمة جنايات القاهرة تبرئة اللواء حبيب العادلي، وزير الداخلية الأسبق، و6 من كبار مساعديه، من تهمة القتل العمد. وعلى النقيض من ذلك، وعلى الرغم من تبرئة معظم ضباط الشرطة من قتل المتظاهرين، وقررت محكمة جنايات الجيزة، في 4 يونيو 2012، معاقبة خمسة من أمناء وأفراد الشرطة بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات، بتهمة قتل المتظاهرين في 28 يناير 2011. ووفقاً للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تميل النيابة العامة أيضاً إلى حبس المتهمين احتياطياً بشكل انتقائي، فهي لم تأمر بحبس أي من ضباط الشرطة المتهمين في العديد من قضايا القتل، رغم وجود أدلة دامغة ضدهم في ملفات التحقيقات، في حين يتم حبس المتهمين بالتجمهر وقطع الطريق، الذين يُقبَض عليهم بشكل عشوائي، في تحدٍ واضح للقانون المصري، رغم ضعف الأدلة أو انعدامها أحياناً. 
الخُلاصة..
من بين مئات وربما آلاف الاتهامات الموجهة ضد عناصر وضباط وزارة الداخلية منذ يوليو 2013 في قضايا تعذيب أو انتهاك لحقوق الإنسان حققت النيابة العامة رسمياً في 40 فقط، انتهى 7 منها فقط إلى مرحلة الحكم. هذا غير مئات البلاغات المُقدمة منذ ثورة يناير، وهو ما يجعلنا نذهب لكون تلك الأحكام ماهي إلا أحد محاولات الجهاز القضائي بالدولة لاستيعاب الضغط الحقوقي المحلي والدولي لتهدئة الأوضاع الداخلية قدر الإمكان خاصةً وأن الملف الحقوقي أحد الملفات الحرجة على المستوى الدولي لاسيما الشعبي، ولكن بالعودة للأحكام فلانجد لها أي دلالة حقيقية على تغيير مؤثر في الواقع السياسي المصري خلال المرحلة القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

“الحراك القروي” في 20 سبتمبر ..تطورات نوعية  ودلالات استراتيجية

جاءت استجابة المصريين لدعوات التظاهر في 20 سبتمبر 2020، التي تكاثرت وتنوعت الدعوات لها، وأ…