‫الرئيسية‬ العالم العربي تحولات الموقف الامريكي تجاه تركيا علي ضوء معركة عفرين
العالم العربي - مارس 24, 2018

تحولات الموقف الامريكي تجاه تركيا علي ضوء معركة عفرين

 

تحولات الموقف الأمريكي تجاه تركيا على ضوء معركة عفرين 
بقلم ف م 
بعد نجاح تركيا في استعادة منطقة عفرين في حرب سريعة نسبياً ودون تدمير وخسائر كبيرة مقارنة بوحشية الهجمات الروسية والأمريكية أخذت تتجلي مظاهر القلق الأمريكي علي انهيار قوات سوريا الديموقراطية في مواجهة قوات درع الفرات والقوات التركية.
وفي هذا التحليل نرصد حالة القلق التي تنتاب الإدارة الأمريكية من تصاعد الدور التركي في شمال سوريا وامكانية نقل المعركة إلي منبج وشرق الفرات بما يهدر الاستثمار الأمريكي في حلفاء أكراد أقوياء . حاول الموقف الأمريكي في بداية معركة عفرين طمأنة تركيا بأن التحالف الدولي لن يشن عمليات عسكرية في عفرين، ونفت الولايات المتحدة أي دعم لوحدات حماية الشعب الكردية هناك، مما يعني أنه لن يكون هناك تدخل ضد أي عميلة عسكرية تركية، وصرح وزير الخارجية الأمريكي عن أمل في التعاون مع تركيا لإنشاء منطقة آمنة في شمال غربي سوريا لتلبية احتياجات تركيا الأمنية، لكن يتضح بشكل متسارع  أن الولايات المتحدة باتت متخوفة من نوايا تركيا التي اتضحت في تحركاتها بالتنسيق مع روسيا.
وفي هذا الصدد نرصد في هذ التقرير مقالين أحدهما في الواشنطون بوست يحذر من مخاطر تنامي النفوذ التركي علي حساب الحلفاء الأكراد ونقل المعركة إلي منبج بينما يستهدف المقال الثاني في الفورين أفيرز التأكيد علي ضرورة حماية التحالف التركي الأمريكي من الانهيار علي يوقع الخلافات المتصاعدة بين الطرفين.
فقد علق الكاتب "ديفيد إغناطيوس" في واشنطن بوست في مقال له على هذه الفكرة الخاصة بالموقف الأمريكي، فيرى أن السيطرة على الجيب الكردي السوري في عفرين من القوات التركية ليست إلا إعادة لحدث حزين متكرر في التاريخ الحديث، وهو نضال الأكراد للبقاء، في الوقت الذي يقف فيه أصدقاؤهم من القوى الكبيرة جانبا متفرجين.
ويرى إغناطيوس أن معاناة الأكراد مؤلمة، بالذات للقادة العسكريين الأمريكيين؛ لأن قوات سوريا الديمقراطية، التي يقودها الأكراد، هي الحليف الأساسي، الذي اعتمدت أمريكا عليه لهزيمة تنظيم الدولة في سوريا، ويخشى قادة الجيش الأمريكي من أن المكاسب الأكيدة التي حققها التحالف ضد الجهاديين منذ عام 2014 قد تفلت منهم مع مغادرة مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية لشرق سوريا لمحاربة الجيش التركي في عفرين والشمال الغربي.
ويوضح لدى رؤية صور للمليشيات الإسلامية الموالية لتركيا(وصف مسيء للجيش الحر وقوات درع الفرات) تتجول في مركز عفرين يبدو أنه من الممكن والمخيف أن الجهاديين الحلفاء لتنظيم الدولة عادوا للسيطرة في الشمال السوري، بفضل (حليفتنا في الناتو)، تركيا. وأنه ربما كانت الهزيمة الكردية في عفرين حتمية، فقد أعلنت أمريكا منذ أشهر أن عفرين كانت منطقة تحت السيطرة الروسية، وأن أمريكا لن تتدخل فيها، أما القوات الروسية، التي كانت تحتفظ بستة مواقع في الجيب، وقالت إنها حامية للمدينة، انسحبت قبل شهرين، ومنحت تركيا ضوءا أخضر لتقوم بالهجوم، وإن كان أحد خان الأكراد في عفرين فهم الروس.
ويشير الكاتب إلى أن المواجهة القادمة بين أمريكا وتركيا تنتقل الآن حوالي 60 ميلا إلى الشرق في مدينة منبج، التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية والمستشارون العسكريون الأمريكيون، حيث تطالب تركيا القوات الكردية والأمريكية بالانسحاب منها إلى شرق نهر الفرات، ويحذر الكاتب من أن ذلك سيكون "خطأ سياسيا كبيرا، بالإضافة إلى أنه تخل غير أخلاقي عن حليف مخلص، فليست لدى الأتراك قوات منضبطة تستطيع الحفاظ على الأمن في منبج، والاستجابة لمطالب الأتراك ستساعد على نشر الفوضى، وتجعل الوضع في سوريا أكثر سوءا".
ويؤكد اغناطيوس أنه لفهم هذا الحيز القتالي المعقد فإنه قد يساعدنا تخيل منبج، وهي مدينة مختلطة من الأكراد والعرب، وهي مدينة سوق تبعد حوالي 30 ميلا إلى جنوب الحدود التركية، وكنت سافرت إلى هناك الشهر الماضي مع قوات العمليات الخاصة الأمريكية، وسمعت قصصا عن مقاتلي تنظيم الدولة، الذين حكموا البلدة حتى هجمت عليهم قوات سوريا الديمقراطية، بمساعدة الطيران العسكري الأمريكي في مايو 2016.
فقد طالب الأتراك بأن تكون قواتهم، وليست قوات سوريا الديمقراطية، هي التي تقوم باستعادة المدينة عام 2016، لكن القادة الأمريكيين قرروا بأن تركيا تفتقر إلى القوة العسكرية للقيام بتلك الوظيفة، وكان القادة الأمريكيون يعلمون بأن سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على منبج ستكون مشكلة سياسية، إلا أنهم رأوا أنه لا يوجد خيار غير ذلك -وهي الإشكالية التي واجهتهم عام 2017 ذاتها عند اختيارهم لقوات سوريا الديمقراطية للهجوم على الرقة- فالبديل التركي العملي لم يكن موجودا (يكذب الكاتب في هذه النقطة فقد أبدي الاتراك استعدادهم للسيطرة علي الرقة ولكن أمريكا وروسيا رفضتا ذلك)، وقام الأكراد السوريون بالقتال والموت ضد تنظيم الدولة، والعالم مدين لهم.
وبالنسبة إلى "منبج"، فهي مستقرة، والأسواق تعج بالمنتجات، وتشهد المدينة ازدهارا، ويقوم مجلس منبج العسكري ب
 
 
التنسيق الأمني، وكان المجلس فكرة كردية، لكنه وجد ترحيبا واسعا بين العرب، وفي الواقع تحرك العرب تجاه المناطق التي يسيطر عليها الأكراد بسبب الأمن النسبي والنظام في تلك المناطق.
ويقول الأتراك إن الرئيس باراك أوباما وعد عام 2016، عندما هاجمت قوات سوريا الديمقراطية منبج، بأنها ستنسحب بعد المعركة إلى شرق نهر الفرات، ولكن لم ينفذ هذا الوعد بعد، لأنه إذا قامت أمريكا بفعل ما تريده تركيا، فإن النتيجة ستكون فوضى دموية قد تمتد إلى الجنوب الشرقي، وتنهي الاستقرار الذي تم التوصل إليه (وهذا يؤكد كذب الوعود الأمريكية وضرورة الحذر منها)، لكن الهدف المعقول يمكن أن يكون انسحابا تدريجيا من جانب أمريكا وقوات سوريا الديمقراطية من منبج مع انتهاء الصراع في عفرين، وتتم عملية تهدئة الوضع في شمال سوريا، لكن انسحابا مفاجئا قد تنتج عنه كارثة، وليس أقل منها لتركيا، التي يتجاوز نهمها للشمال السوري ما تستطيع بلعه وهضمه. 
ويرى الكاتب أن تواجد أمريكا وقوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا، مفيد لأسباب ثلاثة: لإيقاف روسيا في السباق بين القوى العظمى في سوريا، ولمنع مد الهيمنة الإيرانية عبر (جسر بري) من إيران إلى بيروت، وللحفاظ على أوراق قوة للتفاوض في جنيف، التي ستضع في النهاية إطار دولة سورية جديدة.
واختتمت الفكرة بأن أقرب الاحتمالات هي أن الولايات المتحدة تحاول الحفاظ على شراكتها مع الأكراد السوريين الشجعان المحاصرين، ولن تخاطر بخيانة هذا التحالف.
تعقيب علي المقال :
يؤكد هذا مقال أغناطيوس إذن أن العملية العسكرية التي قامت بها تركيا في عفرين، بعد تفاهمات تركية روسية، تمت بتحفظات أمريكية، وكانت النتيجة أن الولايات المتحدة تركت المواجهة بفضل تحالفها مع الأكراد، أن يتم استنزاف طويل الأمد لتركيا واستثمار أعداد القتلى المفترضة بين الجنود الأتراك من أجل تشديد الضغوط على أنقرة، لكن هذا لم يحدث بدليل ما نجحت فيه تركيا بإحكامها الحصار على عفرين، وتركت ممرا آمنا للمدنيين.
إذ ساهم عدم الدعم الدولي لوحدات الحماية الكردية إلى انسحابها وعدم الاستمرار في المواجهة، ويتضح من هنا أن عملية عفرين لن تنتهي ، فهناك خطوات من المتوقع استكمالها مثل استعادة المناطق التي سيطرت عليها وحدات الأكراد في أواخر عملية درع الفرات، وفرض الأمن في المنطقة. وهنا تشكل اشكالية  سيطرة تركيا مستقبلا على منطقة منبج التي تناقشت فيها تركيا مع وزير الخارجية الأمريكي "ريكس تيلرسون" الذي أقيل مؤخرا، مما سيعيد الشك مرة أخرى حول مماطلة الولايات المتحدة في هذا الشأن والمساومة على بعض التفاصيل. إذ أوضح المتحدث باسم الرئاسة التركية أن تركيا تنتظر من الولايات المتحدة تنفيذ الاتفاق الذي تم بشأن مدينة منبج لإخراج الوحدات الكردية منها. لكن إلى مدى يمكن تحقيق هذا الأمر في ظل ذكر "تيلرسون" بعد زيارته لتركيا بأن هنا خلافات عميقة بين البلدين، وأن تحالفهما أوشك على الانهيار؟ 
تحليل الفورين بوليسي :
يرى تحليل لفورين بوليسي أنه على الولايات المتحدة الحفاظ على تحالفها مع تركيا، لما له من قيمة استراتيجية للولايات المتحدة ولحلف الأطلسي في مواجهة النفوذ الروسي والإيراني في الشرق الأوسط.
ويرصد التقرير القضايا الخلافية بين البلدين ومن بينها الاتهام التركي للولايات المتحدة بدعم محاولة انقلاب 2016، وإيواء فتح الله جولن المتهم بتدبيره، بالإضافة لزيادة الخلاف حول سبل معالجة الوضع في سوريا، فهناك تحالف الولايات المتحدة مع القوات الكردية المدرج إرهابيا في تركيا، وهناك مشاركة تركيا لقوات الجيش الحر كحلفاء في الحرب السورية.
لكن رغم هذه الأمور، ينادي هذا التحليل بعدم قطع العلاقات مع تركيا لأنها عملاق جغرافي واقتصادي، وحاجزا بين أوروبا والشرق الأوسط وروسيا، لأن خسارة تركيا تعني دخول النفوذ الروسي في قلب الشرق الأوسط، بالإضافة إلى هذا، فإن تركيا تعد الأنسب لمواجهة النفوذ الإيراني.
وقدم تحليل فورين بوليسي اقتراحات للحفاظ على التحالف التركي الأمريكي، تدور حول إعادة التركيز على التهديدات الاستراتيجية المشتركة مثل التحالف الروسي الإيراني المتنامي، وإبداء الولايات المتحدة مرونة حول تنظيم وحدات حماية الشعب، وتقليل تواجد التنظيم غرب الفرات حول "منبج"، مقابل سماح تركيا باستمرار وجود القوات الأمريكية ووحدات حماية الشعب في شمال سوريا شرق الفرات، كطريقة للحفاظ على الوجود الأمريكي في سوريا.
من مصلحة تركيا الاستمرار بتحالف الولايات المتحدة، لأن نفوذ الأخيرة هو فرصة جيدة لإقناع الأكراد السوريين بالانفصال عن حزب العمال الكردستاني، والتخلي عن حلم الدولة الكردية.
ومن مصلحة الولايات المتحدة عدم استبعاد تركيا من المسألة الكردية، لأن تركيا من أكبر اقتصاديات العالم وأحد القوى العسكرية الرئيسية في الشرق الأوسط، ولا يمكن تزويد الجنود الأمريكيين في شمال شرق سوريا بالعتاد دون المرور من تركيا، بسبب تأثر العراق بالنفوذ الإيراني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مشاورات جنيف والمغرب حول ليبيا..بين فرص السلام وعراقيل حفتر وداعميه

    الأحد الماضي، بدأت الجلسات التمهيدية لطاولة الحوار السياسي الليبي بين ممثلي …