‫الرئيسية‬ العالم العربي دلالات التصعيد الأمريكي في الملف السوري والخيارات العسكرية المتاحة
العالم العربي - أبريل 14, 2018

دلالات التصعيد الأمريكي في الملف السوري والخيارات العسكرية المتاحة

 دلالات التصعيد الأمريكي في الملف السوري والخيارات العسكرية المتاحة

على الرغم من أنها ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها النظام السوري الأسلحة الكيماوية ضد الشعب السوري، إلا أن الرد الأمريكي هذه المرة كان مختلفاً ومتوعداً، إذ وصف الرئيس الأمريكي ترمب الرئيس السوري بشار الأسد " بالحيوان" محملاً الرئيس الأمريكي السابق أوباما بالسبب فيما حدث نتيجة لرفضه توجيه ضربات عسكرية للنظام السوري وتفضيله الحلول الدبلوماسية علي الحلول العسكرية.

ويعكس التصعيد الأمريكي العديد من التساؤلات خاصة وأنه جاء بعد ارتكاب بشار مجازر غير مسبوقة في سورية وآخرها المجازر التي ارتبكها في الغوطة ودفعت مجلس الأمن والأمم المتحدة للإنعقاد أكثر من مرة دون أن يسفر ذلك عن تحقيق أي نتائج علي الأرض، إذ نجحت روسيا في نهاية المطاف في تحقيق ما تصبو إليه من إجبار فصائل المعارضة السورية علي الخروج وكذلك المدنيين المقيميين في تلك المنطقة، ويعني ذلك أن ما يدفع الولايات المتحدة للتصعيد هذه المره لا علاقة له بكيماوي سورية والذي يشبه إلي حد كبير كيماوي صدام حسين والذي كان سبباً في احتلال الولايات المتحدة للعراق، فالواضح من شكل التصعيد والذي يأتي في خضم التصعيد الأوربي ضد روسيا، أنه يأتي من أجل توجيه رسائل قوية ليس فقط لنظام الأسد وإنما كذلك لروسيا التي ترعاه، وفي نفس الوقت إعادة فرض الرؤى الأمريكية لمستقبل الأوضاع في سورية علي أرض الواقع، وإعادة روسيا إلي وضعها وحجمها الطبيعي، ومنعها من جنى ثمار دورها في سورية، خاصة وأن الفترة الماضية قد شهدت تعاظم كبير للدور الروسي ليس فقط في سورية وإنما كذلك في المنطقة ببرمتها، وتهديدها للمصالح الأمريكية والغربية فيها، بل وفي مناطق أخرى من العالم، وعدم اعتبارها للأدوار الأمريكية والأوربية الأخرى.

فما يقوم به الرئيس الروسي بوتين يشبه إلي حد كبير ما كان يقوم به نظام هتلر في أوربا قبيل الحرب العالمية الثانية، وهو ما تخشى الولايات المتحدة وأوربا من تكراره بسبب غطرسة بوتين ومحاولاته تعظيم النفوذ الروسي في منطقة الشرق الأوسط والعالم، لذلك فإنه ما يحدث اليوم إنما يمثل حصاراً أوربيا وأمريكيا علي بشار وبوتين في نفس الوقت، والأمور قد تتطور إلي أزمة حقيقية تشهدها المنطقة والعالم، ما لم يقدم الروس تنازلات حقيقية علي حساب شريكهم الأسد، أو أن يقبل بالمواجهة التي يهدد من خلالها ترمب باستخدام أسلحة وذخائر لا قبل لروسيا بها.

وإن كان يتوقع ألا يستمر الروس في معاناداتهم للأمريكان وأن يقبلوا في النهاية بما يملي عليهم حفاظا على مكاسبهم في سورية، حتى وإن اضطرهم ذلك للتخلص من بشار الأسد، من أجل تقليل خسائرهم ومنع الأمريكان من استخدام القوة في سورية والاضرار بالانتصار الذي حققوه ويروجوا له في الأوساط الروسية،

وهذا إن حصل لن يمنع الضربة الأمريكية ولكنه سيحد من خطورتها بشكل كبير، بحيث تتحول من ضربة مؤثرة إلي ضربة شكليه تصب في صالح الإدارة الأمريكية التي تعيش مأزق حقيقي في الداخل الأمريكي وتحاول تقديم أي نصر ولو معنوي في الخارج.

ثلاثة خيارات سيئة للولايات المتحدة في سوريا[1]

كتب ماكس فيشر، في صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، أنه على الرغم من توعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برد قوي على الهجوم الأخير بالأسلحة الكيماوية على الغوطة الشرقية، فإن سياسة ترامب إزاء سوريا بالكاد تختلف عن سياسة سلفه الرئيس باراك أوباما؛ إذ تعتمد على شن الغارات الجوية العقابية المحدودة ضد نظام الأسد التي لا تقود إلى تغيير واضح في سوريا.

وانتقد فيشر أوباما الذي تخاذل عن تنفيذ تهديده بشن ضربات عقابية ضد نظام بشار الأسد منذ عام 2013 بعد تجاوز الأخير للخطوط الحمراء، لافتاً إلى أن تنفيذ تلك التهديدات كان من شأنه أن يسفر عن ردع الأسد عن استخدام الأسلحة الكيماوية مستقبلاً، وتغيير مسار الحرب، وربما أيضاً الإطاحة بنظام الأسد.

ثلاثة خيارات

ويشير فيشر إلى أن بعض الإشكاليات (مثل الحرب السورية) لا يمكن إصلاحها بحلول منخفضة الكلفة والمخاطرة، وهو الأمر الذي اعتاد عليه الأمريكيون في الفترة القصيرة للهيمنة الأمريكية العالمية عقب الحرب الباردة، مشيراً إلى أنه يمكن تصنيف الردود الأمريكية المحتملة على الهجوم الكيماوي إلى ثلاثة خيارات، وينطوي كل منها على تحديات صعبة تتعلق بهيكلية الحرب السورية، وهي:

هجمات عقابية محدودة

ويتمثل الخيار الأول في شن هجمات عقابية محدودة ضد نظام الأسد كان يتم الضغط على الرئيس أوباما لتنفيذها، ولكن الرئيس ترامب هو الذي نفذها خلال العام الماضي. ويستهدف هذا التحرك توجيه رسالة مفادها أنه لن يتم التسامح مع استخدام الأسلحة الكيماوية مستقبلاً، وفي الوقت نفسه لا ينطوي هذا الخيار على المخاطرة بتغيير مسار الحرب أو انتهاج اتجاهات غير متوقعة مثل تورط الولايات المتحدة في صراع أكبر وانهيار نظام الأسد، الذي ربما يؤدي إلى نشر الفوضى.

ولكن فيشر يرى أن الضربات السابقة من هذا النوع قد فشلت في تحقيق أهدافها؛ حيث أن حسابات بشار الأسد لا تتغير، وبخاصة لأن الحرب بالنسبة للأسد هي قضية بقاء شخصي ووطني، وإذا كان الأسد يعتبر أن الأسلحة الكيماوية ضرورية لبقائه، فإنه لن يتخلى عنها إلا إذا حدث تهديد وجودي لبقائه، ولا ترغب الولايات المتحدة في فرض مثل هذا التهديد لما ينطوي عليه الأمر من مخاطر. وعلاوة على ذلك، فإن حلفاء الأسد (روسيا وإيران) يساعدونه بسهولة على استيعاب الخسائر المحدودة التي تتسبب بها تلك الضربات.

تسليح المعارضة

ويصف فيشر الخيار الثاني بأنه السياسة التي كان يفضلها أوباما ويتمثل في اتخاذ إجراءات لجعل الحرب أكثر كلفة بالنسبة للأسد، مثل تسليح المعارضة من أجل الضغط على الأسد للامتثال للمطالب الأمريكية. وقد زود أوباما المعارضة بصواريخ TOW المضادة للدبابات التي تم استخدامها على نحو واسع ضد قوات نظام الأسد.

بيد أن إشكالية هذه الاستراتيجية تتمثل في أن حلفاء الأسد (روسيا وإيران) قادرون على التصعيد أيضاً؛ فعندما يزود الأمريكيون المعارضة بالبنادق يعمد الإيرانيون إلى دعم الأسد بإرسال لواء قتالي، وعندما يرسل الأمريكيون الصواريخ يقوم الروس بإنشاء وحدة مدفعية. ويرى بعض المحللين أن تزويد المعارضة بالصواريخ المضادة للدبابات قد دفع روسيا في عام 2015 إلى التدخل العسكري في سوريا، ويعني ذلك، بحسب كاتب المقال، أن نهج أوباما لم يخفق فقط، وإنما كانت نتائجه عكسية، والمحصلة هي حرب أكثر دموية والمزيد من المعاناة للشعب السوري، وكلها أمور ليس لها أي تأثير على حسابات بشار الأسد.

تدخل عسكري كامل

ويرى فيشر أن الخيار الثالث هو شن هجمات تتجاوز قدرة روسيا وإيران، ويعني ذلك على الأرجح التدخل العسكري بشكل كامل أو شن ضربات تهدد وجود نظام الأسد، ولن تحقق تلك الضربات النتائج المرجوة إلا إذا أثارت اثنين من المخاطر التي تسعى الولايات المتحدة إلى تجنبها، وأولهما انهيار نظام الأسد (ربما يقود ذلك إلى الفوضى وإطالة أمد الحرب)، وثانيهما دخول الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا (قوة مسلحة نووياً ولديها القدرة على تصعيد الأعمال القتالية بسرعة في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية)، وعلى الأرجح أن ذلك سيعرض ملايين الأشخاص من خارج سوريا إلى الخطر.

ويخلص المقال أنه على الرغم من تصرفات الأسد الوحشية فإن جميع الخيارات المتاحة "سيئة"، ولا خيار عسكرياً عملياً سوى الانهيار الفعلي لنظام الأسد وإعادة تصعيد الحرب الأهلية.



[1] مروة هاشم، "ثلاثة خيارات سيئة للولايات المتحدة في سوريا"، موقع 24 الخبر بين لحظة وضحاها، 12/4/2018، الرابط التالى:

http://24.ae/article/434234/%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D8%AE%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%B3%D9%8A%D8%A6%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مشاورات جنيف والمغرب حول ليبيا..بين فرص السلام وعراقيل حفتر وداعميه

    الأحد الماضي، بدأت الجلسات التمهيدية لطاولة الحوار السياسي الليبي بين ممثلي …