‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر تقنين الجباية من المصريين عبر ترسانة من التشريعات الجديدة
مصر - أبريل 22, 2018

تقنين الجباية من المصريين عبر ترسانة من التشريعات الجديدة

 تقنين الجباية من المصريين عبر ترسانة من التشريعات الجديدة

 

 

برلمان 30 يونيو الذي تم اختيار جميع أعضائه وفقا لمعايير الأجهزة الأمنية وسط عزوف شعبي واسع، أصيب ـــ مؤخرا ــــ بحالة هيستريا تشريعية ، حيث أقر عدة تشريعات تستهدف بالأساس تكريس القبضة السلطوية للنظام العسكري، والعمل على استمرار منظومة الحكم لعقود قادمة، وإطلاق يد النظام في نهب أموال الشعب عبر تقنين عمليات الجباية من كل الفئات وتغيير بنية المجتمع بما يسهم في تحكم الموالين للنظام السلطوي في كل مفاصل الدولة، وبسط نفوذ المؤسسة العسكرية سياسيا واقتصاديا وفي كل المجالات.

فالقانون الجديد الذي أقره البرلمان، الاثنين الماضي 16 أبريل 2018م، بتقنين عمليات النهب المنظم لأموال قيادات وعناصر جماعة الإخوان المسلمين، تحت ذريعة تجفيف منابع الإرهاب، يأتي في ظل حالة من الإسهال التشريعي يشهدها ــ حاليا ــ برلمان نظام 30 يونيو العسكري، تستهدف بالأساس تقنين ممارسات الجباية التي ينفذها النظام السلطوي بحق جميع فئات الشعب باستثناء الفئات المميزة مثل الجيش والشرطة والقضاء والإعلام والبرلمان وكبار رجال الدولة في المراكز القيادية بالحكومة.

ومخطئ من يظن أن المستهدف بالتنكيل هم الإخوان والرافضين للنظام السلطوي العسكري وحدهم، بالتأكيد ما يدفعونه من ضريبه من أجل الحرية ومايتعرضون له من انتهاكات أضعاف ما يتعرض له الآخرون، لكن المؤكد أن الشعب كله يتعرض للتنكيل من جانب نظام 30 يونيو السلطوي.

وأقر البرلمان قوانين مصادرة أموال "الجماعات الإرهابية"، ورسوم عربات الطعام المنتقلة، وحماية المستهلك، وهي التشريعات التي تقنن عمليات الجباية، لكن المدهش في الأمر أن البرلمان الذي يأخذ من هؤلاء يبسط يده بالعطاء السخي للحكومة وأركان النظام؛ حيث أقر زيادة مرتبات رئيس الحكومة والوزراء وكذلك زيادة مرتبات العاملين في السلك الدبلوماسي بأثر رجعي، وهي التشريعات التي تأتي في ظل تآكل مرتبات وأجور معظم فئات الشعب المصري، واستئناف الحكومة على حكم القضاء الإداري بضم "80% من الأجر المتغير على أموال المعاشات منذ عام 2006وفقا لحكم سابق للمحكمة الدستورية في أحقية أصحاب المعاشات لهذه الزيادات.

كما يناقش برلمان 30 يونيو حاليا مشروعات قوانين (التجارب السريرية، التصالح في مخالفات البناء على الأراضي الزراعية، السايس ومنادي السيارات، تعديلات قانون المرور الجديد، قانون أوبر وكريم وغيرها).

 

العامل المشترك

العامل المشترك في معظم هذه القوانين هو إطلاق يد السلطة في  جباية الأموال وتقنين هذه الممارسات السلطوية رغم المعاناة الكبرى التي تواجه المواطنين بعد قرارات تعويم الجنيه في 3 نوفمبر 2016م، تلبية لشروط صندوق النقد الدولي، وماترتب على ذلك من تآكل قيمة الجنيه لأكثر من النصف في ليلة واحدة ما يعني أن مدخرات المصريين في البنوك قد تآكلت بمقدار النصف على الأقل بهذا القرار. يضاف إلى ذلك ما ترتب على رفع أسعار الوقود "3"مرات منذ قرار التعويم، وكذلك رفع أسعار جميع أنواع السلع والخدمات الحكومية حتى بلغ التضخم مستويات قياسية تصل إلى أكثر من 100% لكن الحكومة أعلنت عن 36% كنسبة تضخم!.

فمشروع مصادرة أموال الجماعات الإرهابية، فسَّر الأموال بالأصول أو الممتلكات أياً كان نوعها، سواء أكانت مادية أم معنوية، ثابتة أم منقولة، ومن ضمنها المستندات والعملات الوطنية أو الأجنبية أو الأوراق المالية أو التجارية والصكوك والمحررات المبينة لكل ما تقدم، وأياً كان نوعها أو شكلها، ومن ضمنها الشكل الرقمي أو الإلكتروني مثل "البيتكوين"، وجميع الحقوق المتعلقة بكل منها.

وقال عمر مروان، وزير شؤون مجلس النواب، إن ذلك التغيير يعود لتفادي عدم الدستورية، وهو ما أكده أيضاً رئيس مجلس نواب العسكر، علي عبد العال، في إشارة إلى أن القانون يفترض أن يكون عاماً وأشمل وليس مخصوصاً لفئة دون أخرى كما كان في السنوات الماضية حيث تم تفصيل القانون على جماعة الإخوان ما يخالف كل الأعراف الدستورية والقانونية[1].

كما تأتي موافقة مجلس النواب، في جلسته العامة، الأحد 16 أبريل 2018، على مشروع القانون بشأن تنظيم وتشجيع عمل وحدات الطعام المتنقلة. والذي يفرض في المادة الخامسة من القانون رسوما سنوية تصل إلى 5 آلاف جنيه على بائعي الفول والطعمية والبطاطا والترمس وغيرها متسقا مع ذلك الاتجاه الذي يقنن صور الجباية ونهب أموال المواطنين.

ويعاقب القانون بالحبس مدة لا تجاوز شهر وبغرامة لا يجاوز حدها الأقصى 20 ألف جنية أو إحداهما، لمن قام بتشغيل وحدة طعام متنقلة دون ترخيص أو قام ببيع أو تحضير أو أعداد الأطعمة عن طريق إحدى وحدات الطعام المتنقلة بالمخالفة لأحكام الترخيص، أو خالف المادة (3) و(9) و(11)، وفى حالة العود تضاعف العقوبة في حديها الأدنى والأقصى[2].

ويؤكد اللواء عاطف يعقوب، رئيس جهاز حماية المستهلك، أن القانون الجديد (حماية المستهلك) يتضمن مواد لتنظيم العلاقة بين المستهلك والتاجر، أبرزها تغليظ العقوبات على المخالفين لتبدأ بـ20 ألف جنيه وتصل لـ 2 مليون، وتتضاعف في حالة تكرار نفس المخالفة لتصل إلى 4 ملايين جنيه[3].

كذلك بالنسبة لمشروعات القوانين المطروحة حاليا أمام المجلس، كلها تمضي في نفس السياق، فالتصالح في مخالفات البناء على الأراضي الزراعية يستهدف در المليارات للنظام[4]، كما جاءت قيمة الغرامات في مشروع قانون المرور الجديد ضخمة للغاية بما يخيف قطاع السائقين ويضمن للنظام جباية مليارات لا ملايين من جيوب السائقين، وتضمن مشروع القانون "10" مخالفات قيمة كل منها "20" ألف جنيه[5]!.

الأكثر دهشة في مشروع قانون المرور الجديد، ما تضمنه من تكليف وزير النقل بتنظيم التراخيص لمركبات النقل غير الآلية "حنطور، كارو، عربية اليد" وتحديد خطوط سيرها مع ما يترتب على الترخيص من ضرائب وتأمينات ورسوم إدارية[6].

كما يستهدف النظام من خلال مشروع قانون "أوبر وكريم" المكون من 23 مادة إلزام مثل هذه النوعية من الشركات سواء كانت كبيرة أو صغيرة بدفع رسوم استخدام لوزارتي الداخلية والاتصالات، فضلاً عن دفع الضرائب المستحقة قانوناً، ويلزمها أيضاً بالتأمين على السائقين المشتركين معها والركاب؛ ما يعكس رغبة الحكومة في الحصول على حصة مالية من المكاسب الضخمة للشركتين.

أما مشروع القانون المطروح على البرلمان حول عمل «السايس» وتقنين وتنظيم مواقف السيارات فقد تضمن الحبس بما لا يزيد عن 3 أشهر، وغرامات مالية لا تزيد عن ألف جنيه.. عقوبات مقترحة في مشاريع قوانين خاصة بـ “منادي السيارات”، قدمها بعض أعضاء البرلمان وممثلي الحكومة إلى لجنة الإدارة المحلية بالبرلمان، التي بدأت مناقشة، تقنين أوضاع مهنة “السايس” بحيث لا يسمح للشخص بالعمل بدون رخصة تصدرها لجنة تابعة للمحافظة تضم عدة جهات، بعد إجراء بعض الاختبارات، واستيفاء كافة الشروط[7].

وكذلك مشروع التجارب السريرية والذي تحفظت عليه نقابتا الأطباء والصيادلة[8] في نسخته الحالية أمام البرلمان،  فإنه يجعل من المصريين فئران تجارب للشركات الكبرى، ويهدف إلى جذب الشركات المتعددة الجنسيات للاستثمار عبر إجراء التجارب السريرية على فقراء مصر، لتجريب نوعيات الدواء ومدى فعاليتها، وهو القانون اللاإنساني بصورته الحالية، ما لم يتضمن تعديلات توفر الحماية للفقراء من تغول الشركات، كما يمثل انحيازا من النظام للشركات متعددة الجنسيات على حساب الفقراء والمهمشين.

 

لماذا يتغول النظام؟

ووفقا لخبراء ومحللين فإن، هذه التشريعات تأتي في سياق مواجهة النظام للأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد، في ظل عجز الموازنة المزمن والذي بلغ في الموازنة الجديدة 2018/2019 438 مليارا، كما وصلت فوائد الديون إلى مستويات قياسية 541 مليارا وفقا لتصريحات وزير المالية، وتستهدف الحكومة إيرادات ضريبية تصل إلى "770" مليارا!.

وهذه التشريعات الجديدة تأتي ترجمة لشروط صندوق النقد الدولي، التي يبالغ النظام في تنفيذها، ولا يجد سوى جيوب الفقراء ليسطو على ما فيها رغم قلته، في الوقت الذي يمنح العطايا والمزايا للموالين له والمصفقين والمطبلين له على طول الخط!.

«فالصندوق لم يطالب الحكومة بترشيد الإنفاق العام ومكافحة التهرب الضريبي والجمركي ومحاربة الفساد وملاحقة المحتكرين للسلع والخدمات ولصوص المال العام، ولم يطالب بزيادة الإنتاج والصادرات وإعادة تشغيل مئات المصانع المغلقة وتنشيط السياحة. ولم يطالب الصندوق البرلمان بعدم زيادة حوافز كبار المسؤولين بالدولة، أو التوقف عن سياسة منح مزيد من المزايا المالية للفئات المرضي عنها من قبل الدولة، ولم يطالب الصندوق كذلك بوقف زيادة البرلمان رواتب الوزراء وكبار المسؤولين والمحافظين في الدولة، في بلد يعاني من أزمة مالية حادة. ولم يطالب الصندوق الحكومة بوقف (المشاريع القومية الكبرى) التي لا تمثل قيمة مضافة للمجتمع والمواطن أو تحل أزمة اقتصاد مأزوم، بل طالب فقط برفع الأسعار وفرض مزيد من الضرائب»[9].

يتسق مع هذا التوجه تماما، ما أثير حول استهداف النظام بيع أصول الحكومة ومقرات الوزارات والهيئات الحكومية داخل القاهرة بمجرد نقل مقرات الوزارات للعاصمة الإدارية الجديدة، لمواجهة الإفلاس وتراجع الإنتاج وارتفاع عجز الموازنة وفوائد الديون، والتقييمات المبدئية للأصول الحكومية تشير إلى تجاوز قيمتها 170 مليار جنيه (9.6 مليارات دولار). والسيناريوهات  بحسب مصادر حكومية ، تشمل بيع المباني لصالح الجهة الحكومية أو طرحها بنظام حق الانتفاع لتحويلها إلى مبان إدارية لاستغلالها من قبل الشركات. كما أن بيع بعض الأصول سيتم استغلالها بغرض تمويل الموازنة، عبر طرحها للبيع في مزادات علنية للحصول على أفضل سعر. كما أن هناك مقترح أيضا بنقل ملكية عدد من مباني الوزارات إلى الصندوق السيادي المزمع إنشاؤه برأسمال 5 مليارات جنيه (282 مليون دولار)[10].

ولضمان تمرير هذه الحزم التشريعية التي تكرس القبضة العسكرية وتطلق يد السلطات في عمليات الجباية وفرض مزيد من الضرائب، فإن الحكومة التي أقر البرلمان زيادة مرتبات رئيسها ووزرائها، قامت بالمقابل بزيادة المنح والعطايا لنواب المجلس في صورة تعكس حجم السفاهة التي تدار بها البلاد.

وقد كشف مصدر بارز في لجنة الخطة والموازنة بالمجلس أن "وزارة المالية اعتمدت زيادة قدرها 250 مليون جنيه (حوالي 15 مليون دولار) في ميزانية البرلمان بمشروع الموازنة العامة للدولة (2018/2019)، بناءً على طلب اللجنة، وبالتنسيق مع الأمانة العامة للبرلمان، ليصل إجمالي مخصصات مجلس النواب في العام المالي الجديد إلى مليار و554 مليون جنيه"، وذلك في الوقت الذي يستعد فيه هذا البرلمان لتمرير حزمة جديدة من التشريعات التي من شأنها إحكام قبضة النظام على مختلف جوانب الحياة في البلاد[11].

ويصرّ البرلمان، على إدراج موازنته "رقماً واحداً"، بغرض عدم إخضاعها لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات (أعلى جهاز رقابي في البلاد)، بعدما رفض الاستجابة لملاحظات مجلس الدولة حول مخالفة لائحته الداخلية للدستور، الذي خص القوات المسلحة والمحكمة الدستورية والهيئات القضائية، على سبيل الحصر، بعدم إخضاع ميزانيتها للرقابة.

وبهذه الزيادة الجديدة، تكون ميزانية البرلمان قد تضاعفت مرتين في أقل من أربعة أعوام،  إذ شهدت زيادة بلغت 303 ملايين جنيه في الموازنة الجارية (2017/2018)، و221 مليون جنيه في موازنة (2016/2017)، و92 مليون جنيه في موازنة (2015/2016).

وبذلك تقفز ميزانية البرلمان من "316" مليونا في عهد برلمان الثورة "2012" إلى «مليار و544 مليونا جنيه»  لبرلمان 30 يونيو!

 

وختاما..

فإن نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي، يواجه الإفلاس والعجز المزمن في الموازنة والذي وصل إلى 438 مليارا، ببيع كل شيء من أصول الدولة وطرح الشركات الناجحة في البورصة، وكذلك بالسطو على أموال المعارضين والفقراء وتقنين عمليات الجباية من كل فئات الشعب من الصناع والتجار والمهنيين من سباكين وحلاقين، وصولا إلى عربات الطعام  المتنقلة كباعة الفول والترمس والبطاطا، وكذلك يفرص رسوما وغرامات على السائقين والسياس الذين يديرون المواقف حتى عربات الكارو الحنطور، تلبية وترجمة لشروط صندوق النقد الذي يدعو إلى هذه الإجراءات العقابية بحق الفقراء.

 فالجنرال لن يترك أحدا إلا وسيجبره على الدفع طوعا أو كرها؛ فالنظام يستهدف جمع ضرائب تصل إلى 770 مليار جنيه في الموازنة الجديدة ولم يجد سوى هؤلاء في الوقت الذي يوزع العطايا والمنح وزيادة المرتبات للمحاسيب والموالين تاركا الشعب غارقا في آلامه وأوجاعه.

 



[1] «تجنباً لعدم دستورية مصادرة أموال الإخوان.. البرلمان المصري يقر قانون مصادرة أموال "الجماعات الإرهابية" بما فيها "البيتكوين"»/ عربي بوست الاثنين 16 أبريل 2018

[2] هند الشامي/ ننشر نص قانون "عربات الطعام المتنقلة" بعد موافقة البرلمان/ مصراوي الأحد 15 أبريل 2018

[3] عمر الشيخ/ رئيس «حماية المستهلك»: غرامات المخالفين تصل لـ4 ملايين جنيه في «القانون الجديد»/ المصري اليوم 5 ديسمبر 2017

[4] جمال عصام الدين/ «لجنة برلمانية تناقش مقترح قانون التصالح في مخالفات البناء على الأراضي الزراعية الإثنين المقبل»/ الأهرام 12 أبريل 2018

[5] عبد الرحمن سيد/فيديو جراف.. 10 مخالفات تصل عقوبتها لـ20 ألف جنيه بقانون المرور الجديد/ اليوم السابع الأحد، 15 أبريل 2018

[6] عبدالغني دياب/بعد موافقة الحكومة عليه.. 10 معلومات هامة عن قانون المرور الجديد/ مصر العربية 18 أكتوبر 2017

[7] عبد الجواد محمد/ هل يقضي قانون «السايس والمواقف» على العشوائية والبلطجة؟/ البديل الجمعة 13 أبريل, 2018

[8] «الأطباء والصيادلة» يعترضون على «التجارب السريرية»/ مصر العربية 13 أبريل 2018

 

[9] مصطفى عبدالسلام/ عن المصري الذي لا ترحمه الحكومة ولا الصندوق/ العربي الجديد 17 أبريل 2018

[10] جيهان عبدالغني/حكومة مصر تبيع مقارّها لتحصيل 9.6 مليارات دولار/ العربي الجديد 18 أبريل 2018

[11] «النظام المصري يقايض البرلمان: رفع أجور النواب لتمرير حزمة تشريعات»/  العربي الجديد 18 أبريل 2018

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

المناورات المصرية السودانية – هل تضرب مصر سد النهضة؟

تُعد المياه من العناصر التي قد تفجر حروبًا في المستقبل؛ فقد تجمعت عوامل متعددة تجعل قيمة ا…