‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر حديث المصالحة بين جماعة الإخوان والنظام المصري
مصر - أبريل 22, 2018

حديث المصالحة بين جماعة الإخوان والنظام المصري

 حديث المصالحة بين جماعة الإخوان والنظام المصري

قراءة في حوار عماد أديب

يتجدد الحديث عن المصالحة بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام المصري بشكل دوري كل فترة كأنه بات جزء رئيسي من جدالات المرحلة الراهنة، تتغير السياقات لكن يبقى الحديث نفسه عصياً على الذوبان، كأنه طائر (الفينيق) الذي ينهض من رماده.

عقب انتهاء انتخابات الرئاسة 2018 بنتائجها المتوقعة، وفوز "السيسي" بفترة رئاسية جديدة. خرج الصحفي والإعلامي المقرب من النظام (عماد الدين أديب) بالدعوة إلى الحوار مع المتعاطفين مع جماعة الإخوان المسلمين والمتأثرين بخطابها الإعلامي، وهو ما اعتبره البعض دعوة أطلقها النظام للمصالحة مع الجماعة. وقد إنبرت أقلام وأصوات مناهضة لما طرحه "أديب" رافضة أية محاولة للتقريب بين الجماعة وعناصرها والنظام الحاكم في مصر. وتأجج الجدل مجدداً عن المصالحة بين طرفي الصراع المشتعل منذ يونيو 2013.

في هذه السطور نسلط الضوء على الدعوة التي طرحها أديب؛ لكشف مضامينها وتعرية دوافعها وإظهار محدداتها وغاياتها؛ بدافع تقييمها، وبغرض الإسهام الإيجابي في الجدل الدائر حول المصالحة (جدواها وإمكانية تحققها).

حقيقة دعوة أديب للمصالحة:

ما طرحه أديب في حقيقته –كما يتجلى في حواره مع أحمد موسى- دعوة لتبديد سحر خطاب المظلومية الذي تتبناه الجماعة وتحرير المتأثرين بهذا الخطاب واحتضانهم، فهي موجهة للمتعاطفين مع الجماعة المتأثرين بخطابها الذي تروجه نوافذهم الإعلامية، وهي أقرب للتوعية بمخاطر الجماعة وتهافت خطابها ومسئوليتها منفردة عن فشلها في سدة الحكم وعن مروقها عن القيم المصرية والوطنية الأصيلة، وهي بمثابة استرداد من أغوتهم الآلة الإعلامية للجماعة وردهم للصفوف الوطنية –بحسب وجهة نظر النظام- وفق الطرح الذي يقدمه أديب. وهو معيار يمكن أن يتسع ليشمل المنتسبين للجماعة والأعضاء المغمورين وغير المتورطين في صراعات مباشرة مع الدولة.

 والدعوة لا تستهدف -بحال من الأحوال- التنظيم ككيان ومؤسسة، ولا تستهدف الجماعة كمجموعة بشرية متمايزة لها كيان مستقل، إنما هي تتقصد أفراد الجماعة كأفراد (أرقام) لا يجمعهم مع الدولة صدام على مصالح خاصة ومباشرة بين الطرفين (يقول أديب: من تلطخت يده بالدماء لا حوار معه) كما يقول (أنا خصم سياسي لجماعة الإخوان المسلمين، لا أؤمن بالدولة الدينية، أؤمن بالدولة الوطنية، أؤمن بثورة 30 يونيو، كل من حمل السلاح وكل عضو تنظيمي وساهم في نشاطات مناهضة للدولة لا جدوى من الحديث معه)، كما تعمد "أديب" الخلط بين التلوينات المختلفة في خريطة القوى الإسلامية؛ معتبراً أن داعش والقاعدة والإخوان والسلفيين كلها مكون واحد؛ لدرجة اتهام جماعة الإخوان بتفجير مسجد الروضة في سيناء؛ وهو ذات الخطاب الإعلامي الذي تم ترويجه حينها، وتتبناه النوافذ الإعلامية للنظام بشكل متواتر لترسيخ شيطنة الجماعة لدى الرأي العام وفي المخيال الشعبي، حتى مقولات تورط حماس "القسام" وسرايا القدس -وغيرها من قوى المقاومة المسلحة في غزة- في عمليات عنف داخل الحدود المصرية يصر "أديب" على تأكيدها والتشبث بها. بالطبع النظام وأجهزته يعلم التباينات القائمة بين هذه الكيانات، لكن خطاب النظام لا يستقي مفرداته فقط مما يتوفر للنظام من معرفة، إنما ينبني على ما يخدم مصلحة النظام، حتى لو تطلب احياناً ابداء الجهل واخفاء المعلومات وترويج ادعاءات يعلم حتماً أنها تناقض الحقيقة.

والدعوة التي وجهها "أديب" تظهر بشكل لا لبس فيه، أن هناك استمساك برؤية النظام للصراع وعدم استعداد لسماع رواية الطرف الآخر –الإخوان- فضلاً عن مناقشتها لتوكيد بعض عناصرها وتفنيد البعض الآخر، ومحاولة لتهميش الجماعة واقصائها على مستوى الخطاب وفي المجال الفكري وعدم الاكتفاء باستبعادها على الصعيد السياسي والمجتمعي فقط، فهي دعوة لاستكمال الاقصاء [1]. بالتالي حتى لو اتسعت الدعوة لتشمل عناصر الجماعة وأعضائها بشكل شخصي فهي مصالحة –إن صحت- أقرب للاستسلام.

 

محددات الموقف الرسمي من المصالحة:

في حواره السابق علي طرح قضية المصالحد مع أحمد موسى أيضاً يرى "أديب" أن المنطقة يتنازعها ثلاثة مشروعات، هي: الإيراني الفارسي ووكلائه من شيعة المنطقة، المشروع الإسرائيلي الصهيوني، المشروع التركي العثماني "العثمانية الجديدة"؛ فلو افترضنا أن أديب هو جزء من النظام ويتقاسمان الرؤية ذاتها، عندها يصبح واضحاً أن النظام ينظر للقوى الإسلامية والإسلام السياسي باعتبارهم وكلاء للعثمانية الجديدة أو -على الأقل- لا يمانعون في دعم هذا المشروع ودفعه، واعتقد أن هذا التصور مسئول بشكل ما عن موقف –القاهرة، الرياض، أبوظبي- من الإسلام السياسي وفاعليه، وهو بالتالي محدد رئيسي من محددات الموقف الرسمي في مصر من التصالح مع جماعة الإخوان المسلمين. ولو استخدمنا طرح "أديب" عن المشروعات الثلاثة التي تتنازع السيطرة على المنطقة، كمقولة تحليلية، يمكن عندها أن تسهم بصورة معقولة في تفسير جزء غير يسير من السياسات الخارجية لهذه الدول، وفي تأويل مواقف حكوماتها من كثير من قضايا المنطقة[2].

في الحوار نفسه، أشار أديب إلى قطر باعتبارها دولة (وظيفية) خادمة للمشروع الأمريكي ومصالح واشنطن في المنطقة، تستخدمها الحكومة الأمريكية في إدارة وتنفيذ العمليات القذرة التي لا تستطيع الولايات المتحدة تنفيذها عبر أجهزتها ومؤسساتها الرسمية؛ ولعل في هذه الرؤية للدور القطري تفسير كذلك للموقف المصري السعودي الإماراتي من الدوحة. لكن كيف يتسق هذا الموقف مع إرتهان هذه الدولة نفسها للبيت الأبيض وخضوعها لسياساته وتلهفها لدعمه؛ يمكن قراءة هذا العداء للدوحة رغم الدوران في فلك المصالح الأمريكية باعتباره منازعة للدوحة على موقعها الهام من المشروع الأمريكي من جهة، ومن جهة أخرى تخوفاً من سياسات قطر المستقلة والبعيدة والمتحررة من سيطرة الدول الثلاث والتي تؤهلها للعب أدواراً وسيطة بين أمريكا والحركات الإسلامية. وتخشي الرؤية الرسمية من علاقة قطر بواشنطن وقناعة حكومات الدول الثلاث بأن واشنطن غير مأمونة الجانب وتتعامل مع حلفائها بنفعية شديدة، قد تدفعها لاستبدال حلفاءها في أية لحظة استشعرت خلالها أن تكلفة الاحتفاظ بهم تفوق تكلفة استبدالهم والتخلي عنهم؛ وعليه فسياسات (دول الاعتدال) تجاه قطر –في ضوء هذه الرؤية- دافعها الخوف ومسكونة بالتشكك، حتى لو بدت مفرطة الثقة[3].

بالطبع من غير المستبعد أن يكون خطاب "أديب" مجرد (بالون) اختبار ومادة للإلهاء، يعي النظام بشكل كامل أنه خطاب متهافت أبعد ما يكون عن الحقيقة وواقع الحال. لكن تبني الورقة لفرضية أن طرح "أديب" تعبير عن رؤية النظام وعقل القائمون على الحكم؛ جاء نتاج القدرة التفسيرية التي يمتلكها الخطاب –لو تعاملنا معه باعتباره مقولة تحليلية- وقدرته على تفسير سياسات النظام في الخارج، وجزء معتبر من سياساته في الداخل، خاصة في علاقته مع قوى الإسلام السياسي، فالرؤية المطروحة في حوار أديب تفسر موقف النظام ودول محور "الاعتدال" من قضايا إقليمية كبرى؛ على غرار موقف هذا المحور من إيران وتركيا وقطر والإسلام السياسي والربيع العربي، وفي حالة الأخير –الإسلام السياسي- والذي بالإضافة لكونه يهدد عروش هذه النظم، فهو من جهة أخرى الباب الذي تتمدد من خلاله –انقرة وطهران وتل أبيب- على حساب نظم الحكم القائمة منذ ما بعد جلاء الاستعمار الغربي عن المنطقة العربية.

لذلك يظل سيناريو المصالحة بين النظام المصري وجماعة الإخوان المسلمين أبعد ما يكون الواقع –وهو ما يبدو جلياً في خطاب عماد أديب الذي اعتبره البعض بشكل غير مبرر دعوة للمصالحة- فبالإضافة إلى ما سبق؛ فقد بنى النظام المصري (على وجه الخصوص) شرعيته على مطاردة الجماعة وإقصائها، ولأن النظام ومن ورائه القوى الإقليمية -ويمكن القول القوى العالمية الكبرى- يدرك جيداً أن القوى الإسلامية هي البديل الوحيد في حال سقطت نظم الحكم المحافظة القائمة (وريثة حقبة الاستعمار)، وأن تفكيك القوى الإسلامية وتفتيت تنظيماتها عبر استيعاب عناصرها واجتذابهم أو عبر مهاجمة تنظيماتها وإعلان الحرب عليها هي الضمانة الوحيدة للحيلولة دون تجدد الثورات العربية التي اندلعت موجاتها في 2011.

ملاحظات ختامية:

يدرك النظام المصري أن استعادة ملامح مرحلة ما قبل يناير 2011 لم يعد ممكناً، واستعادة النمط الحاكم حينها لعلاقة النظام بالقوى المعارضة وعلى رأسها جماعة الإخوان بات في عداد المستحيلات؛ فقد تغيرت السياقات كثيراً خلال السنوات السبعة الماضية، كما ان استعادة سمات ما قبل يناير 2011 قد يعيد تخليق العوامل والمتغيرات التي منحت الشارع قدرة على الخروج على النظام ومحاولة اسقاطه.

يعلم النظام (من جهة أخرى) أن الضرورة تحتم وجود كيانات وشخصيات ذات تأثير تملأ الفرغ بين الدولة والمواطن، وأن هندسة هذه الكيانات وانتاجها بما لا يهدد بقاء النظام واستقراره مسألة مصيرية، وأن تلكأ النظام في المساهمة في بناء هذه الكيانات وتلميع هذه الشخصيات ذوات التأثير؛ إما يدفع الوضع للإنفجار؛ (نتيجة غياب القنوات –الأحزاب والحركات والشخصيات العامة- التي ترفع للنظام مطالبات الشارع وتؤطر مواقفه وتوجهاته وسلوكياته السياسية وتعقلنها وتنمطها)، وإما يدفع باتجاه تخليق هذه الكيانات والقوى والشخصيات في غيبة النظام، وبالتالي تقع خارج سيطرته وقد تخلق له مشكلات مستقبلية وقد تقود للخروج عليه والحيلولة دون استمراره، وعي النظام بهذه التحديات لعلها تدفعه إلى محاولة فتح قنوات اتصال مع جماعة الإخوان (أو مع عناصرها بشكل شخصي) من أجل جذبها إلي مربع قريب من دور حزب النور؛ بغرض السماح لها بنشاط محدود في المجال العام؛ للاستفادة من وجودها في ملأ المسافة بين الدولة والمواطن؛ بشرط الاتفاق على سقف محدد لهذا الحضور لا تتجاوزه هذه القوى، ودون أن تهدد بقاء النظام أو تتمرد على سيادته أو الخطوط العامة والقيم الكلية والمصالح الكبرى لسياساته.

بقى أن نشير إلى نقطتين:

النقطة الأولى: في دراسة للرئيس السيسي في 2006، ذكر فيها أن مصر تتنازعها قوتان، قوى جذب محافظة، وقوى طرد وتفكيك. الأولى تشير للمؤسسة العسكرية، في حين تشير الثانية لجماعة الإخوان المسلمين. اما الاحزاب –فقد رأى السيسي-  أنها لم تعد ذات تأثير بعد ثورة 1952[4]. في ضوء هذه القناعة لدى السيسي عن حقيقة الوضع السياسي وجغرافيته في مصر يمكن أن نستكشف ملامح جديدة لرؤية النظام لمستقبل العلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين (الفرص التي تقدمها هذه العلاقة والتحديات التي تطرحها)، وهي تظهر من جهة أخرى محدد مهم في محددات علاقة "العساكر" بالجماعة ورؤيتهم لها، وهي تجيب على تساؤلات: لما لم تنتحي المؤسسة العسكرية وتتخلى عن صدارة المشهد عقب عزل الرئيس مرسي مانحة الفرصة للقوى المدنية للتنافس على منصب الرئيس تحت رعاية الجيش، ودون  مشاركة مباشرة من رموزه وقادته؟ ولم قبلت المؤسسة العسكرية بنتائج انتخابات الرئاسة في 2012، التي آتت بمرشح جماعة الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم، ولم تضغط على السلطة القضائية لدفعها لإعلان فوز شفيق؟ التساؤلين إجابتهم واحدة، وهي أن المؤسسة العسكرية –ليس فقط السيسي- يعتقدان أن المشهد السياسي المصري يتنازعه (العسكر والإخوان)؛ وبالتالي في حالة السؤال الأول: فإن انسحاب الجيش من المشهد إما يعني عودة الإخوان، أو يعني وقوع فوضى تعجز القوى المدنية عن معالجتها. في حالة السؤال الثاني: أدركت المؤسسة العسكرية أن إعلان النتيجة لصالح شفيق رئيس وزراء مبارك الأخير؛ كان يعني توحد قوى يناير 2011، خلف تنظيم الإخوان ضد الدولة العميقة ومؤسساتها بما فيها العسكرية، وهو ما يمنح الجماعة شرعية ثورية ومباركة الرأي العام وإمكانيات كبيرة للحركة والفاعلية يمكنها من إعادة تشكيل المشهد السياسي برمته في البلاد واستكمال المسار الثوري، هو السيناريو لذي ما كانت لتسمح به قوى الدولة وأجهزتها.

النقطة الثانية: هل يصبح "أديب" عراب السيسي وصحفيه الخاص والمثقف المنافح عن نظامه على غرار علاقة عبدالناصر بـ "هيكل" –خاصة أن السيسي بدا في أكثر من موقف مفتون بتجربة ناصر- أعرف أنه تسأل لا يوجد ما يدعمه، لكن ما أثار -لدى الباحث- الاستفهام الطريقة التي قُدم بها "أديب" في برنامج أحمد موسى والتي بدت تلميعاً للرجل أكثر من مجرد تقديمه كالمعتاد كضيف للحلقة كغيره من ضيوف البرنامج.



[1] عمرو أديب في حواره مع أحمد موسى في برنامج على مسئوليتي، بتاريخ 4 أبريل 2018، الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=9G03ni94KpA

[2] عمرو أديب في حواره مع أحمد موسى في برنامج على مسئوليتي، بتاريخ 4 مارس 2018، الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=dHPKGvy28kI&t=1s

[3] الحوار جاء في سياق تسويق السيسي قبيل انتخابات الرئاسة في إطار الدعاية للمشاركة في انتخابات الرئاسة 2018.

[4] أحمد أبو حسين، قراءة لمقال عبدالفتاح السيسي ٢٠٠٦: “الديمقراطية في الشرق الأوسط”، مدى مصر، أبريل/مايو 2015، الرابط: https://is.gd/yU4Ytx  https://is.gd/mBFuQw

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الدعوة لحراك 20 سبتمبر 2020 ..تقدير موقف

تتصاعد يوما بعد الاخر مظاهر الغضب الشعبي بمصر، على كافة الأصعدة والمستويات، سواء بين الجما…